في الصَّحيحينِ (^١): عن أبي سَعيدٍ الخُدْرِيِّ؛ قالَ: كانَ رسولُ اللهِ - ﷺ - يَعْتكِفُ في العشرِ الأوسطِ مِن رمضانَ، فاعْتكَفَ عامًا، حتَّى إذا كانَتْ ليلةُ إحدى وعشرينَ، وهيَ الليلةُ التي يَخْرُجُ في صبيحتِها من اعتكافه؛ قالَ: "مَن كانَ اعْتكَفَ معي؛ فلْيَعْتكِفِ العشرَ الأواخرَ، وقد أُرِيتُ هذهِ الليلةَ ثمَّ أُنسِيتُها، وقد رَأيْتُني أسْجُدُ في ماءٍ وطينٍ مِن صبيحتِها، فالْتَمِسوها في العشرِ الأواخرِ، والْتَمِسوها في كلِّ وترٍ". فمَطَرَتِ السَّماءُ تلكَ الليلةَ، وكانَ المسجدُ على عريشٍ، فوَكَفَ المسجدُ، فبَصُرَتْ عينايَ رسولَ اللهِ - ﷺ - وعلى جبهتِهِ أثرُ الماءِ والطِّينِ مِن صبحِ إحدى وعشرينَ.
• هذا الحديثُ يَدُلُّ على أن النَّبيَّ - ﷺ - كانَ يَعْتكِفُ العشرَ الأوسطَ مِن شهرِ رمضانَ؛ لابتغاءِ ليلةِ القدرِ فيهِ. وهذا السِّياقُ يَقْتَضي أن ذلكَ تَكَرَّرَ منهُ - ﷺ -.
وفي روايةٍ في الصَّحيحينِ (^٢) في هذا الحديثِ: أنَّهُ اعْتكَفَ العشرَ الأوَّلَ، ثمَّ اعْتكَفَ العشرَ الأوسطَ، ثمَّ قالَ: "إنِّي أُتِيتُ، فقيلَ لي: إنَّها في العشرِ الأواخرِ، فمَن أحَبَّ منكُم أنْ يَعْتكِفَ؛ فلْيَعْتكِفْ". فاعْتكَفَ النَّاسُ معَهُ.
وهذا يَدُلُّ على أن ذلكَ كانَ منهُ قبلَ أنْ يَتبَيَّنَ لهُ أنَّها في العشرِ الأواخرِ، ثمَّ لمَّا تَبَيَّنَ لهُ ذلكَ؛ اعْتَكَفَ العشرَ الأواخرَ حتَّى قَبَضَهُ اللهُ ﷿. كما رَواهُ عنهُ عائِشَةُ وأبو هُرَيْرَةَ وغيرُهُما (^٣).
• ورُوِيَ أن عُمَرَ جَمَعَ جماعةً مِن الصَّحابةِ، فسَألَهُم عن ليلةِ القدرِ، فقالَ
_________________
(١) البخاري (٣٢ - ليلة القدر، ٣ - تحرّي ليلة القدر، ٤/ ٢٥٩/ ٢٠١٨)، ومسلم (١٣ - الصيام، ٤٠ - فضل ليلة القدر، ٢/ ٨٢٤/ ١١٦٧).
(٢) البخاري (١٠ - الأذان، ١٣٥ - السجود على الأنف، ٢/ ٢٩٨/ ٨١٣)، ومسلم (الموضع السابق، ٢/ ٨٢٥/ ١١٦٧).
(٣) رواه: البخاري (٣٣ - الاعتكاف، ١ - اعتكاف العشر الأواخر، ٤/ ٢٧١/ ٢٠٢٥ و٢٠٢٦)، ومسلم (١٤ - الاعتكاف، ١ - اعتكاف العشر الأواخر، ٢/ ٨٣٠/ ١١٧١ و١١٧٢)؛ من حديث ابن عمر وعائشة. والبخاري (٣٣ - الاعتكاف، ١٧ - اعتكاف العشر الأوسط، ٤/ ٢٨٤/ ٢٠٤٤) من حديث أبي هريرة.
[ ٤٠٧ ]
بعضُهُم: كنَّا نَراها في العشرِ الأوسطِ، ثمَّ بَلَغَنا أنَّها في العشرِ الأواخرِ. وسَيَأْتي الحديثُ بتمامِهِ في موضعٍ آخرَ إن شاءَ اللهُ.
وخَرَّجَ ابنُ أبي عاصِمٍ في كتابِ "الصِّيام" وغيرِهِ مِن حديثِ: خالِدِ بن مَحْدوجٍ، عن أنَسٍ؛ أن النَّبي - ﷺ - قالَ: "الْتَمِسوها في أوَّلِ ليلةٍ، أو في تسعٍ، أو في أربعَ عشرةَ" (^١). وخالدٌ هذا فيهِ ضعفٌ.
وهذا يَدُلُّ على أنَّها تُطْلَبُ في ليلتينِ مِن العشرِ الأوَّلِ، وفي ليلةٍ مِن العشرِ الأوسطِ، وهيَ أربعَ عشرةَ (^٢). وقد سَبَقَ مِن حديثِ واثِلَةَ بن الأسْقَعِ مرفوعًا: "إنَّ الإنجيلَ أُنْزِلَ لثلاثَ عشرةَ مِن رمضانَ" (^٣).
وقد وَرَدَ الأمرُ بطلبِ ليلةِ القدرِ في النِّصفِ الأواخرِ مِن رمضانَ، وفي أفرادِ ما بَقِيَ مِن العشرِ الأوسطِ مِن هذا النِّصفِ، وهُما ليلتانِ: ليلةُ سبعَ عشرةَ، وليلةُ تسعَ عشرةَ.
أمَّا الأوَّلُ؛ فخَرَّجَهُ الطبَرانِيُّ مِن حديثِ: عَبْدِ اللهِ بن أُنَيسٍ؛ أنَّهُ سَألَ النَّبيَّ - ﷺ - عن ليلةِ القدرِ. فقالَ: "رَأيْتُها ونَسيتُها، فتَحَرَّها في النِّصفِ الأواخرِ". ثمَّ عادَ فسَألَهُ. فقالَ: "الْتَمِسْها في ليلةِ ثلاثٍ وعشرينَ تَمْضي مِن الشَّهرِ" (^٤).
_________________
(١) (موضوع). رواه: ابن أبي عاصم في "الصيام" (٤٠٨ - لطائف المعارف)، وابن عدي (٣/ ٨٨١) مختصرًا؛ من طريق خالد بن محدوج، عن أنس … رفعه. وخالد هذا متّهم متروك، وقصّر ابن رجب يرحمه الله فقال: "فيه ضعف"! وقد عدّ ابن عدي والذهبي والعسقلاني حديثه هذا في المنكرات.
(٢) وأيّ دلالة ترجى من حديث موضوع تفرّد به راو رُمي بالكذب؟! هذه أحاديث لا تذكر إلّا على سبيل التحذير والتعجيب!
(٣) (حسن شواهده). تقدّم تفصيل القول فيه (ص ٣٩٤). وليس فيه أدنى دليل على أنّ ليلة القدر تطلب ليلة ثلاث عشرة بله أربع عشرة!
(٤) (ضعيف جدًّا بهذا التمام). رواه: البخاري في "التاريخ" (٥/ ١٥)، والطحاوي في "المعاني" (٣/ ٨٨)، والطبراني في "الأوسط" (٦٥٦٤)؛ من طريق عبد العزيز بن بلال بن عبد الله بن أنيس، [عن أبيه بلال بن عبد الله، عن عطيّة بن عبد الله،، عن أبيه عبد الله بن أنيس … رفعه. وهذا سند واه: عبد العزيز وأبوه وعمّه مجاهيل لا يعرفون إلّا بهذا السند وهذا المتن، والحديث مشهور مرويّ عن ابن أنيس من طرق كثيرة لم يذكر في شيء منها هذه الزيادة، بل المحفوظ في هذا أنّ ابن أنيس جاء =
[ ٤٠٨ ]
ولهذا المعنى - واللهُ أعلمُ - كانَ أُبيُّ بنُ كَعْبٍ يَقْنُتُ في الوترِ في ليالي النِّصفِ الأواخرِ؛ لأنَّهُ يُرْجى فيهِ ليلةُ القدرِ.
وأيضًا؛ فكلُّ زمانٍ فاضلٍ مِن ليل أو نهارٍ؛ فإنَّ آخرَهُ أفضلُ مِن أوَّلِهِ (^١)، كيومِ عرفةَ ويومِ الجمعةِ. وكذلكَ الليلُ والنَّهارُ عمومًا آخرُهُ أفضلُ مِن أوَّلِهِ. ولذلكَ كانَتِ الصَّلاةُ الوسطى صلاةَ العصرِ، كما دَلَّتِ الأحاديثُ الصَّحيحةُ عليهِ، وآثارُ السَّلفِ [الـ]ــــكثيرةُ تَدُلُّ عليهِ. وكذلكَ عشرُ ذي الحجةِ والمحرَّمِ؛ آخرُهُما أفضلُ مِن أوَّلِهما.
وأمَّا الثَّاني؛ ففي "سنن أبي داورد" عن ابن مَسْعودٍ مرفوعًا: "اطْلُبوها ليلةَ سبعَ عشرةَ مِن رمضانَ، وليلةَ إحدى وعشرينَ، وليلةَ ثلاثٍ وعشرينَ". ثمَّ سَكَتَ (^٢). وفي روايةٍ: "ليلةَ تسعَ عشرةَ" (^٣). وقيلَ: إنَّ الصَّحيحَ وقفُهُ على ابن مَسْعودٍ، فقد صَحَّ عنهُ
_________________
(١) = النبيّ - ﷺ - ليلة اثنين أو ثلاث وعشرين يسأله؛ فكيف يقول له: "التمسها في النصف الأخير"؟!
(٢) في هذا التعميم نظر لا يخفى: فيوم النحر مثلًا أوّله أفضل من آخره لأنّه يتضمّن أكثر أعمال الحجّ والأضحية وصلاة العيد بالنسبة لغير الحاجّ. وكذلك صبيحة الفطر. وليلة القدر أفضل من ليلة الثلاثين من رمضان وإن كانت بعدها. ويوم النحر أفضل من أيّام منى وإن كانت بعده. والمحرّم شهر حرام يشرع الإكثار من الصيام فيه ومع ذلك فتاسعه وعاشره أفضل من آخره. والصلاة أوّل الوقت أفضل من الصلاة آخره … وغير ذلك ممّا يطول ذكره.
(٣) (صحيح موقوفًا ورفعه منكر). رواه أبو إسحاق الشيعي واختلف عليه فيه على وجهين: روى أوّلهما: أبو داوود (٢ - الصلاة، ٣٢١ - من روى أنّها ليلة سبع عشرة، ١/ ٤٤٠/ ١٣٨٤)، والبزّار (١٦٤٨)، والبيهقي (٤/ ٣١٠)، وابن عبد البرّ في "التمهيد" (٢/ ٢٠٦)؛ من طريق زيد بن أبي أنيسة، عنه، عن عبد الرحمن بن الأسود، عن أبيه، عن ابن مسعود … رفعه. وروى الثاني: سعيد بن منصور (٩٩٦)، وابن أبي شيبة (٨٦٨٠)، وابن جرير (٢/ ١٩)، والطبراني (٩/ ٢٢١/ ٩٠٧٤، ١٠/ ١٣٠/ ١٠٢٠٣)؛ من طريق شعبة وإسرائيل وأبي عوانة، عنه، عن [حجير التغلبي]، عن الأسود بن يزيد، عن ابن مسعود … وقفه. والمعروف هنا الوجه الثاني الموقوف لأمرين: أوّلهما: أنّ رواية شعبة وإسرائيل عن أبي إسحاق قويّة بخلاف رواية ابن أبي أنيسة فإنّها بعد اختلاطه. والثاني: أن أبا إسحاق توبع على وقفه فيما رواه: عبد الرزاق (٧٦٩٧)، وابن أبي شيبة (٨٦٧١)، والطبراني (٩/ ٣١٥/ ٩٥٧٩)، والبيهقي (٤/ ٣١٠)، وابن عبد البرّ (٢/ ٢٠٦) تعليقًا؛ من طريق الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود، عن ابن مسعود … وقفه. وهذا سند صحيح رجاله ثقات رجال الشيخين. ولذلك ضعّف الرفع المنذري والعسقلاني والألباني.
(٤) (صحيح موقوفًا ورفعه منكر). رواه أبو إسحاق السبيعي واختلف عليه فيه على وجهين: روى أوّلهما: ابن جرير (٢/ ١٩)، والطحاوي في "المعاني" (٣/ ٩٢)؛ من طريق إسرائيل، عنه، عن حجير التغلبي، عن الأسود، عن ابن مسعود … رفعه مرّة ووقفه أُخرى. وروى الثاني: ابن جرير (٢/ ١٩) من طريق =
[ ٤٠٩ ]
أنَّهُ قالَ: تَحَرَّوا ليلةَ القدرِ ليلةَ سبعَ عشرةَ صبَّاحةَ بدرٍ أو إحدى وعشرينَ. وفي روايةٍ عنهُ؛ قالَ: ليلةَ سبعَ عشرةَ فإنْ لم تَكُنْ ففي تسعَ عشر (^١).
وخَرَّجَ الطَّبَرانِيُّ مِن روايةِ أبي المُهَزِّمِ - وهوَ ضعيفٌ - عن أبي هُرَيْرَةَ مرفوعًا؛ قالَ: "الْتَمِسوا ليلةَ القدرِ في سبعَ عشرةَ أو تسعَ عشرةَ أو إحدى وعشرينَ أو ثلاثٍ وعشرينَ أو خمسٍ وعشرينَ أو سبعٍ وعشرينَ أو تسعٍ وعشرينَ" (^٢).
ففي هذا الحديثِ التماسُها في أفرادِ النِّصفِ الثَّاني كلِّها.
ويُرْوى مِن حديثِ عائِشَةَ؛ أن النَّبيَّ - ﷺ - كانَ إذا كانَ ليلةُ تسعَ عشرةَ مِن رمضانَ؛ شَدَّ المئزرَ وهَجَرَ الفراشَ حتَّى يُفْطِرَ (^٣). قالَ البُخارِيُّ: تَفَرَّدَ بهِ عُمَرُ بنُ مِسْكينٍ، ولا يُتابَعُ عليهِ.
• وقد رُوِيَ عن طائفةٍ مِن الصَّحابةِ أنَّها تُطْلَبُ ليلةَ سبعَ عشرةَ، وقالوا: إنَّ صبيحتَها كانَ يومُ بدرٍ. رُوِيَ عن عَلِي وابنِ مَسْعودٍ وزَيْدِ بن ثابِتٍ وزَيْدِ بن أرْقَمَ وعَمْرِو بن حُرَيْثٍ.
ومنهُم مَن رُوِيَ عنهُ أنَّها ليلةُ تسعَ عشرةَ. رُوِيَ عن عَلِيٍّ وابنِ مَسْعودٍ وزَيْدِ بن
_________________
(١) = شعبة عن أبي إسحاق عن حجير، وابن جرير (٢/ ١٩) من طريق عنبسة عن أبي إسحاق عن عبد الرحمن بن الأسود؛ كلاهما عن الأسود، عن ابن مسعود … وقفه. والمعروف هنا الوجه الثاني الموقوف لثلاثة أُمور: أوّلها: أنّ رواية شعبة عن أبي إسحاق أقوى من رواية إسرائيل. والثاني: أن عبسة تابعه على وقفه. والثالثة: أنّ أبا إسحاق توبع على روايته الموقوفة فيما رواه: الحاكم (٣/ ٢٠)، والبيهقي في "الدلائل" (٣/ ١٢٨)؛ من طريق الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود، عن ابن مسعود … موقوفًا. صحّحه الحاكم على شرطهما ووافقه الذهبي.
(٢) وقد صح عنه - ﵁ - كلا الوجهين، فكأنه يرحمه الله كان متردّدًا في يوم بدر.
(٣) (ضعيف جدًّا). رواه: الطبراني في "الأوسط" (١٣٠٦)، وأبو الشيخ في "الطبقات" (٣/ ٥٠٥)؛ من طريق أبي المهزّم يزيد بن سفيان، عن أبي هريرة … رفعه. قال الهيثمي (٣/ ١٧٩): "فيه أبو المهزّم وهو ضعيف". قلت: ساقط متروك، وحديثه شديد الضعف.
(٤) (ضعيف): رواه العقيلي في "الضعفاء" (٣/ ١٩١) من طريق عمر بن مسكين، عن نافع، عن ابن عمر، عن عائشة … رفعته. قال البخاري: "تفرّد به عمر بن مسكين ولا يتابع عليه". وأقرّه العقيلي وزاد: "وقد روي عن النبيّ - ﷺ - كان إذا دخل العشر الأواخر … بإسناد أصلح من هذا".
[ ٤١٠ ]
أَرْقَمَ.
والمشهورُ عندَ أهلِ السِّيرِ والمغازي أنَّ ليلةَ بدرٍ كانَتْ ليلةَ سبعَ عشرةَ وكانَتْ ليلةَ جمعةٍ. رُوِيَ ذلكَ عن عَلِيٍّ وابنِ عَبَّاسٍ وغيرِهِما. وعنِ ابن عَبَّاسٍ روايةٌ ضعيفةٌ أنَّها كانَتْ ليلةَ الاثنينِ.
وكانَ زَيْدُ بنُ ثابِتٍ لا يُحْيي ليلةً مِن رمضانَ كما يُحْيي ليلةَ سبعَ عشرةَ ويقولُ: إنَّ الله فَرَقَ في صبيحتِها بينَ الحقِّ والباطلِ وأذَلَّ في صبيحتِها أئمَّةَ الكفرِ.
وحَكى الإمامُ أحْمَدُ هذا القولَ عن أهلِ المدينةِ؛ أن ليلةَ القدرِ تُطْلَبُ ليلةَ سبعَ عشرةَ. قالَ في روايةِ أبي داوردَ فيمَن قالَ لامرأتِهِ: أنتِ طالقٌ ليلةَ القدرِ؛ قالَ: يَعْتَزِلُها إذا دَخَلَ العشرُ وقبلَ العشرِ، أهلُ المدينةِ يَرَوْنَها في السَّبعَ عشرةَ، إلَّا أن المثبتَ عن رسولِ اللهِ - ﷺ - في العشرِ الأواخر (^١).
وحُكِيَ عن عامِرِ بن عَبْدِ اللهِ بن الزُّبَيْرِ أنَّهُ كانَ يُواصِلُ ليلةَ سبعَ عشرةَ.
وعن أهلِ مَكَّةَ أنَّهُم كانوا لا يَنامونَ فيها ويَعْتَمِرونَ.
وحُكِيَ عن أبي يوسُفَ ومُحَمَّدٍ صاحبي أبي حَنيفَةَ أن ليلةَ القدرِ في النِّصفِ الأواخرِ مِن رمضانَ مِن غيرِ تعيينٍ لها بليلةٍ، وإنْ كانَتْ في نفسِ الأمرِ عندَ اللهِ معيَّنةً.
ورُوِيَ عن عَبْدِ الرَّحْمنِ بن الحارِثِ بن هِشامٍ (^٢)، قالَ: ليلةُ القدرِ ليلةُ سبعَ عشرةَ ليلةُ جمعةٍ. خَرَّجَهُ ابنُ أبي شَيْبَةَ. وظاهرُهُ أنَّها إنَّما تَكونُ ليلةَ القدرِ إذا كانَتْ ليلةَ جمعةٍ لِتُوافِقَ ليلةَ بدرٍ.
ورَوى أبو الشَّيخِ الأصْبَهانِيُّ بإسنادٍ جيِّدٍ عن الحَسَنِ؛ قالَ: إنَّ غلامًا لعُثْمانَ بن أبي العاصِ قالَ لهُ: يا سيِّدي! إنَّ البحرَ يَعْذُبُ في هذا الشَّهرِ في ليلةٍ. قالَ: فإذا كانَتْ تلكَ الليلةُ؛ فأعْلِمْني. قالَ: فلمَّا كانَتْ تلكَ الليلةُ؛ آذَنَهُ، فنَظَروا، فوَجَدوهُ عذبًا، فإذا هيَ ليلةُ سبعَ عشرةَ (^٣).
_________________
(١) وهذا يدلّ على أنّه لم يثبت عنده في أنّ ليلة القدر هي ليلة سبع عشرة شيء مرفوع.
(٢) في خ: "بن هاشم"! وهذا تحريف بيّن صوابه ما أثبتّه من م ون وط.
(٣) ظاهر سنده الانقطاع وظاهر متنه الغرابة!
[ ٤١١ ]
ورُوِيَ مِن حديثِ جابرٍ؛ قالَ: كانَ رسولُ اللهِ - ﷺ - يَأتي قُباءً صبيحةَ سبعَ عشرةَ مِن رمضانَ أيَّ يومٍ كانَ (^١). خَرَّجَهُ أبو موسى المَدِينِيُّ.
وقد قيلَ: إنَّ المعراجَ كانَ فيها أيضًا.
ذَكَرَ ابنُ سَعْدٍ: عن الواقِدِيِّ، عن أشياخِهِ؛ أن المعراجَ كانَ ليلةَ السَّبتِ لسبعَ عشرةَ خَلَتْ مِن رمضانَ قبلَ الهجرةِ إلى السَّماءِ، وأنَّ الإسراءَ كانَ ليلةَ سبعَ عشرةَ مِن ربيع الأوَّلِ قبلَ الهجرةِ بسنةٍ إلى بيتِ المقدسِ (^٢). [وهذا على قولِ مَن فَرَّقَ بينَ المعراجِ والإسراءِ، فجَعَلَ المعراجَ إلى السَّماءِ كما ذُكِرَ في سورةِ النَّجمِ والإسراءَ إلى بيتِ المقدسِ] خاصَّةً كما ذُكِرَ في سورةِ ﴿سُبْحَانَ﴾.
وقد قيلَ: إنَّ ابتداءَ نبوَّةِ النَّبيِّ - ﷺ - كانَ في سابعَ عشرةَ رمضانَ. قالَ أبو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بنُ عَلِيٍّ الباقِرُ: نَزَلَ جِبْريلُ على رسولِ اللهِ - ﷺ - ليلةَ السَّبتِ وليلةَ الأحدِ، ثمَّ ظَهَرَ لهُ بحِراءَ برسالةِ اللهِ ﷿ يومَ الاثنينِ لسبعَ عشرةَ خَلَتْ مِن رمضانَ (^٣).
• وأصَحُّ ما رُوِيَ من الحوادثِ في هذهِ الليلةِ أنَّها ليلةُ بدرٍ كما سَبَقَ أنَّها كانَتْ ليلةَ سبعَ عشرةَ. وقيلَ: تسعَ عشرةَ. والمشهورُ أنَّها كانَتْ ليلةَ سبعَ عشرةَ كما تَقَدَّمَ.
وصبيحتُها هوَ يومُ الفرقانِ، يومَ الْتَقى الجمعانِ.
وسُمِّيَ يومَ الفرقانِ؛ لأنَّ الله تَعالى فَرَقَ فيهِ بينَ الحقِّ والباطلِ، وأظْهَرَ الحقَّ وأهلَهُ على الباطلِ وحزبِهِ، وعَلَتْ كلمةُ اللهِ وتوحيدُهُ، وذَلَّ أعداؤُهُ مِن المشركينَ وأهلِ الكتابِ.
وكانَ ذلكَ في السَّنةِ الثانيةِ مِن الهجرةِ؛ فإنَّ النَّبيَّ - ﷺ - قَدِمَ المدينةَ في ربيعٍ الأوَّلِ في أوَّلِ سنةٍ مِن سني الهجرةِ، ولم يُفْرَضْ رمضانُ في ذلكَ العامِ، ثمَّ صامَ عاشوراءَ وفُرِضَ عليهِ رمضانُ في ثاني سنةٍ، فهوَ أوَّلُ رمضانٍ صامَهُ وصامَهُ المسلمونَ معَهُ. ثمَّ
_________________
(١) (لم أقف عليه). لكن الغالب تجربة واستقراءً في أمثال هذه النصوص التي ينفرد بروايتها المتأخّرون الضعف، وقد صدّرها ابن رجب بصيغة التضعيف. والله أعلم.
(٢) روايات الواقديّ ساقطة إذا صرّح بأسماء أشياخه وأسند، فكيف إذا أبهمهم وأرسل؟!
(٣) هذا معضل سندًا منكر متنًا! إن سلمت الطريق إلى أبي جعفر الباقر ﵀.
[ ٤١٢ ]
خَرَجَ النَّبيُّ - ﷺ - لطلبِ عيرٍ [لِـ]ـــقُرَيْشٍ قَدِمَتْ مِن الشَّامِ إلى المدينةِ في يومِ السَّبتِ لاثنتي عشرةَ ليلةً خَلَتْ مِن رمضانَ وأفْطَرَ - ﷺ - في خروجِهِ إليها.
قالَ ابنُ المُسَيَّبِ: قالَ عُمَرُ: غَزَوْنا معَ رسولِ اللهِ - ﷺ - غزوتينِ في رمضانَ يومَ بدرٍ ويومَ الفتحِ وأفْطَرْنا فيهِما (^١).
وكانَ سببُ خروجِهِ حاجةَ أصحابِهِ، خصوصًا المهاجرونَ، ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ [الحشر: ٨].
وكانَتْ هذهِ العيرُ فيها أموالٌ كثيرةٌ لأعدائِهِمُ الكفَّارِ الذينَ أخْرَجوهُم مِن ديارِهِم وأموالِهِم ظلمًا وعدوانًا، كما قالَ تَعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (٣٩) الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ﴾ [الحج: ٣٩، ٤٠]، فقَصَدَ النَّبيُّ - ﷺ - أنْ يَأخُذَ أموالَ هؤلاءِ الكفَّارِ الظَّالمينَ المعتدينَ على أولياءِ اللهِ وحزبِهِ وجندِهِ، فيَرُدَّها على أولياءِ اللهِ وحزبِهِ المظلومينَ المخرَجينَ مِن ديارِهِم وأموالِهِم لِيَتَقَوَّوا بها على عبادةِ اللهِ وطاعتِهِ وجهادِ أعدائِهِ. وهذا منَا أحَلَّهُ اللهُ لهذهِ الأمَّةِ؛ فإنَّهُ أحَلَّ لهُمُ الغنائمَ، ولم تَحِلَّ لأحدٍ قبلَهُم.
وكانَ عدَّةُ مَن معَهُ ثلاثَ مئةٍ وبضعةَ عشرَ، وكانوا على عدَّةِ أصحابِ طالوتَ الذينَ جازوا معَهُ النَّهرَ، وما جازَهُ معَهُ إلَّا مؤمنٌ (^٢).
_________________
(١) (حسن). يرويه عبد الله بن لهيعة واختلف عليه فيه على وجهين: روى الأوّل منهما: أحمد (١/ ٢٢)، والبزّار (٢٩٦)؛ من طريقين، عنه، ثنا بكير بن عبد الله، عن ابن المسيّب، عن عمر … به. وروى الثاني: ابن سعد (٢/ ٢١)، وأحمد (١/ ٢٢)، والترمذي (٦ - الصوم، ٢٠ - الرخصة للمحارب في الإفطار، ٣/ ٩٣/ ٧١٤)، والفريابي في "الصيام" (٩١)؛ من طريق قتيبة بن سعيد وحسن بن موسى، عنه، ثنا يزيد بن أبي حبيب، عن معمر بن أبي حييّة، عن ابن المسيّب، عن عمر … به. والراجح هنا الوجه الثاني؛ لأنّ رواية قتيبة عن ابن لهيعة جيّدة. وبقيّة السند ثقات. وابن المسيّب سمع من عمر. فالسند لا بأس به. وقد جاء إفطار الصحابة في إحدى الغزوات عند البخاري (١٩٤٥)، وإفطاره - ﷺ - مع أصحابه في غزوة الفتح عند مسلم (١١٢٠). واتّفق أهل السير على أنّ غزوة بدر كانت في رمضان، لكن لم أقف على ذكر الإفطار فيها إلّا من وجه واه عند ابن سعد (٢/ ٢١).
(٢) رواه البخاري (٦٤ - المغازي، ٦ - عدّة أصحاب بدر، ٧/ ٢٩٠/ ٣٩٥٧ - ٣٩٥٩) من حديث =
[ ٤١٣ ]
وفي "سنن أبي داورد" مِن حديثِ عَبْدِ اللهِ بن عَمْرٍو؛ قالَ: خَرَجَ رسول اللهِ - ﷺ - يومَ بَدْرٍ في ثلاثِ مئةٍ وخمسةَ عشرَ مِن المقاتلةِ كما خَرَجَ طالوتُ، فدَعا لهُم رسولُ اللهِ - ﷺ - حينَ خَرَجوا فقال: "اللهمَّ! إنَّهُم حفاةٌ فاحْمِلْهُم، وإنَّهُم عراةٌ فأكْسُهُم، وإنَّهُم جياعٌ فأشْبِعْهُمْ". ففَتَحَ اللهُ يومَ بدرٍ، فانْقَلَبوا حينَ انْقَلَبوا وما فيهِم رجلٌ إلَّا وقد رَجَعَ بجملٍ أو جملينِ واكْتَسَوا وشَبِعوا (^١).
وكانَ أصحابُ النَّبيِّ - ﷺ - حينَ خَرَجوا على غايةٍ مِن قلَّةِ الظَّهرِ والزَّادِ؛ فإنَّهُم لم يَخْرُجوا مستعدِّينَ لحرب ولا لقتالٍ، وإنَّما خَرَجوا لطلبِ العيرِ، وكانَ معَهُم نحوُ سبعينَ بعيرًا يَعْتَقِبونَها بينَهُم، كلُّ ثلاثةٍ على بعيرٍ، وكانَ للنَّبيِّ - ﷺ - زميلانِ، وكانوا يَعْتَقِبونَ على بعيرٍ واحدٍ، فكانَ زميلاهُ يَقولانِ لهُ: يا رسول اللهِ! ارْكَبْ حتَّى نَمْشِيَ عنكَ، فيَقولُ: "ما أنتُما بأقوى على المشيِ منِّي ولا أنا [بـ]ــــأغنى عن الأجرِ منكُما" (^٢). ولم يَكُنْ معَهُم إلَّا فرسانِ، وقيلَ ثلاثةٌ، وقيلَ فرسٌ واحدٌ للمِقدادِ.
وبَلَغَ المشركينَ خروجُ النَّبيِّ - ﷺ - لطلبِ العيرِ، فأخَذَ أبو سُفْيانَ بالعيرِ نحوَ السَّاحلِ، وبَعَثَ إلى أهلِ مَكَّةَ يُخْبِرُهُمُ الخبرَ ويَطْلُبُ منهُم أنْ يَنْفِروا لحمايةِ عيرِهِم، فخَرَجوا مستصرخينَ، وخَرَجَ أشرافُهُم ورؤساؤُهُم وساروا نحوَ بدرٍ.
_________________
(١) = البراء. ووقع في خ: "وما جاوزه"، وما أثبته من م ون وط أولى بالسياق.
(٢) (لا بأس به). رواه: ابن سعد في "الطبقات" (٢/ ٢٠)، وأبو داورد (٩ - الجهاد، ١٥٥ - نفل السريّة، ٢/ ٨٨/ ٢٧٤٧)، والحاكم (٢/ ١٣٢ و١٤٥)، والبيهقي (٦/ ٣٠٥، ٩/ ٥٧)؛ من طريق حييّ بن عبد الله، عن أبي عبد الرحمن الحبلي، عن ابن عمرو … رفعه. قال الحاكم: "على شرط الشيخين"، ووافقه الذهبي، مع أنّهما لم يخرّجا لحييّ، وفي حديثه نوع لين، لكن لا بأس به في الرقائق والمغازي، ولا سيّما أنّه يشهد لأوّله ما قبله، ويشهد لآخره الأحاديث الصحيحة الكثيرة في مبالغته - ﷺ - في الدعاء والابتهال لأصحابه يوم بدر، وقد حسّنه العسقلاني والألباني.
(٣) (حسن). رواه: الطيالسي (٣٥٤)، وابن سعد (٢/ ٢١)، وأحمد (١/ ٤١١ و٤١٨ و٤٢٢ و٤٢٤)، والبزّار (١٧٥٩ - كشف)، والنسائي في "الكبرى" (٨٨٠٧)، وأبو يعلى (٥٣٥٩)، والشاشي (٦٣٩)، وابن حبّان (٤٧٣٣)، والحاكم (٢/ ٩١، ٣/ ٢٠)، وأبو نعيم في "الحلية" (٦/ ٢٥٤)، والبيهقي (٥/ ٢٥٨)، والبغوي في "السنّة" (٢٦٨٦)؛ من طريق حمّاد بن سلمة، عن عاصم، عن زرّ، عن ابن مسعود … رفعه. قال البزّار: "لا نعلم رواه عن عاصم عن زرّ عن عبد الله إلّا حمّاد". وصحّحه الحاكم والذهبي. وقال الهيثمي في "المجمع" (٦/ ٧٢): "فيه عاصم بن بهدلة، وحديثه حسن، وبقيّة رجال أحمد رجال الصحيح".
[ ٤١٤ ]
واسْتَشارَ النَّبيُّ - ﷺ - المسلمينَ في القتالِ، فتكلَّمَ المهاجرونَ فسَكَتَ عنهُم، وإنَّما كانَ قصدُهُ - ﷺ - الأنصارَ؛ لأنَّهُ ظَنَّ أنَّهُم لمْ يُبايِعوه إلَّا على نصرتِهِ على مَن قَصَدَهُ في ديارِهِم، فقامَ سَعْدُ بنُ عُبادَةَ فقالَ: إيَّانا تُريدُ (يَعْني: الأنصارَ)؟ والذي نفسي بيده؛ لو أمَرْتَنا أنْ نُخِيضَها البحرَ؛ لأخَضْناها، ولو أمَرْتَنا أنْ نَضْرِبَ أكبادَها إلى بَرْكِ الغِمادِ؛ لَفَعَلْنا (^١). وقالَ لهُ المِقدادُ: لا نَقولُ لكَ كما قالَ بنو إسْرائيلَ لموسى: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ [المائدة: ٢٤]، ولكنْ نُقاتِلُ معكَ عن يَمينِكَ وشمالِكَ وبينَ يديكَ ومِن خلفِكَ، فسُرَّ النَّبيُّ - ﷺ - بذلكَ (^٢) وأجْمَعَ على القتالِ وباتَ تلكَ الليلةَ ليلةَ الجمعةِ سابعَ عشرَ رمضانَ قائمًا يُصَلِّي ويَبْكي ويَدْعو الله ويَسْتَنْصِرُهُ على أعدائِهِ.
وفي "المسند": عن عَلِيِّ [بن أبي طالِبٍ]؛ قالَ: لقد رَأيْتُنا وما فينا إلَّا نائمٌ؛ إلَّا رسولَ اللهِ - ﷺ - تحتَ شجرةٍ يُصَلِّي ويَبْكي حتَّى أصْبَحَ (^٣).
وفيهِ عنهُ أيضًا؛ قالَ: أصابَنا طشٌّ مِن مطرٍ (يَعْني: ليلةَ بدرٍ)، فانْطَلَقْنا تحتَ الشَّجرِ والحَجَفِ نَسْتَظِلُّ بها مِن المطرِ، وباتَ رسولُ اللهِ - ﷺ - يَدْعو ربَّهُ ويَقولُ: "إنْ تَهْلِكْ هذهِ الفئةُ لا تُعْبَدْ". فلمَّا أنْ طَلَعَ الفجرُ؛ نادى: الصَّلاةَ عبادَ اللهِ! فجاءَ النَّاسُ مِن تحتِ الشَّجرِ والحجفِ، فصَلَّى بنا رسولُ اللهِ - ﷺ - وحَثَّ على القتالِ (^٤).
_________________
(١) رواه مسلم (٣٢ - الجهاد والسير، ٣٠ - غزوة بدر، ٣/ ١٤٠٣/ ١٧٧٩) من حديث أنس. لكن رجّح العسقلاني في "الفتح" (٧/ ٢٨٨) أنّ صاحب هذه المقالة هو سعد بن معاذ لا سعد بن عبادة.
(٢) رواه البخاري (٦٤ - المغازي، ٤ - إذ تستغيثون ربكم، ٧/ ٢٨٧/ ٣٩٥٢) من حديث ابن مسعود.
(٣) (صحيح). رواه: أحمد (١/ ١٢٥ و١٣٨)، وابن نصر في "تعظيم الصلاة" (٢٧٢)، والنسائي في "الكبرى" (١٠٠٦١)، وأبو يعلى (٢٨٠)، وابن خزيمة (٨٩٩)، والطبري في "التاريخ" (٢/ ٢٣)، وابن حبّان (٢٢٥٧)، وأبو نعيم في "الحلية" (٩/ ٢٥)؛ من طريق الثوريّ تارة وشعبة تارة، عن أبي إسحاق، عن حارثة بن مضرب، عن عليّ … رفعه. وهذا سند صحيح رجاله ثقات، ورواية الثوري عن أبي إسحاق أمان من التخليط والتدليس وكذلك رواية شعبة، وقد صحح هذا الحديث ابن خزيمة وابن حبّان والمنذري والألباني.
(٤) (صحيح). رواه: ابن أبي شيبة (٣٦٦٦٨)، وأحمد (١/ ١١٧)، والبزّار (٧١٩)، وابن جرير (١٥٧٧٧) وفي "التاريخ" (٢/ ٢٢)؛ من طريق إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن حارثة بن مضرب، عن علي … رفعه. قال الهيثمي (٦/ ٧٩): "رجال أحمد رجال الصحيح غير حارثة بن مضرب وهو ثقة". قلت: رواية إسرائيل عن أبي إسحاق جيّدة احتجّ بها ابن مهدي والبخاري وغيرهما.
[ ٤١٥ ]
وأمَدَّ اللهُ تَعالى نبيَّهُ والمؤمنينَ بنصرٍ مِن عندِهِ وبجندٍ مِن جندِهِ، كما قالَ تَعالى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ (٩) وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [الأنفال: ٩، ١٠].
وفي "صحيح البُخارِيِّ" (^١) أن جِبْريلَ قالَ للنَّبيِّ - ﷺ -: ما تَعُدُّونَ أهلَ بدرٍ فيكُم؟ قالَ: "مِن أفضلِ المسلمينَ (أو كلمةً نحوَها) ". قالَ: وكذلكَ مَن شَهِدَ بدرًا مِن الملائكةِ.
وقالَ اللهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ﴾ [آل عمران: ١٢٣]. وقالَ: ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [الأنفال: ١٧].
ورُوِيَ أن النَّبيَّ - ﷺ - لمَّا رَآهُم؛ قالَ: "اللهمَّ! إنَّ هؤلاءِ قُرَيْشٌ قد جاءَتْ بخُيَلائِها يُكَذِّبونَ رسولَك، فأنْجِزْ لي ما وَعَدْتَني" (^٢). فأتاهُ جبريلُ فقالَ: خُذْ قبضةً مِن ترابٍ فأرْمِهِم بها. فأخَذَ قبضةً مِن حصباءِ الوادي فرَمى بها نحوَهُم وقالَ: "شاهَتِ الوجوهُ". فلم يَبْقَ مشركٌ إلَّا دَخَلَ في عينِيهِ ومَنْخِرِهِ وفمِهِ شيءٌ، ثمَّ كانَتِ الهزيمةُ (^٣).
_________________
(١) (٦٤ - المغازي، ١١ - شهود الملائكة بدرًا، ٧/ ٣١١/ ٣٩٩٢ - ٣٩٩٤) من حديث رافع الزرقي.
(٢) (لا بأس به). ذكره ابن إسحاق في "السيرة" (٢/ ٢٦٠ - ابن هشام) بغير سند. ورواه الطبري في "التفسير" (١٥٨٣٤) من طريق قويّة عن هشام بن عروة مرسلًا. ورواه الطبري في "التفسير" (١٦١٩٤) من طريق قويّة عن قتادة مرسلًا، وزاد السيوطي في "الدرّ" (الأنفال ٤٧) نسبته لابن أبي حاتم وابن المنذر وأبي الشيخ. ويشهد له بالجملة ما جاء في الصحيحين وما تقدّم آنفًا من دعائه - ﷺ - بنصر المؤمنين وهزيمة الكافرين. فاجتماع المرسلين المتقدّمين مع الشواهد الموصىولة المجملة يرجّح أنّ لهذا أصلًا، وقد تجوّز أكثر أهل العلم في قبول مثل هذه المرويّات في السير. والله أعلى وأعلم.
(٣) (حسن). رواه: ابن أبي حاتم في "التفسير" (٥/ ١٦٧٢/ ٨٩٠٦)، والطبراني (٣/ ٢٠٣/ ٣١٢٨)؛ من طريقين، عن يحيى بن عبّاد الشجري، ثنا موسى بن يعقوب الزمعي، عن عبد الله بن يزيد مولى الأسود بن سفيان، عن أبي بكر بن سليمان بن أبي حثمة، عن حكيم بن حزام … رفعه. قال الهيثمي (٦/ ٨٧): "إسناده حسن". قلت: بل ضعيف: الشجري وأبوه ضعيفان، والزمعيّ يخطئ. ورواه: الطبري (١٥٨٤٠ و١٦١٩٨)، وابن أبي حاتم (٥/ ١٦٧٣/ ٨٩٠٧)، والبيهقي في "الدلائل" (٣/ ٧٨)، من طريق علي بن أبي طلحة، عن ابن عبّاس … رفعه. وعليّ عن ابن عبّاس منقطع. ورواه دون كلام جبريل: الطبري (١٥٨٣٦) من وجه ضعيف عن محمد بن قيس وابن كعب القرظي مرسلًا. والطبري (١٥٨٣٩) وابن أبي حاتم (٥/ ١٦٧٣/ ٨٩٠٨) من وجه قويّ عن ابن زيد معضلًا.
[ ٤١٦ ]
وقالَ حَكيمُ بنُ حِزامٍ: سَمِعْنا يومَ بدرٍ صوتًا وَقَعَ مِن السَّماءِ كأنَّهُ صوتُ حصاةٍ على طستٍ، فرَمى رسولُ اللهِ - ﷺ - تلكَ الرَّميةَ، فانْهَزَمْنا (^١).
ولمَّا قَدِمَ الخبرُ على أهلِ مكَّةَ؛ قالوا لمَن أتاهُم بالخبرِ: كيفَ حالُ النَّاسِ؟ قالَ: لا شيءَ! واللهِ؛ إنْ كانَ إلَّا أنْ لَقِيْناهُم فمَنَحْناهُم أكتافَنا يَقْتُلونَنا ويَأْسِروننا كيفَ شاؤوا! وايْمُ اللهِ؛ معَ ذلكَ ما لُمْتُ النَّاسَ، لَقِينا رجالًا على خيلٍ بلقٍ بينَ السَّماءِ والأرضِ ما يَقومُ لها شيءٌ.
وقتَلَ اللهُ صناديدَ كفَّارِ قريشٍ يومئذٍ، منهُم عُتْبَةُ بنُ رَبيعَةَ وشَيْبَةُ والوَليدُ بنُ عُتْبَةَ وأبو جَهْلٍ وغيرُهُم، وأسَروا منهُم سبعينَ.
وقصَّةُ بدرٍ يَطولُ استقصاؤُها، وهيَ مشهورةٌ في التفسيرِ وكتبِ الصِّحاحِ والسُّننِ والمسانيدِ والمغازي والتَّواريخِ وغيرِها. وإنَّما المقصودُ [ها] هُنا التَّشبيهُ على بعضِ مقاصدِها.
وكانَ عدوُّ اللهِ إبْليسُ قد جاءَ إلى المشركينَ في صورةِ سُراقَةَ بن مالكٍ، وكانَتْ يدُهُ في يدِ الحارثِ بن هشامٍ، وجَعَلَ يُشَجِّعُهُم ويَعِدُهُم ويُمَنِّيهِم، فلمَّا رَأى الملائكةَ؛ هَرَبَ وألْقى نفسَهُ في البحرِ (^٢).
_________________
(١) = وجاء رميه - ﷺ - قبضة من التراب يوم بدر عند: الطبراني (٤/ ١٧٤/ ٤٠٥٦) من حديث أبي أيوّب بسند ضعيف وإن حسّنه الهيثمي. و"الأوسط" (٥٤٩٨) من حديث ابن عبّاس بسند واه. و"الأوسط" (٩١١٧) من حديث أبي هريرة بسند ساقط. والطبري في "التفسير" (١٥٨٣٠ - ١٥٨٤١) مرسلًا عن جماعة من التابعين. والمتن المذكور حسن إن شاء الله باجتماع حديثي حكيم وابن عبّاس، ويزداد قوّة بالأوجه المختصرة والمجملة، وإلى تقويته مال ابن كثير والهيثمي.
(٢) (حسن لشواهده). رواه: الواقدي في "المغازي" (١/ ٩٥)، والطبري في "التفسير" (١٥٨٣٥)، وابن أبي حاتم (٥/ ١٦٧٢/ ٨٩٠٦)، والطبراني في "الكبير" (٣/ ٢٠٣/ ٣١٢٧) و"الأوسط" (٩٠٩٣)، وابن مردويه (الأنفال ١٧ - الدرّ المنثور)؛ من طرق، عن موسى بن يعقوب الزمعي، عن يزيد بن عبد الله، عن أبي بكر بن سليمان بن أبي حثمة، عن حكيم … رفعه. قال الهيثمي (٦/ ٨٧): "إسناده حسن". قلت: موسى يخطئ، ويزيد بن عبد الله هو ابن وهب عمّ موسى فيه جهالة. وله شاهد من حديث جابر بن عبد الله عند أبي الشيخ وابن مردويه فيما ذكره السيوطي في "الدرّ"، فأرجو أنّه حسن به فإن ضعفه يسير.
(٣) جاء هذا مسندًا ومرسلًا من أوجه يقوّي بعضها بعضًا. وانظر "الدر المنثور" (الأنفال ٤٨).
[ ٤١٧ ]
وقد أخْبَرَ اللهُ عن ذلكَ بقولهِ تَعالى: ﴿وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الأنفال: ٤٨].
• وفي "الموطَّإ" حديث مرسلٌ: عن النَّبيِّ - ﷺ -؛ قالَ: "ما رُئِيَ الشَّيطانُ أحقرَ ولا أدحرَ ولا أصغرَ مِن يومِ عَرَفَةَ؛ إلَّا ما رَأى يومَ بدرٍ". قيلَ: وما رَأى يومَ بدرٍ؟ قالَ: "رَأى جِبْريلَ يَزَعُ الملائكةَ" (^١).
فإبليسُ عدوُّ اللهِ يَسْعى جهدَهُ في إطفاءِ نورِ اللهِ وتوحيدِهِ، ويُغْري بذلكَ أولياءَهُ مِن الكفَّارِ والمنافقينَ. فلمَّا عَجَزَ عن ذلكَ بنصرِ اللهِ نبيَّهُ وإظهارِ دينِهِ على الدِّينِ كلِّهِ؛ رَضِيَ بإلقاءِ الفتنِ بينَ المسلمينَ واجْتَزى منهُم بمحقَّراتِ الذُّنوبِ حيثُ عَجَزَ عن ردِّهِم عن دينِهِم، كما قالَ النَّبيُّ - ﷺ -: "إن الشَّيطانَ قد أيِسَ أنْ يَعْبُدَهُ المصلُّونَ في جزيرةِ العربِ، ولكنْ في التَّحريشِ بينَهُم". خَرَّجَهُ مسلمٌ (^٢) مِن حديثِ جابِرٍ.
وخَرَّجَ الإمامُ أحْمَدُ والنَّسائيُّ والتِّرْمِذِيُّ وابنُ ماجَهْ من حديثِ عمرِو بن الأحْوَصِ؛ قالَ: سَمِعْتُ النَّبيَّ - ﷺ - تقولُ في حجَّةِ الوداعِ: "ألا إنَّ الشَّيطانَ قد أيِسَ أنْ يُعْبَدَ في بلدِكُم هذا [أبدًا]، ولكن سَتكونُ لهُ طاعةٌ في بعضِ ما تَحْتَقِرونَ مِن أعمالِكُم، فيَرْضى بها" (^٣).
_________________
(١) (ضعيف). رواه: مالك في "الموطّأ" (١/ ٤٢٢)، وعبد الرزّاق (٨١٢٥ و٨٨٣٢)، والفاكهي في "تاريخ مكّة" (٢٧٦٢)، والطبري (١٦٢٠٤)، والبيهقي في "شعب الإيمان" (٤٠٦٩)؛ كلّهم عن مالك، عن إبراهيم بن أبي عبلة، عن طلحة بن عبيد الله بن كريز … مرسلًا. وهذا سند قويّ، ولكنّه مرسل. وقد رواه جماعة من الضعفاء عن إبراهيم فوصلوه عند: ابن قانع في "الصحابة" (٢/ ١٠٧)، والبيهقي في "الشعب" (٤٠٧٠)، وابن عبد البرّ في "التمهيد" (١/ ١١٥). قال ابن عبد البرّ في هذه الروايات الموصىولة: "ليس بشيء". قلت: الإرسال هو المعروف هنا، والوصل منكر.
(٢) (٥٠ - المنافقين، ١٦ - تحريش الشيطان، ٤/ ٢١٦٦/ ٢٨١٢).
(٣) (حسن صحيح). قطعة من حديث طويل في خطبة النبيّ - ﷺ - في حجّة الوداع رواه: ابن أبي شيبة (٣٧١٥١)، وأحمد (٣/ ٤٢٦ و٤٩٨)، والبخاري في "التاريخ" (٦/ ٣٠٥)، والفاكهي في "مكّة" (١٨٩٦)، وابن ماجه (٩ - النكاح، ٣ - حقّ المرأة، ١/ ٥٩٤/ ١٨٥١ و٢٦٦٩ و٣٠٥٥)، وأبو داورد (١٧ - البيوع، ٥ - وضع الربا، ٢/ ٢٦٤/ ٣٣٣٤)، والترمذي (١٠ - الرضاع، ١١ - حقّ المرأة، ٣/ ٤٦٧/ ١١٦٣ و٢١٥٩ و٣٠٨٧)، والنسائي في "الكبرى" (٤١٠٠ و٩١٦٩ و١١٢١٣)، وابن أبي حاتم (البقرة ٢٧٨ - ابن كثير)، وابن=
[ ٤١٨ ]
وفي "صحيحِ الحاكم" (^١): عن ابن عَبَّاسٍ؛ أن النَّبيَّ - ﷺ - خَطَبَ في حجَّةِ الوداعِ، فقالَ: "إنَّ الشَّيطان قد أيِسَ أنْ يُعْبَدَ بأرضِكُم، ولكنَّهُ يَرْضى أنْ يُطاعَ فيما سوى ذلكَ فيما تَحاقَرونَ مِن أعمالِكُم، فأحْذَروا. يا أيُّها النَّاسُ! إنِّي [قد] تَرَكْتُ فيكُم ما إنِ اعْتَصَمْتُمْ بهِ فلَن تَضِلُّوا أبدًا؛ كتابَ اللهِ وسنَّةَ نبيِّهِ - ﷺ - " (^٢).
ولم يَعْظُمْ على إبليسَ شيءٌ أكثرُ مِن بعثةِ مُحَمَّدٍ - ﷺ - وانتشارِ دعوتِهِ في مشارقِ الأرضِ ومغاربِها؛ فإنَّهُ أيِسَ أنْ تَعودَ أُمَّتُهُ كلُّهُم إلى الشِّركِ الأكبرِ.
قالَ سَعيدُ بنُ جُبَيْرٍ: لمَّا رَأى إبْليسُ النَّبيَّ - ﷺ - قائمًا بمكَّةَ يُصَلِّي رَنَّ. ولمَّا افْتَتَحَ النَّبيُّ - ﷺ - مكَّةَ رَنَّ رنَّةً أُخرى؛ اجْتَمَعَتْ إليهِ ذرِّيَّتُهُ، فقالَ: ائيَسوا أنْ تَرُدُّوا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ إلى الشِّركِ بعدَ يومِكُم هذا، ولكنِ افْتِنوهُم في دينِهِم، وأفْشُوا فيهِمُ النَّوحَ والشَّعرَ (^٣). خَرَّجَهُ ابنُ أبي الدُّنيا.
وخَرَّجَ الطَّبَرانِيُّ بإسنادِهِ عن: مُجاهِدٍ، عن أبي هُرَيْرَةَ؛ قالَ: إنَّ إبليسَ رَنَّ لمَّا
_________________
(١) = قانع في "المعجم" (٢/ ٢٠٤)، والطبراني (١٧/ ٣١/ ٥٨ و٥٩)، وابن مردويه (البقرة ٢٧٨ - ابن كثير)، والبيهقي (٥/ ٢٧٥، ٨/ ٢٧)، والمزّي في "التهذيب" (٢١/ ٥٣٩)؛ من طريق شبيب بن غرقدة، عن سليمان بن عمرو بن الأحوص، عن أبيه … رفعه مطوّلًا ومختصرًا. قال الترمذي: "حسن صحيح"، وأقرّه المنذري. قلت: سليمان تابعيّ روى عنه ثقتان ووثّقه ابن حبّان والذهبي وقبله العسقلاني، فمثله قد يحسّن حديثه، وأمّا تصحيحه فبعيد. نعم؛ هو صحيح بشواهده الكثيرة الصحيحة في خطبة النبيّ - ﷺ -، وهذه القطعة على الخصوص صحيحة بما قبلها وبعدها. وقد حسّنه الألباني.
(٢) تقدّم (ص ١٥٩) الكلام في وصف "مستدرك الحاكم" بـ "الصحيح"!
(٣) (حسن صحيح). رواه: الحاكم (١/ ٩٣)، والبيهقي في "الاعتقاد" (ص ٢٢٨)؛ من طريق إسماعيل بن أبي أُويس، عن أبيه، عن ثور بن يزيد الديلي، عن عكرمة، عن ابن عبّاس … رفعه. قال الحاكم: "احتجّ البخاري بأحاديث عكرمة، واحتجّ مسلم بأبي أُويس، وسائر رواته متّفق عليهم"، وأقرّه المنذري والذهبي. قلت: لكنّهم تكلّموا في حفظ أبي أُويس وأبنه بما لا ينحطّ بهما عن درجة الحسن، فالسند كذلك، ثمّ هو صحيح بشواهده المتقدّمة، والقطعة الأخيرة منه من مرويّات الصحيحين.
(٤) (ضعيف). رواه: الطبراني (١٢/ ٩/ ١٢٣١٨)، وأبو نعيم في "الحلية" (٩/ ٦٢)، والضياء في "المختارة" (١٠/ ١٠٥/ ١٠١ و١٠٢)؛ من طريق قويّة، عن يعقوب القمّي، عن جعفر بن أبي المغيرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عبّاس … موقوفًا. قال الهيثمي (٣/ ١٦): "رجاله موثّقون". قلت: فيه علّتان: أولاهما: أنّهم تكلّموا في القمّي وابن أبي المغيرة. والثانية: أنّهما خولفا فيما ذكره المصنّف من رواية ابن أبي الدنيا موقوفًا على ابن جبير، فإن كانت روايته أقوى؛ فهي أولى من روايتهما، ويكون لها حكم الإرسال لا الرفع، والإرسال فرع الضعف.
[ ٤١٩ ]
أُنزِلَتْ فاتحةُ الكتابِ، وأُنزِلَتْ بالمدينةِ (^١)
والمعروفُ هذا عن مجاهدٍ مِن قولِهِ؛ قالَ: رَنَّ إبليسُ أربعَ رنَّاتٍ: حينَ لُعِنَ، وحينَ أُهْبِطَ مِن الجنَّةِ، وحينَ بُعِثَ مُحَمَّدٌ - ﷺ -، وحينَ أُنزِلَتْ فاتحةُ الكتابِ، وأُنْزِلَتْ بالمدينةِ (^٢). خَرَّجَهُ وَكيعٌ وغيرُهُ.
وقالَ بعضُ التَّابعينَ: لمَّا نَزَلَتْ هذهِ الآيةُ: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ﴾ الآية [آل عمران: ١٣٥] بَكى إبْليسُ. يُشيرُ إلى شدَّةِ حزنهِ بنزولِها؛ لِما فيها مِن الفرحِ لأهلِ الذُّنوبِ.
فهوَ لا يَزالُ في همٍّ وغمٍّ وحزنٍ منذُ بُعِثَ النَّبيُّ - ﷺ -، لِما رَأى منهُ ومِن أُمَّتِهِ ما يُهِمُّهُ ويَغيظُهُ.
قالَ ثابِتٌ: لمَّا بُعِثَ النَّبيُّ - ﷺ -؛ قالَ إبليسُ لشياطينِهِ: لقد حَدَثَ أمرٌ فانْظُروا ما هوَ. فانْطَلَقوا. ثمَّ جاؤوهُ فقالوا: ما ندري. قالَ إبْليسُ: أنا آتيكُم بالخبرِ. فذَهَبَ وجاءَ؛ قالَ: [قد] بُعِثَ مُحَمَّدٌ - ﷺ -. فجَعَلَ يُرْسِلُ شياطينَهُ إلى أصحابِ النَّبيِّ - ﷺ -، فيَجيئونَ بصحفِهِم ليسَ فيها شيءٌ. فقالَ: ما لكُم لا تُصيبونَ منهم شيئًا؟ قالوا: ما صَحِبْنا قومًا قطُّ مثلَ هؤلاءِ؛ نُصيبُ منهُم ثمَّ تقومونَ إلى الصَّلاةِ، فيُمْحى ذلكَ. قالَ: رويدًا! إنَّهُم عسى أنْ يَفْتَحَ اللهُ لهُمُ الدُّنيا، هنالكَ تُصيبونَ حاجتكُم منهُم (^٣).
_________________
(١) (ضعيف). رواه: ابن أبي شيبة، وابن الأعرابي (الفاتحة - الدرّ)، والطبراني في "الأوسط" (٤٧٨٥)، والدارقطني في "العلل" (١٥٤٢)، وابن الضريس (الفاتحة - الدرّ)؛ من طريق أبي الأحوص، عن منصور، عن مجاهد، عن أبي هريرة … موقوفًا. قال الطبراني: "لم يرو هذا الحديث عن منصور إلّا أبو الأحوص". وقال الدارقطني: "يرويه منصور بن المعتمر واختلف عنه: فرواه أبو الأحوص عن منصور عن مجاهد عن أبي هريرة، وغيره يرويه عن منصور عن مجاهد من قوله. وهو الصواب". وعليه؛ فالموقوف على أبي هريرة شاذّ عنده. وقال ابن رجب: "والمعروف هذا عن مجاهد من قوله". وعليه؛ فالموقوف على أبي هريرة منكر عنده. وانظر ما بعده.
(٢) (موقوف صحيح). رواه: وكيع في "تفسيره"، وابن الأنباري في "المصاحف" (الفاتحة - الدرّ)، وأبو الشيخ في "العظمة" (١١٢٤)، وأبو نعيم في "الحلية" (٣/ ٢٩٩)؛ من طريق جرير بن عبد الحميد، عن منصور، عن مجاهد … موقوفًا. وسنده قويّ.
(٣) لم أقف عليه. على أنّه إن صحّ سنده إلى ثابت فما له حكم الإرسال.
[ ٤٢٠ ]
وعنِ الحَسَنِ؛ قالَ: قالَ إبْليسُ: سَوَّلْتُ لأُمَّةِ مُحَمَّدٍ المعاصيَ فقَطَعوا ظهري بالاستغفارِ، فسَوَّلْتُ لهُم ذنوبًا لا يَسْتَغْفِرونَ منها؛ يَعْني: الأهواءَ.
ولا يَزالُ إبْليسُ يَرى في مواسمِ المغفرةِ والعتقِ مِن النَّارِ ما يَسوؤُهُ؛ فيومَ عرفةَ لا يُرى أصغرَ ولا أحقرَ ولا أدحرَ فيهِ منهُ لِما يَرى مِن تنزلِ الرَّحمةِ وتجاوزِ اللهِ عن الذُّنوبِ العظامِ؛ إلَّا ما رُئِيَ يومَ بدرٍ.
ورُوِيَ أنَّهُ لمَّا رَأى نزولَ المغفرةِ للأُمَّةِ في حجَّةِ الوداعِ يومَ النَّحرِ بالمزدلفةِ؛ أهوى يَحْثي على رأْسِهِ التُّرابَ ويَدْعو بالويلِ والثُّبور. فتبَسَّمَ النَّبيُّ - ﷺ - ممَّا رَأى مِن جزعِ الخبيثِ (^١).
• وفي شهرِ رمضانَ يَلْطُفُ اللهُ بأُمَّةِ مُحَمَّدٍ - ﷺ -، فيَغِلُّ فيهِ الشَّياطينَ ومردةَ الجنِّ حتَّى لا يَقْدِروا على ما كانوا يَقْدِرونَ عليهِ في غيرِهِ مِن تسويلِ الذُّنوبِ، ولهذا تَقِلُّ المعاصي في شهرِ رمضانَ في الأُمَّةِ لذلكَ.
ففي الصَّحيحينِ (^٢): عن أبي هُرَيْرَةَ، عن النَّبيِّ - ﷺ -؛ قالَ: "إذا دَخَلَ رمضانُ؛ فُتِّحَتْ أبوابُ السَّماءِ، وغُلِّقَتْ أبوابُ جهنَّمَ، وسُلْسِلَتِ الشَّياطينُ".
ولمسلمٍ: "فُتِّحَتْ أبوابُ الرَّحمةِ".
ولهُ أيضًا: عن أبي هُرَيْرَةَ، عن النَّبيِّ - ﷺ -؛ قالَ: "إذا جاءَ رمضانُ؛ فتِّحَتْ أبوابُ الجنَّةِ، وغُلِّقَتْ أبوابُ النَّارِ، وصُفِّدَتِ الشَّياطينُ". وخَرَّجَ منهُ البُخارِيُّ ذكرَ فتحِ أبوابِ الجنَّةِ.
وللتِّرْمِذِيِّ وابنِ ماجَهْ: عنهُ، عن النَّبيِّ - ﷺ -؛ قالَ: "إذا كانَ أوَّلُ ليلةٍ مِن شهرِ رمضانَ؛ صُفِّدَتِ الشَّياطينُ ومردةُ الجنِّ، وغلِّقَتْ أبوابُ النَّارِ فلم يُفْتَحْ منها بابٌ، وفُتِحَتْ أبوابُ الجنَّةِ فلم يُغْلَقْ منها بابٌ، ويُنادي منادٍ: يا باغيَ الخيرِ! أقْبِلْ، ويا باغيَ الشَّرِّ! أقْصِرْ. وللهِ عُتقاءُ مِن النَّارِ، وذلكَ كل ليلةٍ" (^٣).
_________________
(١) (موضوع). قطعة من حديث تقدم تفصيل القول فيه (ص ١٦٢ - ١٦٤).
(٢) البخاري (٣٠ - الصوم، ٥ - هل يقال رمضان، ٤/ ١١٢/ ١٨٩٨ و١٨٩٩)، ومسلم (١٣ - الصيام، ١ - فضل شهر رمضان، ٢/ ٧٥٨/ ١٠٧٩). والألفاظ التالية للحديث نفسه في الموضع نفسه.
(٣) (صحيح). رواه: ابن ماجه (٧ - الصيام، ٢ - فضل رمضان، ١/ ٥٢٦/ ١٦٤٢)، والترمذي (٦ - الصوم، ١ - فضل رمضان، ٣/ ٦٦/ ٦٨٢)، وابن خزيمة (١٨٨٣)، وابن حبّان (٣٤٣٥)، والآجرّي في=
[ ٤٢١ ]
وفي روايةٍ للنَّسائِيِّ: "وتُغَلُّ فيهِ مردةُ الشَّياطينِ" (^١).
وللإمامِ أحْمَدَ: عن أبي هُرَيْرَةَ، عن النَّبيِّ - ﷺ -؛ قالَ: "أُعْطِيَتْ أُمَّتي في رمضانَ خمسَ خصالٍ لم تُعْطَهُ أُمَّةٌ قبلَهُم: خلوفُ فمِ الصَّائمِ أطيبُ عندَ اللهِ مِن ريحِ المسكِ، وتَسْتَغْفِرُ لهُمُ الملائكةُ حتَّى يُفْطِروا، ويُزَيِّنُ اللهُ كلَّ يومٍ جنَّتَهُ ثمَّ يَقولُ: يوشِكُ عبادي الصَّالحونَ أنْ يُلْقوا عنهُمُ المؤنةَ والأذى ويَصيروا إليكِ، وتُصَفَّدُ فيهِ مردةُ الشَّياطينِ فلا يَخْلُصونَ فيهِ إلى ما كانوا يَخْلُصونَ إليهِ في غيرِهِ، ويُغْفَرُ لهُم في آخرِ ليلةٍ". قيلَ: يا رسولَ اللهِ! أهيَ ليلةُ القدرِ؟ قالَ: "لا، ولكنَّ العاملَ إنَّما يُوَفَّى أجرَهُ إذا قَضى عملَهُ" (^٢).
وفي ليلةِ القدرِ تَنْتَشِرُ الملائكةُ في الأرضِ فيَبْطُلُ سلطانُ الشَّياطينِ:
كما قالَ تَعالى: ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ (٤) سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ [القدر: ٤، ٥].
_________________
(١) = "الشريعة" (٩٤٢)، والحاكم (١/ ٤٢١)، وأبو نعيم في "الحلية" (٨/ ٣٠٦)، والبيهقي في "السنن" (٤/ ٣٠٣) و"الشعب" (٣٥٩٨ و٣٥٩٩)، والبغوي في "السنّة" (١٧٠٥)؛ من طريق أبي بكر بن عيّاش، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة … رفعه. قال الترمذي والبغوي: "غريب". وقال الحاكم: "على شرط الشيخين"، ووافقه الذهبي. وقال الألباني: "إسناده صحيح". قلت: حديث أبي بكر بن عيّاش لا يرقى إلى الصحّة، لكن قال أبو نعيم: "غريب من حديث الأعمش، لم يروه عنه إلّا قطبة بن عبد العزيز وأبو بكر"، وقطبة صدوق، فإن صحّت الطريق إليه؛ فمتابعته وحده كافية لتصحيح الحديث. وإلّا؛ فالحديث حسن لذاته صحيح لشواهده الآتية.
(٢) (صحيح). قطعة من حديث سيأتي بطوله وتفصيل القول فيه (ص ٤٤١).
(٣) (ضعيف جدًّا). رواه: أحمد (٢/ ٢٩٢)، والحارث بن أبي أُسامة (٣١٩ - زوائد الهيثمي)، وابن نصر في "قيام رمضان" (ص ٢٥٨)، والبزّار (٩٦٣ - كشف)، والبيهقي في "الشعب" (٣٦٠٢)، وابن عبد البرّ في "التمهيد" (١٦/ ١٥٣)، والخطيب في "الجمع والتفريق" (٢/ ٤٥٤)، والأصبهاني في "الترغيب" (١٧٣٠)؛ من طريق هشام بن زياد أبي المقدام، عن محمّد بن محمّد بن الأسود، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة … رفعه. قال ابن عبد البرّ: "أبو المقدام فيه ضعف، ولكنّه محتمل فيما يرويه من الفضائل". وقال الهيثمي (٣/ ١٤٣): "فيه هشام بن زياد أبو المقدام وهو ضعيف". قلت: ما هو ضعيف ولا محتمل في الفضائل بل متروك ساقط الحديث. وعلى أنّ مثل هذا لا تصلح فيه الشواهد فإنّ له شاهدًا عند: البيهقي في "الشعب" (٣٦٠٣)، والأصبهاني في "الترغيب" (١٧٩٣)؛ من حديث جابر. قال المنذري: "إسناده مقارب أصلح ممّا قبله". قلت: يعني أنّه ليس فيه متروك، وإلّا فالسند واه مسلسل بالضعفاء.
[ ٤٢٢ ]
وفي "المسند": عن أبي هُرَيْرَةَ، عن النَّبيِّ - ﷺ -؛ أنَّهُ قالَ: "الملائكةُ تلكَ الليلةَ في الأرضِ أكثرُ مِن عددِ الحصى" (^١).
وفي "صحيح ابن حِبَّانَ": عن جابِرٍ، عن النَّبيِّ - ﷺ -؛ قالَ في ليلةِ القدرِ: "لا يَخْرُجُ شيطانُها حتَّى يَخْرُجَ فجرُها" (^٢).
وفي "المسند" مِن حديثِ: عُبادَةَ بن الصَّامِتِ، عن النَّبيِّ - ﷺ - أنَّهُ قالَ في ليلةِ القدرِ: "لا يَحِلُّ لكوكبٍ أنْ يُرْمى بهِ حتَّى يُصْبِحَ، وإنَّ أمارتَها أن الشَّمسَ تَخْرُجُ صبيحتَها مستويةً ليسَ لها شعاعٌ مثلَ القمرِ ليلةَ البدرِ، لا يَحِلُّ للشَّيطانِ أنْ يَخْرُجَ معَها يومئذٍ" (^٣).
_________________
(١) (لا بأس به). رواه: الطيالسي (٢٥٤٥)، وأحمد (٢/ ٥١٩)، ومحمّد بن نصر (سورة القدر - الدرّ)، والبزّار (١٠٣٠ - كشف)، وابن خزيمة (٢١٩٤)، والطبراني في "الأوسط" (٢٥٤٣ و٤٩٣٤)، وابن مردويه؛ من طريق عمران بن داور، عن قتادة، عن أبي ميمونة، عن أبي هريرة … رفعه. قال ابن كثير: "إسناده لا بأس به". وقال الهيثمي (٣/ ١٧٩): "رجاله ثقات". وقال الألباني: "إسناده حسن". قلت: تكلّموا في أبي ميمونة وحديث عمران القطان مقارب. والله أعلم.
(٢) (صحيح بشواهده). قطعة من حديث رواه: ابن أبي عاصم (القدر - ابن كثير)، والطبري في "تهذيب الآثار" (القدر - الدرّ)، وابن حبّان (٣٦٨٨)، وابن مردويه (القدر - الدرّ)؛ من طريق فضيل بن سليمان، ثنا عبد الله بن عثمان بن خثيم، عن أبي الزبير، عن جابر … رفعه. وهذا سند ضعيف فيه علّتان: أولاهما: أنّ فضيلًا ليّن. والأُخرى: عنعنة أبي الزبير على تدليسه. لكنّ له: شاهدًا يليه. وآخر موقوفًا على ابن عبّاس يأتي قريبًا. وثالثا ضعيفًا من حديث ابن عبّاس عند: البزّار (١٠٣٤ - كشف) وابن خزيمة (٢١٩٢). ورابعًا من مرسل الحسن عند ابن أبي شيبة (٩٥٤٣)، وخامسًا موقوفًا على ابن مسعود عند ابن أبي شيبة (٩٥٢٩). فهو صحيح بشواهده، وقد قوّاه الألباني.
(٣) (حسن لشواهده). أصل حديث عبادة من مخرّجات الصحيح، لكن الكلام هنا في هذا اللفظ الذي رواه: أحمد (٥/ ٣٢٤)، وابن نصر في "قيام رمضان" (ص ٢٥٨)، والطبراني في "الشاميّين" (١١١٩)، وابن عبد البرّ في "التمهيد" (٢٤/ ٣٧٤)، والضياء في "المختارة" (٨/ ٢٧٩/ ٣٤٢)؛ من طريق بقيّة، ثني بحير بن سعد، عن خالد بن معدان، عن عبادة … رفعه. قال ابن عبد البرّ: "حسن غريب". وقال ابن كثير: "إسناده حسن، وفي المتن غرابة وفي بعض ألفاظه نكارة". قلت: لم يذكر ابن رجب يرحمه الله هذه الألفاظ المنكرة هنا. وقال الهيثمي (٣/ ١٧٨): "رجاله ثقات". قلت: وهذا أولى؛ لأنّه لم يصحّ لخالد سماع من عبادة. وله طريق أُخرى عند البيهقي في "الشعب" (٣٦٩٤) مختصرًا بسند فيه متروك. لكن يشهد للقطعة الأولى رواية ابن المنذر عن الضحّاك موقوفًا كما في "الدرّ". وللثانية حديث أُبيّ عند مسلم. وللثالثة حديث جابر المتقدّم وشواهده. فهو حسن بهذه الشواهد، وقد قوّاه من ذكرت.
[ ٤٢٣ ]
ورُوِيَ عن ابن عَبَّاسٍ؛ قالَ: إنَّ الشَّيطانَ يَطْلُعُ معَ الشَّمس كلَّ يومٍ إلَّا ليلةَ القدرِ، وذلكَ أنَّها تَطْلُعُ لا شعاعَ لها.
وقالَ مجاهِدٌ في قولِهِ ﴿سَلَامٌ هِيَ﴾ قالَ: سلامٌ؛ أي: لا يَحْدُثُ فيها داءٌ ولا يَسْتَطيعُ شيطانٌ (^١) العملَ فيها.
وعنهُ قالَ: ليلةُ القدرِ ليلةٌ سالمةٌ لا يَحْدُثُ فيها داءٌ ولا يُرْسَلُ فيها شيطانٌ.
وعنهُ قالَ: هيَ سالمة لا يَسْتَطيعُ الشَّيطانُ أنْ يَعْمَلَ فيها سوءًا ولا يُحْدِثَ فيها أذًى.
وعنِ الضَّحَّاكِ، عن ابن عَبَّاسٍ؛ قالَ: في تلكَ الليلةِ تُصَفَّدُ مردةُ الجنِّ، وتُغَلُّ عفاريتُ الجنِّ، وتُفْتَحُ فيها أبوابُ السَّماءِ كلِّها، ويَقْبَلُ اللهُ فيها التَّوبةَ لكلِّ تائبٍ، فلذلكَ قالَ: ﴿سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾.
ويُرْوى عن أُبيِّ بن كَعْبٍ - ﵁ -؛ قالَ: لا يَسْتَطيعُ الشَّيطانُ أنْ يُصيبَ فيها أحدًا بخبلٍ أو داءٍ أو ضربٍ مِن ضروبِ الفسادِ، ولا يَنْفُذُ فيها سحرُ [ساحرٍ].
ويُرْوى بإسنادٍ ضعيفٍ عن أنسٍ مرفوعًا: أنَّهُ "لا تَسْري نجومُها، ولا تَنْبَحُ كلابُها" (^٢).
وكل هذا يَدُلُّ على كفِّ الشَّياطينِ فيها عن انتشارِهِم في الأرضِ ومنعِهِم مِنِ استراقِ السَّمعِ فيها مِن السَّماءِ.
• ابنَ آدَمَ! لو عَرَفْتَ قدرَ نفسِكَ؛ ما أهَنْتَها بالمعاصي، أنتَ المختارُ مِن المخلوقاتِ، ولكَ أُعِدَّتِ الجنَّةُ إنِ اتَّقَيْتَ فهيَ أقطاعُ المتَّقين، والدُّنيا أقطاعُ إبْليسَ فهوَ فيها مِن المنظَرين. فكيفَ رَضِيتَ لنفسِكَ بالإعراضِ عن أقطاعِكَ ومزاحمةِ إبْليسَ على أقطاعِه، وأنْ تكونَ معَهُ غدًا في النَّارِ مِن جملةِ أتباعِه؟! إنَّما طَرَدْناهُ عن السَّماءِ لأجلِكَ حيثُ تَكَبَّرَ عن السُّجودِ لأبيكَ، وطَلَبْنا قربَكَ؛ لِتَكونَ مِن خاصَّتِنا وحزبِنا، فعادَيْتَنا ووالَيْتَ عدوَّنا، ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ
_________________
(١) في م ون وط: "سلام أن يحدث فيها داء أو يستطيع شيطان"، وأثبتّ ما في خ.
(٢) (ضعيف). لم أقف عليه بعد طول فتش فحسبي فيه قول المصنّف يرحمه الله، بل الغالب - على ما خبرت من تعقيبات المصنّف على نصوص هذا الكتاب - أنه دون ذلك بكثير.
[ ٤٢٤ ]
بَدَلًا﴾ [الكهف: ٥٠].
رَعى اللهُ مَن نَهْوى وَإنْ كانَ ما رَعى … حَفِظْنا لَهُ العَهْدَ القَديمَ فَضَيَّعا
وَصاحَبْتَ قَوْمًا كنْتُ أنْهاكَ عَنْهُمُ … وَحَقِّكَ ما أبْقَيْتَ لِلصُّلْحِ مَوْضِعا
أبْشِروا با معاشرَ المسلمينَ! فهذهِ أبوابُ الجنَّةِ الثَّمانيةُ في هذا الشَّهرِ لأجلِكُم قد فُتِحَتْ، ونسماتُها على قلوبِ المؤمنينَ قد نَفَحَتْ، وأبوابُ الجحيمِ كلُّها لأجلِكُم مغلقة، وأقدامُ إبْليسَ وذرِّيَّتهِ مِن أجلِكُم موثقة. ففي هذا الشَّهرِ يُؤْخَذُ مِن إبْليسَ بالثَّار، وتُسْتَخْلَصُ العصاةُ مِن أسرِهِ فما يَبْقى لهُم عندَهُ آثار. كانوا أفراخَهُ قد غَذَاهُم بالشَّهواتِ في أوكارِهِ فهَجَروا اليومَ تلكَ الأوكار، نَقَضوا معاقلَ حصونِهِ بمعاولِ التَّوبةِ والاستغفار، خَرَجوا مِن سجنِهِ إلى حصنِ التَّقوى والإيمانِ فأمِنُوا مِن عذابِ النَّار، قَصَموا ظهرَهُ بكلمةِ التَّوحيدِ فهوَ يَشْكُو ألمَ الانكسار. في كلِّ موسمٍ مِن مواسمِ الفضلِ يَحْزَنُ ففي هذا الشَّهرِ يَدْعو بالويلِ والثُّبورِ لِما يَرى مِن تنزُّلِ الرَّحمةِ ومغفرةِ الأوزار، غَلَبَ حزبُ الرَّحمنِ وهَرَبَ حزبُ الشَّيطانِ فما بَقِيَ لهُ سلطانٌ إلَّا على الكفَّار، عُزِلَ سلطانُ الهوى وصارَتِ الدَّولةُ لسلطانِ التَّقوى ﴿فَاعْتَبِرُوا يَاأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ [الحشر: ٢].
يا ندامايَ صَحا القَلْبُ صَحا … فَاطْرُدوا عَنَي الصِّبا وَالمَرَحا
هَزَمَ العَقلُ جُنودًا لِلْهَوى … فاسِدي لا تَعْجَبوا إنْ صَلَحا
زَجَرَ الحَقُّ فُؤادي فَارْعَوى … وَأفاقَ القَلْبُ مِنِّي وَصَحا
بادِروا التَّوْبَةَ مِنْ قَبْلِ الرَّدى … فَمُناديهِ يُنادينا الوَحا
هذا - عبادَ اللهِ - شهرُ رمضانَ قدِ انْتَصَف؛ فمَن منكُم حاسَبَ فيهِ نفسَهُ للهِ وأنْصَف؟ مَن منكُم قامَ في هذا الشَّهرِ بحقِّهِ الذي عَرَف؟ مَن منكُم عَزَمَ قبلَ غَلْقِ أبوابِ الجنَّةِ أنْ يَبْنِيَ لهُ فيها غرفًا مِن فوقِها غرف؟ ألا إنَّ شهرَكُم قد أخَذَ في النَّقصِ فزيدوا أنتُم في العملِ فكأنَّكُم بهِ وقدِ انْصَرَف، فكلُّ شهرٍ فعَسى أنْ يَكونَ منهُ خلفٌ وَأَمَّا شهرُ رمضانَ فمِن أينَ لكُم منهُ خلف؟
تنَصَّفَ الشَّهْرُ وا لَهْفاهُ وَانْهَدَما … وَاخْتَصَّ بِالفَوْزِ بِالجَنَّاتِ مَنْ خَدَما (^١)
_________________
(١) المراد بالخدمة هنا العبادة! وفي هذا الاستخدام نظر لغة وشرعًا: فأمّا من حيث اللغة؛ ففي=
[ ٤٢٥ ]
وَأصْبَحَ الغافِلُ المِسْكينُ مُنْكَسِرًا … مِثْلي فَيا وَيْحَهُ يا عُظْمَ ما حُرِما
مَن فاتَهُ الزَّرْعُ في وَقْتِ البِذارِ فَما … تَراهُ يَحْصُدُ إلَّا الهَمَّ وَالنَّدَما
طُوبَى لِمَن كانَتِ التَّقْوى بِضاعَتَهُ … في شَهْرِهِ وَبِحَبْلِ اللهِ مُعْتَصِما