خَرَّجا في الصَّحيحينِ (^٣) مِن حديثِ أبي سعيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁؛ أن النَّبيَّ - ﷺ - جَلَسَ على المنبرِ، فقالَ: "إن عبدًا خَيَّرَهُ اللهُ بينَ أنْ يُؤْتِيَهُ [مِن] زهرةِ الدُّنيا ما شاءَ وبينَ ما عندَهُ فاخْتارَ ما عندَهُ". فبَكى أبو بَكْرٍ وقالَ: يا رسولَ اللهِ! فَدَيْناكَ بآبائِنا وأُمَّهاتِنا. قال: فعَجِبْنا، وقالَ النَّاسُ: انْظُروا إلى هذا الشَّيخِ! يُخْبِرُ رسولُ اللهِ - ﷺ - عن عبدٍ خَيَّرَهُ اللهُ بينَ أنْ يُؤْتِيَهُ [مِن] زهرةِ الدُّنيا ما شاءَ وبينَ ما عندَ اللهِ، وهوَ يَقولُ: فَدَيْناكَ بآبائِنا وأُمَّهاتِنا! قالَ: فكانَ رسولُ اللهِ - ﷺ - هوَ المخيَّرَ، وكانَ أبو بَكْرٍ هوَ أعْلَمَنا
_________________
(١) (حسن). رواه: أحمد (٢/ ٤٨٣)، والبخاري في "الأدب" (٦١)، والخرائطي في "المساوئ" (٢٧٩)، والبيهقي في "الشعب" (٧٩٦٥ و٧٩٦٦)، والمزّي في "التهذيب" (٨/ ٢٤٢)؛ من طريق الخزرج بن عثمان أبي الخطّاب، أني أبو أيّوب سليمان مولى عثمان، سمعت أبا هريرة … رفعه. قال المنذري والهيثمي (٨/ ١٥٤): "رواته ثقات". وقال الألباني: "إسناده ضعيف". قلت: أبو الخطّاب وأبو أيّوب كلاهما صالح لا يستحق حديثه التضعيف، فالسند كذلك، والله أعلم.
(٢) في م ون وط: "كان بعض التابعين"، والأولى ما أثبتّه من خ.
(٣) البخاري (٦٢ - الصحابة، ٣ - سدّوا الأبواب إلَّا باب أبي بكر، ٧/ ١٢/ ٣٦٥٤)، ومسلم (٤٤ - الصحابة، ١ - فضائل أبي بكر، ٤/ ١٨٥٤/ ٢٣٨٢).
[ ٢٣٩ ]
بهِ. فقال النَّبيُّ - ﷺ -: "إنَّ أمنَّ (^١) النَّاسِ عليَّ في صحبتِه ومالهِ أبو بكرٍ، ولوْ كُنْتُ متَّخذًا مِن أهلِ الأرضِ خليلًا لاتَّخَذْتُ أبا بكرٍ خليلًا، ولكَنْ أخوَّةُ الإسلامِ، لا تَبْقى في المسجدِ خوخةٌ إلَّا سُدَّتْ إلَّا خوخةُ أبي بكرٍ"؛ ﵁.
• [اعْلَمْ أن] الموتَ مكتوبٌ على كلِّ حيٍّ مِن الأنبياءِ والرُّسلِ وغيرِهِم. قالَ تَعالى لنبيِّهِ - ﷺ -: ﴿إنَّكَ مَيِّتٌ وَإنَّهُمْ مَيِّتونَ﴾ [الزمر: ٣٠]. وقال تَعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ (٣٤) كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ (٣٥)﴾ [الأنبياء: ٣٤، ٣٥]. وقال: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ …﴾ الآيتين [آل عمران: ١٤٤].
خَلَقَ اللهُ آدَمَ مِن تُرابِ الأرضِ، ونَفَخَ فيهِ مِن روحِهِ (^٢)، فكانَتْ روحُهُ في جسدِهِ وأرواحُ ذرِّيَّتِهِ في أجسادِهِم في هذهِ الدَّارِ عاريَّةً، وقَضى عليهِ وعلى ذرِّيَّتِهِ أنَّهُ لا بدَّ أنْ يَسْتَرِدَّ أرواحَهُم مِن هذهِ الأجسادِ ويُعيدَ أجسادَهُم (^٣) إلى ما خُلِقَتْ منهُ - وهوَ التُّرابُ -، ووَعَدَ أنْ يُعيدَ الأجسادَ مِن الأرضِ مرَّةً ثانيةً ثمَّ يَرُدَّ إليها الأرواحَ مرَّةً ثانيةً تمليكًا دائمًا لا رجعةَ فيهِ في دارِ البقاءِ. قال تَعالى: ﴿فيها تَحْيَوْنَ وَفيها تَموتونَ وَمِنْها تُخْرَجونَ﴾ [الأعراف: ٢٥]. وقال: ﴿مِنْها خَلَقْناكُمْ وَفيها نُعيدُكُمْ وَمِنْها نُخْرِجُكُمْ تارَةً أخرى﴾ [طه: ٥٥]. وقال: ﴿وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا (١٧) ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا﴾ [نوح: ١٧، ١٨]. وأرانا دليلًا في هذهِ الدَّارِ على إعادةِ الأجسادِ مِن التُّرابِ بإنباتِ الزَّرعِ مِن الأرضِ وإحياءِ الأرضِ بعدَ موتِها بالمطرِ، ودليلًا على إعادةِ الأرواحِ إلى أجسادِها بعدَ المفارقةِ بقبضِ أرواحِ العبادِ في منامِهِم (^٤) ورَدِّها إليهِم في يقظتِهِم، كما قال تَعالى: ﴿اللهُ يَتَوَفَّى الأنْفُسَ حينَ مَوْتِها وَالَّتي لَمْ تَمُتْ في مَنامِها
_________________
(١) في خ: "وقال النبيّ - ﷺ - إنّ من أمنّ"، والأولى ما أثبتّه من م ون وط.
(٢) يعني: الروح التي خلقها ﷾ واختصّ بمعرفة سرها، فنسبتها إليه تعالى من باب نسبة الناقة والبيت إليه في قولنا: ناقة الله وبيت الله.
(٣) في خ: "ويعيد أجسامهم، والأولى ما أثبتّه من م ون وط.
(٤) في خ: "في منامها"، والأولى ما أثبتّه من م ون وط.
[ ٢٤٠ ]
فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٤٢)﴾ [الزمر: ٤٢]. وفي "مسند البزَّار" عن أنَسٍ؛ أن النَّبيَّ - ﷺ - قالَ لهُم لمَّا ناموا عن الصَّلاةِ: "إن هذهِ الأرواحَ عاريَّةٌ في أجسادِ العبادِ، فيَقْبِضُها إذا شاءَ ويُرْسِلُها إذا شاءَ" (^١).
اسْتَعِدِّي لِلمَوْتِ يا نَفْسُ وَاسْعَيْ … لِنَجاةٍ فَالحازِمُ المُسْتَعِدُّ
قَدْ تَيَقَّنْتِ أنَّهُ لَيْسَ لِلْحَـ … ـي خُلودٌ وَلا مِنَ المَوْتِ بُدُّ
إنَّما أنْتِ مُسْتَعيرَةٌ ما سَوْ … فَ تَرُدِّينَ وَالعَواري تُرَدُّ
غيرُهُ:
فَما أهْلُ الحَياةِ لَنا بِأهْلٍ … وَلا دارُ الحَياةِ لَنا بِدارِ
وَما أمْوالُنا وَالأهْلُ فيها … وَلا أوْلادُنا إلَّا عَواري
وَأنْفُسُنا إلى أجَلٍ قَريبٍ … سَيَأْخُذُها المُعيرُ مِنَ المُعارِ
مفارقةُ الجسدِ للرُّوحِ لا تَقَعُ إلَّا بعدَ ألمٍ عظيمٍ تَذوقُهُ الرُّوحُ والجسدُ جميعًا.
فإن الرُّوحَ قدْ تَعَلَّقَتْ بهذا الجسدِ وألِفَتْهُ واشْتَدَّتْ أُلفَتُها لهُ وامتزاجُها [بهِ] ودخولُها فيهِ حتَّى صارا كالشَّيءِ الواحدِ فلا يَتَفارَقانِ إلَّا بجهدٍ شديدٍ وألم عظيمٍ لمْ يَذُقِ ابنُ آدَمَ في حياتِهِ ألمًا مثلَهُ. وإلى ذلكَ الإشارةُ بقولِهِ: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَة المَوْتِ﴾ [آل عمران: ١٨٥، الأنبياء: ٣٥، العنكبوت: ٥٧]. قالَ الرَّبيعُ بنُ خُثَيْمٍ: أكْثِروا [مِن] (^٢) ذكرِ [هذا] الموتِ؛ فإنَّكُم لمْ تَذوقوا قبلَهُ مثلَهُ.
ويَتَزايَدُ الألمُ بمعرفةِ المحتضرِ (^٣) بأنَّ جسدَهُ إذا فارَقَتْهُ الرُّوحُ صارَ جيفةً مستقذرةً
_________________
(١) (ضعيف). رواه: البزّار (٣٩٦ - كشف الأستار)، والإسماعيلي في "معجم شيوخه" (١/ ٤٤٤ / ١٠١)، والخطيب في "التاريخ" (٢/ ١٩٢)؛ من طريق عمر بن محمّد بن الحسن، ثنا أبي، ثنا عتبة أبو عمرو، عن الشعبيّ، عن أنس بن مالك ﵁ … رفعه. قال البزّار: "لا يعلم رواه عن الشعبيّ عن أنس إلّا عتبة، تفرّد به محمّد بن الحسن الأسدي". وقال الهيثمي (١/ ٣٢٧): "فيه عتبة أبو عمرو … ولم أجد من ذكره وبقيّة رجاله رجال الصحيح". قلت: عتبة هو ابن اليقظان، ضعيف، من رجال التهذيب. وعمر بن محمّد يهم. وأبوه فيه لين. والسند ضعيف.
(٢) ليست في خ وم ون، استفدتها من ط.
(٣) في خ: "المستحضر"! والصواب ما أثبتّه من م ون وط.
[ ٢٤١ ]
يَأْكُلُهُ الهوامُّ ويُبْليهِ التُّرابُ حتَّى يَعودَ ترابًا، وأنَّ الرُّوحَ المفارقةَ [لهُ] لا تَدْري أينَ مستقرُّها؛ هلْ هوَ الجنَّةُ أوِ النَّارُ؟ فإنْ كانَ عاصيًا مصرًّا على المعصيةِ إلى الموتِ؛ فربَّما غَلَبَ على ظنِّهِ أن روحَهُ تَصيرُ إلى النَّارِ، فتَتَضاعَفُ بذلكَ حسرتُهُ وألمُهُ، وربَّما كُشِفَ لهُ معَ ذلكَ عن مقعدِهِ مِن النَّارِ فيَراهُ أوْ يُبَشَّرُ بذلكَ، فيَجْتَمعُ لهُ معَ كربِ الموتِ وألمِهِ العظيمِ معرفتُهُ بسوءِ مصيرِهِ، وهذا هوَ المرادُ بقولِهِ ﷿ ﴿وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ (٢٩)﴾ [القيامة: ٢٩] على ما فَسَّرَهُ بهِ كثيرٌ مِن السَّلفِ، فيَجْتَمعُ عليهِ سكرةُ الموتِ معَ حسرةِ الفوتِ، فلا تَسْألْ عن سوءِ حالِهِ.
وقدْ سَمَّى اللهُ تَعالى ذلكَ سكرةً؛ لأنَّ ألمَ الموتِ معَ ما يَنْضَمُّ إليهِ يُسْكِرُ صاحبَهُ فيَغيبُ عقلُهُ غالبًا؛ قالَ تَعالى: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ﴾ [ق: ١٩].
ألا لِلْمَوْتِ كَأْسٌ أيُّ كَاسِ … وَأنْتَ لِكَأْسِهِ لا بُدَّ حاسي
إلى كَمْ وَالمَماتُ إلى قَريبٍ … تُذَكَّرُ بِالمَماتِ وَأنْتَ ناسي
• وقدْ أمَرَ النَّبيُّ - ﷺ - بكثرةِ ذكرِ الموتِ:
فقالَ: "أكْثِروا ذكرَ هاذِمِ اللذاتِ؛ الموتِ" (^١).
_________________
(١) (صحيح). وقد جاء عن جماعة من الصحابة ﵃: • فرواه: أبو نعيم في "الحلية" (٦/ ٣٥٥) من طريق عبد الملك بن يزيد، ثنا مالك بن أنس، عن يحيى بن سعيد، عن ابن المسيّب، عن عمر … رفعه. وعبد الملك هذا متّهم بغير ما حديث باطل على جهالته، وقد تفرّد عن مالك بهذا دون ثقات أصحابه، فبان أنّه ممّا صنعت يداه. • ورواه: الترمذي (٣٨ - القيامة، ٢٦ - باب، ٤/ ٦٣٩/ ٢٤٦٠)، والبيهقي في "الشعب" (٨٢٨)؛ من طريق القاسم بن الحكم العرني، ثني عبيد الله بن الوليد الوصافي، عن عطيّة، عن أبي سعيد … رفعه. قال الترمذي: "حسن غريب". قلت: بل ضعيف ساقط: العرني فيه لين، والوصافي واه في حدّ الترك، وعطية واه سيّئ التدليس جدًّا وقد عنعن. • ورواه: ابن المبارك في "الزهد" (١٤٥)، والبغوي في "السنّة" (١٤٤٧)؛ من طريق عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن النبي - ﷺ -. وعبد الرحمن ضعيف، فالسند ضعيف على إرساله. • ورواه: الطبراني في "الأوسط" (٥٧٧٦)، والعسكري في "الأمثال "، وابن جميع في "شيوخه" (ص ٢٤٥/ رقم ٢٠١)، والقضاعي (٦٧١)، والبيهقي في "الشعب" (١٠٥٥٨)؛ من طريق القاسم بن محمّد أبي عامر الأسدي، ثنا عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر … رفعه. قال الطبراني: "لم يروه عن ابن عمر إلَّا أبو عامر الأسدي". وقال الهيثمي (١٠/ ٣١٢): "إسناده حسن". قلت: الأسدي مجهول أو مستور. • ورواه: ابن المبارك في "الزهد" (١٤٦)، وابن أبي شيبة (٣٤٣١٥ و٣٤٣١٦)، وأحمد (٢/ ٢٩٢)،=
[ ٢٤٢ ]
وفي حديثٍ مرسلٍ: أنَّهُ - ﷺ - مَرَّ بمجلسٍ قدِ اسْتَعْلاهُ الضَّحكُ، فقالَ: "شوبوا مجلسَكُم بذكرِ مكدِّرِ اللذَّاتِ؛ الموتِ" (^١).
وفي الإكثارِ مِن ذكرِ الموتِ فوائدُ منها: أنَّهُ يَحُثُّ على الاستعدادِ لهُ قبلَ نزولِهِ، ويُقَصِّرُ الأملَ، ويُرْضي بالقليلِ مِن الرِّزقِ، ويُزَهِّدُ في الدُّنيا، ويُرَغِّبُ في الآخرةِ، ويُهَوِّنُ مصائبَ الدُّنيا، ويَمْنَعُ مِن الأشرِ والبطرِ والتَّوسُّعِ في لذَّاتِ الدُّنيا.
وفي حديثِ أبي ذرٍّ المرفوعِ الذي خَرَّجَهُ ابنُ حِبَّانَ في "صحيحه" وغيرُهُ أن صحفَ موسى ﵇ "كانَتْ عبرًا: عَجِبْتُ لمَن أيْقَنَ بالموتِ كيفَ يَفْرَحُ! عَجِبْتُ لمَن أيْقَنَ بالنَّارِ كيفَ يَضْحَكُ! عَجِبْتُ لمَن أيْقَنَ بالقَدَرِ كيفَ يَنْصَبُ! عَجِبْتُ لمَن رأى الدُّنيا وسرعةَ تقلُّبِها بأهلِها كيفَ يَطْمَئِن إليها! " (^٢).
وقدْ رُوِيَ أن الكنزَ الذي كانَ للغلامينِ كانَ لوحًا مِن ذهبٍ مكتوبٌ فيهِ هذا أيضًا (^٣).
_________________
(١) =وابن ماجه (٣٧ - الزهد، ٣١ - ذكر الموت، ٢/ ١٤٢٢/ ٤٢٥٨)، والترمذي (٣٧ - الزهد، ٤ - ذكر الموت، ٤/ ٥٥٣/ ٢٣٠٧)، والنسائي (٢١ - الجنائز، ٣ - كثرة ذكر الموت، ٤/ ٤/ ١٨٢٣) وفي "الكبرى" (١٩٥٠)، وابن حبّان (٢٩٩٢ - ٢٩٩٥)، والطبراني في "الأوسط" (٨٥٥٥)، والحاكم (٤/ ٣٢١)، والقضاعي (٦٦٨ - ٦٧٠)، والبيهقي في "الشعب" (١٠٥٥٩ و١٠٥٦٠) و"الزهد" (٦٨٤ و٦٨٥)، والخطيب في "التاريخ" (١/ ٣٨٤، ٩/ ٤٦٩)، والرافعي في "التدوين" (٢/ ٢٨٢)، والمزّي في "التهذيب" (٢٤/ ٣٢٠)؛ من طريق محمّد بن عمرو بن علقمة، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة … رفعه. قال الترمذي: "حسن غريب". وقال الحاكم والذهبي: "على شرط مسلم". قلت: محمّد حسن الحديث من رجال مسلم في المتابعات. • ورواه: البزّار (٣٦٢٣ - كشف)، والطبراني في "الأوسط" (٦٩٥)، وأبو نعيم في "الحلية" (٩/ ٢٥٢)، والبيهقي في "الشعب" (٨٢٦ و٨٢٧ و٤٨٣٣)، والخطيب في "التاريخ" (١٢/ ٧٢)، والضياء في "المختارة" (٥/ ٧٦/ ١٧٠١ و١٧٠٢)؛ من طريقين إحداهما قويّة، عن حمّاد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس … رفعه. قال الهيثمي (١٠/ ٣١١): "إسناده حسن". فالأوجه الثلاثة الأولى ساقطة، والثلاثة التالية قويّة يفيد اجتماعها صحّة الحديث، وقد مال إلى تقويته الترمذي وابن حبّان والحاكم والضياء والمنذري والذهبي والعراقي والهيثمي والعسقلاني والألباني.
(٢) (ضعيف). قال العراقي: "رواه ابن أبي الدنيا في "كتاب الموت" هكذا مرسلا [يعني: عن عطاء الخراساني عن النبيّ - ﷺ -]، ورويناه في "أمالي الخلّال" من حديث أنس، ولا يصحّ". وأقرّه الزبيدي والمناوي. قلت: رواية عطاء الخراساني عن النبيّ - ﷺ - معضلة على الأغلب، ويغني عنه ما قبله.
(٣) (ضعيف). تقدّم تفصيل القول فيه (ص ٧٨).
(٤) (ضعيف). رواه: البزّار (٢٢٢٩ - كشف)، وابن أبي حاتم (الكهف ٨٢ - درّ)، وابن مردويه=
[ ٢٤٣ ]
قالَ الحَسَنُ: إنَّ هذا الموتَ قد أفْسَدَ على أهلِ النَّعيمِ نعيمَهُم، فالْتَمِسوا عيشًا لا موتَ فيهِ.
وقالَ: فَضَحَ الموتُ الدُّنيا فلمْ يَدعْ لذي لبٍّ بها فرحًا (^١).
وقالَ غيرُهُ: ذَهَبَ ذكرُ الموتِ بلذاذةِ كلِّ عيشٍ وسرورِ كلِّ نعيمٍ. ثمَّ بَكى وقالَ: واهًا لدارٍ لا موتَ فيها!
اذْكُرِ المَوْتَ هاذِمَ اللَّذَّاتِ … وَتَهَيَّأ لِمَصْرَعٍ سَوْفَ ياتي (^٢)
يا غافِلَ القَلْبِ عَنْ ذِكْرِ المَنِيَّاتِ … عَمَّا قَليلٍ سَتُلْقى بَيْنَ أمْواتِ
فَاذْكُرْ مَحَلَّكَ مِنْ قَبْلِ الحُلولِ بهِ … وَتُبْ إلى اللهِ مِنْ لَهْوٍ وَلَذَّاتِ
إنَّ الحِمامَ لَهُ وَقْتٌ إلى أجَلٍ … فَاذْكُرْ مَصائِبَ أيَّامٍ وساعاتِ
لا تَطْمَئِنَّ إلى الدُّنْيا وَزينَتِها … قَدْ آنَ لِلمَوْتِ يا ذا اللُّبِّ أنْ ياتي
قالَ بعضُ السَّلفِ: شيئانِ قَطَعا عنِّي لذاذةَ الدُّنيا: ذكرُ الموتِ، والوقوفُ بينَ يديِ اللهِ ﷿.
وَكَيْفَ يَلَذُّ العَيْشَ مَنْ كانَ موقِنًا … بِأنَّ المَنايا بَغْتَةً سَتُعاجِلُهْ
وَكَيْفَ يَلَذُّ العَيْشَ مَنْ كانَ موقِنًا … بِأنَّ إلهَ العَرْشِ لا بُدَّ سائِلُهْ
قالَ أبو الدَّرْداءِ: كَفى بالموتِ واعظًا، وكَفى بالدَّهرِ مفرِّقًا اليومَ في الدُّورِ وغدًا في القبورِ.
أُذْكُرِ المَوْتَ وَلازِمْ ذِكْرَهُ … إنَّ في المَوْتِ لِذي اللُّبِّ عِبَرْ
وَكَفى بِالمَوْتِ فَاعْلَمْ واعِظًا … لِمَنِ المَوْتُ عَلَيْهِ قَدْ قُدِرْ
_________________
(١) = (الكهف ٨٢ - درّ)؛ من طريق بشر بن المنذر، ثنا الحارث بن عبد الله اليحصبي، عن عيّاش بن عبّاس القتباني، عن ابن حجيرة، عن أبي ذر … رفعه. قال البزّار: "لا نعلمه يروى عن أبي ذرّ إلّا بهذا الإسناد". وقال الهيثمي (٧/ ٥٧): "بشر بن المنذر عن الحارث بن عبد الله اليحصبي ولم أعرفهما". ووافقه العسقلاني. ورواه ابن مردويه (الكهف ٨٢ - درّ) من حديث علي مرفوعًا بنحوه. وقد جاء من أوجه عدّة من ابن عبّاس والحسن وغيرهما موقوفًا، فالظاهر أن هذا أصله، وأنّه ممّا تسرّب إلينا من مرويّات أهل الكتاب، والله أعلم.
(٢) في خ: "لذي لبّ فيها فرحًا"، والأولى ما أثبتّه من م ون وط.
(٣) هذا بيت مفرد لا علاقة له بالمقطوعة التالية لأنّه يخالفها وزنًا.
[ ٢٤٤ ]
غفلةُ الإنسانِ عن الموتِ معَ أنَّهُ لا بدَّ لهُ منهُ مِن العجبِ، والموجبُ لها طولُ الأملِ:
كلُّنا في غَفْلَةٍ وَالمَوْتُ يَغْدو وَيَروحُ
لبَني الدُّنْيا مِنَ المَوْتِ غَبوقٌ وَصَبوحُ
سيَصيرُ المَرْءُ يومًا جَسَدًا ما فيهِ رُوحُ
بيْنَ عَيْنَيْ كُلِّ حَيٍّ عَلَمُ المَوْتِ يَلوحُ
نحْ عَلى نَفْسِكَ يا مِسْكينُ إنْ كُنْتَ تَنوحُ
لتَموتَنَّ وَلَوْ عُمِّرْتَ ما عُمِّرَ نوحُ
لمَّا كانَ الموتُ مكروهًا بالطَّبعِ لِما فيهِ مِن الشِّدَّةِ والمشقَّةِ العظيمةِ؛ لمْ يَمُتْ نبيٌّ مِن الأنبياءِ حتَّى يُخَيَّرَ، ولذلكَ وَقَعَ التَّردُّدُ فيهِ في حقِّ المؤمنِ، كما في حديثِ أبي هُرَيْرَةَ عن النَّبيّ - ﷺ -: "يَقولُ اللهُ ﷿: وما تَرَدَّدْتُ عن شيءٍ أنا فاعلُهُ تردُّدي في قبضِ نفسِ عبدي المؤمنِ؛ يَكْرَهُ الموتَ وأكْرَهُ مساءتَهُ، ولا بدَّ لهُ منهُ" (^١).
قالَ ابنُ أبي مُلَيْكَةَ: لمَّا قُبِضَ إبْراهيمُ ﵇؛ قالَ اللهُ تَعالى [لهُ]: كيفَ وَجَدْتَ الموتَ؟ قالَ: يا ربِّ! كأنَّ نفسي تُنْزَعُ بالسَّلى. فقالَ: هذا وقدْ هَوَّنَّا عليكَ الموتَ!
وقال أبو إسْحاقَ: قيلَ لموسى ﵇: كيفَ وَجَدْتَ طعمَ الموتِ؟ قالَ: وَجَدْتُهُ كسُفُّودٍ أُدْخِلَ في صوفٍ فاجْتُذِبَ. قالَ: هذا وقد هَوَّنَّا عليكَ الموتَ.
ويُرْوى أن عيسى ﵇ كانَ إذا ذَكَرَ الموتَ يَقْطُرُ جلدُهُ دمًا، وكانَ يَقولُ للحواريِّينَ: ادْعوا الله أنْ يُخَفِّفَ عنِّي الموتَ؛ فلقدْ خِفْتُ الموتَ خوفًا أوْقَفَني مخافةُ الموتِ على الموتِ (^٢).
_________________
(١) رواه البخاري (٨١ - الرقاق، ٣٨ - التواضع، ١١/ ٣٤٠/ ٦٥٠٢). وقوله "ولا بدّ له منه" ليس عند البخاري، لكن أشار العسقلاني إلى أنّه جاء من طريقين عند غير البخاري إحداهما طريق البخاري نفسها.
(٢) والأخبار الثلاثة من الإسرائيليّات، ومع ذلك فلا تصحّ نسبتها إلى ناقليها كابن أبي مليكة وأبي إسحاق، وقد ركّب لها بعض الوضّاعين أسانيد وجعلوها من المرفوع، وفيها ما يستنكر على كلّ حال.
[ ٢٤٥ ]
كيفَ يُطْمَعُ في البقاءِ وما مِن الأنبياءِ إلّا مَن ماتَ (^١)؟! أم كيفَ يُؤْمَنُ هجومُ المنايا ولَم يَسْلَمِ الأصفياءُ والأحبَّاءُ؟! هيهاتَ هيهات!
قَدْ ماتَ كُلُّ نَبِيٍّ … وَماتَ كُلُّ نَبيهِ
وَماتَ كُلُّ شَريفٍ … وَعاقِلٍ وَسَفيه
لا يُوحِشَنْكَ طَريقٌ … كُلُّ الخَلائِقِ فيهِ
• أوَّلُ ما أُعْلِمَ النَّبيُّ - ﷺ - مِنِ انقضاءِ عُمُرِهِ باقترابِ أجلِهِ بنزولِ سورةِ ﴿إذا جاءَ نَصْرُ اللهِ وَالفَتْحُ﴾ [النصر: ١]؛ فإنَّ المرادَ مِن هذهِ السُّورةِ أنَّكَ يا مُحَمَّدُ إذا فَتَحَ اللهُ عليكَ البلادَ ودَخَلَ النَّاسُ في دينِكَ الذي دَعَوْتَهُم إليهِ أفواجًا؛ فقدِ اقْتَرَبَ أجلُكَ، فتَهَيَّأ للقائِنا بالتَّحميدِ والاستغفارِ؛ فإنَّهُ قد حَصَلَ منكَ مقصودُ ما أُمِرْتَ بهِ مِن أداءِ الرِّسالةِ والتَّبليغِ، وما عندَنا خير لكَ مِن الدُّنيا، فاسْتَعِدَّ للنُّقلةِ إلينا.
قالَ ابنُ عَبَّاسٍ: لمَّا نَزَلَتْ هذهِ السُّورةُ، نُعِيَتْ لرسولِ اللهِ - ﷺ - نفسُهُ، فأخَذَ في أشدِّ ما كانَ اجتهادًا في أمرِ الآخرةِ (^٢).
ورُوِيَ في حديثٍ أنَّهُ تَعَبَّدَ حتَّى صارَ كالشَّنِّ البالي (^٣).
_________________
(١) في خ ون: "وما من نبيّ من الأنبياء إلّا مات"، والأولى ما أثبتّه من م.
(٢) (حسن صحيح). رواه: عبد الله بن أحمد في "زوائد الزهد"، والنسائي في "الكبرى" (١١٧١٢)، وابن أبي حاتم في "التفسير"، والطبراني في "الكبير" (١١/ ٣٢٨/ ١٩٠٣) و"الأوسط" (٢٠١٧)، وابن مردويه في "التفسير"؛ من طريق هلال بن خبّاب، عن عكرمة، عن ابن عبّاس … رفعه. وهذا سند صالح، رجاله ثقات؛ إلّا هلال بن خبّاب؛ فقد تغيّر تغيّر السنّ ورقّ حفظه وليس بالمخلّط. لكن يشهد لهذا المتن ما سيأتي بعده فهو صحيح به.
(٣) (ضعيف جدًّا). رواه البيهقي في "الشعب" (١٤٩٦) من طريق نصر بن حريش الصامت، ثنا المشمعلّ بن ملحان، عن محمّد بن عمرو، عن أبي سلمة … فذكره بلفظ: "كالشرك البالي"! والصامت ضعيف، والمشمعلّ يخطئ، وأبو سلمة عن النبيّ - ﷺ - مرسل. ورواه: ابن أبي شيبة (٣٤٣٣٧)، والبيهقي في "الشعب" (١٤٩٨)؛ من طريقين، عن هشام، عن الحسن، [عن بعض أصحابه] … به. وهذا واه فيه علل: أولاها: أنّ في رواية هشام عن الحسن مقالًا. والثانية: إبهام صاحب الحسن. والثالثة: الإرسال. ورواه الخطيب في "التاريخ" من حديث سفينة بسند مسلسل بالمجاهيل بنحوه. فالطريقان ضعيفتان على إرسالهما، والموصول ساقط، وذكر الشرك - وهو النعل - في وصف النبيّ - ﷺ - منكر تقشعرّ له الأبدان ولا يصدر عن التابعين بإحسان.
[ ٢٤٦ ]
وكانَ يَعْرِضُ القرآنَ [كلَّ عامٍ] على جبريلَ مرَّةً، فعَرَضَهُ ذلكَ العامَ مرَّتينِ (^١).
وكانَ يَعْتكِفُ العشرَ الأواخرَ مِن رمضانَ كلَّ عامٍ، فاعْتكَفَ في ذلكَ العامِ عشرينَ، وأكْثَرَ مِن الذِّكرِ والاستغفارِ (^٢).
قالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: كان رسولُ اللهِ - ﷺ - في آخرِ أمرِهِ لا يقومُ ولا يَقْعُدُ ولا يَذْهَبُ ولا يَجيءُ إلَّا قالَ: "سبحانَ اللهِ وبحمدِهِ". فذَكَرْتُ ذلكَ لهُ. فقالَ: "إنِّي أُمِرْتُ بذلكَ"، وتَلا هذهِ السُّورة (^٣). (^٤).
وقالَتْ عائِشَةُ ﵂: كانَ رسولُ اللهِ - ﷺ - يُكْثِرُ أنْ يَقولَ قبلَ موتِهِ: "سبحانَ اللهِ وبحمدهِ، أسْتَغْفِرُ الله وأتوبُ إليهِ". فقُلْتُ لهُ: إنَّكَ تَدْعو بدعاءٍ لمْ تَكُنْ تَدْعو بهِ قبلَ اليومِ. قالَ: "إنَّ ربِّي أخْبَرَني أنِّي سَأرى عَلَمًا في أُمَّتي، وأنِّي إذا رَأيْتُهُ أنْ أُسَبِّحَ بحمدِهِ وأسْتَغْفِرَهُ، وقد رَأيْتُهُ". ثمَّ تَلا هذهِ السُّورَة (^٥).
إذا كانَ سيدُ المحسنينَ يُؤْمَرُ بأنْ يَخْتِمَ أعمالَهُ بالحسنى؛ فكيفَ يَكونُ حالُ المذنبِ المسيءِ المتلوِّثِ بالذُّنوبِ المحتاجِ إلى التَّطهيرِ؟!
مَن لمْ يُنْذِرْهُ باقترابِ أجلِهِ وحيٌ؛ أنْذَرَهُ الشَّيبُ وسلبُ أقرانِهِ بالموتِ.
كَفى مُؤْذِنًا بِاقْتِرابِ الأجَلْ … شَبابٌ تَوَلَّى وَشَيْبٌ نَزَلْ
وَمَوْتُ الِلداتِ وهَلْ بَعْدَه (^٦) … بَقاءٌ يُؤَمِّلُهُ مَنْ عَقَلْ
_________________
(١) رواه: البخاري (٧٩ - الاستئذان، ٤٣ - من ناجى بين يدي الناس، ١١/ ٧٩/ ٦٢٨٥ و٦٢٨٦)، ومسلم (٤٤ - الصحابة، ١٥ - فضائل فاطمة، ٤/ ١٩٠٤/ ٢٤٥٠)؛ من حديث عائشة ﵂.
(٢) رواه البخاري (٣٣ - الاعتكاف، ١٧ - اعتكاف العشر الأوسط، ٤/ ٢٨٤/ ٢٠٤٤) عن أبي هريرة.
(٣) في خ: "آخر عمره … وتلا هذه الآية"! وما أثبتّه من م ون وط أولى بمصادر التخريج.
(٤) (صحيح). رواه: الطبري (٣٨٢٤٨)، وابن مردويه (الدرّ - النصر)؛ من طريق مسلسلة بالثقات، عن الشعبيّ، عن أُمّ سلمة … به. قال ابن كثير: "غريب". قلت: رجاله ثقات، وسماع الشعبيّ من أُمّ سلمة قويّ راجح، والمتن لا تعوزه الشواهد، ولذلك قوّاه القاري وغيره.
(٥) رواه: البخاري (١٠ - الأذان، ١٢٣ - الدعاء في الركوع، ٢/ ٢٨١/ ٧٩٤)، ومسلم (٤ - الصلاة، ٤٢ - ما يقال عند الركوع، ١/ ٣٥١/ ٤٨٤). وهذا اللفظ لمسلم.
(٦) في خ: "وموت الأخلّاء هل بعده"، والأولى ما أثبتّه من م ون وط. ولدات الرجل: أترابه الذين يقاربونه في العمر.
[ ٢٤٧ ]
إذا ارْتَحَلَتْ قُرَناءُ الفَتى … عَلى حُكْمِ رَيْبِ المَنونِ ارْتَحَلْ
قالَ وُهَيْبُ بنُ الوَرْدِ: إنَّ للهِ مَلَكًا يُنادي في الماءِ كلَّ يومٍ وليلةٍ (^١): أبناءَ الخمسينَ! زرعٌ دَنا حصادُهُ. أبناءَ السِّتِّينَ! هَلُمُّوا إلى الحسابِ. أبناءَ السَّبعينَ! ماذا قَدَّمْتُمْ وماذا أخَّرْتُم؟ أبناء الثَّمانينَ! لا عذرَ لكُم.
وعن وَهْبٍ؛ قالَ: يُنادي منادٍ: أبناءَ السِّتَينَ! عُدُّوا أنفسَكُم في الموتى (^٢).
وفي "صحيح البخاري" (^٣): عن أبي هُرَيْرَةَ ﵁، عن النَّبيِّ - ﷺ -؛ قالَ: "أعْذَرَ اللهُ إلى مَن بَلَّغَهُ ستِّينَ مِن عمرِهِ".
وفي حديث آخرَ: "إذا كانَ يومُ القيامةِ؛ نودِيَ: أينَ أبناءُ السِّتِّينَ؟ وهوَ العمُرُ الذي قالَ اللهُ فيهِ: ﴿أوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ ما يَتَذَكَّرُ فيهِ مَن تَذَكَّرَ﴾ [فاطر: ٣٧] " (^٤).
وفي التِّرْمِذِيِّ عنهُ؛ قالَ: "أعمارُ أُمَّتي ما بينَ السِّتِّينَ إلى السَّبعينَ، وأقلُّهُم مَن يَجوزُ ذلكَ" (^٥).
_________________
(١) في خ: "كلّ ليلة ويوم"، والأولى ما أثبتّه من م ون وط.
(٢) مثل هذا يحتاج إلى سند ثابت إلى من لا ينطق عن الهوى، وهيهات! والراجح فيما أرى أنّه من أخبار أهل الكتاب التي أكثر منها وهيب ووهب. والله أعلم.
(٣) (٨١ - الرقاق، ٥ - من بلغ ستّين سنة، ١١/ ٢٣٨/ ٦٤١٩).
(٤) (ضعيف جدًّا). رواه: الطبري (٢٩٠٣١)، وابن المنذر (فاطر ٣٧ - الدرّ)، وابن أبي حاتم (فاطر ٣٧ - ابن كثير)، والطبراني في "الكبير" (١١/ ١٤٢/ ١١٤١٥) و"الأوسط" (٧٩٢١ و٩١٣٤)، والرامهرمزي في "الأمثال" (٢٧)، وابن مردويه (فاطر ٣٧ - درّ)، والبيهقي (٣/ ٣٧٠) وفي "الشعب" (١٠٢٥٤) و"الزهد" (٦١٨)؛ من طريق إبراهيم بن الفضل، عن ابن أبي حسين المكّيّ، عن عطاء، عن ابن عبّاس … رفعه. قال ابن كثير: "فيه نظر لحال إبراهيم بن الفضل المخزومي". وقال الهيثمي (٧/ ١٠٠): "فيه إبراهيم بن الفضل المخزومي وهو ضعيف". قلت: بل متروك. وقال الألباني: "ضعيف جدًّا".
(٥) (صحيح). رواه: ابن ماجه (٣٧ - الزهد، ٢٧ - الأمل والأجل، ٢/ ١٤١٥/ ٤٢٣٦)، والترمذي (٤٩ - الدعوات، ١٠٢ - دعاؤه - ﷺ -، ٥/ ٥٥٣/ ٣٥٥٠)، وأبو يعلى (٥٩٩٠)، وابن حبّان (٢٩٨٠)، وأبو الشيخ في "الطبقات (٤/ ٣٠٤)، والإسماعيلي في "معجم الشيوخ" (١/ ٥٠٣/ ١٥١)، وابن منده في "التوحيد"، والحاكم (٢/ ٤٢٧)، والثعلبي في "التفسير"، والقضاعي (٢٥٢)، والبيهقي (٣/ ٣٧٠)، والخطيب في "التاريخ" (٦/ ٣٩٧، ١٢/ ٤٢)، والبغوي في "التفسير" (٤/ ٥٢٩)، والمزّي في "التهذيب" (٦/ ٢٠٧ - ٢١٠)، والذهبي في "النبلاء" (١٥/ ٧٤)؛ من طريق عبد الرحمن بن محمّد المحاربي، عن محمّد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة … رفعه. قال الترمذي: "حسن غريب". قلت: من أجل عبد الرحمن بن محمّد المحاربي؛ ففيه كلام لا ينحطّ بحديثه عن رتبة الحسن.
[ ٢٤٨ ]
وفي حديثٍ آخرَ: "معتركُ المنايا ما بينَ السِّتِّينَ إلى السَّبعينَ" (^١).
وفي حديثٍ آخرَ: "إنَّ لكلِّ شيءٍ حصادًا، وحصادُ أُمَّتي ما بينَ السِّتِّينَ إلى السَّبعينَ" (^٢).
وفي هذا المعتركِ قُبِضَ النَّبيُّ - ﷺ -.
قالَ سُفْيانُ الثَّورِيُّ: مَن بَلَغَ سنَّ رسولِ اللهِ - ﷺ -؛ فلْيَتَّخِذْ لنفسِهِ كفنًا.
وإنَّ امْرَأً قدْ سارَ (^٣) سِتِّينَ حِجَّةً … إلى مَنْهَلٍ مِن وُرْدِهِ لَقَريبُ
قالَ الفُضَيْلُ لرجلٍ: كم أتى عليكَ؟ قالَ: ستُّونَ سنةً. قالَ لهُ: أنتَ منذُ ستِّينَ سنة تَسيرُ إلى ربِّكَ، يوشِكُ أَنْ تَبْلُغَ. فقالَ الرَّجلُ: إنَّا للهِ وإنَّا إليهِ راجعونَ. فقالَ الفُضيْلُ: مَن عَلِمَ أنَّهُ للهِ عبدٌ وأنَّهُ إليهِ راجعٌ؛ فلْيَعْلَمْ أنَّهُ موقوفٌ وأنَّهُ مسؤولٌ، فلْيُعِدَّ للمسألةِ جوابا. فقالَ لهُ الرَّجلُ: فما الحيلةُ؟ قالَ: يسيرةٌ. قالَ: [فـ]ـما هيَ؟ قالَ: تُحْسِنُ فيما بَقِيَ فيُغْفَرُ لكَ ما مَضى؛ فإنَّكَ إنْ أسَأْتَ فيما بَقِيَ؛ أُخِذْتَ بِما مَضى وبما بقِيَ.
خُذْ في جِدٍّ فَقَدْ تَوَلَّى العُمُرُ … كَمْ ذا التَّفْريطُ قَدْ تَدانى الأمْرُ
أقْبِلْ فَعَسى يُقْبَلُ مِنْكَ العُذْرُ … كَمْ تَبْني كَمْ تَنْقُضُ كَمْ ذا الغَدْرُ
_________________
(١) =ورواه: الترمذي (٣٧ - الزهد، ٢٣ - فناء أعمار هذه الأُمّة، ٤/ ٥٦٦/ ٢٣٣١)، وابن أبي الدنيا (فاطر ٣٧ - ابن كثير)، وأبو يعلى (٦٦٥٦)، والطبراني في "الأوسط" (٥٨٦٨)، وابن عدي (٦/ ٢١٠١)؛ من طريق كامل أبي العلاء، عن أبي صالح السمّان، عن أبي هريرة … رفعه. قال الترمذي: "حسن غريب". قلت: حديث كامل لا يبلغ أن يحسن، نعم؛ هو صالح في الشواهد. وله شاهد ضعيف عن أنس بن مالك عند: أحمد في "العلل" (٢٢٣١)، وأبي يعلى (٢٩٠٢)، والروياني في "المسند" (١٣٧٢). والحديث صحيح بطريقيه، فضلًا عن شاهده، وقد قوّاه جماعة منهم الترمذي وابن حبّان والحاكم والذهبي وابن كثير والعسقلاني والألباني.
(٢) (ضعيف جدًّا). رواه: أبو يعلى (٦٥٤٣)، والحكيم في "النوادر" (٤٢٦٩٦ - كنز)، والرامهرمزي في "الأمثال" (٢٦)، والعسكري، والقضاعي (٢٥١)، والبيهقي في "الشعب" (١٠٢٥٣)، والخطيب (٥/ ٤٧٦)، ورزين (٣٩٤١ - جامع الأصول)؛ عن إبراهيم بن الفضل، عن المقبري، عن أبي هريرة … رفعه. قال ابن كثير: "إسناده ضعيف". وقال العسقلاني في "الفتح" (١١/ ٢٣٩): "إبراهيم ضعيف". قلت: جدًّا متروك الحديث، فالسند شديد الضعف، وإلى ذلك مال الألباني.
(٣) (ضعيف). رواه ابن عساكر (٤٧٢١ - ضعيف الجامع)، ولم أقف عليه، وقد ضعّفه الألباني.
(٤) في خ: "قد عاش"، والأولى ما أثبتّه من م ون وط.
[ ٢٤٩ ]
• وما زالَ - ﷺ - يُعَرِّضُ باقترابِ أجلِهِ في آخرِ عمرِهِ:
فإنَّهُ لمَّا خَطَبَ في حجَّةِ الوداعِ؛ قالَ للنَّاسِ: "خُذوا عنِّي مناسكَكُم، فلعلِّي لا أَلْقاكُم بعدَ عامي هذا" (^١). وطَفِقَ يُوَدِّعُ النَّاسَ، فقالوا: هذهِ حجَّةُ الوداعِ.
فلمَّا رَجَعَ مِن حجَّتِهِ إلى المدينةِ؛ جَمَعَ النَّاسَ بماءٍ يُدْعى خُمًّا في طريقِهِ بينَ مَكَّةَ والمدينةِ، فخَطَبَهُم وقالَ: "أيُّها النَّاسُ! إنَّما أنا بشرٌ (^٢)، يُوشِكُ أنْ يَأْتِيَني رسولُ ربِّي فأُجيبَ". ثمَّ حَضَّ على التَّمسُّكِ بكتابِ اللهِ، ووَصى بأهلِ بيتِهِ (^٣).
• ثمَّ إنَّهُ - ﷺ - لمَّا بَدَأ بهِ مرضُ الموتِ؛ خُيِّرَ بينَ لقاءِ اللهِ وبينَ زهرةِ الدُّنيا والبقاءِ فيها [ما شاءَ اللهُ] فاخْتارَ لقاءَ اللهِ وخَطَبَ النَّاسَ وأشارَ إليهِم بذلكَ إشارةً مِن غيرِ تصريحٍ.
وكانَ ابتداءُ مرضِهِ في أواخرِ شهرِ صَفَرَ.
وكانَتْ مدَّةُ مرضِهِ ثلاثةَ عشرَ يومًا في المشهورِ. وقيلَ: أربعةَ عشرَ يومًا. وقيلَ: اثنا عشرَ يومًا. وقيلَ: عشرةُ أيام. وهو غريبٌ.
وكانَتْ خطبتُهُ التي خَطَبَ بها في حديثِ أبي سَعيدٍ هذا الذي نتكَلَّمُ عليهِ هاهُنا في ابتداءِ مرضِهِ.
ففي "المسند" و"صحيح ابن حِبَّان": عن أبي سَعيدٍ؛ قالَ: خَرَجَ إلينا رسولُ اللهِ - ﷺ - في مرضِهِ الذي ماتَ فيهِ وهوَ معصوبُ الرَّأْسِ، فقامَ على المنبرِ، فقالَ: "إنَّ عبدًا عُرِضَتْ عليهِ الدُّنيا وزينتُها، فاخْتارَ الآخرةَ". قالَ: فلمْ يَفْطَنْ لها أحدٌ مِن القومِ إلَّا أبو بَكْرٍ، فقالَ: بأبي وأُمِّي، بل نَفْديكَ بأموالِنا وأولادِنا وأنفسِنا. قالَ: ثمَّ هَبَطَ عن المنبرِ فَما رُئِيَ عليهِ حتَّى السَّاعةِ (^٤).
_________________
(١) رواه مسلم (١٥ - الحجّ، ٥١ - استحباب رمي جمرة العقبة، ٢/ ٩٤٣/ ١٢٩٧).
(٢) في خ: "بشر مثلكم "، وهذا وهم من الناسخ ليس في متن الحديث ولا في م ون وط.
(٣) رواه مسلم (٤٤ - الصحابة، ٤ - فضائل علي، ٤/ ١٨٧٣/ ٢٤٠٨) من حديث زيد بن أرقم.
(٤) (صحيح). رواه: ابن أبي شيبة (٣٧٠٢٦)، وابن سعد (٢/ ٢٣٠)، وأحمد في "المسند" (٣/ ٩١) و"فضائل الصحابة" (١٥٤)، وعبد بن حميد (٩٦٤)، والدارمي (١/ ٣٦)، وأبو يعلى (١١٥٥)، وابن حبّان (٦٥٩٣)، والحاكم (٤/ ٢٨٢)؛ من طريق أنيس بن أبي يحيى، عن أبيه، عن أبي سعيد … رفعه.
[ ٢٥٠ ]
وفي "المسند": عن أبي مُوَيْهِبَةَ؛ أن النَّبيَّ - ﷺ - خَرَجَ ليلةً إلى البقيعِ، فاسْتَغْفَرَ لأهلِ البقيعِ، وقالَ: "لِيَهْنِكُم ما أصبَحْتُمْ فيهِ ممَّا أصْبَحَ فيهِ النَّاسُ. أقْبَلَتِ الفتنُ كقطعِ الليلِ المظلمِ، يَتْبَعُ بعضُها بعضًا، يَتْبَعُ آخرُها أوَّلَها، الآخرةُ شرٌّ مِن الأُولى". ثمَّ قالَ: "يا أبا مُوَيْهِبَةَ! إنِّي قد أُعْطيتُ خزائنَ الدُّنيا والخلدَ ثمَّ الجنة، فخُيِّرْتُ بينَ ذلكَ وبينَ لقاءِ ربِّي والجنَّةِ، فاخْتَرْتُ لقاءَ ربِّي والجنَّةَ". ثمَّ انْصَرَفَ. فابْتَدَأهُ وجعُهُ الذي قَبَضَهُ اللهُ فيهِ (^١).
لمَّا قَوِيَتْ معرفةُ الرَّسولِ - ﷺ - بربِّهِ؛ ازْدادَ حبُّهُ وشوقُهُ إلى لقائِهِ، فلمَّا خُيِّرَ بينَ البقاءِ في الدُّنيا وبينَ لقاءِ ربِّهِ؛ اخْتارَ لقاءَهُ على خزائنِ الدُّنيا والبقاءِ فيها.
سُئِلَ الشِّبْلِيُّ: هلْ يَقْنَعُ المحبُّ بشيءٍ مِن حبيبِهِ دونَ مشاهدتِهِ؟ فأنْشَدَ:
_________________
(١) = قال الحاكم: "على شرط الشيخين"، ووافقه الذهبي، قلت: أبو يحيى - واسمه سمعان - لا ينزل حديثه عن رتبة الحسن، بل هو فوق ذلك. وأصل الحديث عند الشيخين كما سيأتي قريبًا، لكن ليس عندهما ذكر خروجه - ﷺ - عاصب الرأس، وإنّما جاء خروجه عاصب الرأس عندهما من حديث ابن عبّاس.
(٢) (حسن صحيح). رواه: ابن إسحاق في "السيرة" (٤/ ٣٢٠ - ابن هشام)، وخليفة بن خيّاط (٤/ ١٨٨ - إصابة)، وابن أبي شيبة (١١٧٨٩)، وأحمد (٣/ ٤٨٨ و٤٨٩)، والدارمي (١/ ٣٦)، والبخاري في "التاريخ" (٥/ ٤٤٥) و"الكنى" (٧٣)، وابن أبي عاصم في "الآحاد" (٤٦٧)، والبزّار (٨٦٣ - كشف)، والروياني (١٥٠٨)، والدولابي في "الكنى" (٣٣٣ و٣٣٤)، والطبري في "التاريخ" (٢/ ٢٢٦)، والطبراني (٢٢/ ٣٤٦ و٨٧١ و٨٧٢)، والدارقطني في "العلل" (١١٨٤)، والحاكم (٣/ ٥٥ و٥٦)، والبيهقي في "الدلائل" (٧/ ١٦٢ و١٦٣)، والخطيب (٨/ ٢٢٢)، وابن عبد البرّ في "التمهيد" (٢٠/ ١١١)، وابن عساكر (٤/ ٢٩٨ - ٣٠٠)، وابن الأثير في "الغابة" (٥/ ١١٢)؛ من طريقين، عن عبيد بن حنين (وتحرّف مرّة إلى عبيد بن جبير)، [عن ابن عمرو]، عن أبي مويهبة … رفعه. وفيه علّتان: أولاهما: أنّ الطريقين إلى عبيد فيهما ضعف، في الأولى الحكم بن فضيل مقبول، وفي الثانية عبد الله بن عمر العبلي مجهول، والثانية: أنّهم اختلفوا في إثبات عبد الله بن عمرو وإسقاطه، ورجّح الدارقطني إثباته، والطريق التالية تدلّ على صحّة هذا الترجيح. ورواه: الدولابي في "الكنى" (٣٣٥)، وأبو نعيم في "الحلية" (٢/ ٢٧)، وابن عساكر في "التاريخ" (٤/ ٣٠٠)؛ من طريق ابن إسحاق، عن أبي مالك بن ثعلبة، عن عمر بن الحكم بن ثوبان، عن ابن عمرو، عن أبي مويهبة … رفعه. وأبو مالك مستور. ورواه ابن سعد (٢/ ٢٠٤) عن محمّد بن عمر، عن إسحاق بن يحيى بن طلحة، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه، عن أبي مويهبة … رفعه، والواقديّ متّهم وإسحاق متروك. فالحديث حسن بطريقيه الأوليين، والثالثة إن لم تفده فلن تضرّه، ولمفرداته شواهد عدّة من مخرّجات الصحيحين وغيرهما، فهو صحيح بها، وقد قوّاه الحاكم وابن عبد البر والذهبي والهيثمي والعسقلاني.
[ ٢٥١ ]
واللهِ لَوْ أنَّكَ تَوَّجْتَني … بِتاجِ كِسْرى مَلِكِ المَشْرِقِ
وَلَوْ بِأمْوالِ الوَرى جُدْتَ لي … أمْوالِ مَنْ بادَ وَمَنْ قَدْ بَقِي
وَقُلْتَ [لي] لا نَلْتَقي ساعَةً … إِخْتَرْتُ يا مَوْلايَ أنْ نَلْتَقي
• لمَّا عَرَّضَ الرَّسول - ﷺ - على المنبرِ باختيارِهِ اللقاءَ على البقاءِ ولمْ يُصَرِّحْ؛ خَفِيَ المعنى على كثيرٍ ممَّن سَمعَ، ولمْ يَفْهَمِ المقصودَ غيرُ صاحبِهِ الخصيصِ بهِ ثانِي اثْنَيْنِ إذْ هُما في الغارِ، وكانَ ﵁ أعلمَ الأُمَّةِ بمقاصدِ النَّبيِّ - ﷺ -، فلمَّا فَهِمَ المقصودَ مِن هذهِ الإشارةِ؛ بَكَى وقال: بل نَفْديكَ بأموالِنا وأنفسِنا وأولادِنا، فسَكَّنَ الرَّسول - ﷺ - جزعَهُ، وأخَذَ في مدحِهِ والثَّناءِ عليهِ على المنبرِ؛ لِيَعْلَمَ النَّاسُ كلهُم فضلَهُ، فلا يَقَعُ عليهِ اختلافٌ في خلافتِهِ:
فقال: "إنَّ مِن أمنِّ النَّاسِ عليَّ في صحبتِهِ ومالِهِ أبو بَكْرٍ" (^١).
وفي روايةٍ أخرى أنَّهُ قال: "ما لأحدٍ عندَنا يدٌ إلَّا وقدْ كافَيْناهُ، ما خَلا أبا بَكْرٍ؛ فإنَّ لهُ عندَنا يدًا يُكافِئُهُ اللهُ يومَ القيامةِ بها، وما نَفَعَني مالُ أحدٍ قطُّ ما نَفَعَني مالُ أبي بَكْرٍ" (^٢). خَرَّجَهُ التِّرْمِذِيُّ.
ثمَّ قال - ﷺ -: "لو كُنْتُ متَّخذًا مِن أهلِ الأرضِ خليلًا؛ لاتَّخَذْتُ أبا بَكْرٍ خليلًا، ولكنْ أُخوَّةُ الإسلامِ" (^٣).
لمَّا كانَ الرَّسول ﷺ خليلَ اللهِ؛ لمْ يَصْلُحْ لهُ أنْ يُخالِلَ مخلوقًا؛ فإنَّ الخليلَ مَن جَرَتْ محبّةُ خليلِهِ منهُ مجرى الرُّوحِ، ولا يَصْلُحُ هذا
_________________
(١) رواه: البخاري (٨ - الصلاة، ٨٠ - الخوخة والممرّ، ١/ ٥٥٨/ ٤٦٦)، ومسلم (٤٤ - الصحابة، ١ - فضل أبي بكر، ٤/ ١٨٥٤/ ٢٣٨٢)؛ من حديث أبي سعيد الخدريّ.
(٢) (ضعيف بهذا التمام). رواه الترمذي (٥٠ - المناقب، ١٥ - باب، ٥/ ٦٠٩/ ٣٦٦١) من طريق محبوب بن محرز، عن داوود الأودي، عن أبيه، عن أبي هريرة … رفعه. قال الترمذي: "حسن غريب". قلت: محبوب ليّن، وداوود ضعيف، وقد تفرّدا بهذا السياق على ما فيه من الزيادات التي لم تأت في شيء من طرق حديث أبي هريرة ولا الأحاديث الأُخرى التي ساقها أهل العلم في الباب. ومع هذا فقد صحّحه الألباني في "صحيح سنن الترمذي"، فكأنّه نظر للمعنى العامّ ولم يتفرّغ للتحقيق فيما فيه من الزيادة. والله أعلم.
(٣) قطعة من حديث أبي سعيد المتّفق عليه الذي تقدّم تخريجه آنفا.
[ ٢٥٢ ]
لبشرٍ (^١)، كما قيلَ:
قَدْ تَخَلَّلْتِ مَسْلَكَ الرُّوحِ مِنِّي … وَبِذا سُمِّيَ الخَليلُ خَليلا
ولهذا المعنى قيلَ: إنَّ إبْراهيمَ الخليلَ ﵇ أُمِرَ بذبحِ ولدهِ، ولمْ يَكُنِ المقصودُ إراقةَ دمِ الولدِ، بل تفريغُ محلِّ الخلَّةِ لمَن لا يَصْلُحُ أنْ يُزاحِمَهُ فيها أحدٌ.
أرُوحُ وَقَدْ خَتَمْتُ عَلى فُؤادي … بِحُبِّكَ أنْ يَحِلَّ بهِ سواكا
فَلَوْ أنِّي اسْتَطَعْتُ غَضَضْتُ طَرْفي … فَلَمْ أنْظُرْ بِهِ حتَّى أراكا
ثمَّ قالَ - ﷺ -: "لا يَبْقَيَنَّ خوخةٌ في المسجدِ إلَّا سُدَّتْ إلَّا خوخةَ أبي بَكْرٍ" (^٢). وفي روايةٍ: "سُدُّوا هذهِ الأبوابَ (^٣) الشَّارعَةَ في المسجدِ؛ إلَّا بابَ أبي بَكْرٍ" (^٤). وفي هذا
_________________
(١) يعني: لا يصلح أن يكون هذا من النبيّ - ﷺ - لبشر.
(٢) قطعة من حديث أبي سعيد المتّفق عليه الذي تقدَّم تخريجه آنفًا.
(٣) في خ: "سدّوا جميع الأبواب"، وما أثبتّه من م ون وط أولى بألفاظ مصادر التخريج.
(٤) (صحيح). وقد جاء بهذا اللفظ عن جماعة من الصحابة: • قال ابن أبي حاتم (٢٦٧٢): "سألت أبي عن حديث رواه علي بن الحسن عن محمد بن سلمة عن ابن إسحاق عن الزهري عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، عن أبيه … رفعه؟ فقال أبي: منكر بهذا الإسناد". • ورواه: ابن سعد (٢/ ٢٢٧)، وابن عدي (٤/ ١٥٢٣)؛ من طرق ثلاث، عن الليث بن سعد، عن يحيى بن سعيد، [عن أنس] … رفعه. قال ابن عديّ: "لا أعلم وصل هذا الحديث عن الليث غير عبد الله بن صالح". قلت: ورواه ابن بكير وقتيبة بن سعيد عن الليث عن يحيى مرسلًا، وعبد الله صالح في الشواهد، فلا تقوم روايته لرواية الثقتين اللذين روياه مرسلًا، فالصواب في هذا أنّه مرسل قويّ. • ورواه: ابن سعد (٢/ ٢٢٨)، والطبري في "التاريخ" (٢/ ٢٢٧)، والطبراني في "الكبير" (١٩/ ٣٤٢/ ٧٩١) و"الأوسط" (٧٠١٣)، والبيهقي في "الدلائل" (٧/ ١٧٧)، وابن عبد البرّ في "التمهيد" (٢١/ ٢٣٠)؛ من طرق، عن الزهريّ، عن أيّوب بن بشير الأنصاري، [عن بعض الصحابة، وقال مرّة: عن معاوية] … رفعه. رجّح أبو حاتم في "العلل، (٢٥٩٥) إرساله، وقال الهيثمي (٩/ ٤٦١) عن الموصول من حديث معاوية: "إسناده حسن". قلت: للموصول بذكر بعض الصحابة أكثر من طريق صحيحة. • ورواه: الدارمي (١/ ٣٨)، وابن أبي عاصم في، السنّة" (١٢٤٢)، وعبد الله بن أحمد في "فضائل الصحابة" (٣٣ و٥١٢ و٦٢٩)، والطبري في "التاريخ" (٢/ ٢٢٩)، وابن أبي حاتم في "العلل" (٢٥٩٥)، وابن حبّان (٦٨٥٧)، والدولابي في "الكنى" (٨٥٨)، وابن عدي (١/ ٢٢٦)، والحاكم في "المعرفة" (ص ٩٩)، والخطيب في "الجمع والتفريق" (٢/ ٣٦٤)، وابن عساكر في "التاريخ" (٣٠/ ٢٥٣ - ٢٥٦)؛ من طرق، عن الزهري وغيره، عن عروة، عن عائشة … رفعته. وهذا سند صحيح. وحديث عائشة وحده كفيل بتصحيح المتن بهذا اللفظ، فكيف إذا انضمّت إليه الشواهد المتقدّمة، وليس فيها شاهد دون حدّ الاعتبار؟! فكيف ولمعناه شواهد في الصحيحين؟!
[ ٢٥٣ ]
إشارةٌ إلى أن أبا بَكْرٍ ﵁ هوَ الإمامُ بعدَهُ؛ فإنَّ الإمامَ يَحْتاجُ إلى سكنى المسجدِ والاستطراقِ فيهِ بخلافِ غيرِهِ، وذلكَ مِن مصالحِ المسلمينَ المصلِّينَ في المسجدِ.
ثمَّ أكَّدَ هذا المعنى بأمرِهِ صريحًا أنْ يُصَلِّيَ بالنَّاسِ أبو بَكْرٍ، فرُوجِعَ في ذلكَ، فغَضِبَ وقالَ: "مُروا أبا بَكْرٍ يُصَلِّي (^١) بالنَّاس" (^٢). فوَلَّاه إمامةَ الصَّلاةِ دونَ غيرِهِ، وأبْقى استطراقَهُ مِن دارِه إلى مكانِ الصَّلاةِ، وسَدَّ استطراقَ غيرِهِ. وفي هذا إشارةٌ واضحةٌ إلى استخلافِهِ على الأمَّةِ دونَ غيرِهِ.
ولهذا قالَتِ الصَّحابةُ ﵃ عندَ بيعةِ أبي بَكْر: رَضِيَهُ رسولُ اللهِ - ﷺ - لدينِنا، أفلا نَرْضاهُ لدنيانا؟ ولمَّا قالَ أبو بكْرٍ: قد أقَلْتكُمْ بيعتي. قالَ عَلِيٌّ: لا نَقيلُكَ ولا نَسْتَقيلُكَ، قَدَّمَكَ رسولُ اللهِ - ﷺ -، فمَن ذا يُؤَخِّرُكَ (^٣)؟!
لمَّا انْطَوى بساطُ النُّبوَّةِ مِن الأرضِ بوفاةِ الرَّسولِ - ﷺ -؛ لمْ يَبْقَ على وجهِ الأرضِ أكملُ مِن درجةِ الصِّدِّيقيَّةِ، وأبو بَكْرٍ رأْسُ الصِّدَيقينَ، فلهذا اسْتَحَقَّ خلافةَ الرَّسولِ - ﷺ - والقيامَ مقامَهُ.
وكانَ النَّبيُّ - ﷺ - قد عَزَمَ على أنْ يَكْتُبَ لِأبي بَكْرٍ كتابًا لئلَّا يُخْتَلَفَ عليهِ، ثمَّ أعْرَضَ عن ذلكَ؛ لعلمِهِ أنَّهُ لا يَقَعُ غيرُهُ، وقالَ: "يَأْبى اللهُ والمؤمنونَ إلَّا أبا بَكْرٍ" (^٤). وربَّما كانَ تَرَكَ ذلكَ لئلَّا يَتَوَهَّمَ متوهِّم أن نصَّهُ على خلافتِهِ كانَتْ مكافأةً ليدِهِ التي كانَتْ لهُ. والولاياتُ كلُّها لا يُقْصَدُ بها مصلحةُ المُوَلَّى، بل مصلحةُ المسلمينَ عامَّةً.
_________________
(١) في خ: "أن يصلي"، وما أثبتّه من م ون وط أولى بمصادر التخريج.
(٢) رواه: البخاري (٦٠ - الأنبياء، ١٩ - ﴿لقد كان في يوسف وإخوته﴾، ٦/ ٤١٧/ ٣٣٨٤ و٣٣٨٥)، ومسلم (٤ - الصلاة، ٢١ - استخلاف الإمام، ١/ ٣١١/ ٤١٨ و٤٢٠)؛ عن عائشة وأبي موسى على الترتيب.
(٣) جاء هذا عند: أحمد في "فضائل الصحابة" (١٠١ و١٠٢ و١٣٣)، والخلّال في "السنّة" (٣٧٢)، وأبي الشيخ في "الطبقات" (٣/ ٥٧٥)؛ من أوجه ضعيفة، عن أبي الجحّاف داوود بن أبي عوف. فأحسن ما يقال فيه أنّه معضل، وفيه نكارة من جهة أنّه من المستبعد أن يتراجع أبو بكر عن حمل أمانة الأُمّة والاضطلاع بمهمّاتها الثقيلة، ولذلك قال ابن تيميّة: "كذب، ليس في شيء من كتب الحديث ولا له إسناد معلوم".
(٤) رواه: البخاري (٧٥ - المرضى، ١٦ - ما رخّص للمريض، ١٠/ ١٢٣/ ٥٦٦٦)، ومسلم (٤٤ - الصحابة، ١ - فضائل أبي بكر، ٤/ ١٨٥٧/ ٢٣٨٧)؛ من حديث عائشة.
[ ٢٥٤ ]
• كانَ أوَّلَ ما ابْتُدِئَ بهِ رسولُ اللهِ - ﷺ - مِن مرضِهِ وجعُ رأْسِهِ. ولهذا خَطَبَ وقدْ عَصَبَ رأْسَهُ بعصابة دسماء (^١). وكانَ صداعُ الرَّأْسِ والشَّقيقةُ يَعْتَريهِ كثيرًا في حياتِهِ ويَتَألَّمُ منهُ أيَّامًا.
وصداعُ الرَّأْسِ مِن علاماتِ أهلِ الإيمانِ وأهلِ الجنَّةِ.
وقد رُوِيَ عن النَّبيِّ - ﷺ - أنَّهُ وَصَفَ أهلَ النَّارِ فقالَ: "هُمُ الذينَ لا يَأْلَمونَ رؤوسَهُم" (^٢).
ودَخَلَ عليهِ أعرابيٌّ، فقالَ لهُ: "يا أعرابيُّ! هل أخَذَكَ هذا الصُّداعُ؟ ". فقالَ: وما الصُّداعُ؟ قالَ: "عروقٌ تَضْرِبُ على الإنسانِ في رأْسِهِ". فقالَ: ما وَجَدْتُ هذا. فلمَّا وَلَّى الأعرابيُّ؛ قالَ النَّبيُّ - ﷺ -: "مَن أحَبَّ أنْ يَنظُرَ إلى رجلٍ مِن أهلِ النَّارِ؛ فلْيَنْظُرْ إلى هذا" (^٣). خَرَّجَهُ الإمامُ أحْمَدُ والنَّسائِيُّ.
_________________
(١) رواه البخاري (١١ - الجمعة، ٢٩ - من قال في الخطبة أمّا بعد، ٢/ ٤٠٤/ ٩٢٧) عن ابن عبّاس.
(٢) (ضعيف). رواه: الطيالسي (٢٥٥١)، وأحمد (٢/ ٥٠٨)، والعقيلي (١/ ١٦١)، والبيهقي في "الشعب" (٩٩١٢)؛ من طريق البراء بن يزيد، عن عبد الله بن شقيق، عن أبي هريرة … رفعه. قال العقيلي: "لا يتابع عليه". وقال الهيثمي (٢/ ٢٩٧): "فيه البراء بن يزيد الغنوي، قال ابن عدي: هو عندي أقرب إلى الصدق. قلت: وضعّفه أحمد وغيره". قلت: تفرّد بزيادة القطعة المذكورة في متن الحديث ولم يتابعه عليها أحد، فلو كان صالحًا في المتابعات لما قبلت منه، فكيف وخلاصة أمره الضعف؟!
(٣) (حسن صحيح). رواه: أحمد (٢/ ٣٣٢)، وهنّاد (٤٣٣)، والبخاري في "الأدب" (٤٩٥)، والحارث، والبزّار (٧٧٨ - كشف)، والنسائي في "الكبرى" (٧٤٩١)، وابن حبّان (٢٩١٦)، والحاكم (١/ ٣٤٧)، والبيهقي في "الشعب" (٩٩٠٧)؛ من طرق، عن محمّد بن عمرو بن علقمة، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة … رفعه. قال الحاكم: "على شرط مسلم"، ووافقه الذهبي. قلت: لم يخرّج مسلم لمحمّد بن عمرو في الأصول بل في المتابعات. وقال الهيثمي (٢/ ٢٩٧): "إسناده حسن"، وهو كما قال. ورواه: أحمد (٢/ ٣٦٦)، وأبو يعلى (٦٥٥٦)؛ من طريق أبي معشر، عن سعيد، عن أبي هريرة … رفعه. وهذا سند فيه ضعف من أجل أبي معشر نجيح السندي. وقال البيهقي في "الشعب": "ولهذا شاهد من حديث ابن المسيّب عن أبي هريرة". ولم أقف عليه؛ إلّا أن يكون البيهقي ظنّ سعيدًا المقبريّ في السند المتقدّم هو سعيد بن المسيّب. وله شاهد من حديث أُبيّ بن كعب عند أحمد (٥/ ١٤٢) بسند فيه مجهولان. وآخر من حديث أنس عند الطبراني في "الأوسط" (٥٩٠١) بسند ضعيف. وثالث من حديث زيد بن أسلم مرسلًا عند عبد الرزّاق (٢٠٣١٤) بسند قويّ. فإن لم يكن حديث أبي هريرة صحيحًا بطريقيه المذكورتين فهو صحيح بشواهده، والنصوص التي =
[ ٢٥٥ ]
وقالَ كَعْبٌ: أجِدُ في التَّوراةِ: لولا أنْ يَحْزَنَ عبدي المؤمنُ؛ لَعَصَبْت الكافرَ بعصابة مِن حديدٍ لا يَصَّدَّعُ أبدًا.
وفي "المسند" عن عائشةَ؛ قالَتْ: دَخَلَ عليَّ رسولُ اللهِ - ﷺ - في اليومِ الذي بُدِي فيهِ. فقُلْتُ: وارأْساهُ! فقالَ: "وَدِدْتُ أن ذلكَ كانَ وأنا حي، فهَيَّأْتُكِ ودَفَنْتُكِ". فقُلتُ غَيْرى: كأنِّي بكَ في ذلكَ اليومِ عروسًا ببعضِ نسائكَ! فقالَ: "أنا وارأْساهُ! ادْعوا لي أباكِ وأخاكِ حتَّى أكْتُبَ لأبي بَكْرٍ كتابًا؛ فإنِّي أخافُ أنْ يَقولَ قائلٌ ويَتَمَنَّى متمنٍّ، ويَأْبى اللهُ والمؤمنونَ إلَّا أبا بَكْرٍ" (^١).
وخَرَّجَهُ البُخاريُّ بمعناهُ، ولفظُهُ: إن عائِشَةَ قالَتْ: وارأْساهُ! فقالَ رسولُ اللهِ - ﷺ -: "ذاكِ لو كانَ وأنا حيٌّ، فأسْتَغْفِرَ لكِ وأدْعُوَ لكِ". قالَتْ عائِشَةُ: واثُكْلاهُ! واللهِ؛ إنِّي لأظُنُّكَ تُحِبُّ موتي، ولو كانَ ذلكَ؛ لظَلَلْتَ آخرَ يومِكَ معرِّسًا ببعضِ أزواجِكَ. فقالَ النَّبيُّ - ﷺ -: "بل أنا وارأْساهُ! ". وذَكَرَ بقيَّةَ الحديثِ (^٢).
وفي "المسند" أيضًا عنها؛ قالَتْ: كانَ رسولُ اللهِ - ﷺ - إذا مَرَّ ببابي؛ ممَّا يُلْقي (^٣) الكلمةَ يَنْفَعُ اللهُ بها. فمَرَّ ذاتَ يومٍ فلمْ يَقُلْ شيئًا مرَّتينِ أو ثلاثًا. فقُلْتُ: يا جاريةُ! ضَعي لي وسادةً على البابِ، وعَصَبْتُ رأْسي. فمَرَّ بي، فقالَ: "يا عائِشَةُ! ما شأْنُكِ؟ ". فقُلْتُ: أشْتكي رأْسي. فقالَ: "أنا وارأْساه! ". فذَهَبَ فلمْ يَلْبَثْ إلَّا يسيرًا حتَّى جيءَ بهِ محمولًا في كساءٍ، فدَخَلَ عليَّ، فبَعَثَ إلى النِّساءِ، فقالَ: "إنِّي اشْتكَيْتُ"، [وقالَ]: "إنِّي لا أسْتَطيعُ أنْ أدورَ بينكُن، فائْذَنَّ لي فَلأْكُنْ عندَ عائِشَةَ" (^٤).
_________________
(١) = تشهد لمعناه كثيرة، وبعضها من مخرّجات في البخاري ومسلم، ولذلك مال إلى تقوية حديث الترجمة ابن حبّان والحاكم والبيهقي والذهبي والألباني.
(٢) (صحيح). رواه: ابن سعد (٢/ ٢٠٦)، وأحمد (٦/ ١٤٤)، والنسائى في "الكبرى" (٧٠٨١) و"الوفاة" (٥)؛ من طريق صالح بن كيسان، عن الزهري، [عن عروة]، عن عائشة … رفعته. وهؤلاء ثقات رجال الشيخين، وقد رواه الشخان من طريق أخرى عن عائشة بنحوه جدًّا كما تقدّم آنفًا ويأتي بعده.
(٣) متّفق عليه. تقدّم تخريجه آنفًا عند الكلام عن قوله - ﷺ -: "يأبى الله والمؤمنون إلَّا أبا بكر".
(٤) في خ: "والله إنّي أظنّك … ربّما يلقي"، وما أثبتّه من م ون وط أولى بمصادر التخريج.
(٥) (حسن بهذا التمام). رواه: ابن سعد (٢/ ٢٣٢)، وإسحاق (٣/ ٧٢٨/ ١٣٣٣ و١٧١٨)، وأحمد (٦/ ٢١٩)، وأبو داوود (٦ - النكاح، ٣٩ - القسم بين النساء، ١/ ٦٤٩/ ٢١٣٧) مختصرًا، وأبو يعلى =
[ ٢٥٦ ]
وفيهِ أيضًا عنها؛ قالَتْ: رَجَعَ إليَّ رسولُ اللهِ - ﷺ - ذاتَ يومٍ مِن جنازةٍ بالبقيعِ، وأنا أجِدُ صداعًا في رأْسي، وأنا أقولُ: وارأْساه! قالَ: "بل أنا وارأْساه! ". ثمَّ قالَ: "ما ضَرَّكِ لوْ مُتَ قبلي فغَسَّلْتُكِ وكَفَّنْتُكِ ثمَّ صَلَّيْتُ عليكِ ودَفَنْتُكِ؟ ". فقُلْتُ: لكأنِّي بكَ واللهِ لو فَعَلْتَ [ذلكَ]؛ لقدْ رَجَعْتَ إلى بيتي فأعْرَسْتَ فيهِ ببعضِ نسائِكَ. فتبَسَّمَ - ﷺ -، ثمَّ بُدِئَ في وجعِهِ الذي ماتَ فيهِ (^١).
فقد تَبَيَّنَ أن أوَّلَ مرضِهِ [كانَ] صداعَ الرَّأْسِ.
والظَّاهرُ أنّهُ كانَ معَ حمَّى؛ فإنَّ الحمَّى اشْتَدَّتْ بهِ في مرضِهِ الذي ماتَ فيهِ، فكانَ يَجْلِسُ في مِخْضَبٍ، ويُصَبُّ عليهِ الماءُ مِن سبعِ قِرَب لمْ تُحْلَلْ أوْكِيَتُهُنَّ؛ يَتبَرَّدُ بذلكَ (^٢). وكانَ عليهِ قطيفةٌ، وكانَتْ حرارةُ الحمَّى تُصيبُ مَن وَضَعَ يدَهُ عليهِ مِن فوقِها،
_________________
(١) = (٤٩٦٢)، والبيهقي في "السنن" (٧/ ٢٩٨) مختصرًا و"الدلائل" (٧/ ٢١٣ - ٢١٤)؛ من طرق، عن أبي عمران الجوني، ثنا يزيد بن بابنوس، سمعت عائشة … فذكرته. قال الهيثمي (٩/ ٣٦): "رجال أحمد ثقات". قلت: يزيد بن بابنوس لم يرو عنه إلّا أبو عمران، لكنّهم وثقوه، فأرجو أنّ حديثه هذا حسن، وقد صحّ كثير من مفرداته من أوجه مختلفة.
(٢) (صحيح). رواه: ابن إسحاق (٦/ ٥٥ - ابن هشام)، وأحمد (٦/ ٢٢٨)، والدارمي (١/ ٣٧)، وابن ماجه (٦ - جنائز، ٩ - غسل الرجل امرأته، ١/ ٤٧٠/ ١٤٦٥)، والطبري في "التاريخ" (٢/ ٢٢٦)، والنسائي في "السنن الكبرى" (٧٠٧٩ و٧٠٨٠) و"الوفاة" (٣ و٤)، وأبو يعلى (٤٥٧٩)، وابن حبّان (٦٥٨٦)، والدارقطني (٢/ ٧٤)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (٣/ ٣٩٦) و"الدلائل" (٧/ ١٦٨ - ١٦٩)، وابن الجوزي في "أحاديث الخلاف" (٨٥٩)؛ من طريق محمد بن إسحاق، عن يعقوب بن عتبة، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن عائشة … رفعته. وهذا سند يمكن إعلاله من أوجه ثلاثة: أوّلها: عنعنة ابن إسحاق، ولكنّه صرّح بالتحديث في "السيرة" فأمنّا تدليسه. ثمّ إنّه لم يتفرّد به، بل تابعه عليه صالح بن كيسان كما تقدّم آنفًا. والثاني: قول ابن الجوزيّ: "لم يقل "غسلتك" إلّا محمّد بن إسحاق وقد كذبه مالك". قلت: محمّد بن إسحاق صدوق، ولم يلتفت الأئمّة إلى تكذيب مالك له فإنّه لم يعرفه، فزيادته مقبولة بعد تصريحه بالتحديث، ولا سيّما أنّ لفظة "غسّلتك" بمعنى لفظة "هيّأتك" المتقدّمة عن ابن كيسان. والثالث: أنّ رواية النسائي الثانية جاءت بزيادة عروة بين عبيد الله وعائشة، والغالب أنّها خطأ، فإن كانت محفوظة فهي من المزيد في متصل الأسانيد، وليس هذا بالقادح. فهذا اللفظ حسن من هذا الوجه، صحيح بطريق صالح بن كيسان المتقدّمة، وقد قوّاه ابن حبّان والبوصيري والعسقلاني والألباني.
(٣) رواه: البخاري (٤ - الوضوء، ٤٥ - الغسل والوضوء في المخضب، ١/ ٣٠٢/ ١٩٨)، ومسلم (٤ - الصلاة، ٢١ - استخلاف الإمام إذا عرض عذر، ١/ ٣١١/ ٤١٨)؛ من حديث عائشة. واللفظ للبخاري.
[ ٢٥٧ ]
فقيلَ لهُ في ذلكَ، فقالَ: "إنَّا كذلكَ يُشَدَّدُ علينا البلاءُ ويُضاعَفُ لنا الأجرُ" (^١). وقالَ: "إنِّي أُوعَكُ كما يُوعَكُ رجلانِ منكُم" (^٢).
ومِن شدَّةِ وجعِهِ كانَ يُغْمى عليهِ في مرضِهِ ثمَّ يُفيقُ، وحَصَلَ لهُ ذلكَ غيرَ مرَّةٍ (^٣).
فأُغْمِيَ عليهِ مرَّةً، فظنُّوا أن وجعَهُ ذاتُ الجنبِ، فلَدُّوه (^٤)، فلمَّا أفاقَ؛ أنْكَرَ ذلكَ، وأمَرَ أنْ يُلَدَّ مَن لَدَّهُ، وقالَ: "إنَّ [للهَ] لمْ يَكُنْ لِيُسَلِّطَها عليَّ (يَعْني: ذاتَ الجنبِ)، ولكنَّهُ مِن الأكلةِ التي أكَلْتُها يومَ خيبرَ" (^٥)؛ يَعْني: أنَّهُ نَقَضَ عليهِ سمُّ الشَّاةِ التي أهْدَتْها لهُ اليهوديَّةُ فأكَلَ منها يومئذٍ، وكانَ ذلكَ يَثورُ عليهِ أحيانا، فقالَ في مرضِ موتِهِ: "ما زالَتْ أكلةُ خيبرَ تُعاوِدُني، فهذا أوانُ انقطاعِ أبهري" (^٦). فكانَ ابنُ
_________________
(١) (صحيح). رواه: معمر في "الجامع" (٢٠٦٢٦)، وابن سعد (٢/ ٢٠٨ و٢٣٦)، وأحمد (٣/ ٩٤) وفي "الزهد" (٣٣٥)، وعبد بن حميد (٦٩٠)، والبخاري في "الأدب" (٥١٠)، وابن ماجه (٣٦ - الفتن، ٢٣ - الصبر على البلاء، ٢/ ١٣٣٤/ ٤٠٢٤)، وابن أبي الدنيا في "المرض"، وأبو يعلى (١٠٤٥)، والطحاوي في "المشكل" (٣/ ٦٤)، والحاكم (١/ ٤٠، ٤/ ٣٠٧)، والبيهقي (٣/ ٣٧٢) وفي "الشعب" (٩٧٧٤)؛ من طرق، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار (وجاء مرّة: عن رجل)، عن أبي سعيد … رفعه. قال الحاكم: "على شرط مسلم"، وأقرّه المنذري والذهبي. وقال البوصيري في "المصباح": "إسناده صحيح رجاله ثقات". وصحّحه الألباني.
(٢) رواه: البخاري (٧٥ - المرضى، ٢ - شدّة المرض، ١٠/ ١١٠/ ٥٦٤٧)، ومسلم (٤٥ - البرّ، ١٤ - ثواب المؤمن، ٤/ ١٩٩١/ ٢٥٧١)، من حديث ابن مسعود.
(٣) قطعة من حديث عائشة المتّفق عليه الذي تقدّم انفًا.
(٤) اللَدّ: طريقة علاجيّة قديمة يصبّ فيها الدواء في أحد جانبي الفم وذلك حتّى لا يُبتلع مباشرة بل يبقى في الفم طويلًا ويمتصّ بالتدريج.
(٥) (ضعيف جدًّا بهذا السياق). رواه ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (٢/ ٢٣٦): أنا محمد بن عمر، ثني عبد الله بن جعفر، عن عثمان بن محمد الأخنسي، دخلت أُم بشر … فذكره. ومحمد بن عمر الواقدي لا يفرح بمروياته وعثمان عن أُم بشر مرسل. ورواه ابن سعد (٨/ ٣١٤) أيضًا من حديث محمد بن عمر من وجه آخر عن عائشة. وفيه العلّة نفسها. وفقرات الحديث مخرجة في الصحيحين لكنّه ضعيف جدًّا بهذا السياق بتمامه.
(٦) (صحيح). رواه البخاري (٦٤ - المغازي، ٨٣ - مرضه - ﷺ - ووفاته، ٨/ ١٣١/ ٤٤٢٨): قال يونس، عن الزهريّ، قال عروة، قالت عائشة … فذكرته. قال العسقلاني: "وصله البزّار والحاكم والإسماعيلي من طريق عنبسة بن خالد عن يونس بهذا الإسناد، وقال البزّار: تفرّد به عنبسة عن يونس". قال العسقلاني: "أي بوصله، وإلّا فقد رواه موسى بن عقبة في "المغازي" عن الزهريّ لكنّه أرسله". قلت: عنبسة صدوق، ووصله زيادة ثقة يتعيّن الأخذ بها. قال =
[ ٢٥٨ ]
مَسْعودٍ وغيرُهُ يقولونَ: إنَّهُ - ﷺ - ماتَ شهيدًا مِن السُّمِّ.
وقالَتْ عائشةُ: ما رَأيْتُ أحدًا كانَ أشدَّ عليهِ الوجعُ مِن رسولِ اللهِ - ﷺ - (^١).
وكانَ عندَهُ في مرضِهِ سبعة دنانيرَ، فكانَ يَأْمُرُهُم بالصَّدقةِ بها ثمَّ يُغْمى عليهِ فيَشْتَغِلونَ بوجعِهِ، فدَعا بها فوَضَعَها في كفِّهِ وقالَ: "ما ظنُّ مُحَمَّدٍ بربِّهِ لو لَقِيَ الله وعندَهُ هذهِ؟ ". ثمَّ تَصَدَّقَ بها كلِّها (^٢). فكيفَ يَكونُ حالُ مَن لَقِيَ الله وعندَهُ دماءُ المسلمينَ وأموالُهُمُ المحرَّمةُ وما ظنّهُ بربِّهِ؟!
ولم يَكُنْ عندَهُم في مرضِهِ دهنٌ للمصباحِ يوقَدُ فيهِ. فلمَّا اشْتَدَّ وجعُهُ ليلةَ الاثنينِ؛ أرْسَلَتْ عائِشَةُ بالمصباحِ إلى امرأةٍ مِن النِّساءِ، فقالَتْ: قَطِّري لنا في مصباحِنا مِن عُكَّةِ السَّمنِ؛ فإنَّ رسولَ اللهِ - ﷺ - أمسى في جديدِ الموتِ (^٣).
وكانَ عندَ عائِشَةَ إزارٌ غليظ ممَّا يُصْنَعُ باليمنِ، وكساءٌ مِن المُلَبَّدَةِ، فكانَتْ تُقْسِمُ
_________________
(١) = العسقلاني: "وله شاهدان مرسلان أيضًا أخرجهما إبراهيم الحربيّ في "غرائب الحديث" له، أحدهما من طريق يزيد بن رومان والآخر من رواية أبي جعفر الباقر. وللحاكم موصول من حديث أُم مبشّر قالت: قلت: يا رسول الله! ما تتّهم بنفسك؛ فإنّي لا أتّهم بابني إلّا الطعام الذي أكل بخيبر؟ فقال: "وأنا لا أتّهم غيرها، وهذا أوان انقطاعِ أبهري". وروى ابن سعد عن شيخه الواقدي بأسانيد معدّدة في قصّة الشاة التي سمّت له بخيبر، فقال في آخر ذلك: … ما زلت أجد ألم الأكلة التي أكلتها بخيبر عدادًا حتّى كان هذا أوان انقطاع أبهري". وبالجملة؛ فحديث عائشة حسن لذاته صحيح بالشواهد التي ذكرها العسقلاني.
(٢) رواه: البخاري (٧٥ - المرضى، ٢ - شدّة المرض، ١٠/ ١١٠/ ٥٦٤٦)، ومسلم (٤٥ - البرّ، ١٤ - ثواب المؤمن فيما يصيبه، ٤/ ١٩٩٠/ ٢٥٧٠).
(٣) (صحيح). رواه: الحميدي (٢٨٣)، وابن سعد (٢/ ٢٣٧ و٢٣٨)، وابن أبي شيبة (٣٤٣٦٠)، وأحمد (٦/ ٤٩ و٨٢ و٨٦ و١٠٤)، وهنّاد (٦٣٤)، والطبري في "التهذيب" (٤٣٢ و٤٣٣ و٤٣٨)، وابن حبّان (٧١٥ و٣٢١٢)، وأبو الشيخ في "الأخلاق" (٨٧٢)، وأبو نعيم في "الحلية" (٣/ ٢٥٧)، والبيهقي (٦/ ٣٥٦) وفي "الدلائل" (١/ ٣٤٦)، والبغوي في "السنّة" (١٦٥٨)؛ من طرق ثلاث، عن عائشة … رفعته. قال الهيثمي (١٠/ ٢٤٣): "رواه أحمد بأسانيد، ورجال أحدها رجال الصحيح". قلت: إحدى طرقه صحيحة والأُخرى حسنة وفي الثالثة ضعف، والحديث صحيح غاية باجتماع طرقه. وله شاهد قويّ عند ابن سعد (٢/ ٢٣٧) من حديث المطّلب بن حنطب مرسلًا، يزيده قوّة. وقد قوّاه ابن حبّان والهيثمي والألباني.
(٤) (صحيح). رواه: ابن سعد (٢/ ٢٣٩)، والطبراني (٦/ ١٩٨/ ٥٩٩٠)؛ من طريق قويّة، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد، [عن عائشة] … به. قال المنذري والهيثمي (٣/ ١٢٧): "رجاله ثقات محتجّ بهم في الصحيح". قلت: ولا يضرّه الاختلاف في إثبات عائشة وإسقاطها، فقصاراه أن يكون من مراسيل الصحابة. وهي حجّة على المعتمد.
[ ٢٥٩ ]
باللهِ إنَّ رسولَ اللهِ - ﷺ - قُبِضَ فيهِما (^١).
ودَخَلَتْ عليهِ فاطِمَةُ ﵍ في مرضِهِ، فسارَّها بشيء فبَكَتْ ثمَّ سارَّها فضَحِكَتْ، فسُئِلَتْ عن ذلكَ، فقالَتْ: لا أُفْشي سرَّ رسولِ اللهِ - ﷺ -. فلمَّا تُوُفِّيَ؛ سُئِلَتْ، فقالَتْ: أخْبَرَني أنَّهُ يَموتُ في مرضِهِ الذي ماتَ فيهِ فبَكَيْتُ، ثمَّ أخْبَرَني أنِّي أوَّلُ أهلِهِ لحوقًا بهِ وأنِّي سيِّدةُ نساءِ العالمينَ فضَحِكْتُ (^٢).
• فلمَّا احْتُضِرَ رسولُ اللهِ - ﷺ -؛ اشْتَدَّ بهِ الأمرُ.
فقالَتْ عائِشَةُ: ما أغْبِطُ أحدًا يُهَوَّنُ عليهِ الموتُ بعدَ الذي رَأيْتُ مِن شدَّةِ موتِ رسولِ اللهِ - ﷺ - (^٣).
قالَت: وكانَ عندَهُ قدحٌ مِن ماءٍ، فيُدْخِلُ يدَهُ في القدحِ، ثم يَمْسَحُ وجهَهُ بالماءِ ويَقولُ: "اللهمَّ! أعِنِّي على سكراتِ الموتِ" (^٤).
_________________
(١) رواه: البخاري (٥٧ - الخمس، ٥ - ما ذكر من درعه - ﷺ -، ٦/ ٢١٢/ ٣١٠٨)، ومسلم (٣٧ - اللباس، ٦ - التواضع في اللباس، ٣/ ١٦٤٩/ ٢٠٨٠).
(٢) رواه: البخاري (٧٩ - الاستئذان، ٤٣ - من ناجى بين يدي الناس، ١١/ ٧٩/ ٦٢٨٥ و٦٢٨٦)، ومسلم (٤٤ - الصحابة، ١٥ - فضائل فاطمة، ٤/ ١٩٠٤/ ٢٤٥٠).
(٣) (صحيح). رواه: الترمذي (٦ - الجنائز، ٨ - التشديد عند الموت، ٣/ ٣٠٩/ ٩٧٩)، والمزّي في "التهذيب" (٢٢/ ٥٣٨)؛ من طريقين، عن العلاء بن اللجلاج، عن ابن عمر، عن عائشة … به. وإحدى الطريقين إلى العلاء قويّة، والعلاء ثقة، والسند صحيح بمجموع الطريقين، وأصل الحديث في الصحيحين بغير هذا اللفظ.
(٤) (ضعيف). رواه: ابن سعد (٢/ ٢٥٨)، وابن أبي شيبة (٢٩٣٢٤)، وأحمد (٦/ ٦٤ و٧٠ و٧٧ و١٥١)، وابن ماجه (٦ - الجنائز، ٦٤ - مرضه - ﷺ -، ١/ ٥١٩/ ١٦٢٣)، والترمذي (٦ - الجنائز، ٨ - التشديد عند الموت، ٣/ ٣٠٨/ ٩٧٨)، والنسائي في "الكبرى" (١٧٠١ و١٠٩٣٢) و"اليوم والليلة" (١١٠١) و"الوفاة" (٢٥)، وأبو يعلى (٤٥١٠ و٤٦٨٨)، والطبري في "التاريخ" (٢/ ٢٣١)، والطبراني (٨٣/ ٣٤/ ٢٣)، والحاكم (٢/ ٤٦٥، ٣/ ٥٦)، والبيهقي في "الدلائل" (٧/ ٢٠٧)، والخطيب في "التاريخ" (٧/ ٢٠٨)، والمزّي في "التهذيب" (٢٩/ ٦٧)؛ من طريق مسلسلة بثقات رجال الشيخين، عن موسى بن سرجس، عن القاسم بن محمّد، عن عائشة … رفعته. قال الترمذي: "حسن غريب". وصحّحه الحاكم والذهبي. وابن سرجس لا يستحق أن يحسّن حديثه لأنّه مستور قصاراه أن يكون صالحًا في المتابعات، وقد تفرّد بهذا اللفظ مخالفًا لرواية جماعة من الثقات له على الوجه الآتي بعده، فبان أنه وهم منه أو رواية بالمعنى، فحقه التضعيف. ورواه: ابن سعد (٢/ ٢٥٧ و٢٥٨)، والبيهقي في "الدلائل" (٧/ ٢١٠)؛ من ثلاثة أوجه مرسلة، لكنّ فيها جميعًا الواقدي المتّهم، فلا تسمن ولا تغني من جوع.
[ ٢٦٠ ]
قالَتْ: وجَعَلَ تقولُ: "لا إلهَ إلَّا اللهُ؛ إنَّ للموتِ لسكراتٍ" (^١).
وفي حديثٍ مرسلٍ أنَّهُ قالَ: "اللهمَّ! إنَّكَ تَأخُذُ الرُّوحَ مِن بين العصبِ والقصبِ والأناملِ، اللهمَّ! فأعِنِّي على الموتِ وهَوِّنْهُ عليَّ" (^٢).
ولمَّا ثَقُلَ النَّبيُّ - ﷺ -؛ جَعَلَ يَتَغَشَّاة الكربُ، [فـ]ـقالَتْ فاطِمَةُ ﵍: واكربَ أبتاهُ! فقالَ لها: "لا كربَ على أبيكِ بعدَ اليومِ" (^٣).
وفي حديثٍ خَرَّجَهُ ابنُ ماجَهْ أنه - ﷺ - قالَ لفاطِمَةَ: " [إنَّهُ] قد حَضَرَ مِن أبيكِ ما ليسَ اللهُ بتاركٍ منهُ أحدًا؟ الموافاةُ يومَ القيامةِ" (^٤).
• ولمْ يُقبَضْ - ﷺ - حتَّى خُيِّرَ مرَّةً أُخرى بينَ الدّنيا والآخرةِ.
قالَتْ عائِشَةُ: كانَ النَّبيّ - ﷺ - يَقولُ: "إنَّه لمْ يُقْبَضْ نبيٌّ حتَّى يَرى مقعدَهُ مِن الجنَّةِ، ثمَّ يُخَيَّرُ". فلمَّا نَزَلَ بهِ ورأْسُهُ على فخذي؛ غُشِيَ عليهِ ساعةً، ثم أفاقَ فأشْخَصَ بصرَهُ إلى سقفِ البيتِ، ثمَّ قالَ: "اللهمَّ! الرَّفيقَ الأعلى". فقُلْتُ: الآنَ لا يَخْتارُنا، [و] عَلِمْتُ
_________________
(١) = فالحديث ضعيف في أصله وشواهده دونه بكثير فلا تقوم به، وقد ضعّفه الألباني.
(٢) رواه البخاري (٨١ - الرقاق، ٤٢ - سكرات الموت، ١١/ ٣٦١/ ٦٥١٠)، وأصله عند مسلم (٤٤ - الصحابة، ١٣ - فضل عائشة، ٤/ ١٨٩٣/ ٢٤٤٣ و٢٤٤٤) دون هذا اللفظ.
(٣) (ضعيف جدًّا). قال العراقي في "تخريج الإحياء" (٤/ ٤٦٢): "أخرجه ابن أبي الدنيا في "كتاب الموت" من حديث طعمة بن غيلان الجعفي، وهو معضل سقط منه الصحابي والتابعي". قلت: أو أكثر، والإعضال علّة شديدة قادحة.
(٤) رواه البخاري (٦٤ - المغازي، ٨٣ - مرضه - ﷺ -، ٨/ ١٤٩/ ٤٤٦٢) من حديث أنس.
(٥) (صحيح). رواه المبارك بن فضالة واختلف عليه فيه على وجهين: روى أوّلهما: أحمد (٣/ ١٤١)، والبيهقي في "الدلائل" (٧/ ٢١٢)؛ من طرق، عن المبارك، ثني ثابت، عن أنس … رفعه. وروى الثاني: البيهقي في "الدلائل" (٧/ ٢١٢) من طريق أحمد بن عبد الجبّار، عن يونس بن بكير، عنه، عن الحسن … مرسلًا. ومن البيّن أنّ الوجه الأوّل هو الراجح هنا لاتّفاق الثقات عليه بخلاف الثاني الذي تفرّد به أحمد بن عبد الجبّار الضعيف. ثمّ هذا الوجه الأوّل لا بأس به لتصريح المبارك فيه بالتحديث. ورواه: ابن ماجه (٦ - الجنائز، ٦٥ - وفاته - ﷺ -، ١/ ٥٢١/ ١٦٢٩)، والترمذي في "الشمائل" (٣٨٠١)، وأبو يعلى (٣٤٤١)، والمزّي في "التهذيب" (١٤/ ٥١٦)؛ من طريق عبد الله بن الزبير الباهلي، ثني ثابت، عن أنس … رفعه. قال البوصيري: "في إسناده عبد الله بن الزبير الباهلي … ذكره ابن حبّان في "الثقات"، وقال أبو حاتم: مجهول، وقال الدارقطني: صالح، وباقي رجاله على شرط الشيخين". قلت: الباهلي لا بأس بحديثه صدوق والسند حسن. والحديث صحيح بطريقيه، وقد صحّحه الألباني.
[ ٢٦١ ]
أنَّهُ الحديثُ الذي كانَ يُحَدِّثُناهُ. وهوَ صحيحٌ. وكانَتْ تلكَ آخرَ كلمةٍ تكلَّمَ بها (^١).
وفي روايةٍ أنَّهُ قالَ: "اللهمَّ! اغْفِرْ لي وارْحَمْني وألْحِقْني بالرَّفيقِ الأعلى" (^٢).
وفي روايةٍ أنَّهُ أصابَهُ بُحَّةٌ شديدةٌ، فسَمِعَتْهُ تقولُ: " ﴿مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء: ٦٩] ". قالَتْ: فظَنَنْتُ أنَّهُ خُيِّرَ (^٣).
وهذهِ الرِّواياتُ مخرَّجةٌ في "صحيح البُخاريِّ" وغيرِهِ.
وقد رُوِيَ ما يَدُلُّ على أنَّهُ قُبِضَ ثمَّ رَأى مقعدَهُ مِن الجنَّةِ ثُمَّ رُدَّتْ إليهِ نفسُهُ ثمَّ خُيِّرَ: ففي "المسند" عن عائِشَةَ؛ قالَتْ: كانَ رسولُ اللهِ - ﷺ - يَقولُ: "ما مِن نبيٍّ إلَّا تُقْبَضُ نفسُهُ ثم يَرى الثَّوابَ ثمَّ تُرَدُّ إليهِ فيُخَيَّرُ بينَ أنْ تُرَدَّ إليهِ إلى أنْ يُلْحَقَ". فكُنْتُ قد حَفِظْتُ ذلكَ منهُ، فإنِّي لمسندتُهُ إلى صدري، فنَظَرْتُ إليهِ حتَّى مالَتْ عنقُهُ، فقُلْتُ: قد قَضى. قالَتْ: فعَرَفْتُ الذي قالَ، فنَظَرْتُ إليهِ حتَّى ارْتَفَعَ ونَظَرَ، فقُلْتُ: إذًا واللهِ لا يَخْتارُنا، فقالَ: "مَعَ الرَّفيقِ الأعْلى في الجَنَّةِ، ﴿مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء: ٦٩] إلى آخرِ الآيةِ" (^٤).
_________________
(١) رواه: البخاري (٦٤ - المغازي، ٨٣ - مرضه - ﷺ -، ٨/ ١٣٦/ ٤٤٣٧)، ومسلم (٤٤ - الصحابة، ١٣ - فضل عائشة، ٤/ ١٨٩٤/ ٢٤٤٤).
(٢) قطعة من الحديث المتقدّم قبله رواها: البخاري (الموضع السابق، ٨/ ١٣٨/ ٤٤٤٠)، ومسلم (الموضع السابق، ٤/ ١٨٩٣/ ٢٤٤٤).
(٣) قطعة من الحديث المتقدّم آنفًا رواها: البخاري (الموضع السابق، ٨/ ١٣٦/ ٤٤٣٥)، ومسلم (الموضع السابق، ٤/ ١٨٩٣/ ٢٤٤٤). ووقع في خ: "يخيّر"، وما أثبتّه من م ون وط أولى بلفظ الصحيح.
(٤) (ضعيف). رواه: ابن سعد (٢/ ٢٢٩)، وأحمد (٦/ ٧٤)؛ من طريق كثير بن زيد، عن المطّلب بن عبد الله؛ قال: قالت عائشة … فذكرته. قال الهيثمي (٩/ ٣٩): "أحد إسنادي أحمد رجاله رجال الصحيح". قلت: كثير يخطيء وما هو من رجال الصحيح، ورواية المطّلب عن عائشة غير ثابتة، والنصّ هنا ظاهر الإرسال. فالسند ضعيف لانقطاعه. ورواه الطبراني في "الأوسط" (٧٨٤١) من طريق صالح بن عمرو، عن مطرّف بن طريف، عن بشير بن مسلم، عن كثير بن عبيد مولى عائشة، عن عائشة … بنحوه. وصالح بن عمرو منكر الحديث؛ إلَّا أن يكون تحريفًا صوابه صالح بن عمر، فهذا ثقة، وفي القلب أنّه كذلك. وبشير بن مسلم مجهول. فالطريقان ضعيفتان، وجاءتا بزيادة غريبة مخالفة لرواية الثقات على الأوجه المتقدّمة، فبان أنّها رواية بالمعنى، وأنّ المعروف في هذا رواية الشيخين وغيرهما للحديث على الوجه المتقدّم آنفًا. والله أعلم.
[ ٢٦٢ ]
وفي "صحيح ابن حِبَّان" عنها؛ قالَتْ: أُغْمِيَ على رسولِ اللهِ - ﷺ - ورأْسُهُ في حجري، فجَعَلْتُ أمْسَحُهُ وأدْعو لهُ بالشِّفاءِ، فلَمَّا أفاقَ؛ قالَ: "لا بل أسْألُ الله الرَّفيقَ الأعلى معَ جِبْريلَ وميكائيلَ وإسْرافيلَ" (^١).
وفيهِ وفي "المسند" عنها؛ أنَّها كانَتْ تَرْقيهِ في مرضِهِ الذي ماتَ فيهِ، فقالَ: "ارْفَعي يدَكِ؛ فإنَّها كانَتْ تَنْفَعُني في المدَّةِ" (^٢).
قالَ الحَسَنُ: لمَّا كَرِهَتِ الأنبياءُ الموتَ؛ هَوَّنَ اللهُ ذلكَ عليهِم بلقاءِ اللهِ وبكل ما أحَبُّوا مِن تحفةٍ وكرامةٍ، حتَّى إنَّ نفسَ أحدِهِم لَتُنْزَعُ مِن بين جنبيهِ وهوَ يُحِبُّ ذلكَ لِما قد مُثِّلَ لهُ.
وفي "المسند" عن عائِشَةَ، أن النَّبيَّ - ﷺ - قالَ: "إنَّهُ لَيُهَوِّنُ عليَّ الموتَ أنِّي رَأيْتُ بياضَ كفِّ عائِشَةَ في الجنَّةِ" (^٣).
وخَرَّجَهُ ابنُ سَعْدٍ وغيرهُ مرسلًا؛ أنَّهُ - ﷺ - قالَ: "لقد أُريتُها في الجنَّةِ لِيُهَوِّنَ بذلكَ
_________________
(١) (صحيح). رواه: ابن سعد (٢/ ٢٣٠)، والنسائي في "الكبرى" (٧١٠٤ و١٠٩٣٦) و"اليوم والليلة" (١١٠٥) و"الوفاة" (٢٨)، وابن حبَّان (٦٥٩١)، والبيهقي في "الدلائل" (٧/ ٢٠٩)؛ من طريق إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي بردة، [عن عائشة] … رفعته. وهؤلاء ثقات رجال الشيخين، والوصل فيه زيادة الثوريّ جبل الحفظ ينبغي الأخذ به. وله شاهد من حديث أبي موسى ذكره الهيثمي (٩/ ٤٠) يزداد به قوّة. وقد صحّحه ابن حبّان والعسقلاني.
(٢) (ضعيف). رواه: ابن سعد (٢/ ٢١١)، وإسحاق (٣/ ٧٢٥/ ١٣٣٢)، وأحمد (٦/ ٢٦٠)، وابن حبّان (٢٩٦٢)؛ من طريق عمرو بن مالك النكري، عن أبي الجوزاء، عن عائشة … رفعته. وهذا سند فيه ضعف من أجل النكري؛ فإنّه يخطى ويخالف، وحديثه لا يعدو أن يكون صالحًا في الشواهد، فلا يحتمل منه التفرّد بهذا المتن.
(٣) (ضعيف). يرويه مصعب بن إسحاق بن طلحة واختلف عليه فيه على وجهين: روى الأوّل: ابن سعد (٨/ ٦٥) من طريق يزيد بن هارون، وابن أبي شيبة (٣٢٢٧٠) من طريق أبي أسامة، وأحمد في "الصحابة" (١٦٣٣) من طريق وكيع؛ ثلاثتهم عن إسماعيل بن أبي خالد، ثني مصعب بن إسحاق بن طلحة، أخبرت أن رسول الله … فذكره مرسلًا. وروى الثاني أحمد في "المسند" (٦/ ١٣٨) و"الفضائل" (١٦٣٣) من طريق وكيع، عن إسماعيل، عن مصعب، عن عائشة … رفعته. وعليه؛ فهاهنا علّتان: أولاهما: أنّ وكيعًا - وهو ثقة ثبت - تردّد في هذا الحديث وصلًا وإرسالًا بخلاف يزيد وأبي أُسامة - وكلاهما ثقة ثبت - اللذين جزما بإرساله، فالقول قولهما. والصواب هاهنا الإرسال. والعلّة الثانية: أنّ مصعبًا هذا مجهول.
[ ٢٦٣ ]
عليَّ موتي، كأنِّي أرى كفَّيها"؛ يَعْني: عائِشَة (^١).
كانَ - ﷺ - يُحِبُّ عائِشَةَ حبًّا شديدًا، حتَّى لا يَكادُ يَصْبِرُ عنها، فمُثِّلَتْ لهُ بينَ يديهِ في الجنَّةِ لِيُهَوَّنَ عليهِ موتُهُ؛ فإنَّ العيشَ إنَّما يَطيبُ باجتماعِ الأحبّةِ. وقد سَألَهُ رجلٌ: أيُّ النَّاسِ أحبُّ إليكَ؟ [فـ]ـقالَ: "عائِشَةُ". [فـ]ـقالَ [لهُ]: فمِنَ الرِّجالِ؟ قالَ: "أبوها" (^٢). ولهذا قالَ لها في ابتداءِ مرضِهِ لمَّا قالَتْ وارأْساهُ: "وَدِدْتُ أن ذلكَ كانَ وأنا حيٌّ، فأُصَلِّيَ عليكِ وأدْفِنَكِ" (^٣)، فعَظُمَ ذلكَ عليها، وظَنَّتْ أنَّهُ يُحِبُّ فراقَها. وإنَّما كانَ يُريدُ تعجيلَها بينَ يديهِ لِيقْرُبَ اجتماعُهُما.
وقد كانَتْ عائِشَةُ مَضَغَتْ [لهُ - ﷺ -]، سواكًا وطَيّبتْهُ بريقِها ثمَّ دَفَعَتْهُ إليهِ فاسْتَنَّ بهِ أحسنَ استنانٍ، ثمَّ ذَهَبَ يَتَناوَلُهُ فضَعُفَتْ يدُهُ عنهُ فسَقَطَ مِن يدِهِ الكريمةِ. فكانَتْ عائِشَةُ تَقولُ: جَمَعَ اللهُ بينَ ريقِهِ وريقي في آخرِ يومٍ مِن الدُّنيا وأوَّلِ يومٍ مِن الآخرةِ. والحديثُ مخرَّجٌ في الصَّحيحين (^٤).
وفي حديثٍ خَرَّجَهُ العُقَيْلِيُّ أن النَّبيَّ - ﷺ - قالَ لها في مرضِهِ: "ائْتِيني بسواكٍ رطبٍ امْضَغِيهِ ثمَّ ائْتِيني بهِ أمْضَغُهُ؛ لكي يَخْتَلِطَ ريقي بريقِكِ لكي يُهَوَّنَ بهِ عليَّ عندَ الموتِ" (^٥).
_________________
(١) (ضعيف). وهو أحد أوجه الاختلاف المتقدّمة في الحديث السابق نفسه.
(٢) رواه: البخاري (٦٢ - الصحابة، ٥ - لو كنت متّخذًا خليلًا، ٧/ ١٨/ ٣٦٦٢)، ومسلم (٤٤ - الصحابة، ١ - فضائل أبي بكر، ٤/ ١٨٥٦/ ٢٣٨٤).
(٣) متفق عليه. تقدّم بطوله وتخريجه (ص ٢٥٦).
(٤) البخاري (٦٤ - المغازي، ٨٣ - مرضه - ﷺ -، ٨/ ١٤٤/ ٤٤٤٩ - ٤٤٥١)، ومسلم (٤٤ - الصحابة، ١٣ - فضائل عائشة، ٤/ ١٨٩٣/ ٢٤٤٣ - ٢٤٤٤) مختصرًا.
(٥) (موضوع). رواه: العقيلي (٢/ ٢٤٩)، والذهبي في "الميزان" (٢/ ٤١٥)؛ من طريق سهيل بن إبراهيم، ثنا عبد الله بن داوود، ثنا ابن جريج، عن ابن أبي مليكة، عن عائشة … رفعته. قال العقيلي: "لا يحفظ إلّا عن هذا الشيخ ولا يتابع عليه"؛ يعني: عبد الله بن داوود الواسطي وهو ضعيف منكر الحديث، وسهيل بن إبراهيم هو الجارودي مجهول، وقد أتيا بهذا المتن الغريب المخالف للنصوص الصحيحة الصريحة المخرّجة في الصحيحين وغيرهما عن ابن أبي مليكة وغيره في أنّ قصّة السواك وقعت اتّفاقًا عندما رأى النبي - ﷺ - عبد الرحمن بن أبي بكر يستاك وأنّ عائشة ﵂ هي التي تنبّهت لرغبته - ﷺ - فبلّلته بريقها وقدّمته له - ﷺ -، فبان أنّه ممّا صنعته أيديهما سهوًا أو عمدًا.
[ ٢٦٤ ]
قال جَعْفَرُ بنُ مُحَمَّدٍ عن أبيهِ: لمَّا بقِيَ مِن أجلِ رسول اللهِ - ﷺ - ثلاثٌ؛ نَزَل عليهِ جِبْريلُ ﵇. فقال: يا أحْمَدُ! إن الله قد أرْسَلَني إليكَ إكرامًا لكَ وتفضيلًا لكَ وخاصَّةً لكَ، يَسْألُكَ عمَّا هوَ أعلمُ بهِ منكَ، يَقول: كيفَ تَجِدُكَ؟ فقال: "أجِدُني يا جِبْريلُ مغمومًا وأجدُني يا جِبْريلُ مكروبًا". ثم أتاهُ في اليومِ الثَّاني، فقالَ لهُ مثلَ ذلكَ. ثمَّ أتاهُ في اليومِ الثالثِ، فقالَ لهُ مثلَ ذلكَ. ثمَّ اسْتَأْذَنَ فيهِ ملكُ الموتِ. فقال جِبْريلُ: يا أحْمَدُ! هذا ملكُ الموتِ يَسْتَأْذِنُ عليكَ، ولم يَسْتَأْذِنْ على آدميٍّ كانَ قبلَكَ، ولا يَسْتَأذِنُ على آدميٍّ بعدَكَ. قال: "ائْذَنْ لهُ". فدَخَلَ ملكُ الموتِ، فوَقَفَ بينَ يديهِ، فقال: يا رسول اللهِ! يا أحْمَدُ! إن الله قد أرْسَلَني إليكَ وأمَرَني أنْ أُطيعَكَ في كلِّ ما تَأْمُرُني؛ إنْ أمَرْتَني أنْ أقْبِضَ نفسَكَ قَبَضْتُها، وإنْ أمَرْتَني أنْ أتْرُكَها تَرَكْتُها؟ قال: "وتَفْعَلُ يا مَلَكَ الموتِ؟! ". قال: بذلكَ أُمِرْتُ؛ أنْ أُطيعَكَ في كلِّ ما تَأْمُرُني بهِ. فقال جِبْريلُ: يا أحْمَدُ! إن الله قدِ اشْتاقَ إليكَ. قال: "فامْضِ يا ملكَ الموتِ لِما أُمِرْتَ بهِ". فقال جِبْريلُ: السَّلامُ عليكَ يا رسول اللهِ (^١)! هذا آخرُ موطئي مِن الأرضِ، إنَّما كُنْتَ حاجتي مِن الدُّنيا. وجاءَتِ التَّعزيةُ يَسْمَعونَ الصَّوتَ والحسَّ ولا يَرَوْنَ الشَّخصَ: السَّلامُ عليكُم يا أهلَ البيتِ ورحمةُ اللهِ وبركاتُهُ! ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران: ١٨٥]، إنَّ في اللهِ عزاءً مِن كلِّ مصيبةٍ، وخلفًا مِن كلِّ هالكٍ، ودركًا مِن كلِّ فائتٍ، فباللهِ فثِقُوا، وإيَّاهُ فارْجُوا، إنَّما المصابُ مَن حُرِمَ الثوابَ، والسَّلامُ عليكُم ورحمةُ اللهِ وبركاتُهُ (^٢).
_________________
(١) في خ: "عليك السلام يا رسول الله"، وأثبت ما في م ون وط لموافقته لفظ ابن سعد.
(٢) (موضوع). رواه: ابن سعد (٢/ ٢٥٨)، والبيهقي في "الدلائل" (٧/ ٢٦٩) من طريق أنس بن عياض حدّثونا عن، وابن سعد (٢/ ٢٥٩) من طريق الواقدي عن رجل، والطبراني (٣/ ١٢٩/ ٢٨٩٠) من طريق عبد الله بن ميمون القدّاح، والسهمي في "جرجان" (ص ٣٦٢ و٣٦٣) وأبو نعيم في "الدلائل" (٥٠٨) من طريق محمّد بن جعفر بن محمّد، والبيهقي في "الدلائل" (٧/ ٢٦٧ و٢٦٨) من طريق القاسم بن عبد الله بن عمر بن حفص؛ خمستهم عن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين. وهذا حديث ساقط فيه علل: أولاها: أنّ الطرق الخمس إلى جعفر ساقطة؛ في الأولى راو مبهم لا يبعد أن يكون أحد المتهمين المذكورين بعده، وفي الثانية الواقدي المتّهم عن راو مبهم، وفي الثالثة القدّاح المتروك صاحب المناكير، وفي الرابعة محمّد بن جعفر ليس بثقة وألصقت فيه موضوعات، وفي الخامسة =
[ ٢٦٥ ]
• وكانَتْ وفاتُهُ - ﷺ - في يومِ الاثنينِ في شهرِ ربيعٍ الأوَّل بغيرِ خلافٍ، وكانَ - ﷺ - قد كَشَفَ السِّترَ في ذلكَ اليومِ والنَّاسُ في صلاةِ الصُّبحِ خلفَ أبي بَكْرٍ، فهَمَّ المسلمونَ أنْ يُفْتَتَنوا مِن فرحِهِم برؤيتِهِ - ﷺ - حينَ نَظَروا إلى وجهِهِ كأنَّهُ ورقةُ مصحفٍ، وظَنُّوا أنَّهُ يَخْرُجُ للصَّلاةِ، فأشارَ إليهِم أنْ مكانكم، ثمَّ أرْخى السِّترَ، وتُوُفِّيَ - ﷺ - مِن ذلكَ اليومِ (^١).
وظَنَّ المسلمونَ أنَّهُ - ﷺ - قد بَرِئَ مِن مرضِهِ لمَّا أصْبَحَ يومَ الاثنينِ مفيقًا، فخَرَجَ أبو بَكْرٍ إلى منزلهِ بالسُّنْح خارجَ المدينةِ، فلمَّا ارْتَفَعَ الضُّحى مِن ذلكَ اليومِ؛ تُوُفِّيَ - ﷺ -. وقيلَ: تُوُفِّيَ حينَ زاغتِ الشَّمسُ. والأوَّل أصحُّ؛ أنَّهُ تُوُفِّيَ حينَ اشْتَدَّ الضُّحى مِن يومِ الاثنينِ في مثلِ الوقتِ الذي دَخَلَ فيهِ المدينةَ حينَ هاجَرَ إليها.
واخْتَلَفوا في تعيينِ ذلكَ اليومِ مِن الشَّهرِ: فقيلَ: كانَ أوَّلَهُ. وقيلَ: ثانيَهُ. وقيلَ: ثانيَ عشرِهِ. وقيلَ: ثالثَ عشرِهِ. وقيلَ: خامسَ عشرِهِ. والمشهورُ بينَ النَّاسِ أنَّهُ كانَ ثانيَ عشرَ ربيعٍ الأوَّل.
وقد رَدَّ ذلكَ السُّهَيْلِيُّ وغيرُهُ بأنَّ وقفةَ حجَّةِ الوداعِ في السَّنةِ العاشرة كانَتِ الجمعةَ، وكانَ أوَّل ذي الحِجَّةِ فيها الخميسُ، ومتى كانَ كذلكَ؛ لمْ يَصِحَّ أنْ يَكونَ يومُ الاثنينِ ثانيَ عشرَ ربيعٍ الأوَّل، سواء حُسِبَتِ الشُّهورُ الثَّلاثةُ - أعني: ذا الحِجَّةِ ومحرَّمًا وصفرًا - كلُّها كاملةً أو ناقصةً، أو بعضُها كاملةً وبعضُها ناقصةً.
ولكنْ أُجيبَ عن هذا بجوابٍ حسنٍ، وهوَ أن ابنَ إسْحاقَ ذَكَرَ أن النَّبيَّ
_________________
(١) = القاسم المتّهم المتروك. ومعلوم أنّ هذه الطرق لا تستفيد باجتماعها قوّة. والثانية: أنّهم اختلفوا فيه على جعفر فقالوا مرّة: عن جعفر عن أبيه معضلًا، ومرّة: عن جعفر عن أبيه عن عليّ بن الحسين مرسلًا، ومرّة: عن جعفر عن أبيه عن جابر بن عبد الله، ومرّة: عن جعفر عن أبيه عن عليّ عن الحسين، ومرّة: عن جعفر عن أبيه عن عليّ عن الحسين عن علي بن أبي طالب … وغير ذلك من أوجه الاختلاف. والثالثة: أنّهم اختلفوا في المتن أيضا اختلافا يطول تفصيله. والرابعة: أنّ في المتن نكارة من أوجه كثيرة ومخالفة للأحاديث الصحيحة. ومع هذا كلّه فقد ذكر البيهقي في "الدلائل" (٧/ ٢١٠ و٢٦٩) له طريقًا أخرى وشاهدًا قوّاه بهما، وفي كلّ منهما متّهم! فلا الشاهد يغني عن المشهود له، ولا المشهود له أهل للشهادة، وما تواطأ المتّهمون والمتروكون على حديث وأعرض عنه الثقات إلّا كان موضوعًا مصنوعًا.
(٢) رواه: البخاري (١٠ - الأذان، ٤٦ - أهل العلم والفضل أحقّ بالإمامة، ٢/ ١٦٤/ ٦٨٠)، ومسلم (٤ - الصلاة، ٢١ - استخلاف الإمام، ١/ ٣١٥/ ٤١٩)؛ من حديث أنس.
[ ٢٦٦ ]
- ﷺ - تُوُفِّيَ لاثنتي عشرةَ ليلةً مِن ربيعٍ الأوَّلِ، وهذا ممكنٌ، فإن العربَ تؤرِّخُ بالليالي دونَ الأيَّامِ، ولكنْ لا تُؤرِّخُ إلَّا بليلةٍ مضى يومُها، فيَكونُ اليومُ تبعًا للَّيلةِ، وكلُّ ليلةٍ لم يَمْضِ يومُها لم يُعْتَدَّ بها، وكذلكَ إذا ذَكَروا اللياليَ في عدب فإنَهُم يُريدونَ بها اللياليَ معَ أيَّامِها، فإذا قالوا: عشرُ ليال؛ فمرادُهُم بأيَّامِها.
ومِن هنا تَتَبَيَّنُ صحَّةُ قولِ الجمهورِ في أن عدَّةَ الوفاةِ أربعةُ أشهرٍ وعشرُ ليالٍ بأيَّامِها، وأن يومَ العاشرِ مِن جملةِ إتمامِ العدَّةِ؛ خلافًا للأوْزاعِيِّ. وكذلكَ قالَ الجمهورُ في أشهرِ الحجِّ: [إنَّها] شوَّالٌ وذو القَعْدَةِ وعشرٌ مِن ذي الحِجَّةِ، وإنَّ يومَ النَّحرِ داخلٌ [فيها] لهذا المعنى؛ خلافًا للشَّافِعِيِّ.
وحينئذٍ؛ فيومُ الاثنينِ الذي تُوُفِّيَ فيهِ رسولُ اللهِ - ﷺ - كانَ ثالثَ عشرَ الشَّهرِ، لكنْ لمَّا لمْ يَكُنْ يومُهُ قد مَضى لمْ يُؤَرَّخْ بليلتِهِ، إنَّما أرَّخوا بليلةِ الأحدِ ويومِها، وهوَ الثَّاني عشرَ، فلذلكَ قالَ ابنُ إسْحاقَ: تُوُفِّيَ لاثنتي عشرةَ ليلةً مَضَتْ مِن ربيعٍ الأوَّلِ. واللهُ أعلمُ.
• واخْتَلَفوا في وقتِ دفنِهِ: فقيلَ: دُفِنَ مِن ساعتِهِ. وفيهِ بعدٌ. وقيلَ: مِن ليلةِ الثُّلاثاءِ. وقيلَ: يومَ الثُّلاثاءِ. وقيلَ: ليلةَ الأربعاءِ.
• ولمَّا تُوُفِّيَ - ﷺ - اضْطَرَبَ المسلمونَ: فمنهُم مَن دُهِشَ فخولِطَ، ومنهُم مَن أُقْعِدَ فلمْ يُطِقِ القيامَ، ومنهُم مَنِ اعْتُقِلَ لسانُهُ فلمْ يُطِقِ الكلامَ، ومنهُم مَن أنْكَرَ موتَهُ بالكلِّيَّةِ وقالَ: إنَّما بُعِثَ إليهِ كما بُعِثَ إلى موسى. وكانَ مِن هؤلاءِ عُمَرُ.
وبَلَغَ الخبرُ أبا بَكْرٍ، فأقْبَلَ مسرعًا، حتَّى دَخَلَ بيتَ عائِشَةَ، ورسولُ اللهِ - ﷺ - مسجًّى، فكَشَفَ عن وجهِهِ الثَّوبَ وأكَبَّ عليهِ وقَبَّلَ وجهَهُ مرارًا وهوَ يَبْكي ويَقولُ: وانبيَّاه! واخليلاه! وا صفيَّاه! وقالَ: إنَّا للهِ وإنَّا إليهِ راجعونَ، ماتَ واللهِ رسولُ اللهِ - ﷺ -. وقالَ: واللهِ؛ لا يَجْمَعُ اللهُ عليكَ موتتينِ، أمَّا الموتةُ التي كُتِبَتْ عليكَ؛ فقد مُتَّها. ثمَّ دَخَلَ المسجدَ، وعُمَرُ يُكَلِّمُ النَّاسَ، وهُم مجتمعونَ عليهِ، فتكَلَّمَ أبو بكرٍ ﵁ وتَشَهَّدَ وحَمِدَ الله، فأقْبَلَ النَّاسُ إليهِ (^١) وتَرَكوا عُمَرَ، فقالَ: مَن كانَ يَعْبُدُ مُحَمَّدًا؛ فإنَّ
_________________
(١) في خ: "وقبّل جبهته مرارًا … الناس عليه"، والأولى ما أثبتّه من م ون وط.
[ ٢٦٧ ]
مُحَمَدًا قد ماتَ، ومَن كانَ يَعْبُدُ الله؛ فإن الله حيٌّ لا يَموتُ، وتَلا ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ الآيةَ [آل عمران: ١٤٤]. فاسْتَيْقَنَ النَّاسُ كلُّهُم بموتِهِ وكأنَّهُم لم يَسْمَعوا هذهِ الآيةَ مِن قبلِ أنْ يَتْلُوَها أبو بكرٍ، فتَلَقَاها النّاسُ منهُ، فما يُسْمَعُ أحدٌ إلَّا يَتْلوها.
وقالَتْ فاطِمَةُ ﵍: يا أبتاه! أجابَ ربًّا دَعاه، يا أبتاه! جنَّةُ الفردوسِ مأْواه، يا أبتاه! إلى جِبْريلَ أنْعاه، يا أبتاه! مِن ربِّهِ ما أدناه. وعاشَتْ بعدَهُ ستَّةَ أشهرٍ، فما ضَحِكَتْ في تلكَ المدَّةِ، وحُقَّ لها ذلكَ ﵂.
عَلى مِثْلِ لَيْلَى يَقْتُلُ المَرْءُ نَفْسَهُ … وإنْ كانَ مِنْ لَيْلَى عَلى الهَجْرِ طاوِيا
• كُلُ المصائبِ تَهونُ عندَ هذهِ المصيبةِ.
في "سنن ابن ماجَهْ"؛ أنَّهُ - ﷺ - قالَ في مرضِهِ: "أيُّها النَّاسُ! إنْ أحدٌ مِن الناس (أو: مِن المؤمنينَ) أُصيبَ بمصيبةٍ؛ فَلْيَتَعَزَّ بمصيبتِهِ بي عن المصيبةِ التي تُصيبُهُ بغيري؛ فإنَّ أحدًا مِن أُمَّتي لن يُصابَ بمصيبةٍ بعدي أشدَّ عليهِ مِن مصيبتي" (^١).
_________________
(١) (صحيح بشواهده). وقد جاء عن جماعة من الصحابة والتابعين: • فرواه ابن عبد البرّ في "التمهيد" (١٩/ ٣٢٤) من طريق حسّان بن غالب، ثني الليث بن سعد، عن أبي بكر بن عبد الرحمن، عن المسور … رفعه. قال ابن عبدالبرّ: "غير متّصل". قلت: أبو بكر هذا مجهول من أحفاد المسور، وحسّان متهم. • ورواه: مالك في "الموطّأ" (١/ ٢٣٦)، وابن المبارك في "الزهد" (٤٦٧)، وابن سعد (٢/ ٢٧٥)، وابن عبد البرّ في "التمهيد" (١٩/ ٣٢٢)؛ من طريقين، عن مالك، عن عبد الرحمن بن القاسم بن محمّد بن أبي بكر، [عن أبيه] … به. وهذا مرسل قويّ. • ورواه الدارمي (١/ ٤٠) من طريق قويّة، عن الأوزاعي، ثني يعيش بن الوليد، ثني مكحول … به. وهذا مرسل قويّ. • ورواه علقمة بن مرثد واختلف عليه فيه على ثلاثة وجوه: روى أوّلها: ابن عدي (٧/ ٢٦٢٥)، وابن السنّي (٥٨٢)، والذهبي في "الميزان" (٤/ ٤٧١) معلّقًا، والعسقلاني في "اللسان" (٦/ ٣٩٩) معلّقًا؛ من طريق يوسف بن الغرق، عن عثمان بن مقسم البرّيّ، عن علقمة، عن سليمان بن بريدة، عن أبيه … رفعه. ويوسف وعثمان متروكان. وروى الثاني: بقيّ بن مخلد (٢/ ٢ - إصابة)، وأبو حاتم الرازي في "الوحدان" (٤/ ٣٢٠ - جرح)، والبغوي في "الصحابة" (٢/ ٢ و٣١٣ - إصابة)، وابن قانع في "المعجم" (١/ ١٣٥ - إصابة)، والبيهقي في "الشعب" (١٠١٥٣)؛ من طريق يحيى الحمّاني، عن أبي بردة عمرو بن يزيد الكندي، عن علقمة، عن عبد الرحمن بن سابط، عن أبيه … رفعه. والحمّاني غير مأمون والكنديّ ضعيف. وروى =
[ ٢٦٨ ]
قالَ أبو الجَوْزاءِ: كانَ الرَّجلُ مِن أهلِ المدينةِ إذا أصابَتْهُ مصيبةٌ؛ جاءَ أخوهُ فصافَحَهُ، وتقولُ: يا عبدَ اللهِ! اتَّقِ الله؛ فإنَّ في رسولِ اللهِ - ﷺ - أُسوةً حسنةً.
اصْبِرْ لِكُلِّ مُصيبَةٍ وَتَجَلَّدِ … وَاعْلَمْ بِأنَّ المَرْءَ غَيْرُ مُخَلَّدِ
واصْبِرْ كَما صَبَرَ الكِرامُ فَإنَّها … نُوَبٌ تَنُوبُ اليَوْمَ تكْشَفُ في غَدِ
وَإذا أتَتْكَ مُصيبَةٌ تَشْجى بِها … فَاذْكُرْ (^١) مُصابَكَ بِالنَّبِيِّ مُحَمَّدِ
_________________
(١) = الثالث: عبد الرزّاق في "المصنّف" (٦٧٠٠)، ونعيم بن حمّاد في "زوائد الزهد" (٢٧١)، وابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (٤/ ٣٢٠) تعليقًا، وابن عبد البرّ في "التمهيد" (١٩/ ٣٢٥)؛ من طريق سفيان، عن علقمة، عن عبد الرحمن بن سابط … مرسلًا. وسفيان ثقة إمام. فهذا الوجه هو المعتمد في حديث علقمة، والوجهان المتقدّمان ساقطان، والحديث مرسل صحيح. ومن هنا تعلم ما في قول العسقلاني: "إسناده حسن، لكن اختلف فيه على علقمة". • ورواه أحمد في "الفضائل" (٢١٦) والطبراني في "الأوسط" (٤٤٤٥) و"الصغير" (٦١٣) وابن عبد البرّ في "التمهيد" (١٩/ ٣٢٤) من طريق عبد الله بن جعفر بن نجيح، ورواه ابن ماجه (٦ - الجنائز، ٥٥ - الصبر على المصيبة، ١/ ٥١٠/ ١٥٩٩) والبيهقي في "الشعب" (١٠١٥٤) و"الدلائل" (٧/ ٢٠٢) من طريق موسى بن عبيدة الربذي؛ كلاهما عن مصعب بن محمّد بن شرحبيل، عن أبي سلمة، عن عائشة … رفعته. قال الهيثمي في الطريق الأولى (٣/ ١٥، ٩/ ٤٠): "فيه عبد الله بن جعفر بن نجيح، وهو ضعيف". قلت: بل واه. وقال البوصيري في الطريق الثانية: "فيه موسى بن عبيدة الربذي وهو ضعيف". قلت: وحديث عائشة باق على ضعفه باجتماع طريقيه لشدّة وهاء الأولى. • ورواه فطر بن خليفة واختلف عليه فيه على وجهين: روى الأوّل: ابن عدي (٥/ ١٨٢١)، وأبو نعيم في "أصبهان" (١/ ١٥٨)، والبيهقي في "الشعب" (١٠١٥٢)؛ من طريق عثمان بن عبد الرحمن الطرائفي، عنه، عن شرحبيل بن سعد، عن ابن عبّاس … رفعه. وروى الثاني: ابن سعد (٢/ ٢٧٥)، والدارمي (١/ ٤٠)، والعقيلي (٣/ ٤٦٥)، وابن السنّي (٥٨٣)، وابن عديّ (٦/ ٢٠٥٦)، وابن عبد البرّ في "التمهيد" (١٩/ ٣٢٢)؛ من طرق، عن فطر، عن عطاء، [عن ابن عبّاس] … رفعه. وفي الطرائفيّ كلام طويل، وهو مدلّس عنعن، فلا تقوم روايته لرواية الثقات الذين رووه على الوجه الثاني، فالمحفوظ هنا الوجه الثاني، واختلافهم فيه وصلًا وإرسالا لا يضرّ؛ لأن الوصل زيادة ثقة، والحديث من هذا الوجه لا بأس به. • ورواه: أبو يعلى (٧٥٤٧)، والطبراني (٦/ ١٣٥/ ٥٧٥٧)، والبيهقي في "الشعب" (١٠١٥١)، وابن عبد البرّ في "التمهيد" (١٩/ ٣٢٢) تعليقًا؛ من طريق موسى بن يعقوب، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد … رفعه بنحوه. وحديث موسى صالح في الشواهد على الأقلّ. فهذه ستّة أوجه لهذا الحديث، أوّلها ساقط، والثلاثة التي تليه مراسيل قويّة، والخامس مرفوع ضعيف، والسادس مرفوع حسن. ويضاف إلى ذلك حديث سهل الصالح الذي يشهد للمعنى. فهذا أكثر من كاف لتقوية هذا المتن، وقد مال إلى تقويته الهيثمي والعسقلاني والمناوي والألباني.
(٢) في خ: "جاء أخوه وصافحه … مصيبة فاصبر لها واذكر"، والأولى ما أثبتّه من م ون وط.
[ ٢٦٩ ]
ولبعضِهِم:
تَذَكَّرْتُ (^١) لَمَّا فَرَّقَ الدَّهْرُ بَيْنَنا … فَعَزَّيْتُ نَفْسي بِالنَّبِيِّ مُحَمَّدِ
وَقُلْتُ لَها إن المَنايا سَبيلُنا … فَمَنْ لَمْ يَمُتْ في يَوْمِهِ ماتَ في غَدِ
كادَتِ الجماداتُ تتصَدَّعُ مِن ألمِ مفارقةِ الرَّسولِ؛ فكيفَ بقلوبِ المؤمنينَ؟!
لمَّا فَقَدَهُ الجذعُ الذي كانَ يَخْطُبُ إليهِ قبلَ اتِّخاذِ المنبرِ؛ حَنَّ إليهِ وصاحَ كما يَصيحُ الصَّبيُّ، فنَزَلَ إليهِ فاعْتَنَقَهُ، فجَعَلَ يُهَدَّى كما يُهَدَّى الصَّبيُّ الذي يُسَكَّنُ عندَ بكائِهِ، فقال: "لو لمْ أعْتَنِقْهُ، لَحَنَّ إلى يومِ القيامةِ" (^٢). كانَ الحَسَنُ إذا حَدَّثَ بهذا الحديثِ، بَكى وقالَ: هذهِ خشبة تَحِنُّ إلى رسولِ اللهِ - ﷺ -، فأنتُم أحقُّ أنْ تَشْتاقوا إليهِ.
ورُوِيَ أن بلالًا كانَ يُؤذِّنُ بعدَ وفاةِ النَّبيِّ - ﷺ - قبلَ دفنِهِ، فإذا قال: أشْهَدُ أن مُحَمَّدًا رسول اللهِ؛ ارْتَجَّ المسجدُ بالبكاءِ والنَّحيبِ، فلمَّا دُفِنَ؛ تَرَكَ بلالٌ الأذانَ.
ما أمَرَّ عيشَ مَن فارَقَ الأحباب! خصوصًا مَن كانَتْ رؤيتُهُ حياةَ الألباب.
لَوْ ذاقَ طَعْمَ الفِراقِ رَضْوى … لَكادَ مِنْ وَجْدِهِ يَميدُ
قَدْ حَمَّلوني عَذابَ شَوْقٍ … يَعْجِزُ عَنْ حَمْلِهِ الحَديدُ
_________________
(١) في خ: "بالنبيّ محمّد غيره وذكرت"، والأولى ما أثبتّه من م ون وط.
(٢) (صحيح). رواه: أحمد (١/ ٢٤٩ و٢٦٦ و٢٦٧ و٣٦٣)، وعبد بن حميد في "المسند" (١٣٣٦ - منتخب)، والبخاري في "التاريخ" (٧/ ٢٦)، والدارمي (١/ ١٨ و١٩ و٣٦٧)، وابن ماجه (٥ - الصلاة، ١٩٩ - بدء شأن المنبر، ١/ ٤٥٤/ ١٤١٥)، وأبو يعلى (٣٣٨٤)، وابن خزيمة (١٧٧٧)، واللالكائي في "الاعتقاد" (١٤٧٢)، والضياء في "المختارة" (٤/ ٣٥٦/ ١٥١٩ و١٦٤٣ - ١٦٤٥)؛ من طريقين قويّتين، عن أنس .. رفعه. قال البوصيري: "إسناده صحيح ورجاله ثقات". ورواه: ابن سعد (١/ ٢٥٢)، وابن أبي شيبة (٣١٧٤١ و٣١٧٣٧)، وأحمد (١/ ٢٤٩ و٢٦٦ و٢٦٧ و٣٦٣)، وعبد بن حميد (١٣٣٦)، والدارمي (١/ ١٨ و١٩ و٣٦٧)، والبخاري في "التاريخ" (٧/ ٢٦)، وابن ماجه (الموضع السابق)، والطبراني (١٢/ ١٤٥/ ١٢٨٤١)، واللالكائي في "الاعتقاد" (١٤٧١)، والبيهقي في "الدلائل" (٢/ ٥٥٨)، والضياء في "المختارة" (٥/ ٣٧/ ١٦٤٣ - ١٦٤٥)؛ من طريقين إحداهما حسنة، عن ابن عبّاس … رفعه. قال البوصيري: "إسناده صحيح ورجاله ثقات". وله شاهد قويّ عند: إسحاق في "المسند"، والبغوي في "حديث هدبة بن عمّار" (٢١٧٤ - صحيحة)، والضياء في "المختارة" (١٦٤٥)؛ من حديث الحسن مرسلًا. وحديثا أنس وابن عبّاس كلاهما صحيح، وأصل القصّة عند البخاري في "الصحيح" من حديث جابر وابن عمر، لكن ليس عندهما هذا اللفظ.
[ ٢٧٠ ]
لمَّا دُفِنَ - ﷺ -؛ قالَتْ فاطِمَةُ: كيفَ طابَتْ أنفسُكُم أنْ تَحْثوا على رسولِ اللهِ - ﷺ - التُّرابَ؟!
قالَ أنَسٌ: لمَّا كانَ اليومُ الذي دَخَلَ فيهِ رسولُ اللهِ - ﷺ - المدينةَ؛ أضاءَ منها كلُّ شيءٍ، فلمَّا كانَ اليومُ الذي دُفِنَ فيهِ، أظْلَمَ منها كلُّ شيءٍ، وما نَفَضْنا التُّرابَ (^١) عن رسولِ اللهِ [- ﷺ -]، وإنَّا لفي دفنِهِ، حتَّى أنْكَرْنا قلوبَنا.
لِيَبْكِ رَسولَ اللهِ مَنْ كانَ باكِيًا … فَلا تَنْسَ قَبْرًا بِالمدينةِ ثاوِيا
جَزى اللهُ عَنَّا كُلَّ خَيْرٍ مُحَمَّدًا … فَقَدْ كانَ مَهْدِيًّا وَقَدْ كانَ هادِيا
وَكانَ رَسولُ اللهِ رَوْحًا وَرَحْمَةً … وَنورًا وَبُرْهانًا مِنَ اللهِ بادِيا
وَكانَ رَسولُ اللهِ بِالخَيْرِ آمِرًا … وَكانَ عَنِ الفَحْشاءِ والسُّوءِ ناهِيا
وَكانَ رَسولُ اللهِ بِالقِسْطِ قائِمًا … وَكانَ لِما اسْتَرْعاهُ مَوْلاهُ راعِيا
وَكانَ رَسولُ اللهِ يَدْعو إلى الهُدى … فَلَبَّى رَسولُ اللهِ لَبَّيْهِ داعِيا
أيُنْسى أبَرُّ النَّاسِ بِالنَّاسِ كُلِّهِمْ … وَأكْرَمُهُمْ بَيْتًا وَشِعْبًا وَوادِيا
أيُنْسى رَسولُ اللهِ أكْرَمُ مَن مَشى … وَآثارُهُ بِالْمَسْجِدَيْنِ كَما هِيا
تكدَّرَ مِنْ بَعْدِ النَّبِي مُحَمَّدٍ … عَلَيْهِ سَلامٌ كُلُّ ما (^٢) كانَ صافِيا
رَكَنَّا إلى الدُّنْيا الدَّنِيَّةِ بَعْدَهُ … وَكَشَّفَتِ الأطْماعُ مِنَّا مَساوِيا
وَكَمْ مِنْ مَنارٍ كانَ أوْضَحَهُ لَنا … وَمِنْ عَلَمٍ أمْسى وَأصْبَحَ عافِيا
إذا المَرْءُ لَمْ يَلْبَسْ ثِيابًا مِنَ التُّقى … تَقَلَّبَ عُرْيانًا وَلَوْ كانَ كاسِيا
[وَخَيْرُ خِصالِ المَرْءِ طاعَةُ رَبِّهِ … وَلا خَيْرَ فيمَنْ كانَ للهِ عاصِيا]
* * *
_________________
(١) في م ون وط: "وما نفضنا أيدينا".
(٢) كذا في خ وم ون، وفي ط نقلًا عن إحدى النسخ: "عليه سلام الله".
[ ٢٧١ ]