في الصَّحيحينِ (^١): عن أبي هُرَيْرَةَ، عن النَّبي - ﷺ -؛ قالَ: "أفضلُ الأعمالِ: إيمانٌ باللهِ ورسولِهِ، ثمَّ جهادٌ في سبيلِ اللهِ، ثمَّ حجٌّ مبرورٌ".
• وهذهِ الأعمالُ الثَّلاثةُ تَرْجِعُ في الحقيقةِ إلى عملينِ:
• أحدُهُما: الإيمانُ باللهِ ورسولِهِ، وهوَ التَّصديقُ الجازمُ باللهِ وملائكتِهِ وكتبِهِ ورسلِهِ واليومِ الآخرِ، كما فَسَّرَ النَّبيُّ - ﷺ - الإيمانَ بذلكَ في حديثِ سؤالِ جبْريلَ (^٢) لهُ وفي غيرِهِ مِن الأحاديثِ. وقد ذَكَرَ اللهُ تَعالى الإيمانَ بهذهِ الأُصولِ في مواضعَ كثيرةٍ مِن كتابِهِ كأوَّلِ البقرةِ ووسطِها وآخرِها.
• والعملُ الثَّاني: الجهادُ في سبيلِ اللهِ.
وقد جَمَعَ اللهُ بينَ هذينِ الأصلينِ في مواضعَ مِن كتابِهِ: كقولِهِ تَعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (١٠) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ﴾ [الصف: ١٠ - ١١]. وفي قولِهِ: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ
_________________
(١) البخاري (٢ - الإيمان، ١٨ - الإيمان هو العمل، ١/ ٧٧/ ٢٦)، ومسلم (١ - الإيمان، ٣٦ - الإيمان أفضل الأعمال، ١/ ٨٨/ ٨٣).
(٢) المشهور الذي رواه: البخاري (٢ - الإيمان، ٣٧ - سؤال جبريل، ١/ ١١٤/ ٥٠) من حديث أبي هريرة، ومسلم (١ - الإيمان، ١ - الإيمان والإسلام والإحسان، ١/ ٣٦/ ٨ - ١٠) من حديث أبي هريرة وعمر.
[ ٥٠١ ]
اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ [الحجرات:١٥].
وقد صَحَّ عن النَّبيِّ - ﷺ - مِن غيرِ وجهٍ أن أفضلَ الأعمالِ الإيمانُ باللهِ والجهادُ في سبيلِهِ.
• فالإيمانُ المجرَّدُ تَدْخُلُ فيهِ أعمالُ الجوارحِ عندَ السَّلفِ وأهلِ الحديثِ، والإيمانُ المقرونُ بالعملِ يُرادُ بهِ التَّصديقُ معَ القولِ، وخصوصًا إنْ قُرِنَ الإيمانُ باللهِ بالإيمانِ برسولهِ، كما في هذا الحديثِ.
فالإيمانُ القائمُ بالقلوبِ أصلُ كلِّ خيرٍ، وهوَ خيرُ ما أُوتِيَهُ العبدُ في الدُّنيا، وبهِ يَحْصُلُ لهُ سعادةُ الدُّنيا والآخرةِ والنَّجاةُ مِن شقاوةِ الدُّنيا والآخرةِ.
ومَتى رَسَخَ الإيمانُ في القلبِ انْبَعَثَتِ الجوارحُ كُلُّها بالأعمالِ الصَّالحةِ واللسانُ بالكلمِ الطَّيِّبِ، كما قالَ النَّبيُّ - ﷺ -: "ألا وإنَّ في الجسدِ مضغةً، إذا صَلَحَتْ صَلَحَ الجسدُ كلُّهُ، وإذا فَسَدَتْ فَسَدَ الجسدُ كلُّهُ، ألا وهيَ القلبُ" (^١).
ولا صلاحَ للقلبِ بدونِ الإيمانِ باللهِ وما يَدْخُلُ في مسمَّاهُ مِن معرفةِ اللهِ وتوحيدهِ وخشيتِهِ ومحبَّتِهِ ورجائِهِ والإنابةِ إليهِ والتَّوكُّلِ عليهِ.
قالَ الحَسَنُ: ليسَ الإيمانُ بالتَّمنِّي ولا بالتَّحلِّي، ولكنَّهُ ما وَقَرَ في الصُّدورِ وصَدَّقَتْهُ الأعمالُ.
ويَشْهَدُ لذلكَ قولُهُ تَعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ [الأنفال: ٢ - ٤].
وفي هذا يَقولُ بعضُهُم:
ما كُل مَنْ زَوَّقَ لي قَوْلَهُ … يَغُرُّني يا صاحِ تَزْويقُهُ
مَنْ حَقَّقَ الإيمانَ في قَلْبِهِ … لا بُدَّ أنْ يَظْهَرَ تَحْقيقُهُ
فإذا ذاقَ العبدُ حلاوةَ الإيمانِ ووَجَدَ طعمَهُ وحلاوتَهُ؛ ظَهَرَ ثمرةُ ذلكَ على لسانِهِ
_________________
(١) رواه: البخاري (٢ - الإيمان، ٣٩ - من استبرأ لدينه، ١/ ١٢٦/ ٥٢)، ومسلم (٢٢ - المساقاة، ٢٠ - أخذ الحلال، ٣/ ١٢١٩/ ١٥٩٩)؛ من حديث النعمان بن بشير.
[ ٥٠٢ ]
وجوارحِهِ، فاسْتَحْلى اللسانُ ذكرَ اللهِ وما والاهُ وأسْرَعَتِ الجوارحُ إلى طاعةِ اللهِ، فحينئذٍ يَدْخُلُ حبُّ الإيمانِ في القلبِ كما يَدْخُلُ حبُّ الماءِ الباردِ الشَّديدِ بردُهُ في اليومِ الشَّديدِ حرُّهُ للظَّمآنِ الشَّديدِ عطشُهُ، ويَصيرُ الخروجُ مِن الإيمانِ أكرهَ إلى القلوبِ مِن الإلقاءِ في النَّارِ وأمرَّ عليها مِن الصَّبرِ.
ذَكَرَ ابنُ المُبارَكِ عن أبي الدَّرْداءِ؛ أنَّهُ دَخَلَ المدينةَ، فقالَ لهُم: ما لي لا أرى عليكُم يا أهلَ المدينةِ حلاوةَ الإيمانِ؟ والذي نفسي بيدِهِ؛ لو أن دُبَّ الغابةِ وَجَدَ طعمَ الإيمانِ؛ لَرُئِيَ عليهِ حلاوةُ الإيمانِ.
لَوْ ذاقَ طَعْمَ الإيمانِ رَضْوى … لَكادَ مِنْ وَجْدِهِ يَميدُ
قَدْ حَمَّلوني تَكْليفَ عَهْدٍ … يَعْجِزُ عَنْ حَمْلِهِ الحَديدُ
• فالإيمانُ باللهِ ورسولِهِ قد سَبَقَ أنَّهُ وظيفةُ القلبِ واللسانِ، ثمَّ يَتْبَعُهُما عملُ الجوارحِ، وأفضلُها الجهادُ في سبيلِ اللهِ، وهوَ نوعانِ:
* أفضلُهُما جهادُ المؤمنِ لعدوِّهِ الكافرِ وقتالُهُ في سبيلِ اللهِ؛ فإنَّ فيهِ دعوةً لهُ إلى الإيمانِ باللهِ ورسولهِ؛ لِيَدْخُلَ في الإيمانِ.
قالَ تَعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران: ١١٠]. قالَ أبو هُرَيْرَةَ في هذهِ الآيةِ: يَجيئونَ بهِم في السَّلاسلِ حتَّى يُدْخِلوهُمُ الجنَّةَ. وفي الحديثِ المرفوعِ: "عَجِبَ ربُّكَ مِن قومٍ يُقادون إلى الجنَّةِ بالسَّلاسلِ" (^١).
فالجهادُ في سبيلِ اللهِ دعاءُ الخلقِ إلى الإيمانِ باللهِ ورسولهِ بالسَّيفِ واللسانِ بعدَ دعائِهِم إليهِ بالحجَّةِ والبرهانِ. وقد كانَ النَّبيُّ - ﷺ - في أوَّلِ الأمرِ لا يُقاتِلُ قومًا حتَّى يَدْعُوَهُم.
فالجهادُ بهِ تَعْلو كلمةُ الإيمانِ، وتَتَّسِعُ رقعةُ الإسلامِ، ويَكْثُرُ الدَّاخلونَ فيهِ، وهوَ وظيفةُ الرُّسلِ وأتباعِهِم، وبهِ تَصيرُ كلمةُ اللهِ هيَ العليا، والمقصودُ منهُ أنْ يَكونَ الدِّينُ
_________________
(١) (٥٦ - الجهاد، ١٤٤ - الأسارى في السلاسل، ٦/ ١٤٥/ ٣٠١٠) من حديث أبي هريرة.
[ ٥٠٣ ]
كلُّهُ للهِ والطَّاعةُ لهُ، كما قالَ تَعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ [الأنفال: ٣٩]، والمجاهدُ في سبيلِ اللهِ هوَ المقاتلُ لِتكُونَ كلمةُ اللهِ هيَ العليا خاصَّةً.
* والنَّوعُ الثَّاني مِن الجهادِ جهادُ النَّفسِ في طاعةِ اللهِ: كما قالَ النَّبيُّ - ﷺ - "المجاهدُ مَن جاهَدَ نفسَهُ في اللهِ" (^١). وقالَ بعضُ الصَّحابةِ لمَن سَألَهُ عن الغزوِ: ابْدَأْ بنفسِكَ فاغْزُها، وابْدَأْ بنفسِكَ فجاهِدْها.
وأعظمُ مجاهدةِ النَّفسِ على طاعةِ اللهِ عمارةُ بيوتِهِ بالذِّكرِ والطَّاعةِ:
قالَ تَعالى: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ﴾ [التوبة: ١٨].
وفي حديثِ أبي سَعيدٍ المرفوعِ: "إذا رَأيْتُمُ الرَّجلَ يَعْتادُ المسجدَ؛ فاشْهَدوا لهُ بالإيمانِ". ثمَّ تَلا هذهِ الآيه (^٢). خَرَّجَهُ الإمامُ أحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ وابنُ ماجَهْ.
_________________
(١) (حسن صحيح). رواه: ابن المبارك في "الزهد" (٨٢٦) و"الجهاد" (١٧٥)، ونعيم في "زوائد الزهد" (١٤١)، وأحمد (٦/ ٢٠ - ٢٢)، وابن عبد الحكم في "التاريخ" (ص ٢٧٧ - ٢٧٨)، وابن ماجه (٣٩ - الفتن، ٢ - حرمة دم المؤمن، ٢/ ١٢٩٨/ ٣٩٣٤) مختصرًا، والفسوي في "المعرفة" (١/ ٣٤١)، والترمذي (٢٣ - فضائل الجهاد، ٢ - فضل من مات مرابطًا، ٤/ ١٦٥/ ١٦٢١)، وابن أبي عاصم في "الجهاد" (١٤)، والبزّار (٩/ ٢٠٦/ ٣٧٥٢)، وابن نصر في "تعظيم الصلاة" (٦٤٠ و٦٤١)، والنسائي في "الكبرى" (١١٠٣٨ - تحفة)، وابن حبّان (٤٦٢٤ و٤٧٠٦ و٤٨٦٢ و٦٤٣٤)، والطبراني (١٨/ ٣٠٩/ ٧٩٦ - ٧٩٧)، وابن منده في "الإيمان" (٣١٥)، والحاكم (١/ ١٠ - ١١)، والسهمي في "التاريخ" (ص ٢٠١)، والقضاعي (١٣١ و١٨٣ و١٨٤)، والبيهقي في "الشعب" (١١١٣٣) و"الزهد" (٣٦٩)، والبغوي في "السنّة" (١٤)؛ من طريق أبي هاني الخولاني، عن عمرو بن مالك الجنبي، عن فضالة بن عبيد … رفعه. أبو هاني صدوق من رجال مسلم، وعمرو ثقة، فالسند حسن على الأقلّ، وقد قوّاه الترمذي وابن حبّان والحاكم والمنذري والبوصيري والهيثمي والسيوطي والمناوي والألباني. وله شاهد عند: عبد بن حميد (٣٣٦)، وابن نصر في "تعظيم الصلاة" (٦٣٤)، والعدني في "الإيمان" (٢٧)، والبيهقي في "الزهد" (١١٤٩)؛ من حديث ابن عمرو بسند ضعيف. وآخر عند: ابن نصر في "تعظيم الصلاة" (٦٣٩)، وأبي نعيم في "الحلية" (٢/ ٢٤٩)؛ من حديث ابن عمر بسند ضعيف.
(٢) (ضعيف). رواه: سعيد بن منصور (١٠١٠)، وأحمد (٣/ ٦٨ و٧٦)، وابن أبي عمر العدني في "الإيمان" (٣)، وعبد بن حميد (٩٢٣ - منتخب)، والدارمي (١/ ٢٧٨)، وابن ماجه (٤ - المساجد، ١٩ - لزوم المساجد، ١/ ٢٦٣/ ٨٠٢)، والترمذي (٤١ - الإيمان، ٨ - حرمة الصلاة، ٥/ ١٢/ ٢٦١٧ و٣٠٩٣)، وابن نصر =
[ ٥٠٤ ]
وقالَ تَعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (٣٦) رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [النور: ٣٦ - ٣٧].
والنَّوعُ الأوَّلُ مِن الجهادِ أفضلُ مِن هذا النَّوعِ الثَّاني.
قالَ تَعالى: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٩) الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ [التوبة: ١٩ - ٢٠].
وفي "صحيح مسلم" (^١): عن النُّعْمانِ بن بَشيرٍ؛ قالَ: كُنْتُ عندَ منبرِ رسولِ اللهِ - ﷺ -، فقالَ رجلٌ: ما أُبالي أنْ لا أعْمَلَ عملًا بعدَ الإسلامِ إلَّا أنْ أسْقِيَ الحاجَّ. وقالَ آخرُ: ما أُبالي أنْ لا أعْمَلَ عملًا بعدَ الإسلامِ إلا أنْ أعْمُرَ المسجدَ الحرامَ. وقالَ آخرُ: الجهادُ في سبيلِ اللهِ أفضلُ ممَّا قُلْتُمْ. فزَجَرَهُمْ عُمَرُ وقالَ: لا تَرْفَعوا أصواتَكُم عندَ منبرِ رسولِ اللهِ - ﷺ -، وهوَ يومُ الجمعةِ، ولكنْ إذا صُلِّيَتِ الجمعةُ دَخَلْتُ فاسْتَفْتَيْتُهُ فيما اخْتَلَفْتُمْ فيهِ. فأنْزَلَ اللهُ ﷿: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ إلى آخرِ الآيةِ.
فهذا الحديثُ الذي فيهِ ذكرُ سببِ نزولِ هذهِ الآيةِ يُبَيِّنُ أن المرادَ أفضلُ ما يُتَقَرَّبُ بهِ إلى اللهِ تَعالى مِن أعمالِ النَّوافلِ والتَّطوُّعِ وأنَّ الآيةَ تَدُلُّ على أن أفضلَ ذلكَ الجهادُ معَ الإيمانِ، فدَلَّ على أن التَّطوُّعَ بالجهادِ أفضلُ مِن التَّطوُّعِ بعمارةِ المسجدِ الحرامِ
_________________
(١) = في "تعظيم الصلاة" (٣٣٦)، وابن خزيمة (١٥٠٢)، وابن حبّان (١٧٢١)، وابن عدي (٣/ ٩٨١ و١٠١٣)، والحاكم (١/ ٢١٢، ٢/ ٣٣٢)، وابن مردويه (التوبة ١٧ - ابن كثير)، وأبو نعيم في "الحلية" (٨/ ٣٢٧)، والبيهقي (٣/ ٦٦)، والخطيب في "التاريخ" (٥/ ٤٥٩)، والأصبهاني في "الترغيب" (٢١٦٤)؛ من طريق درّاج، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد … رفعه. قال الترمذي في الموضعين: "حسن غريب". وصحّحه الحاكم في الموضعين ووافقه الذهبي في الثاني وتعقّبه في الأوّل بقوله: "درّاج كثير المناكير". قلت: درّاج ضعيف في روايته عن أبي الهيثم، وهذا منها. وقال الألباني في تعليقه على ابن خزيمة "إسناده صحيح" على غير عادته في روايات درّاج عن أبي الهيثم، وكأنّه سبق قلم فإنّه أودعه في "ضعيف ابن ماجه". وضعّفه أيضًا مغلطاي والمناوي.
(٢) (٣٣ - الإمارة، ٢٩ - فضل الشهادة، ٣/ ١٤٩٨/ ١٨٧٨).
[ ٥٠٥ ]
وسقايةِ الحاجِّ. وعلى مثلِ هذا يُحْمَلُ حديثُ أبي هُرَيْرَةَ.
• هذا؛ وإنَّ الجهادَ أفضلُ مِن الحجِّ المتطوَّعِ بهِ؛ فإنَّ فرضَ الحجِّ تَأخَّرَ عندَ كثيرٍ مِن العلماءِ إلى السَّنةِ التَّاسعةِ، ولعلَّ النَّبيَّ - ﷺ - قالَ هذا الكلامَ قبلَ أنْ يُفْرَضَ الحجُّ بالكلِّيَّةِ، فكانَ حينئذٍ تطوُّعًا.
وقد قيلَ: إنَّ الجهادَ كانَ في أوَّلِ الإسلامِ فرضُ عينٍ، فلا إشكالَ في هذا على تقديمِهِ على الحجِّ قبلَ افتراضِهِ. فأمَّا بعدَ أنْ صارَ الجهادُ فرضَ كفايةٍ والحجُّ فرضَ عينٍ؛ فإنَّ الحجَّ المفروضَ حينئذٍ يَكونُ أفضلَ مِن الجهادِ.
قالَ عَبْدُ اللهِ بنُ عَمْرِو بن العاصِ: حجَّة قبلَ الغزوِ أفضلُ مِن عشرِ غزواتٍ، وغزوةٌ بعدَ حجَّةٍ أفضلُ مِن عشرِ حجَّاتٍ. [و] رُوِيَ ذلكَ مرفوعًا مِن وجوهٍ متعدِّدةٍ في أسانيدِها مقالٌ (^١).
وقالَ الصُّبَيُّ بنُ مَعْبَدٍ: كُنْتُ نصرانيًّا، فأسْلَمْتُ، فسَألْتُ أصحابَ مُحَمَّدٍ: الجهادُ
_________________
(١) (ضعيف جدًّا). رواه يحيى بن سعيد الأنصاري واختلف عليه فيه على وجهين: روى الأوّل: الفاكهي (٨٠٣)، وابن حبّان في "المجروحين" (٢/ ٤١)، والطبراني في "الكبير" (٥/ ٢٨٤ - مجمع) و"الأوسط" (٣١٦٨)، والبيهقي في "السنن" (٤/ ٣٣٤) و"الشعب" (٤٢٢١)، والذهبي في "الميزان" (٢/ ٤٤٤) معلّقًا؛ من طريق عبد الله بن صالح كاتب الليث، ثنا يحيى بن أيّوب، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن يسار (وجاء مرّة: عطاء بن يسار)، عن ابن عمرو … رفعه. وأشار إلى الثاني البيهقي بقوله: "ورواه سفيان الثوري عن يحيى بن سعيد أخبرني مخبر عن عطاء بن يسار عن ابن عمر موقوفًا". فإن صحّت الطريق إلى سفيان؛ فالقول قوله؛ لأنّه جبل الحفظ، بخلاف كاتب الليث ويحيى بن أيّوب المتكلّم فيهما. وممّا يرجّح هذا الوجه الثاني أنّه جاء بنحوه بسند قويّ عن ابن عمر موقوفًا عند ابن أبي شيبة (١٩٣٥٢). ورواه مكحول الشامي واختلف عليه فيه على ثلاثة أوجه: روى أوّلها: أبو نعيم في "الحلية" (٥/ ١٨٨) من طريق محمّد بن عمر الكلاعي، عنه، عن ابن عمر … رفعه بنحوه. وروى الثاني أبو داوود في "المراسيل" (٣٠٣ و٣٠٤) من وجهين يقوّي أحدهما الآخر، عن مكحول … مرسلًا. وروى الثالث ابن المبارك في "الجهاد" (٢٢٨): أنا مكحول، ثنا الضحّاك بن عبد الرحمن بن عرزب، عن عبد الرحمن بن غنم … موقوفًا. فالوجه الأوّل ساقط لشدّة نكارة حديث الكلاعي. ورواية ابن المبارك عن مكحول في الوجه الثالث منقطعة، اللهمّ إلّا أن يكون الإشكال في المطبوعة؛ فإنّ ابن المبارك لا يقول: أنا مكحول، وعندئذ يصير الوجه الثالث أرجح وأقوى من الثاني ويكون الصواب هاهنا أيضًا الوقف. وخلاصة القول أنّ الوقف راجح على الوجهين، والرفع ساقط، والإرسال محتمل. ومثل هذا لا يزحزح الحديث عن الضعف، وقد قال ابن رجب: "في أسانيدها مقال"، وقال الألباني: "ضعيف جدًّا".
[ ٥٠٦ ]
أفضلُ أمِ الحجُّ؟ فقالوا: الحجُّ.
والمرادُ - واللهُ أعلمُ - أن الحجَّ أفضلُ لمَن لمْ يَحُجَّ حجَّةَ الإسلامِ مثلِ هذا الذي أسْلَمَ، وقد يَكونُ المرادُ بحديثِ أبي هُرَيْرَةَ أنَّ جنسَ الجهادِ أشرفُ مِن جنسِ الحجِّ، فإنْ عَرَضَ للحجِّ وصفٌ يَمْتازُ بهِ على الجهادِ - وهوَ كونُهُ فرضَ عينٍ -؛ صارَ ذلكَ الحجُّ المخصوصُ أفضلَ مِن الجهادِ، وإلَّا؛ فالجهادُ أفضلُ. واللهُ أعلمُ.
• وقد دَلَّ حديثُ أبي هُرَيْرَةَ على أن أفضلَ الأعمالِ بعدَ الجهادِ في سبيلِ اللهِ جنسُ عمارةِ المساجدِ بذكرِ اللهِ وطاعتِهِ، فدَخَلَ في ذلكَ الصَّلاةُ والذِّكرُ والتِّلاوةُ والاعتكافُ وتعليمُ العلمِ النَّافعِ واستماعُهُ.
وأفضلُ ذلكَ عمارةُ أفضلِ المساجدِ وأشرفِها - وهوَ المسجدُ الحرامُ - بالزِّيارةِ والطَّوافِ. فلهذا خَصَّهُ بالذِّكرِ وجَعَلَ قصدَهُ للحجِّ أفضلَ الأعمالِ بعدَ الجهادِ. وقد خَرَّجَهُ ابنُ المُنْذِرِ ولفظُهُ: "ثمَّ حجٌّ مبرورٌ أو عمرةٌ" (^١).
وقد ذَكَرَ اللهُ تَعالى هذا البيتَ في كتابِهِ بأعظمِ ذكرٍ وأفخمِ تعظيمٍ وثناءٍ: قالَ تَعالى: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ الآياتِ [البقرة: ١٢٥]. وقالَ تَعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ (٩٦) فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ [آل عمران: ٩٦ - ٩٧]. وقالَ تَعالى: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (٢٦) وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ [الحج: ٢٦ - ٢٧].
فعمارةُ سائرِ المساجدِ سوى المسجدِ الحرامِ وقصدُها للصَّلاةِ فيها وأنواعُ
_________________
(١) (صحيح). رواه: معمر في "الجامع" (٢٠٢٩٦)، وأبو عوانة (١٧٦)، وابن المنذر (٥٠٧ - لطائف المعارف)؛ من طريق الزهريّ، عن ابن المسيّب، عن أبي هريرة … رفعه. وله شاهد عند: معمر في "الجامع" (٢٠١٠٧)، وأحمد (٤/ ١١٤)، وعبد بن حميد (٣٠١)، والفاكهي في "مكّة" (٨٧٢)، والطبراني (٣/ ٢١٠ - مجمع)؛ بسند فيه انقطاع عن عمرو بن عبسة مرفوعًا.
[ ٥٠٧ ]
العباداتِ مِن الرِّباطِ في سبيلِ اللهِ، كما قالَ النَّبيُّ - ﷺ - في إسباغِ الوضوءِ على المكارهِ وكثرةِ الخطا إلى المساجدِ وانتظارِ الصَّلاةِ بعدَ الصَّلاةِ: "فذلكُمُ الرِّباطُ، فذلكُمُ الرِّباطُ، فذلكُمُ الرِّباطُ" (^١).
• فأمَّا المسجدُ الحرامُ بخصوصِهِ؛ فقصدهُ لزيارتِهِ وعمارتِهِ بالطَّوافِ الذي خَصَّهُ اللهُ بهِ مِن نوعِ الجهادِ في سبيلِ اللهِ ﷿.
وفي "صحيح البُخارِيِّ" (^٢): عن عائشةَ؛ قالَتْ: يا رسولَ اللهِ! نَرى الجهادَ أفضلَ العملِ، أفلا نُجاهِدُ؟ قالَ: "لكِنْ أفضلُ الجهادِ حجٌّ مبرور"؛ يَعْني: أفضلَ جهادِ النِّساءِ. ورواهُ بعضُهُم: "لَكُنَّ أفضلُ الجهادِ حجٌّ مبرورٌ"، فيَكونُ صريحًا في هذا المعنى. وقد خَرَّجَهُ البُخارِيُّ (^٣) بلفظٍ آخرَ، وهوَ: "جهادُكُنَّ الحجُّ". وهوَ كذلكَ.
وفي "المسند" و"سنن ابن ماجَهْ": عن أُمِّ سَلَمَةَ، عن النَّبيِّ - ﷺ -؛ قالَ: "الحجُّ جهادُ كلِّ ضعيفٍ" (^٤).
وخَرَّجَ البَيْهَقِي وغيرُهُ مِن حديثِ أبي هُرَيْرَةَ مرفوعًا: "جهادُ الكبيرِ والضَّعيفِ والمرأةِ الحجُّ والعمرةُ" (^٥).
_________________
(١) رواه مسلم (٢ - الطهارة، ١٤ - إسباغ الوضوء على المكاره، ١/ ٢١٩/ ٢٥١) عن أبي هريرة.
(٢) (٢٥ - الحجّ، ٤ - فضل الحجّ المبرور، ٣/ ٣٨١/ ١٥٢٠).
(٣) (٥٦ - الجهاد، ٦٢ - جهاد النساء، ٦/ ٧٥/ ٢٨٧٥).
(٤) (حسن لشواهده). رواه: الطيالسي (١٥٩٩)، وابن أبي شيبة (١٢٦٥٤)، وابن الجعد (٣٥٠٥)، وإسحاق (١/ ١٧٦/ ١٥٠ - ١٥١)، وأحمد (٦/ ٢٩٤ و٣٠٣ و٣١٤)، وابن منيع في "المسند" (٣/ ١٨٥ - مصباح الزجاجة)، وابن ماجه (٢٥ - المناسك، ٨ - حجّ النساء، ٢/ ٩٦٨/ ٢٩٠٢)، والفاكهي (٧٩٤)، وأبو يعلى (٦٩١٦ و٧٠٢٩)، والطبراني (٢٣/ ٢٩٢/ ٦٤٧)، والقضاعي في "الشهاب" (٨٠)، والرافعي في "التدوين" (٢/ ٤٧٩)، والذهبي في "النبلاء" (٤/ ٤٠٩)؛ من طريق قويّة، عن أبي جعفر محمّد بن علي، عن أمّ سلمة … رفعته. قال البوصيري: "إسناده ضعيف … قال أحمد وأبو حاتم: لم يسمع أبو جعفر من أمّ سلمة". وبهذا أعلّه البخاري والترمذي والمنذري والعلائي والسخاوي والمناوي وغيرهم. لكن يشهد له الحديث الآتي بعده، ويشهد لمعناه حديث عائشة المتقدّم قبله والمراسيل الآتية بعده، فلا أقلّ من تحسينه هنا، وإلى ذلك مال الألباني.
(٥) (حسن صحيح). رواه: عبد الرزاق (٩٧٠٩ و٩٧١٠)، وسعيد بن منصور في "السنن" (٢٣٤٤)، وأحمد (٢/ ٤٢١)، والنسائي في "السنن الكبرى" (٣٦٠٥) و"المجتبى" (٢٤ - المناسك، ٤ - فضل الحجّ، ٥/ ١١٣/ ٢٦٢٥)، والطبراني في "الأوسط" (٨٧٤٦)، والبيهقي (٤/ ٣٥٠، ٩/ ٢٣)؛ من طرق، عن ابن =
[ ٥٠٨ ]
وفي حديثٍ مرسل: "الحجُّ جهادٌ والعمرةُ تطوُّعٌ" (^١).
وفي حديثٍ آخرَ مرسلٍ خَرَّجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ؛ أن رجلًا قالَ للنَّبيِّ - ﷺ -: إنِّي جبانٌ لا أُطيقُ لقاءَ العدوِّ. قالَ: "أفلا أدُلُّكَ على جهادٍ لا قتالَ فيهِ؟ ". قالَ: بلى. قالَ: "عليكَ بالحجِّ والعمرةِ" (^٢).
_________________
(١) = الهاد، عن محمّد بن إبراهيم، [عن أبي سلمة]، [عن أبي هريرة] … رفعه. وهذا سند يمكن أن يعلّ بأنّه جاء مرّة عن محمّد بن إبراهيم مرسلًا، ومرّة عن محمّد عن أبي هريرة منقطعًا. والجواب عن هذا أنّ الطريق المسندة المذكورة قد جاءت من وجه قويّ عن ابن الهاد، فلها حكم زيادة الثقة، والأوجه الأُخرى لا تضرّها عندئذ بل تزيدها قوّة، ولذلك قال المنذري: "إسناد حسن"، وقال الهيثمي (٣/ ٢٠٩): "رجاله رجال الصحيح". وضعّفه الألباني في "ضعيف الجامع" ثمّ حسّنه في "صحيح النسائي". ثمّ يشهد له ما قبله وما بعده، فهو صحيح به.
(٢) (ضعيف جدًّا). وقد جاء عن النبيّ - ﷺ - من أوجه: • فرواه: الطبراني (١١/ ٣٥٠/ ١٢٢٥٢)، والذهبي في "ميزان الاعتدال" (٣/ ٤٩٢) تعليقًا، والبيهقي (٤/ ٣٤٨) تعليقًا؛ من طريق محمّد بن بكّار، ثنا محمّد بن الفضل بن عطية، عن سالم الأفطس، عن سعيد بن جبير، عن ابن عبَّاس … رفعه. قال ابن حزم: "ابن بكّار وابن الفضل مجهولان". وتعقّبه الذهبي بقوله: "أمّا ابن بكّار؛ فصحيح أنّه مجهول، وأمّا ابن الفضل … فهو ضعيف متروك بالإجماع". قلت: وقال الهيثمي (٣/ ٢٠٨): "فيه محمّد بن الفضل بن عطيّة، وهو كذّاب". * ورواه: ابن ماجه (٢٥ - المناسك، ٤٤ - العمرة، ٢/ ٩٩٥/ ٢٩٨٩)، وابن أبي حاتم في "العلل" (٨٥٠) تعليقًا، والطبراني في "الأوسط" (٦٧١٩)؛ من طريق الحسن بن يحيى الخشني، [عن عمرو بن قيس]، عن طلحة بن موسى، عن عمّه إسحاق بن طلحة، عن طلحة بن عبيد الله … رفعه. قال أبو حاتم: "حديث باطل". وقال البوصيري: "ضعيف. عمر بن قيس المعروف بسندل ضعّفه أحمد وابن معين … والحسن الراوي عنه ضعيف". قلت: سندل متروك. وضعّف حديثه العسقلاني والشوكاني. • وعلّقه البيهقي (٤/ ٣٤٨) من طريق شعبة، عن معاوية بن إسحاق، عن أبي صالح، عن أبي هريرة … رفعه. وهاهنا علّتان: أولاهما: قول البيهقي: "الطريق إلى شعبة ضعيفة". والثانية: أنّه رواه: الشافعي في "الأُمّ" (٢/ ١٣٢) و"المسند" (ص ١١٢)، وابن أبي شيبة (١٣٦٤٥)، وابن جرير (٣٢٣١)، والبيهقي (٤/ ٣٤٨)؛ من طرق قويّة، عن معاوية، عن أبي صالح الحنفي … مرسلًا. فهذا الوصل قد جمع الضعف إلى المخالفة، وهذا حدّ النكارة. • ورواه: ابن أبي شيبة (١٣٦٤٦)، وابن جرير (٣٢١٩ و٣٢٢٠)؛ من طريق أبي معشر، عن إبراهيم، عن ابن مسعود … موقوفًا. فهذا أولى على ضعف أبي معشر. فطرق الحديث المرفوعة ساقطة فرادى ومجتمعة، وطريقه الموقوفة ضعيفة، وقد ضعّفه الشافعي وأبو حاتم والدارقطني وابن حزم والبيهقي والذهبي والبوصيري والهيثمي والعسقلاني والشوكاني والألباني.
(٣) (ضعيف جدًّا). رواه عبد الرزّاق (٨٨١٠ و٩٢٧٣ و٩٢٧٤) من طريقين، عن عبد الكريم الجزري، عن النبيّ - ﷺ -. وهذا معضل سقط منه الصحابيّ والتابعيّ؛ فإنّ الجزري من أتباع التابعين.
[ ٥٠٩ ]
وخَرَّجَ أيضًا مِن مراسيلِ عَلِيِّ بن الحُسَيْنِ؛ أن رجلًا سَألَ النَّبيَّ - ﷺ - عن الجهادِ؟ فقالَ: "ألا أدُلُّكَ على جهادٍ لا شوكةَ فيهِ؟ الحجُّ" (^١).
وفيهِ: عن عُمَرَ؛ أنَّهُ قالَ: إذا وَضَعْتُمُ السُّروجَ (يَعْني: مِن سفرِ الجهادِ)؛ فشُدُّوا الرِّحالَ إلى الحجِّ والعمرةِ؛ فإنَّهُ أحدُ الجهادينِ. وذَكَرَهُ البُخارِيُّ تعليقًا.
وقالَ ابنُ مَسْعودٍ: إنَّما هوَ سرجٌ ورحلٌ؛ فالسَّرجُ في سبيلِ اللهِ، والرَّحلُ [في] الحجِّ. خَرَّجَهُ الإمامُ أحْمَدُ في "مناسكِهِ".
وإنَّما كانَ الحجُّ والعمرةُ جهادًا؛ لأنَّهُ يُجْهِدُ المالَ والنَّفسَ والبدنَ، كما قالَ أبو الشَّعْثاءِ: نَظَرْتُ في أعمالِ البرِّ، فإذا الصَّلاةُ تُجْهِدُ البدنَ دونَ المالِ، والصِّيامُ كذلكَ، والحجُّ يُجْهِدُهُما، فرَأيْتُهُ أفضلَ.
ورَوى عَبْدُ الرَّزَّاقِ بإسنادِهِ: عن أبي موسى الأشْعَرِيِّ؛ أن رجلًا سَألَهُ عن الحجِّ. قالَ: إنَّ الحاجَّ يَشْفَعُ في أربعِ مئةِ بيتٍ مِن قومِهِ، ويُبارَكُ في أربعينَ مِن أُمَّهاتِ البعيرِ الذي حَمَلَهُ، ويَخْرُجُ مِن ذنوبِهِ كيومَ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ. فقالَ لهُ رجل: يا أبا موسى! إنِّي كُنْتُ أُعالِجُ الحجَّ، وقد كَبِرْتُ وضَعُفْتُ، فهلْ مِن شيءٍ يَعْدِلُ الحجَّ؟ فقالَ لهُ: هل تَسْتَطيعُ أنْ تَعْتِقَ سبعينَ رقبةً مؤمنةً مِن ولدِ إسْماعيلَ؟! فأمَّا الحلُّ والرَّحيلُ؛ فلا أجِدُ لهُ عدلًا (أو قالَ: مثلًا) (^٢).
وبإسنادِهِ عن طاووسٍ؛ أنَّهُ سُئِلَ: هلِ الحجُّ بعدَ الفريضةِ أفضلُ أمِ الصَّدقةُ؟ قالَ: فأينَ الحلُّ والرَّحيلُ والسَّهرُ والنَّصبُ والطَّوافُ بالبيتِ والصَّلاةُ عندَهُ والوقوفُ بعرفةَ وجمعٍ ورميُ الجمارِ؟! كأنَّهُ يَقولُ: الحجُّ أفضلُ.
• وقدِ اخْتَلَفَ العلماءُ في تفضيلِ الحجِّ تطوُّعًا على الصَّدقةِ:
فمنهُم مَن رَجَّحَ الحجَّ، كما قالَ طاووسٌ وأبو الشَّعثاءِ وقالَهُ الحَسَنُ أيضًا.
ومنهُم مَن رَجَّحَ الصَّدقةَ، وهوَ قولُ النَّخَعِيِّ.
_________________
(١) (ضعيف). رواه: عبد الرزّاق (٨٨٠٩)، وعليّ بن الجعد (٢٤٧٨)؛ من طريق معاوية بن إسحاق، عن عباية بن رفاعة، عن عليّ بن الحسين، عن النبيّ - ﷺ -. وهذا سند رجاله ثقات، لكنّه مرسل.
(٢) (ضعيف موقوفا ومرفوعا). تقدّم تفصيل القول فيه (ص ١٥٨).
[ ٥١٠ ]
ومنهُم مَن قالَ: إنْ كانَ ثَمَّ رحمٌ محتاجةٌ أو زمنُ مجاعةٍ؛ فالصَّدقةُ أفضلُ، وإلَّا؛ فالحجُّ. وهوَ نصُّ أحْمَدَ. ورُوِيَ عن الحَسَنِ معناهُ وأنَّ صلةَ الرَّحمِ والتَّنفيسَ عن المكروبِ أفضلُ مِن التَّطوُّعِ بالحجِّ (^١).
وفي "كتابِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ" بإسنادٍ ضعيفٍ: عن عائِشَةَ؛ أن رسولَ اللهِ - ﷺ - سُئِلَ عن رجلٍ حَجَّ فأكْثَرَ، أيَجْعَلُ نفقتَهُ في صلةٍ أو عتقٍ؟ فقالَ النَّبيُّ - ﷺ -: "طوافُ سبعٍ لا لغوَ فيهِ يَعْدِلُ رقبةً" (^٢). وهذا يَدُلُّ على تفضيلِ الحجِّ.
واسْتَدَلَّ مَن رَأى ذلكَ أيضًا بأن النَّفقةَ في الحجِّ مِن النَّفقةِ في سبيلِ اللهِ.
وفي "مسند الإمام أحْمَد": عن بُرَيْدَةَ، عن النَّبيِّ - ﷺ -؛ قالَ: "النَّفقةُ في الحجِّ كالنَّفقةِ في سبيلِ اللهِ بسبعِ مئةِ ضعفٍ" (^٣).
_________________
(١) وهذا قول حسن جدًّا، ويزداد حسنه في حقّ من أكثر من الحجّ والعمرة وفي حقّ من ينفق على حجّه وعمرته المبالغ الطائلة، وفي حقّ من يكثر حوله الفقراء والمحتاجون من أُسرته وأهل بلده … وما أعظم غفلة الناس عن هذه المعاني! ترى الرجل يطوف ويسعى وينفق الأموال الطائلة على رحلات الطائرات والفنادق الفخمة وأخوه ابن أُمّه وأبيه قد آذاه المرض وأقعده وهو لا يملك ثمنًا لجراحة ولا لعلاج!
(٢) (ضعيف جدًّا). رواه عبد الرزّاق (٨٨٣٣): أنا ابن محرّر، سمعت عطاء بن رباح، يحدّث عن عائشة … رفعته. وابن محرّر ساقط الحديث، ولذلك ضعّفه ابن رجب، وقال الألباني: "ضعيف جدًّا". وقد جاء هذا المعنى عن عبد الله بن عبيد بن عمير مرسلًا عند عبد الرزّاق (٨٨٢٤) لكن بسند ضعيف. وجاء موقوفًا على ابن عمرو (٨٨٢٥) وعلى كعب الأحبار (٨٨٢٨)، فلعلّ هذا أصله ثمّ رفعه هذا الهالك وجعله من حديث عطاء.
(٣) (حسن لشواهده). رواه: مسدّد في "مسنده" (٣/ ٦٣ - ٦٤ تاريخ البخاري)، وأحمد (٥/ ٣٥٤)، والبخاري في "التاريخ" (٣/ ٦٣ - ٦٤)، والفاكهي (٩٠٣)، وابن أبي عاصم في "الجهاد" (٧٥ - ٧٦)، والروياني (٦٥)، وابن الأعرابي في "المعجم" (٩٩١)، والطبراني في "الأوسط" (٥٢٧٠)، والبيهقي (٤/ ٣٣٢) وفي "الشعب" (٤١٢٤ - ٤١٢٦)، وأبو موسى المديني في "الصحابة" (٣/ ١٣٢ - إصابة)؛ من طرق، عن عطاء بن السائب، (قال مرّة: عن محمّد بن زهير مرسلًا، ومرّة: عن عبد الله بن زهير مرسلًا، ومرّة: عن حرب بن زهير أبي زهير الضبعي عن عبد الله بن بريدة عن أبيه مرفوعًا، ومرّة: عن علقمة بن مرثد عن سليمان بن بريدة عن أبيه مرفوعًا، ومرّة: عن زهير عن علقمة عن سليمان بن بريدة عن أبيه مرفوعًا). وهذا سند ضعيف فيه علل: أولاها: أنّ عطاء اختلط، والرواة عنه على كثرتهم ليس فيهم من روى عنه قبل الاختلاط، لكنّه توبع كما سيأتي في الحديث بعده فبريء من عهدة الحديث. والثانية: أنّه اضطرب فيه على الأوجه الملخّصة آنفًا. والثالثة: أنّ زهيرًا هذا أو ابن زهير مجهول، قال الهيثمي (٣/ ٢١١): "فيه أبو زهير لم أجد من ذكره". قلت: ترجمه ابن أبي حاتم والعسقلاني في "التعجيل" بما يدلّ على جهالته.
[ ٥١١ ]
وخَرَّجَهُ الطَّبَرانِيُّ مِن حديثِ: أنَسٍ، عن النَّبيِّ - ﷺ -؛ قالَ: "النَّفقةُ في سبيلِ اللهِ؛ الدِّرهمُ فيهِ بسبعِ مئةٍ" (^١).
ويَدُلُّ عليهِ قولُهُ تَعالى: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٩٥) وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٥ - ١٩٦]؛ ففيهِ دليلٌ على أن النَّفقةَ في الحجِّ والعمرةِ تَدْخُلُ في جملةِ النَّفقةِ في سبيلِ اللهِ.
وقد كانَ بعضُ الصَّحابةِ جَعَلَ بعيرَهُ في سبيلِ اللهِ، فأرادَتِ امرأتُهُ أنْ تَحُجَّ عليهِ، فقالَ لها النَّبيُّ - ﷺ -: "حُجِّي عليهِ، فإنَّ الحجَّ في سبيلِ اللهِ" (^٢). وقد خَرَّجَهُ أهلُ المسانيدِ
_________________
(١) = وله شاهد عند ابن أبي شيبة (١٢٦٥٨) من طريق قويّة عن محمّد بن عبّاد مرسلًا باللفظ نفسه. ويشهد لمعناه حديث أُمّ معقل الآتي بعد حديث. فهو حسن إن شاء الله بهذه الشواهد وغيرها. والله أعلم.
(٢) (حسن لشواهده). رواه: البخاري في "التاريخ" (٣/ ٦٣)، والفاكهي في "مكّة" (٩٠٤)، والبزّار (١٦٦٤ - كشف)، والطبراني في "الأوسط" (٥٦٩٠)، والضياء (٧/ ٢٨٤/ ٢٧٤٠)؛ من طريق محمّد بن أبي إسماعيل السلمي، عن حرب بن زهير، [عن يزيد بن زهير الضبعي]، عن أنس … موقوفًا ومرفوعًا. قال الهيثمي (٣/ ٢١١): "فيه من لم أعرفه". قلت: يريد حربًا ويزيد فإنّهما مجهولان، وحرب تقدّم في حديث بريدة قبله ممّا يجعل هذا الحديث وجهًا من أوجه الخلاف المتقدّمة آنفا، ويفيدنا أنّ عطاء بن السائب توبع ويبرّئه من عهدة الحديث. ثمّ الحديث حسن إن شاء الله بالشواهد المذكورة آنفًا.
(٣) (صحيح). رواه: مالك (١/ ٣٤٦)، والطيالسي (١٦٦٢)، وابن أبي شيبة (١٣٠٢٤)، وابن سعد (٨/ ٢٩٥)، وإسحاق (١/ ٢٦٠/ ٥ - ٦)، وأحمد (٦/ ٣٧٥ و٤٠٥ - ٤٠٦)، والدارمي (٢/ ٥١)، والفاكهي (٨٢٨ و٨٣٣ و٨٦٢)، وأبو داوود (٥ - المناسك، ٨٠ - العمرة، ١/ ٦٠٨/ ١٩٨٨ و١٩٨٩)، والترمذي (٧ - الحجّ، ٩٥ - عمرة في رمضان، ٣/ ٢٧٦/ ٩٣٩)، وابن أبي عاصم في "الآحاد" (٣٢٣٨ - ٣٢٤٦ و٣٢٤٨ و٣٢٥٠ - ٣٢٥٢)، والنسائي في "الكبرى" (٤٢٢٧)، وأبو يعلى (٦٨٦٠)، وابن خزيمة (٢٣٧٦ و٣٠٧٥)، والطبراني (٢٥/ ١٥١/ ٣٦٤ - ٣٧٤)، والحاكم (١/ ٤٨٢)، والبيهقي (٤/ ٣٤٦)، وابن عبد البرّ في "التمهيد" (٢٢/ ٥٦ - ٦٠)، والخطيب في "التاريخ" (١١/ ١١) و"الجمع والتفريق" (٢/ ٤١١ - ٤١٢)، والمزّي في "التهذيب" (٢٣/ ٣٢)، من طرق، عن أمّ معقل … رفعته مطوّلًا ومختصرًا بذكر هذه القطعة وبدونها. قال الترمذي: "حسن غريب"، وأقزه المنذري. وقال الحاكم: "على شرط مسلم"، ووافقه الذهبي. قلت: أسانيده كثيرة، لكن فيها اختلاف كبير بين اتصال وإرسال وفي بعضها جهالة، على أنّ كثرتها تجبر هذه العلل، فلا يتردّد المرء في أنّ الحديث حسن على الأقل بمجموع طرقه، بل هو صحيح، وقال الألباني: "صحيح". ورواه: أحمد (٤/ ٢١٠)، وابن أبي عاصم في "الآحاد" (٢١٧٤)، والنسائي في "الكبرى" (٤٢٢٦)، والروياني (١٢٨٩)، والطبراني (٢٠/ ٢٣٤/ ٥٥١)؛ من حديث معقل بن أبي معقل. ورواه: ابن أبي شيبة (١٣٠٢٣ و١٣٠٢٥)، وابن ماجه (٢٥ - المناسك، ٤٥ - عمرة رمضان، ٢/ ٩٩٦ / ٢٩٩٣)، وابن أبي عاصم في "الآحاد" (٣٢٤٩)، والنسائي في "الكبرى" (٤٢٢٨)؛ عن أبي معقل.
[ ٥١٢ ]
والسُّننِ مِن وجوهٍ متعدِّدة، وذَكَرَهُ البُخارِقيُ تعليقًا.
وهذا يُسْتَدَلُّ بهِ على أن الحجَّ يُصْرَفُ فيهِ مِن سهمِ سبيلِ اللهِ المذكورِ في آيةِ الزَّكاةِ كما هوَ أحدُ قوليِ العلماءِ، فيُعْطى مِن الزَّكاةِ مَن لمْ يَحُجَّ ما يَحُجُّ بهِ. وفي إعطائِهِ لحجِّ التَّطوُّعِ اختلافٌ بينَهُم أيضًا.
• وفي الحديثِ الصَّحيحِ عن النَّبيِّ - ﷺ -[أنَّهُ] قالَ: "الحجُّ المبرورُ ليسَ لهُ جزاءٌ إلَّا الجنَّةَ" (^١).
وفي "المسند"؛ أن النَّبيَّ - ﷺ - سُئِلَ: أيُّ الأعمالِ أفضلُ؟ قالَ: "إيمانٌ باللهِ وحدَهُ، ثمَّ الجهادُ، ثمَّ حجَّة برَّةٌ تَفْضُلُ سائرَ الأعمالِ ما بينَ مطلعِ الشَّمسِ إلى مغربِها" (^٢).
وثَبَتَ عنهُ - ﷺ - أنَّهُ قالَ: "مَن حَجَّ هذا البيتَ فلمْ يَرْفُثْ ولمْ يَفْسُقْ؛ خَرَجَ مِن ذنوبِهِ كيومَ وَلَدَتْهُ أُمّهُ" (^٣).
فمغفرةُ الدُّنوبِ بالحجِّ ودخولُ الجنَّةِ [بهِ] مرتَّبٌ على كونِ الحجِّ مبرورًا.
• وإنَّما يَكونُ مبرورًا باجتماعِ أمرينِ فيهِ:
• أحدُهُما: الإتيانُ فيهِ بأعمالِ البرِّ.
والبرُّ يُطْلَقُ بمعنيينِ:
_________________
(١) = وله شاهد من حديث ابن عبّاس عند: أحمد (١/ ٢٢٩)، وأبي داوود (الموضع السابق، ١٩٩٠)، وابن خزيمة (٣٠٧٧)؛ بسند قويّ.
(٢) رواه: البخاري (٢٦ - العمرة، ١ - وجوب العمرة وفضلها، ٣/ ٥٩٧/ ١٧٧٣)، ومسلم. (١٥ - الحجّ، ٧٩ - فضل الحجّ والعمرة، ٢/ ٩٨٣/ ١٣٤٩)؛ من حديث أبي هريرة.
(٣) (صحيح). رواه: أحمد (٤/ ٣٤٢)، والبخاري في "التاريخ" (٨/ ٣٧)، وابن أبي عاصم في "الآحاد" (٢٦٣٦) و"الجهاد" (٢٤)، وعبد الله بن أحمد (٤/ ٣٤٢)، والطبراني (٢٠/ ٣٤٤/ ٨٠٩ - ٨١١)؛ من طرق، عن الجريري، عن يزيد بن عبد الله بن الشخّير (وقال مرّة: عن حيّان بن عمير)، عن ماعز … رفعه. قال المنذري: "رواة أحمد إلى ماعز رواة الصحيح". وقال الهيثمي (٣/ ٢١٠): "رجال أحمد رجال الصحيح". قلت: الجريريّ تغيّر، لكن روى عنه عند أحمد شعبة، وهو من قدماء أصحابه. والتردّد بين يزيد وحيّان تردّد بين ثقتين لا يضرّ. فالسند صحيح.
(٤) رواه: البخاري (٢٥ - الحجّ، ٤ - فضل الحجّ المبرور، ٣/ ٣٨٢/ ١٥٢١)، ومسلم (١٥ - الحجّ، ٧٩ - فضل الحجّ والعمرة، ٢/ ٩٨٣/ ١٣٥٠)؛ من حديث أبي هريرة.
[ ٥١٣ ]
أحدُهُما: بمعنى الإحسانِ إلى النَّاسِ، كما يُقالُ: البرُّ الصِّلةُ، وضدُّهُ العقوقُ.
وفي "صحيح مسلم" (^١)، أن النَّبيَّ - ﷺ - سُئِلَ عن البرِّ، فقالَ: "البرُّ حسنُ الخلقِ".
وكانَ ابنُ عُمَرَ تقولُ: إنَّ البرَّ شيءٌ هيِّن؛ وجهٌ طليقٌ وكلامٌ ليِّن.
وهذا يُحْتاجُ إليهِ في الحجِّ كثيرًا؛ أعني: معاملةَ النَّاس بالإحسانِ بالقولِ والفعلِ.
قالَ بعضُهُم: إنَّما سُمِّيَ السَّفرُ سفرًا، لأنَّهُ يُسْفِرُ عن أَخلاقِ الرِّجالِ.
وفي "المسند": عن جابرٍ، عن النَّبيِّ - ﷺ -، قالَ: "الحجُّ المبرورُ ليسَ لهُ جزاءٌ إلَّا الجنَّةَ". قالوا: وما برُّ الحجِّ يا رسولَ اللهِ؟ قالَ: "إطعامُ الطَّعامِ، وإفشاءُ السَّلامِ" (^٢).
وفي حديثٍ آخرَ: "وطيبُ الكلامِ" (^٣).
وسُئِلَ سَعيدُ بنُ جُبَيْرٍ: أيُّ الحاجِّ أفضلُ؟ قالَ: مَن أطْعَمَ الطَّعامَ وكَفَّ لسانَهُ. قالَ الثَّوْرِيُّ: سَمِعْتُ أنَّهُ مِن برِّ الحجِّ.
وفي مراسيلِ: خالِدِ بن مَعْدانَ، عن النَّبيِّ - ﷺ -، قالَ: "ما يَصْنَعُ مَن يَؤُمُّ هذا البيتَ إذا لمْ يَكُنْ فيهِ خصالٌ ثلاثةٌ: ورعٌ يَحْجُزُهُ عمَّا حَرَّمَ الله، وحلمٌ يَضْبِطُ بهِ جهلَهُ، وحسنُ صحابةٍ لمَن يَصْحَبُ. وإلَّا؛ فلا حاجةَ للهِ بحجِّهِ" (^٤).
وقالَ أبو جَعْفَرٍ الباقِرُ: ما يَعْبَأُ مَن يَؤُمُّ هذا البيتَ إذا لمْ يَأْتِ بثلاثٍ: ورعٌ يَحْجُزُهُ عن معاصي اللهِ، وحلم يَكُفُّ بهِ غضبَهُ، وحسنُ الصَّحابةِ لمَن يَصْحَبُهُ مِن المسلمينَ.
فهذهِ الثَّلاثةُ يُحْتاجُ إليها في الأسفارِ كلِّها، خصوصًا في سفرِ الحجِّ، فمَن كَمَّلَها؛ فقد كَمَلَ حجُّهُ وبَرَّ.
ومِن أجْمعِ خصالِ البرِّ التي يَحْتاجُ إليها الحاجُّ ما وَصَّى بهِ النَّبيُّ - ﷺ - أبا جُرَيٍّ الهُجَيْمِيَّ، فقالَ لهُ: "لا تَحْقِرَنَّ مِن المعروفِ شيئًا، ولو أنْ تُفْرِغَ مِن دلوِكَ في إناءِ المستسقي، ولو أنْ تُعْطِيَ صلةَ الحبلِ، ولو أنْ تُعْطِيَ شسعَ النَّعلِ، ولو أنْ تُنَحِّيَ الشَّيءَ
_________________
(١) (٤٥ - البرّ والصلة، ٥ - تفسير البرّ والإثم، ٤/ ١٩٨٠/ ٢٥٥٣) من حديث النوّاس.
(٢) (صحيح). تقدّم تفصيل القول فيه (ص ١٥١).
(٣) (صحيح). تقدّم تفصيل القول فيه (ص ١٥١).
(٤) (ضعيف). إن سلمت الطريق إلى خالد بن معدان فهو مرسل، والمرسل من أنواع الضعيف، ولم أقف عليه في غير هذا الموضع.
[ ٥١٤ ]
مِن طريقِ النَّاسِ يُؤْذيهِم، ولو أنْ تَلْقى أخاكَ ووجهُكَ إليهِ منطلقٌ، ولو أنْ تَلْقى أخاكَ المسلمَ فتُسَلِّمَ عليهِ، ولو أنْ تُؤْنِسَ الوحشانَ في الأرضِ" (^١).
وفي الجملةِ؛ فخيرُ النَّاس أنفعُهُم للنَّاسِ وأصبرُهُم على أذى النَّاسِ، كما وَصَفَ اللهُ المتَّقينَ بذلكَ في قولِهِ: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٤].
والحاجُّ يَحْتاجُ إلى مخالطةِ النَّاسِ، والمؤمنُ الذي يُخالِطُ النَّاسَ ويَصْبِرُ على أذاهُم أفضلُ ممَّن لا يُخالِطُهُم ولا يَصْبِرُ على أذاهُم.
قالَ رَبيعَةُ: المروءةُ في السَّفرِ: بذلُ الزَّادِ، وقلَّةُ الخلافِ على الأصحابِ، وكثرةُ المزاحِ في غيرِ مساخطِ اللهِ ﷿.
وجاءَ رجلانِ إلى ابن عَوْنٍ يُوَدِّعانِهِ ويَسْألانِهِ أنْ يُوصيَهُما، فقالَ لهُما: عليكُما بكظمِ الغيظِ وبذلِ الزَّادِ، فرَأى أحدُهُما في المنامِ أن ابنَ عَوْنٍ أهْدى إليهِما حُلَّتينِ.
_________________
(١) (صحيح). قطعة من حديث طويل رواه: معمر في "الجامع" (١٩٤٣٤، ١٩٩٨٢)، وابن المبارك في "الزهد" (١٠١٧)، والطيالسي (١٢٠٨)، وابن أبي شيبة (٢٤٨١٢ و٢٦٥٦٥ و٢٥٦٩٩)، وابن سعد (٧/ ٤٣ و٤٤)، وابن الجعد (٣٢٢٠)، وأحمد (٣/ ٤٨٢، ٤/ ٦٥، ٥/ ٦٣ و٦٤ و٣٧٧)، والبخاري في "الأدب المفرد" (١١٨٢) و"التاريخ الكبير" (٢/ ٢٠٥ - ٢٠٦) و"التاريخ الصغير" (٤٩٢ - ٤٩٦)، وأبو داوود (٢٦ - اللباس، ٢٣ - الهدب، ٢/ ٤٥٢/ ٤٠٧٥ و٤٠٨٤ و٥٢٠٩)، والترمذي (٤٣ - الاستئذان، ١٨ - كراهية عليك السلام، ٥/ ٧١/ ٢٧٢١ و٢٧٢٢)، وابن أبي الدنيا في "اصطناع المعروف" (٢/ ٧٣ - إصابة)، وابن أبي عاصم في "الآحاد" (١١٨١ - ١١٨٦)، وابن نصر في "تعظيم الصلاة" (٨٠٧)، والنسائي في "الكبرى" (٩٦٩٦ - ٩٦٩١ و١٠١٤٩ - ١٠١٥٢) و"اليوم والليلة" (٣١٩ - ٣٢٢)، والدولابي في "الكنى" (١٣٥ و٣٧١ - ٣٧٤)، وابن أبي حاتم في "العلل" (٣٤٩٤) تعليقًا، والمحاملي في "الأمالي" (٣٥٢)، وابن الأعرابي في "المعجم" (٢/ ١٢٩ - إصابة)، وابن قانع في "المعجم" (١/ ٥٥ و١٤٢)، وابن حبّان (٥٢١ و٥٢٢)، والطبراني (٧/ ٦٢/ ٦٣٨٣ - ٦٣٩٠)، وابن السنّي (٢٣٦)، والحاكم (٤/ ١٨٦)، والقضاعي (٩٣٥)، والبيهقي في "السنن" (٢٣٦، ٨٨٨٤ و٨٨٨٥)، وابن عبد البرّ (١/ ٢٢٦ - هامش الإصابة)، والبغوي في "السنّة" (٣٥٠٤)، والأصبهاني في "الترغيب" (١١٣٨)، وابن الأثير في "الغابة" (١/ ٢٩٠)، والمزّي في "التهذيب" (١٩/ ٢٧٠، ٢٠/ ٢٣٨)؛ من طرق ثمان، عن أبي جريّ جابر بن سليم … رفعه مطوّلًا ومختصرًا. وللحديث أكثر من طريق قويّة لذاتها، واجتماع طرقه يجعله صحيحًا دونما ريب، وقد صحّحه الترمذي وابن حبّان والحاكم والمنذري والذهبي والألباني.
[ ٥١٥ ]
والإحسانُ إلى الرِّفقةِ في السَّفرِ أفضلُ مِن العبادةِ القاصرةِ، لا سيَّما إنِ احْتاجَ العابدُ إلى خدمةِ إخوانِهِ.
وقد كانَ النَّبيُّ - ﷺ - في سفرٍ في حرٍّ شديدٍ، ومعَهُ مَن هوَ صائمٌ ومفطرٌ، فسَقَطَ الصُّوَامُ وقامَ المفطرونَ فضَرَبوا الأبنيةَ وسَقَوُا الرَكابَ، فقالَ النَّبيُّ - ﷺ -: "ذَهَبَ المفطرونَ اليومَ بالأجرِ" (^١).
ورُوِيَ أنَّهُّ - ﷺ - كانَ في سفرٍ، فرَأى رجلًا صائمًا، فقالَ لهُ: "ما حَمَلَكَ على الصَّومِ في السَّفرِ؟ ". فقالَ: معي ابنايَ يَرْحَلانِ بي ويَخْدُماني. فقالَ لهُ: "ما زالَ لهُما الفضلُ عليكَ" (^٢).
وفي "مراسيل أبي داوود": عن أبي قِلابَةَ؟ قالَ: قَدِمَ ناسٌ مِن أصحابِ رسولِ اللهِ - ﷺ - مِن سفرٍ يُثْنونَ على صاحبٍ لهُم؛ قالوا: ما رَأيْنا مثلَ فلانٍ قطُّ، ما كانَ في مسيرٍ إلَّا كانَ في قراءةٍ، ولا نَزَلْنا منزلًا إلَّا كانَ في صلاةٍ! قالَ: "فمَن كانَ يَكْفيهِ ضَيْعَتَهُ … (حتَّى ذَكَرَ) ومَن كانَ يَعْلِفُ دابَّتَهُ؟ ". قالوا: نحنُ. قالَ: "فكلُّكم خيرٌ منهُ" (^٣).
وقالَ مُجاهِدٌ: صَحِبْتُ ابنَ عُمَرَ في السَّفرِ لأخْدُمَهُ فكانَ يَخْدُمُني.
وكانَ كثيرٌ مِن السَّلفِ يَشْتَرِطُ على أصحابِهِ في السَّفرِ أنْ يَخْدُمَهُمُ اغتنامًا لأجرِ ذلكَ، منهُم عامِرُ بنُ عَبْدِ قَيْسٍ وعَمْرُو بنُ عُتْبَةَ بن فَرْقَدٍ، معَ اجتهادِهِما في العبادةِ في أنفسِهِما. وكذلكَ كانَ إبْراهيمُ بنُ أدْهَمَ يَشْتَرِطُ على أصحابِهِ في السَّفرِ الخدمةَ والأذانَ (^٤).
وكانَ رجلٌ مِن الصَّالحينَ يَصْحَبُ إخوانَهُ في سفرِ الجهادِ وغيرِهِ فيَشْتَرِطُ عليهِم
_________________
(١) رواه: البخاري (٥٩ - الجهاد، ٧١ - فضل الخدمة، ٦/ ٨٤/ ٢٨٩٠)، ومسلم (١٣ - الصيام، ١٦ - أجر المفطر، ٢/ ٧٨٨/ ١١١٩)؛ من حديث أنس.
(٢) (لم أقف عليه).
(٣) (ضعيف). رواه: سعيد بن منصور في "السنن" (٢٩١٩)، وأبو داوود في "المراسيل" (٣٠٦)؛ من طريق أيّوب، عن أبي قلابة، عن النبي - ﷺ -. وهذا سند رجاله ثقات ولكنّه ضعيف لإرساله.
(٤) وسنّة النبيّ - ﷺ - وسيرة أصحابه أولى بالاتّباع؛ كانوا يسافرون فيَخدمون ويُخدمون، فلا ينتظرون من الناس أن يخدموهم فضلًا عن أن يسألوهم الخدمة ولا يشترطون على الناس أن يخدموهم طلبًا للأجر فضلًا عن أن يمنعوا أحدًا من خدمة نفسه! كانوا أكمل الناس؛ لا غلوّ ولا تقصير ولا إفراط ولا تفريط.
[ ٥١٦ ]
أنْ يَخْدُمَهُم، فكانَ إذا رَأى رجلًا يُريدُ أنْ يَغْسِلَ ثوبَهُ؛ قالَ لهُ: هذا مِن شرطي، فيَغْسِلُهُ، وإذا رَأى رجلًا يُريدُ أنْ يَغْسِلَ رأْسَهُ؛ قالَ لهُ: هذا مِن شرطي، فيَغْسِلُهُ. فلمَّا ماتَ؛ نَظَروا في يدِهِ، فإذا فيها مكتوبٌ: مِن أهلِ الجنَّةِ، فنَظَروا إليها؛ فإذا هيَ كتابةٌ بينَ الجلدِ واللحمِ (^١)!
وتَرافَقَ بُهَيْمٌ العِجْلِيُّ - وكانَ مِن العابدينَ البكَّائينَ - ورجلٌ تاجرٌ موسرٌ في الحجِّ، فلمَّا كانَ يومُ خروجِهِم للسَّفرِ؛ بكى بُهَيْمٌ حتَّى قَطَرَتْ دموعُهُ على صدرِهِ ثمَّ قَطَرَتْ على الأرضِ، وقالَ: ذَكَرْتُ بهذهِ الرِّحلةِ الرِّحلةَ إلى اللهِ، ثمَّ عَلا صوتُهُ بالنَّحيبِ. فكَرِهَ رفيقُهُ التَّاجرُ منهُ ذلكَ، وخَشِيَ أنْ يُنَغَّصَ عليهِ سفرَهُ معَهُ بكثرةِ بكائِهِ. فلمَّا قَدِما مِن الحجِّ؛ جاءَ الرَّجلُ الذي رافَقَ بينَهُما [إليهِما] لِيُسَلِّمَ عليهِما، فبَدَأ بالتَّاجرِ فسَلَّمَ عليهِ وسَألَهُ عن حالِهِ معَ بُهَيْمٍ، فقالَ لهُ: واللهِ؛ ما ظَنَنْتُ أن في هذا الخلقِ مثلَهُ! كانَ واللهِ يَتَفَضَّلُ عليَّ في النَّفقةِ وهوَ معسرٌ وأنا موسرٌ، ويَتَفَضَّلُ عليَّ في الخدمةِ وهوَ شيخٌ ضعيفٌ وأنا شابٌّ، ويَطْبُخُ لي وهوَ صائمٌ وأنا مفطرٌ. فسَألَهُ عمَّا كانَ يكْرَهُهُ منهُ مِن كثرةِ بكائِهِ؟ فقالَ: ألِفْتُ واللهِ ذلكَ البكاءَ وأُشْرِبَ حبَّهُ قلبي حتَّى كُنْتُ أُساعِدُهُ عليهِ حتَّى تَأذَّى بنا الرفقةُ ثمَّ ألِفوا ذلكَ فجَعَلوا إذا سَمِعونا نَبْكي بكَوْا، وتقولُ بعضُهُم لبعضٍ: ما الذي جَعَلَهُما أولى بالبكاءِ منَّا والمصيرُ واحدٌ؟! فجَعَلوا واللهِ يَبْكونَ ونَبْكي. ثمَّ خَرَجَ مِن عندِهِ فدَخَلَ على بُهَيْمٍ فسَلَّمَ عليهِ وقالَ لهُ: كيفَ رَأيْتَ صاحبَكَ؟ قالَ: خيرُ صاحبٍ، كثيرُ الذِّكرِ للهِ، طويلُ التِّلاوةِ للقرآنِ، سريعُ الدَّمعةِ، متحمِّلٌ (^٢) لهفواتِ الرَّفيقِ، فجَزاكَ اللهُ عنِّي خيرًا.
_________________
(١) ميزان العلم قسطاس مستقيم، تطيش فيه أحاديث القصّاص وملح المجالس وقيل وقال وحدّثني قلبي عن ربّي وتذهب جفاء، فلا يرجح فيه إلّا العلم الرصين سواء أكان رواية أو دراية. المشكل هنا أنّنا إذا قال الحسن البصريّ: عن أنس عن النبيّ - ﷺ -، توقّفنا في روايته وقلنا: قد عنعن على تدليسه! فإذا سمعنا قصّة كالقصّة المذكورة، الله أعلم بصاحبها وبنقلتها؛ تلقّفناها وأذعناها وأشعناها! وقد كثر هذا اليوم وأفاض الناس فيه: فهذا يقسم أنّ وليّ الله الفلانيّ مات وبقي قلبه ينبض حتّى جاء طبيب مسلم عاقل (!) فقال: ادفنوه، إن قلبه لا ينبض، إنّه يقول: الله الله، وسيبقى كذلك إلى قيام الساعة! وآخر يقول: بقي إصبعه يتحرّك بالشهادة وهو في الأكفان! وثالث شقّوا عن قلبه فرأوا عليه "الله" أو "لا إله إلا الله" إلى آخر هذه الترّهات.
(٢) في خ: "محتمل"، وما أثبتّه من م ون وط أقوى.
[ ٥١٧ ]
وكانَ ابنُ المُبارَكِ يُطعِمُ أصحابَهُ في الأسفارِ أطيبَ الطَّعامِ وهوَ صائمٌ، وكانَ إذا أرادَ الحجَّ مِن بلدِهِ مَرْوَ؛ جَمَعَ أصحابَهُ وقالَ: مَن يُريدُ منكُمُ الحجَّ؟ فيَأْخُذُ منهُم نفقاتِهِم فيَضَعُها عندَهُ في صندوق ويُقْفِلُ عليهِ، ثمَّ يَحْمِلُهُمْ ويُنْفِقُ عليهِم أوسَعَ النَّفقةِ ويُطْعِمُهُم أطيبَ الطَّعامِ، ثمَّ يَشْتَري لهُم مِن مَكَّةَ ما يُريدونَ مِن الهدايا والتُّحفِ، ثمَّ يَرْجِعُ بهِم إلى بلدِهِ، فإذا وَصَلوا؛ صَنَعَ لهُم طعامًا، ثمَّ جَمَعَهُم عليهِ، ودَعا بالصُّندوقِ الذي فيهِ نفقاتُهُم، فرَدَّ إلى كلِّ واحدٍ نفقتَهُ.
المعنى الثَّاني ممَّا يُرادُ بالبرِّ: فعلُ الطَّاعاتِ كلِّها؛ وضدُّهُ الإثمُ.
وقد فَسَّرَ اللهُ تَعالى البرَّ بذلكَ في قولِهِ: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ﴾ إلى آخرِ الآيةِ [البقرة: ١٧٧].
فتَضَمَّنَتِ الآيةُ أن أنواعَ البرِّ ستَّةُ أنواعٍ، مَنِ اسْتكْمَلَها؛ فقدِ اسْتكمَلَ البرَّ: أوَّلُها: الإيمانُ بأُصولِ الإيمانِ الخمسةِ. وثانيها: إيتاءُ المالِ المحبوبِ لذي القربى واليتامى والمساكينِ وابنِ السَّبيلِ والسَّائلينَ وفي الرِّقابِ. وثالثُها: إقامُ الصَّلاةِ. ورابعُها: إيتاءُ الزَّكاةِ. وخامسُها: الوفاءُ بالعهدِ. وسادسُها: الصَّبرُ على البأْساءِ والضَّرَّاءِ وحينَ البأْسِ. وكلُّها يَحْتاجُ الحاجُّ إليها؛ فإنَّهُ لا يَصِحُّ حجُّهُ بدونِ الإيمانِ، ولا يَكْمُلُ حجُّهُ ويَكونُ مبرورًا بدونِ إقام الصَّلاةِ وإيتاءِ الزَّكاةِ؛ فإن أركانَ الإسلامِ بعضها مرتبطٌ ببعضٍ، فلا يَكْمُلُ الإيمانُ والإسلامُ حتَّى يُؤْتى بها كلِّها، ولا يَكْمُلُ برُّ الحجِّ بدونِ الوفاءِ بالعهودِ (^١) في المعاقداتِ والمشاركاتِ المحتاجِ إليها في سفرِ الحجِّ وإيتاءِ المالِ المحبوبِ لمَن يُحِبُّ اللهُ إيتاءَهُ، ويَحْتاجُ معَ ذلكَ إلى الصَّبرِ على ما يُصيبُهُ مِن المشاقِّ في السَّفرِ.
فهذهِ خصالُ البرِّ، ومِن أهمِّها للحاجِّ إقامُ الصَّلاةِ، فمَن حَجَّ مِن غيرِ إقامِ الصَّلاةِ - لا سيَّما إنْ كانَ حجُّهُ تطوُّعًا -؛ كانَ بمنزلةِ مَن سَعى في ربح درهمٍ وضَيَعَّ رأْسَ مالِهِ، وهوَ أُلوفٌ كثيرةٌ.
_________________
(١) في خ: "الوفاء بالعهد". والأولى ما أثبته من م ون وط.
[ ٥١٨ ]
وقد كانَ السَّلفُ يُواظِبونَ في الحجِّ على نوافلِ الصَّلاةِ.
وكانَ النَّبيُّ - ﷺ - يُواظِبُ على قيامِ الليلِ على راحلتِهِ في أسفارِهِ كلِّها ويوتِرُ عليها (^١).
وحَجَّ مَسْروقٌ فما نامَ إلَّا ساجدًا.
وكانَ مُحَمَّدُ بنُ واسِعٍ يُصَلِّي في طريقِ مَكَّةَ ليلَهُ أجْمَعَ في محملِهِ؛ يُومِيءُ إيماءً، ويَأْمُرُ حاديَهُ أنْ يَرْفَعَ صوتَهُ خلفَهُ حتَّى يُشْتَغَلَ عنهُ بسماعِ صوتِ الحادي فلا يُتَفَطَّنَ لهُ.
وكانَ المُغيرَةُ بنُ حَكيم الصَّنْعانِيُّ يَحُجُّ مِن اليمنِ ماشيًا، وكانَ لهُ وردٌ بالليلِ يَقْرَأُ فيهِ كلَّ ليلةٍ ثلثَ القرآنِ، فيَقِفُ فيُصَلِّي حتَّى يَفْرَغَ مِن وردِهِ ثمَّ يَلْحَقُ بالرَّكبِ متى لَحِقَ، فربَّما لم يَلْحَقْهُم إلَّا في آخرِ النَّهارِ.
سلامُ [اللهِ] على تلكَ الأرواح، رحمةُ اللهِ على تلكَ الأشباح، ما مثلُنا ومثلُهُم إلَّا كما قالَ القائلُ:
نَزَلوا بِمَكَّةَ في قَبائِلِ هاشِمٍ … وَنَزَلْتَ بِالبَيْداءِ أبْعَدَ مَنْزِلِ
فنحنُ ما نَأْمُرُ إلَّا بالمحافظةِ على الصَّلاةِ في أوقاتِها ولو بالجمعِ بينَ الصَّلاتينِ المجموعتينِ في وقتِ إحداهُما بالأرضِ؛ فإنَّهُ لا يُرَخَّصُ لأحدٍ [أنْ] يُصَلِّي صلاةَ الليلِ في النَّهارِ ولا صلاةَ النَّهارِ في الليلِ ولا أنْ يُصَلِّي على ظهرِ راحلتِهِ المكتوبةَ؛ إلَّا مَن خافَ الانقطاعَ عن رفقتِهِ أو نحوَ ذلكَ ممَّن (^٢) يَخافُ على نفسِهِ. فأمَّا المريضُ ومَن كانَ في ماءٍ وطينٍ؛ ففي صلاتِهِ على الرَّاحلةِ اختلافٌ مشهورٌ للعلماءِ، وفيهِ روايتانِ عن الإمامِ أحْمَدَ، وأنْ يَكونَ بالطهارةِ الشَّرعيَّةِ بالوضوءِ بالماءِ معَ القدرةِ عليهِ والتَّيمُّمِ عندَ العجزِ عنهُ حسًّا أو شرعًا. ومتى عَلِمَ اللهُ مِن عبدٍ حرصَهُ على إقامِ الصَّلاةِ على وجهِها؛ أعانَهُ.
قالَ بعضُ العلماءِ: كُنْتُ في طريقِ الحجِّ، وكانَ الأميرُ تقِفُ للنَّاسِ كلَّ يومٍ لصلاةِ
_________________
(١) رواه: البخاري (١٤ - الوتر، ٥ - الوتر على الدابّة، ٢/ ٤٨٨/ ٩٩٩ و١٠٠٠)، ومسلم (٦ - المسافرين، ٤ - صلاة النافلة على الدابّة، ١/ ٤٨٦/ ٧٠٠)؛ من حديث ابن عمر.
(٢) في خ: "الانقطاع عن الرفقة أو نحو ذلك ممّا"، والأولى ما أثبتّه من م ون وط.
[ ٥١٩ ]
الفجرِ فيَنْزِلُ، فنُصَلِّي ثمَّ نَرْكَبُ، فلمَّا كانَ ذاتُ يومٍ قربَ طلوعِ الشَّمسِ ولم يَقِفوا للنَّاسِ، فنادَيْتُهُم فلم يَلْتَفِتوا إلى ذلكَ، فتَوَضَّأْتُ على المحملِ، ثمَّ نَزَلْتُ للصَّلاةِ على الأرضِ، ووَطَّنْتُ نفسي على المشي إلى وقتِ نزولِهِم للضُّحى، وكانوا لا يَنْزِلونَ إلى قريبِ وقتِ الظُّهرِ، معَ علمي بمشقَّةِ ذلكَ عليَّ وأنِّي لا قدرةَ لي عليهِ، فلمَّا صَلَّيْتُ وقَضَيْتُ صلاتي؛ نَظَرْتُ إلى رفقتي، فإذا هُم وقوفٌ، وقد كانوا لو سُئِلوا ذلكَ لم يَفْعَلوهُ، فسَألْتُهُم عن سببِ وقوفِهِم، فقالوا: لمَّا نَزَلْتَ تَعَرْقَلَتْ مقاوِدُ الجمالِ بعضُها في بعض فنحنُ في تخليصِها إلى الآنَ. قالَ: فجِئْتُ ورَكِبْتُ وحَمِدْتُ الله ﷿ وعَلِمْتُ أنَّهُ ما قَدَّمَ أحدٌ حقَّ اللهِ تَعالى على هوى نفسِهِ وراحتِها إلَّا ورَأى سعادةَ الدُّنيا والآخرةِ، ولا عَكَسَ أحدٌ ذلكَ فقَدَّمَ حظَّ نفسِهِ على حقِّ ربِّهِ إلَّا ورَأى الشَّقاوةَ في الدُّنيا والآخرةِ (^١). واسْتَشْهَدَ بقولِ القائلِ:
واللهِ ما جِئْتكُمُ زائِرًا … إلَّا وَجَدْتُ الأرْضَ تُطْوى لي
وَلا ثنَيْتُ العَزْمَ عَنْ بابِكُمْ … إلَّا تَعَثَّرْتُ بِأذْيالي
ومِن أعظمِ أنواعِ برِّ الحجِّ كثرةُ ذكرِ اللهِ تَعالى فيهِ. وقد أمَرَ اللهُ تَعالى بكثرةِ ذكرِهِ في إقامةِ مناسكِ الحجِّ مرَّةً بعدَ أخرى. و[قد] رُوِيَ أنَّ النَّبيَّ - ﷺ - سُئِلَ: أيُّ الحاجِّ أفضلُ؟ قالَ: "أكثرُهُم للهِ ذكرًا" (^٢). خَرَّجَهُ الإمامُ أحْمَدُ، ورُوِيَ مرسلًا مِن وجوهٍ
_________________
(١) أمّا القول؛ فصحيح والله، وأمّا الفعل؛ فلا يخلو من نظر! فإنّ مفارقة الجماعة في الأسفار والقفار مظنّة الأخطار الجسيمة على النفس والمال، وربّما انقطع المرء عن الركب أو ضاع أو هاجمته الوحوش وقطّاع الطرق! فهذه المخاطر وأشباهها من الضرورات التي تبيح الفريضة سائرًا أو راكبًا، ومن بذل وسعه ثمّ ترخص؛ فإنه من المحسنين الذين ما عليهم من سبيل لا من الذين قدّموا هوى أنفسهم وراحتها على حقّ الله تعالى! وليت شعري! إذا كنّا نأبى أن نترخّص في مثل هذه الضرورات؟ فمتى نترخّص؟! متى نتمثّل قوله - ﷺ -: لا إن الله يحبّ أن تؤتى رخصه كما يحبّ أن تؤتى عزائمه"؟! متى نشعر أنّ هذا الدين دين رحمة، أنزله رحمن رحيم بعباده، وجعله صالحًا لكل زمان ومكان وإنسان؟!
(٢) (ضعيف). رواه: أحمد (٣/ ٤٣٨)، وابن عبد الحكم في "فتوح مصر" (ص ٢٩٨)، والطبراني (٢٠/ ١٨٦ / ٤٠٧)؛ من طريق ابن لهيعة، عن زبّان بن فائد، عن سهل بن معاذ، عن أبيه … رفعه. قال الهيثمي (١٠/ ٧٧): "فيه زبّان بن فائد وهو ضعيف وقد وثّق، وكذلك ابن لهيعة". قلت: فهاتان علّتان: أولاهما: تخليط ابن لهيعة، مع كون الرواة عنه هنا من المتأخّرين بعد التخليط. نعم؛ تابعه رشدين بن سعد عند الرافعي في "قزوين" (٣/ ٣٧٢)، لكنّ رشدين ضعيف، والراوي عنه منصور بن مجاهد كذاب يضع،=
[ ٥٢٠ ]
متعدِّدةٍ.
وخصوصًا كثرةَ الذِّكرِ في حالِ الإحرامِ بالتَّلبيةِ والتَّكبيرِ. وفي التِّرْمِذِيِّ وغيرِهِ: عن النَّبيِّ - ﷺ -؛ قالَ: "أفضلُ الحجِّ العجُّ والثَّجُّ" (^١). وفى حديثِ جُبَيْرِ بن مُطْعِمٍ
_________________
(١) = فسقطت المتابعة. والثانية: نكارة حديث زبّان، ولا سيّما هذه النسخة التي يرويها عن سهل. ورواه الرافعي في "قزوين" (٢/ ٤٣٩) من طريق يزيد الرقاشي، عن أنس … رفعه. ويزيد منكر الحديث، والطريق إليه مظلمة، والحديث ساقط. ورواه ابن المبارك (١٤٢٩): أني حيوة، عن زهرة بن معبد، عن أبي سعيد المقبري … مرسلًا. وسنده قويّ. فلعلّ هذا أصل الحديث، وإسناده عن معاذ بن أنس من تخليطات ابن لهيعة أو مناكير زبّان.
(٢) (حسن). وقد جاء عن النبيّ - ﷺ - من أوجه: • فرواه: الشافعي في "الأُمّ" (٢/ ١١٦) و"المسند" (ص ١٠٩)، وابن أبي شيبة (١٥٠٥٢ و١٥٦٩٨)، وابن ماجه (٢٥ - المناسك، ٦ - ما يوجب الحجّ، ٢/ ٩٦٧/ ٢٨٩٦)، والترمذي (٤٨ - التفسير، ٤ - آل عمران، ٥/ ٢٢٥/ ٢٩٩٨)، والطبراني في "المعجم الأوسط" (٥٠٣٧)، وابن عدي (١/ ٢٢٦)، والدارقطني في "السنن" (٢/ ٢١٧)، والبيهقي في "السنن" (٤/ ٣٣٠) و"الشعب" (٣٩٧٤)، وابن عبد البرّ في "التمهيد" (٩/ ١٢٦)، من طريق إبراهيم بن يزيد، عن محمّد بن عبّاد، عن ابن عمر … رفعه. قال الترمذي: "تكلّم بعض أهل الحديث في إبراهيم بن يزيد من قبل حفظه". قلت: إبراهيم متروك. وقد أشار البيهقي إلى متابعات له لكن ممّن هم دون إبراهيم ضعفًا وسقوطًا. • ورواه الأصبهاني في "الترغيب" (١٠٢٥) من طريق ضعيفة، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة، عن محمّد بن المنكدر، عن جابر … رفعه. وإسحاق متروك، وحديثه هذا ساقط. • ورواه محمّد بن المنكدر واختلف عليه فيه على وجوه: روى الأوّل منها أبو بكر بن سعيد القاضي في "مسند أبي بكر" (١٥٠٠ - صحيحة): ثنا محمّد بن إسحاق البلخي، ثنا ابن أبي فديك، ثنا الضحّاك بن عثمان الحزامي، عن محمّد بن المنكدر، عن ابن عمر، عن أبي بكر … رفعه. والبلخيّ كذّاب ساقط الحديث. وروى الثاني: ابن عديّ (٥/ ١٨٥٧)، والدارقطني في "العلل" (٧١)، والبيهقي في "الشعب" (٧٣٢٦)، والخطيب في "الجمع والتفريق" (١/ ١٨ - ١٩)؛ من طريق المنكدر بن محمّد بن المنكدر، عن أبيه، عن عبد الرحمن بن سعيد، عن جبير (أو: جبلة) بن الحارث (أو: الحويرث)، عن أبي بكر … رفعه. وهذا منكر: المنكدر ضعيف خالف الثقات الذين رووه على الوجه التالي. وروى الثالث: الدارمي (٢/ ٣١)، وابن ماجه (٢٥ - المناسك، ١٦ - رفع الصوت، ٢/ ٩٧٥/ ٢٩٢٤)، والترمذي (٧ - الحجّ، ١٤ - فضل التلبية، ٣/ ١٨٩/ ٨٢٧)، والفاكهي (٩١٤)، والبزّار (٧١ و٧١ م و٧٢)، وأبو يعلى (١١٧٠)، وابن خزيمة (٢٦٣١)، والبغوي في "المعجم" (٢/ ٤٢٤ - إصابة)، والطبراني، والدارقطني في "لعلل" (٧١)، والحاكم (١/ ٤٥١)، والبيهقي (٥/ ٤٢) وفي "الشعب" (٤٠٢٢ و٧٣٢٦)، والباوردي (٢/ ٤٢٤ - إصابة)، والضياء (١/ ١٥٣/ ٦٥)؛ من طرق، عن ابن أبي فديك، عن الضحّاك، عن محمّد بن المنكدر، عن عبد الرحمن بن يربوع، عن أبي بكر … رفعه. وهذه رواية الجماعة عن ابن أبي فديك فهي المعروفة ورواية البلخي على الوجه الأوّل منكرة، وهي رواية الضحّاك الصدوق عن ابن المنكدر فهي المعروفة ورواية المنكدر على الوجه الثاني منكرة. ومع=
[ ٥٢١ ]
المرفوعِ: "عُجُّوا التَّكبيرَ عجًّا وثُجُّوا الإبلَ ثجًّا" (^١). فالعجُّ رفعُ الصَّوتِ بالتكبيرِ والتَّلبيةِ، والثَّجُّ إراقةُ دماءِ الهدايا والنُّسكِ.
والهديُ مِن أفضلِ الأعمالِ: قالَ اللهُ تَعالى: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ﴾ الآيةَ [الحج: ٣٦]. وقالَ [تَعالى]: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج: ٣٢]. وأهْدى النَّبيُّ - ﷺ - في حجَّةِ الوداعِ مئةَ بدنةٍ (^٢).
وكانَ يَبْعَثُ بالهديِ إلى منى فتُنْحَرُ عنهُ وهوَ مقيمٌ بالمدينةِ (^٣).
• الأمرُ الثَّاني ممَّا يَكْمُلُ بهِ برُّ الحجِّ: اجتنابُ أفعالِ الإثمِ فيهِ مِن الرَّفثِ والفسوقِ والمعاصي.
قالَ اللهُ تَعالى: ﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ [البقرة: ١٩٧].
وفي الحديثِ الصَّحيحِ: "مَن حَجَّ هذا البيتَ فلمْ يَرْفُثْ ولمْ يَفْسُقْ؛ رَجَعَ كيومَ وَلَدَتْهُ أمّهُ" (^٤).
_________________
(١) = ذلك فهذا الوجه الثالث منقطع، قال الترمذي: "ابن المنكدر لم يسمع من عبد الرحمن بن يربوع". قلت: أدخل بعض الضعفاء بينهما سعيد بن عبد الرحمن بن يربوع، وردّه أحمد والبخاري والترمذي والدارقطني والذهبي والعسقلاني ورجّحوا الوجه المنقطع المذكور. • ورواه: ابن أبي شيبة (٢/ ٢٥٦ - الحبير)، وأبو يعلى (٥٠٨٦)، وابن المقرئ في "مسند أبي حنيفة" (ص ٢١٣)؛ عن أبي حنيفة، عن قيس بن مسلم الجدلي، عن طارق بن شهاب، عن ابن مسعود … رفعه. وهذا سند لا بأس به في الشواهد. فالحديث حسن إن شاء الله بهذين الوجهين الأخيرين، وقد مال إلى تقويته ابن خزيمة والحاكم والمنذري والذهبي والعسقلاني والألباني.
(٢) (ضعيف جدًّا). رواه ابن أبي شيبة (١٣٦٠٠) من طريق كلاب بن يعلى، عن منصور بن أبي سليمان، عن ابن أخي جبير، عن جبير … رفعه. وكلاب بن علي أو يعلى ومنصور بن أبي سليمان أو سلم وابن أخي جبير مجاهيل.
(٣) رواه: البخاري (٢٥ - الحجّ، ١٢٢ - يتصدّق بجلال البدن، ١/ ٥٥٧/ ١٧١٦ - ١٧١٨)، ومسلم (١٥ - الحجّ، ٦١ - الصدقة بلحوم الهدي، ٢/ ١٣١٧/٩٥٤)؛ من حديث عليّ.
(٤) رواه: البخاري (٢٥ - الحجّ، ١٠٦ - من أشعر وقلّد، ٣/ ٥٤٢/ ١٦٩٦)، ومسلم (١٥ - الحجّ، ٦٤ - بعث الهدي إلى الحرم، ٢/ ٩٥٧/ ١٣٢١)؛ من حديث عائشة.
(٥) متّفق عليه. تقدّم نصّه وتخريجه (ص ٥١٣).
[ ٥٢٢ ]
وقد سَبَقَ حديثُ: "مَن لمْ يَكُنْ لهُ ورعٌ يَحْجُزُهُ عن معاصي اللهِ؛ فليسَ للهِ حاجةٌ في حجِّهِ" (^١).
- فما تَزَوَّدَ حاجٌّ ولا غيرُهُ أفضلَ مِن زادِ التَّقوى، ولا دُعِيَ للحاجِّ عندَ توديعِهِ بأفضلَ مِن التَّقوى.
وقد رُوِيَ أنَّ النَّبيَّ - ﷺ - وَدَّعَ غلامًا للحجِّ، فقالَ لهُ: "زَوَّدَكَ اللهُ التَّقوى" (^٢).
قالَ بعضُ السَّلفِ لمَن وَدَّعَهُ: اتَّقِ اللهِ، فمَنِ اتَّقى الله؛ فلا وحشةَ عليهِ.
وقالَ آخرُ لمَن وَدَّعَهُ للحجِّ: أُوصيكَ بما وَصَّى بهِ النَّبي - ﷺ - معاذًا حينَ وَدَّعَهُ: "اتَّقِ اللهِ حيثُما كُنْتَ، وأتْبعِ السَّيِّئةَ الحسنةَ تَمْحُها، وخالِقِ النَّاسَ بخلقٍ حسنٍ" (^٣).
_________________
(١) (ضعيف). تقدّم بطوله وتخريجه (ص ٥١٤).
(٢) (ضعيف جدًّا). رواه: الطبراني في "المعجم الكبير" (١٢/ ٢٢٦/ ١٣١٥١) و"الأوسط" (٤٥٤٥) و"الدعاء" (٨١٩ و٨٢٩)، وابن السني في "اليوم والليلة" (٥٠٦ و٥٣٣)؛ من طريق مسلمة بن سالم، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن سالم، عن أبيه … به. قال الطبراني: "لم يروه عن ابن عمر إلَّا مسلمة بن سالم". قلت: الناظر في ترجمته ومروياته لا يتردّد في أنّه متّهم أو متروك على الأقل، وهو علّة هذا الحديث، وبه ضعّفه العسقلاني، وهو دون ذلك. نعم؛ قد صحّ عنه - ﷺ - دعاؤه لمن يريد سفرًا على العموم لا حجًّا على الخصوص من أصحابه بقوله: "زوّدك الله التقوى وغفر ذنبك ويسّر لك الخير حيثما كنت". انظر "الأذكار" (٦٤٤ - ط. ابن خزيمة).
(٣) (حسن صحيح). رواه: ابن أبي شيبة (٢٥٣١٥)، وأحمد في "المسند" (٥/ ١٥٣ و١٥٨ و١٦٩ و١٧٧ و٢٢٨ و٢٣٦) و"العلل" (٥٠٨٦)، وهناد في "الزهد" (١٠٨٩)، والدارمي (٢/ ٣٢٣)، والترمذي (٢٨ - البرّ، ٥٥ - معاشرة الناس، ٤/ ٣٥٥/ ١٩٨٧)، والبزّار (٩/ ٤١٦/ ٤٠٢٢)، والخرائطي في "المكارم" (٥)، والطبراني في "الكبير" (٢٠/ ١٤٤/ ٢٩٦ - ٢٩٨) و"الأوسط" (٣٧٩١) و"الصغير" (٥٣١)، والدارقطني في "العلل" (٩٨٧)، والحاكم (١/ ٥٤)، وابن جميع في "شيوخه" (١/ ١٣٦/ ٨٨)، وأبو نعيم في "الحلية" (٤/ ٣٧٨)، والقضاعي في "الشهاب" (٦٥٢)، والبيهقي في "الشعب" (٨٠٢٥ و٨٠٢٦)، وابن عبد البرّ في "التمهيد" (٢٣/ ٨٤ و٣٠١)، والأصبهاني في "الترغيب" (١١٨٤)؛ من طرق، عن حبيب بن أبي ثابت، عن ميمون بن أبي شبيب، (قال مرّة: عن أبي ذرّ، ومرّة: عن معاذ، وأرسله مرّة) … رفعه. وهذا سند ضعيف فيه علل أربع: أولاها: عنعنة حبيب على تدليسه. والثانية: الانقطاع بين ميمون وأبي ذرّ ومعاذ؛ فإنّه لم يسمع من أحدهما. والثالثة: الاختلاف على صحابيّه، وليس بالقادح؛ فإنه محفوظ عنهما معًا كما سيأتيك. والرابعة: الاختلاف فيه وصلًا وإرسالًا، ورجّح الدارقطني الإرسال، مع أنّ الوصل زيادة جماعة كبيرة من الثقات! وقد جاء حديث أبي ذرّ من وجوه أخرى: فرواه أحمد (٥/ ١٨١) من طريق درّاج، عن أبي الهيثم، عن =
[ ٥٢٣ ]
وهذهِ وصيَّةٌ جامعةٌ لخصالِ البرِّ كلِّها.
ولأبي الدَّرْداءِ ﵁:
يُريدُ المَرْءُ أنْ يُؤْتى مُناهُ … وَيَأْبى اللهُ إلَّا ما أرادا
يَقولُ المَرْءُ فائِدَتي ومالي … وَتَقْوى اللهِ أفْضَلُ ما اسْتَفادا
- ومِن أعظمِ ما يَجِبُ على الحاجِّ اتِّقاؤُهُ مِن الحرامِ؛ أنْ يُطَيِّبَ نفقتَهُ في الحجِّ، وأنْ لا يَجْعَلَها مِن كسبٍ حرامٍ.
وقد خَرَّج الطَّبَرانِيُّ وغيرُهُ مِن حديثِ أبي هُرَيْرَةَ مرفوعًا: "إذا خَرَجَ الرَّجلُ حاجًّا بنفقةٍ طيِّبةٍ ووَضعَ رجلَهُ في الغرزِ فنادى: لَبَّيْكَ اللهمَّ لَبَّيْكَ! ناداهُ منادٍ مِن السَّماءِ: لَبَّيْكَ وسعديكَ؛ زادُكَ حلالٌ، وراحلتُكَ حلالٌ، وحجُّكَ مبرورٌ غيرُ مأْزورٍ. وإذا خَرَجَ الرَّجلُ بالنَّفقةِ الخبيثةِ فوَضَعَ رجلَهُ في الغرزِ فنادى: لبَّيْكَ اللهمَّ لبَّيْكَ! ناداهُ منادٍ مِن السَّماءِ: لا لبَّيْكَ ولا سعديكَ؛ زادُكَ حرامٌ، ونفقتُكَ حرامٌ، وحجُّكَ غيرُ مبرورٍ" (^١).
_________________
(١) = أبي ذرّ … رفعه. وجوّد المنذريّ إسناده، وليس كذلك فرواية درّاج عن أبي الهيثم ضعيفة. وروى القطعة الوسطى منه: أحمد في "المسند" (٥/ ١٦٩) و"الزهد" (١٤٢)، وأبو نعيم في "الحلية" (٤/ ٢١٧ و٢١٨)؛ من طريقين إحداهما قويّة والأُخرى صالحة، عن أبي ذرّ … رفعه. وكذلك روى حديث معاذ: البزّار (١٩٧٢ - كشف) من طريق ابن لهيعة، عن أبي الزبير، عن أبي الطفيل، عن معاذ … رفعه بنحوه. وسنده ضعيف لحال ابن لهيعة وعنعنة أبي الزبير. ويشهد للحديثين معًا ما رواه: الخرائطي في "المكارم" (٦)، وابن حبّان (٥٢٤)، والطبراني في "الأوسط" (٨٧٤٢)، والحاكم (١/ ٥٤، ٤/ ٢٤٤)؛ من حديث ابن عمرو؛ أنّ النبيّ - ﷺ - أوصى معاذًا … فذكره بنحوه. صحّحه الحاكم والذهبي. وجملة القول أنّ الحديث محفوظ عن أبي ذرّ ومعاذ، وكلاهما حسن بطرقه صحيح بشاهده. وقد قوّى حديث أبي ذرّ الترمذي والحاكم وابن عبد البرّ والمنذري والذهبي والألباني، وقوّى حديث معاذ الحاكم والمنذري والذهبي والألباني. وانظر مزيدًا من التفصيل فيه في "العلوم والحكم" (ح ١٨).
(٢) (ضعيف جدًّا). رواه: البزّار (١٠٧٩ - كشف)، والطبراني في "الأوسط" (٥٢٢٤)؛ من طريق سليمان بن داوود اليمامي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة … رفعه. قال البزّار: "الضعف بيّن على أحاديث سليمان، ولا يتابعه عليها أحد، وهو ليس بالقويّ". وقال الهيثمي (٣/ ٢١٣، ١٠/ ٢٩٥): "فيه سليمان بن داوود اليمامي وهو ضعيف". قلت: بل متروك منكر الحديث. ورواه: ابن عدي (٣/ ٩٧٣)، وابن مردويه (٩٣٠ - واهيات)، ومن طريقه الأصبهاني في "الترغيب" (١٠٤٩)، وابن الجوزي في "الواهيات" (٩٣٠)، والديلمي في "المسند" (١٤٣٣ - الضعيفة)؛ من طريق الدجين بن ثابت اليربوعي، عن أسلم مولى عمر، عن النبي - ﷺ - … مختصرًا بمعناه. وهذا ساقط: الدجين=
[ ٥٢٤ ]
ماتَ رجلٌ في طريقِ مَكَّةَ، فحَفَروا لهُ فدَفَنوهُ ونَسُوا الفأْسَ في لحدِهِ، فكَشَفوا عنهُ التُّرابَ لِيَأْخُذوا الفأْسَ، فإذا رأْسُهُ وعنقُهُ قد جُمِعا في حلقةِ الفأْسِ، فرَدُّوا عليهِ الترابَ ورَجَعوا إلى أهلِهِ فسَألوهُم عنهُ، فقالوا: صَحِبَ رجلًا فأخَذَ مالَهُ فكانَ يَحُجُّ منهُ ويَغْزو!
إذا حَجَجْتَ بمالٍ أصْلُهُ سُحْتُ … فَما حَجَجْتَ ولكِنْ حَجَّتِ العيرُ
لا يَقْبَلُ اللهُ إلَّا كُل طَيِّبَةِ … ما كُلُّ مَنْ حَجَّ بَيْتَ اللهِ مَبْرورُ
- وممَّا يَجِبُ اجتنابُهُ على الحاجِّ (^١) وبهِ يَتِمُّ برُّ حجِّهِ أنْ لا يَقْصِدَ بحجِّهِ رياءً ولا سمعةً ولا مباهاةَ ولا فخرًا ولا خيلاءَ ولا يَقْصِدَ بهِ إلَّا وجهَ اللهِ ورضوانَهُ ويَتَواضَعَ في حجِّهِ ويَسْتكينَ ويَخْشَعَ لربِّهِ.
رُوِيَ عن أنَسٍ ﵁؛ أن النَّبي - ﷺ - حَجَّ على رحلٍ رثٍّ وقطيفةٍ ما تُساوي أربعةَ دراهمَ، وقالَ: "اللهمَّ! [اجْعَلْها] حجَّةً لا رياءَ فيها ولا سمعةَ" (^٢).
_________________
(١) = متهم متروك، ورواية أسلم عن النبيّ - ﷺ - مرسلة. فالطريقان ساقطتان، واجتماعهما كذلك، وقد ضعّف حديث الترجمة البزّار والمنذري والهيثمي والسيوطي والمناوي، وقال الألباني: "ضعيف جدًّا".
(٢) في خ: "على المحرم"، وفي ن: "على الحاجّ المحرم"، والصواب ما أثبتّه من م وط.
(٣) (حسن لشواهده). وقد جاء مطوّلًا ومختصرًا من حديث جماعة من الصحابة: • فرواه: العقيلي (٢/ ٨)، وابن عدي (٣/ ٩٠٨)؛ من طريق خالد بن عبد الرحمن المخزومي، عن الثوري، عن الأعمش، عن أبي الضحى، عن أنس ومسروق … رفعاه. والمخزومي متّهم متروك. ورواه: الطيالسي، وابن أبي شيبة (١٥٨٠٠)، وابن سعد (٢/ ١٧٧)، وهنّاد في "الزهد" (٨٣٢)، ابن منيع (١٠٢٤ - الزجاجة)، وابن ماجه (٢٥ - المناسك، ٤ - الحجّ على الرحل، ٢/ ٩٦٥/ ٢٨٩٠)، والترمذي في "الشمائل" (٣١٩)، وأبو يعلى، والعقيلي (٢/ ٨)، وابن عدي (٣/ ٩٩٢ و٩٩٣)، وأبو الشيخ في "الأخلاق" (٤٨٨)، وأبو نعيم في "الحلية" (٣/ ٥٤، ٦/ ٣٠٨)، والرافعي في "التدوين" (٢/ ٢٩٧)؛ من طريق الربيع بن صبيح، عن يزيد الرقاشي، عن أنس … رفعه. صدّره المنذري بصيغة التضعيف، وقال البوصيري: "مداره على الرقاشي وهو ضعيف، وكذلك الراوي عنه". قلت: الرقاشي منكر الحديث، والربيع حسن في الشواهد. وقال العسقلاني في "الفتح" (٣/ ٣٨١): "إسناده ضعيف". ورواه: الأصبهاني (١٠٢٩)، والضياء (٥/ ٧٩/ ١٧٠٥)؛ من طريق أحمد بن يزيد بن عليل، عن أسد بن موسى، عن حمّاد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس … رفعه. وأحمد مجهول. • ورواه: ابن خزيمة (٢٨٣٦)، وابن منده (١/ ١٥٤ - إصابة)، والبيهقي (٤/ ٣٣٢)، والباوردي (١/ ١٥٤ - إصابة)، والذهبي في "الميزان" (٢/ ١٣١)؛ من طريق محمّد بن عبد الله بن عبد الحكم، عن سعيد بن بشير، عن عبد الله بن حكيم الكناني، عن بشير (أو: بشر) بن قدامة الضبابي … رفعه مختصرًا. وسعيد =
[ ٥٢٥ ]
وقالَ عَطاءٌ: صَلَّى رسولُ اللهِ - ﷺ - الصُّبحَ بمِنى غداةَ عَرَفَةَ، ثمَّ غَدا إلى عَرَفاتٍ وتحتَهُ قطيفةٌ اشْتُرِيَتْ لهُ بأربعةِ دراهمَ وهوَ يَقولُ: "اللهمَّ! اجْعَلْها حجَّةً مبرورةً متقبَّلةً لا رياءَ فيها ولا سمعةَ" (^١).
وقالَ عَبْدُ اللهِ بنُ الحارِثِ: رَكِبَ رسول اللهِ - ﷺ - رحلًا، فاهْتَزَّ بهِ، فتَواضَعَ للهِ ﷿ وقالَ: "لَبَّيْكَ! لا عيشَ إلَّا عيشُ الآخرةِ" (^٢).
قالَ رجلٌ لابنِ عُمَرَ: ما أكثرَ الحاجَّ! فقالَ ابنُ عُمَرَ: ما أقلَّهُم! ثمَّ رَأى رجلًا على بعيرٍ على رحلٍ رثٍّ خطامُهُ حبلٌ، فقالَ: لعلَّ هذا (^٣).
وقالَ شُرَيْحٌ: الحاجُّ قليلٌ والرُّكبانُ كثيرٌ، ما أكثرَ مَن يَعْمَلُ الخيرَ! ولكنْ ما أقلَّ
الذينَ يُريدونَ وجهَ اللهِ!
خَليلَيَّ قُطَّاعُ الفيافي إلى الحِمى … كَثيرٌ وَأمَّا الواصِلونَ قَليلُ (^٤)
كانَ بعضُ المتقدِّمينَ يَحُجُّ ماشيًا على قدميهِ كلَّ عامٍ، فكانَ ليلةً نائمًا في فراشِهِ،
_________________
(١) = وشيخه قال أبو حاتم والذهبي: "مجهولان". وقال العسقلاني في "الإصابة" (٣/ ١٣٠): "لا يعرف عبد الله بن حكيم ولا شيخه إلّا في هذا الحديث". وتعقّبهم الألباني بقوله: "أثنى عليه ابن عبد الحكم فقال: كان يلزم المسجد … وذكر من فضله … وقد أخرج حديثه ابن خزيمة". وما هو بالتوثيق، وإنّما ذكره استئناسًا. فإذا تركنا الطريق الأولى لحديث أنس، فاجتماع بقيّة الطرق يرشّح هذا المتن للتزحزح عن ضعفه، فإذا أُضيف إليها مرسل عطاء الآتي بعده؛ تبيّن أنّ الحديث حسن. وإلى تقويته مال الألباني.
(٢) (حسن لشواهده). رواه الفاكهي (٨٥٥)، وابن أبي حاتم في "العلل" (٨٥٦)، والطبراني في "الأوسط" (١٤٠٠)، عن أحمد بن محمّد بن القاسم بن أبي بزّة وأبي عمرو الزيّات، عن محمّد بن يزيد بن خنيس، عن ابن جريج، عن عطاء، (قال ابن أبي بزّة: عن ابن عبّاس رفعه، وقال الزيّات: عن عطاء مرسلًا). قال أبو حاتم: "باطل، ليس هو من حديث ابن جريج". قلت: يعني مرفوعًا والله أعلم. وقال الهيثمي (٣/ ٢٢٤): "فيه أحمد بن محمّد بن القاسم بن أبي بزّة ولم أعرفه". قلت: ضعيف منكر الحديث مشهور بوصل المرسلات، وقد خالفه الزيّات فأرسله، فروايته أولى، وهذا مرسل قويّ يتقوّى ويحسن بما قبله.
(٣) (حسن لشواهده). رواه: ابن أبي شيبة (١٥٨٠١ و٣٤٣٥٢)، وأحمد في "الزهد" (١٥٠)؛ من طريق أبي سنان، عن عبد الله بن الحارث، عن النبيّ - ﷺ - … فذكره. وأبو سنان هو ضرار بن مرّة ثقة، وعبد الله هو الزبيدي ثقة أيضًا، ولكنّ روايته عن النبيّ - ﷺ - مرسلة. وهاهنا شاهد عند أحمد (٣/ ٢١٦) من حديث أنس بسند قويّ. فهذا المرسل يتقوّى به.
(٤) يعني: لعلّه من الحجّاج حقًّا وصدقًا.
(٥) زاد في حاشية خ هنا: "وجوه عليها للقبول علامة، وليس على كلّ الوجوه قبول"، وليست في م ون، ومن البيّن أنّها إضافة ناسخ أو قارئ.
[ ٥٢٦ ]
فطَلَبَتْ منهُ أُمُّهُ شربةَ ماءِ، فصَعُبَ على نفسِهِ القيامُ مِن فراشِهِ لِيَسْقِيَ أُمَّهُ الماءَ، فتَذَكَّرَ حجَّهُ ماشيًا كلَّ عامٍ وأنَّهُ لا يَشُقُّ عليهِ، فحاسَبَ نفسَهُ، فرَأى أنَّهُ لا يُهَوِّنُهُ عليهِ إلَّا رؤيةُ النَّاسِ لهُ ومدحُهُم إيَّاهُ، فعَلِمَ أنَّهُ كانَ مدخولًا (^١).
قالَ بعضُ التَّابعينَ: ربَّ محرمٍ يَقولُ: لبَّيْكَ اللهمَّ لبَّيْكَ! فيَقولُ اللهُ لهُ: لا لبَّيْكَ
ولا سعدَيْكَ، هذا مردودٌ عليكَ. قيلَ لهُ: لمَ؟ قالَ: لعلَّهُ اشْتَرى ناقةً بخمسِ مئةِ درهمٍ ورحلًا بمئتي درهمٍ ومفرشًا بكذا وكذا، ثمَّ رَكِبَ ناقتَهُ ورَجَّلَ رأْسَهُ ونَظَرَ في عِطْفَيْهِ، فذلكَ الذي يُرَدُّ عليهِ.
- ومِن هنا اسْتُحِبَّ للحاجِّ أنْ يَكونَ شعثًا أغبر.
وفي حديثِ المباهاةِ يومَ عَرَفَةَ أن الله تَعالى يَقولُ لملائكتِهِ: "انْظُروا إلى عبادي، أتَوْني شعثًا غبرًا ضاحينَ، اشْهَدوا أنِّي قد غَفَرْتُ لهُم" (^٢).
_________________
(١) يعني أنّه ليس خالصًا لله.
(٢) (صحيح). وقد جاء عن النبيّ - ﷺ - من أوجه كثيرة: فرواه: أحمد (٢/ ٣٠٥)، وابن خزيمة (٢٨٣٩)، وابن حبّان (٣٨٥٢)، والطبراني في "الأوسط" (٨٩٨٨)، والحاكم (١/ ٤٦٥)، واللالكائي في "السنّة" (٧٥١)، وأبو نعيم في "الحلية" (٣/ ٣٠٥)، والبيهقي في "السنن" (٥/ ٥٨) و"الشعب" (٤٠٦٨)، وابن عبد البرّ (١/ ١٢١)؛ من طريق يونس بن أبي إسحاق، عن مجاهد، عن أبي هريرة … رفعه بطوله ومقتصرًا على القطعة الأولى منه. وهذا سند قويّ، "صحّحه الحاكم والذهبي على شرطهما، وقوّاه المنذري. وله شاهد عند: البزّار (١١٢٨ - كشف)، وأبي يعلى (٢٠٩٠)، وابن خزيمة (٢٨٤٠)، والطحاوي في "المشكل" (٤/ ١١٤)، وابن حبّان (٣٨٥٣)، وابن عدي (٧/ ٢٧٠٨)، والإسماعيلي في "المعجم" (١/ ٣٢٦)، وابن منده في "التوحيد"، واللالكاثي في "الاعتقاد" (٧٥١)، وابن عبد البرّ في "التمهيد" (١/ ١٢٠)، والبغوي في "السنّة" (١٩٣١)؛ من طريق أبي الزبير، عن جابر … رفعه بطوله ومقتصرًا على القطعة الأولى. قال الهيثمي (٤/ ٢٠): "إسناده حسن رجاله ثقات". قلت: فيه عنعنة أبي الزبير. وله شاهد عند: عبد الرزّاق (٨٨٣٠)، والفاكهي (٩١٨)، والبزّار (١٠٨٢ - كشف)، وابن حبّان (١٨٨٧)، والطبراني (١٢/ ٣٢٥/ ١٣٥٦٦)، والبيهقي في "الدلائل" (٦/ ٢٩٣ و٢٩٤) "من طريقين، عن مجاهد، عن ابن عمر … رفعه بطوله وبالقطعة الأولى منه. قال الهيثمي (٣/ ٢٧٧): "رجال البزّار موثّقون"، قلت: في سنده سنان بن الحارث بن مصرّف روى عنه جماعة وذكره ابن حبّان في "الثقات" فلا بأس بحديثه. وفي الطريق الأُخرى عبد الوهاب بن مجاهد متّهم متروك. فالمعوّل في تقويته على طريق البزّار. وله شاهد عند: الفاكهي (٩١٩)، والبزار (١٠٨٣)، وأبي يعلى (٤١٠٦)، والسهمي (٤٨٤)، والبيهقي في "الدلائل" (٦/ ٢٩٤)؛ من طريقين، عن أنس … رفعه. قال الهيثمي (٣/ ٢٧٩): "فيه إسماعيل بن رافع=
[ ٥٢٧ ]
قالَ عُمَرُ يومًا وهوَ بطريقِ مَكَّةَ: يَشْعَثونَ ويَغْبَرُّونَ ويَتْفَلونَ (^١) ويَضْحَوْنَ لا يُريدونَ بذلكَ شيئًا مِن عرضِ الدُّنيا، ما نَعْلَمُ سفرًا خيرًا مِن هذا (يَعْني: الحجَّ).
وعنهُ قالَ: إنَّما الحاجُّ الشَّعِثُ التَّفِلُ.
وقالَ ابنُ عُمَرَ لرجلٍ رَآهُ قدِ اسْتَظَلَّ في إحرامِهِ: اضْحَ لمَن أحْرَمْتَ لهُ. أيِ: ابْرُزْ للضُّحى، وهوَ حرُّ الشَّمسِ.
أتاكَ الوافِدونَ إلَيْكَ شُعْثًا … يَسوقونَ المُقَلَّدَةَ الصَّوافِ
فَكَمْ مِنْ قاصِدٍ لِلرَّبِّ رَغْبًا … وَرَهْبًا بَيْنَ مُنْتَعِلٍ وَحافِ
• سبحانَ مَن جَعَلَ بيتَهُ الحرامَ مثابةً للنَّاسِ وأمنًا يَتَرَدَّدونَ إليهِ ويَرْجِعونَ عنهُ ولا يَرَوْنَ أنَّهُم قَضَوْا منهُ وطرًا!
لمَّا أضافَ تَعالى ذلكَ البيتَ إلى نفسِهِ ونَسَبَهُ إليهِ بقولِهِ ﷿ لخليلِهِ: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ﴾ [الحج: ٢٦]؛ تَعَلَّقَتْ قلوبُ المحبِّينَ ببيتِ محبوبِهِم، فكلَّما ذكِرَ لهُم ذلكَ البيتُ الحرامُ؛ حَنُّوا، وكلَّما تَذَكَّروا بعدَهُم عنهُ؛ أنُّوا.
لا يُذْكَرُ الرَّمْلُ إلَّا حَنَّ مُغْتَرِبٌ … لَهُ بِذي الرَّمْلِ أوْطارٌ وَأوْطانُ
تَهْفو إلى البانِ مِنْ قَلْبي نَوازِعُهُ … وَما بِيَ البانُ بَلْ مَنْ دارُهُ البانُ
رَأى بعضُ الصَّالحينَ الحاجَّ في وقتِ خروجِهِم، فوَقَفَ يَبْكي وتقولُ: واضعفاهُ!
_________________
(١) = وهو ضعيف". قلت: منكر الحديث. وفي الطريق الأُخرى صالح المرّي ويزيد الرقاشي واهيان. وله شاهد عند الفاكهي (٢٧٤٦) من طريق قويّة، عن أُمّ سلمة … موقوفًا. وله حكم الرفع. وله شاهد عند: الفاكهي (٢٧٤٢ و٤٧٥٠)، وابن عبد البرّ (١/ ١٢٤)؛ من طريق قويّة، عن ابن عبّاس … موقوفًا. وله حكم الرفع. وله شاهد عند عبد الرزّاق (٨٨١٣) عن القاسم بن أبي بزّة مرسلًا بسند قويّ. وآخر عند الفاكهي (٢٧٤٧) عن المطلب بن حنطب والوليد بن رباح وداوود بن صالح مرسلًا. وثالث عند الفاكهي (٢٧٣٦) عن يحيى بن جعدة مرسلًا. ورابع عند الفاكهي (٤٧٤٩) عن ابن أبي روّاد مرسلًا. وأصل مباهاته تعالى الملائكة بأهل الموقف عند مسلم (١٣٤٨) من حديث عائشة. وجاءت المباهاة أيضًا عند: أحمد (٢/ ٢٢٤)، والطبراني في "الأوسط" (٨٢١٤) و"الصغير" (٥٧٥)؛ من حديث ابن عمرو. وجاء الإشهاد بالمغفرة عند الطبراني في "الأوسط" (٢٣٤١) من حديث عبادة. فهذه الطرق أكثر من كافية لتصحيح هذا الحديث.
(٢) يقال: تَفِل الرجل يَتْفَل إذا تغيرت رائحته.
[ ٥٢٨ ]
ويُنْشِدُ على إثرِ ذلكَ:
فَقُلْتُ دَعوني وَاتِّباعِي رِكابِكُمْ … أكُنْ طَوْعَ أيْديكُمْ كَما يَفْعَلُ العَبْدُ ثمَّ تنفَّسَ وقالَ: هذهِ حسرةُ مَنِ انْقَطَعَ عن الوصولِ إلى البيتِ، فكيفَ تكونُ حسرةُ مَنِ انْقَطَعَ عن الوصولِ إلى ربِّ البيتِ؟!
يَحِقُّ لمَن رَأى الواصلينَ وهوَ منقطعٌ أنْ يَقْلَقَ، ولمَن شاهَدَ السَّائرينَ إلى ديارِ الأحبَّةِ وهوَ قاعدٌ أنْ يَحْزَنَ.
يا سائِقَ العيسِ تَرَفَّقْ وَاسْتَمِعْ … مِنِّي وَبَلِّغْ إنْ (^١) وَصَلْتَ عَنِّي
عَرِّضْ بِذِكْري عِنْدَهُمْ لَعَلَّهُمْ … إنْ [يَ] سْمَعوكَ سائِلوكَ عَنِّي
قُلْ ذلِكَ المحبوسُ عَنْ قَصْدِكُمُ … مُعَذَّبُ القَلْبِ بِكُل فَنِّ
يَقولُ أمَّلْتُ بِأنْ أزُورَكُمْ … في جُمْلَةِ الوَفْدِ فَخابَ ظَنِّي
أقْعَدَني الحِرْمانُ عَنْ قَصْدِكُمُ … وَرُمْتُ أنْ أسْعى فَلَمْ يَدَعْني
• يَنْبَغي للمنقطعينَ طلبُ الدُّعاءِ مِن الواصلينَ لِتَحْصُلَ المشاركةُ، كما رُوِيَ عن النَّبيِّ - ﷺ - قالَ لعُمَرَ لمَّا أرادَ العمرةَ: "يا أُخي! أشْرِكْنا في دعائِكَ" (^٢).
وفي "مسند البزَّار": عن أبي هُرَيْرَةَ مرفوعًا: "اللهمَّ! اغْفِرْ للحاجِّ ولمَنِ اسْتَغْفَرَ لهُ الحاجُّ" (^٣).
_________________
(١) في خ: "وبلغ السلام إن"! وهذه زيادة ناسخ لا يستقيم الوزن إلّا بحذفها.
(٢) (ضعيف). رواه: الطيالسي (١٠)، وابن سعد (٣/ ٢٧٣)، وأحمد (١/ ٢٩ و٥٩)، وعبد بن حميد (٧٤٠ - منتخب)، والفاكهي في "مكَّة" (٨٧٥)، وابن ماجه (٢٥ - المناسك، ٥ - فضل دعاء الحاجّ، ٢/ ٩٦٦/ ٢٨٩٤)، وأبو داوود (٢ - الصلاة، ٣٥٨ - الدعاء، ١/ ٤٧٠/ ١٤٩٨)، والترمذي (٤٩ - الدعوات، ٢٣ - الدعاء، ٥/ ٥٥٩/ ٣٥٦٢)، والبزّار (١١٩ و١٢٠)، وأبو يعلى (٥٥٠١ و٥٥٥٠)، وابن حبّان في "المجروحين" (٢/ ١٢٨)، وابن عدي (٥/ ١٨٦٨)، والبيهقي في "السنن" (٥/ ٢٥١) و"الشعب" (٩٠٥٩)، والخطيب في "التاريخ" (١١/ ٣٩٦ و٣٩٧)، والسمعاني في "الإملاء" (ص ٣٦)، والضياء في "المختارة" (١/ ٢٩٢/ ١٨٤ - ١٨١)؛ من طريق عاصم بن عبيد الله، عن سالم، عن ابن عمر، عن عمر … رفعه. قال الترمذي: "حسن صحيح". وتعقّبه المنذري في "مختصر السنن" (٢/ ١٤٦) فقال: "في إسناده عاصم بن عبيد الله، وقد تكلّم فيه غير واحد من الأئمّة". وقال الهيثمي (٣/ ٢١٤): "فيه كلام كثير لغفلته وقد وثّق". قلت: خلاصة أمره الضعف، وحديثه كذلك، وقد ضغفه الضياء والمنذري والهيثمي والألباني.
(٣) (ضعيف). تقدّم تفصيل القول فيه (ص ١٦٠).
[ ٥٢٩ ]
وفي الطَّبَرانِيِّ: عن ابن عَبَّاسٍ؛ أن النَّبيَّ - ﷺ - سَمعَ رجلًا يَقولُ في الطَّوافِ: اللهمَّ! اغْفِرْ لفلانِ ابن فلانٍ. فقالَ رسولُ اللهِ - ﷺ -: "مَن هذا؟ ". قالَ: رجلٌ حَمَّلَني أنْ أدْعُوَ لهُ بينَ الرُّكنِ والمقامِ. فقالَ: "قد غُفِرَ لصاحبِكَ" (^١).
ألا قُلْ لِزُوَّارِ دارِ الحَبيبِ … هَنيئًا لَكُمْ في الجِنانِ الخُلودُ
أفِيضوا عَلَيْنا مِنَ الماءِ فَيْضًا … فَنَحْنُ عِطاشٌ وَأنْتُمْ ورودُ
لئن سارَ القومُ وقَعَدْنا، وقَرَّبوا وبَعُدْنا؛ فما يُؤْمِنُنا أنْ نكونَ ممَن كَرِهَ اللهُ انبعاثَهُم فثَبَّطَهُمْ وقيلَ اقْعُدوا معَ القاعدينَ؟!
للهِ دَرُّ رَكائِبٍ سارَتْ بِهِمْ … تَطْوي القِفارَ الشَّاسِعاتِ عَلى الدُّجا
رَحَلوا إلى البَيْتِ الحَرامِ وَقَدْ شَجا (^٢) قَلْبَ المُتَيَّمِ مِنْهُمُ ما قَدْ شَجا
نَزَلوا بِبابٍ لا يَخيبُ نَزيلُهُ … وَقُلوبُهُمْ بَيْنَ المَخافةِ والرَّجا
على أنَّ المتخلِّفَ لعذرٍ شريكٌ للسَّائرِ، كما قالَ النَّبيُّ - ﷺ - لمَّا رَجَعَ مِن غزوةِ تَبُوكَ: "إنَّ بالمدينةِ أقوامًا ما سِرْتُم مسيرًا ولا قَطَعْتُمْ واديًا إلَّا كانوا معَكُم، خَلَّفَهُمُ العذرُ" (^٣).
يا سائِرينَ إلى البَيْتِ العَتيقِ لَقَدْ … سِرْتُمْ جُسومًا وَسِرْنا نَحْنُ أرْواحًا
إنَّا أقَمْنا عَلى عُذْرٍ وَقَدْ رَحَلوا … وَمَنْ أقامَ عَلى عُذْرٍ كَمَنْ راحا
وربَّما سَبَقَ بعضُ مَن سارَ بقلبِهِ وهمَّتِهِ وعزمِهِ بعضَ السَّائرينَ ببدنِهِ.
رَأى بعضُ الصَّالحينَ في منامِهِ عشيَّةَ عرفةَ بعرفةَ قائلًا يَقولُ لهُ: تَرى هذا الزِّحامَ بالموقفِ؟ قالَ: نعم. قالَ: ما حَجَّ منهُم إلَّا رجلٌ، تَخَلَّفَ عن الموقفِ فحَجَّ بهمَّتِهِ
_________________
(١) (ضعيف جدًّا). رواه: الفاكهي في "مكّة" (٢٦٨)، والطبراني (٢/ ٥/ ١٢٢٩٩)، والصيداوي في "معجمه" (ص ٢١٤)، وأبو نعيم في "الحلية" (٥/ ١٢)؛ من طريق الحارث بن عمران الجعفري، عن محمّد بن سوقة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عبّاس … رفعه. قال الهيثمي (١٠/ ١٥٥): "فيه الحارث بن عمران الجعفري وهو ضعيف". قلت: أجمعوا على ضعفه، واتّهمه ابن حبّان، وليس بالوجيه، وإنّما هو شديد الضعف.
(٢) في خ: "منهم وما شجا"، والأولى ما أثبتّه من م ون وط.
(٣) رواه: البخاري (٥٦ - الجهاد، ٣٥ - من حبسه العذر، ٦/ ٤٦/ ٢٨٣٨ و٢٨٣٩) من حديث أنس، ومسلم (٣٣ - الإمارة، ٤٨ - ثواب من حبسه مرض، ٣/ ١٥١٨/ ١٩١١) من حديث جابر.
[ ٥٣٠ ]
فوَهَبَ اللهُ لهُ أهلَ الموقفِ (^١)!
ما الشَّأْنُ فيمَن سارَ ببدنِهِ، إنَّما الشَّأْنُ فيمَن قَعَدَ بدنُهُ وسارَ بقلبِهِ حتَّى سَبَقَ الرَّكبَ (^٢)!
مَنْ لي بِمِثْلِ سَيْرِكَ المُذَلَّلِ … تَمْشي رُوَيْدًا وَتَجِي في الأوَّلِ
يا سائرينَ إلى ديارِ الأحبابِ! قِفوا للمنقطعينَ، تَحَمَّلوا معَكُم رسائلَ المحصرينَ (^٣)، خُذوا نظرةً منِّي فَلاقوا بها الحمى.
يا سائِرينَ إلى الحَبيبِ تَرَفَّقوا … فَالْقَلْبُ بَيْنَ رِحالِكُمْ خَلَّفْتُهُ
ما لي سِوى قَلْبي وَفيكَ أذَبْتُهُ … ما لي سِوى دَمْعي وَفيكَ سَكَبْتُهُ
كانَ عُمَرُ بنُ عَبْدِ العَزيزِ إذا رَأى مَن يُسافِرُ إلى المدينةِ النَّبويَّةِ؛ يَقولُ لهُ: أقْرِئْ رسولَ اللهِ - ﷺ - منِّيَ السَّلامَ.
ورُوِيَ أنَّهُ كانَ يُبْرِدُ عليهِ البريدَ مِن الشَّامِ (^٤).
هذه الخِيفُ وَهاتيكَ مِنى … فَتَرَفَّقْ أيُّها الحادي بِنا
وَاحْبِسِ الرَّكْبَ عَلَيْنا ساعَةً … نَنْدُبُ الرَّبْعَ وَنَبْكي الدِّمَنا
فَلِذا المَوْقِفِ أعْدَدْنا البُكا … وَلِذا اليَوْمِ الدُّموعُ تُقْتَنى
أتُراكُمْ في النَّقا وَالمُنْحنى … أهلَ سَلْع تَذْكُرونا ذِكْرَنا
إِنْقَطَعْنا وَوَصَلْتُمْ فَاعْلَموا … وَاشْكُروا المُنْعِمَ يا أهْلَ مِنى
قَدْ خَسِرْنا وَرَبِحْتُمْ فَصِلوا … بِفُضولِ الرِّبحِ مَنْ قَدْ غُبِنا
_________________
(١) ملايين وملايين، من حدود الصين شرقًا إلى الأندلس غربًا ومن كلّ فجّ عميق، تقطع البلدان شهورًا وأيّامًا، ومنهم من يقضي نحبه في الطريق ومنهم من يقضيه في طريق الرجوع، لا همّ لهم إلّا زيارة هذا البيت والوقوف في ذلك الموقف؛ وليس فيهم حاجّ واحد! ولا رجل صالح واحد! ولا عبد واحد يقبل الله عمله! ولولا وساطة هذا القطب الغوث وشفاعته وهو نائم في بيته على فراشه لردّهم الله على أعقابهم خائبين! الله أكبر على هذا الصالح المزعوم (١) وهاتفه الشيطانيّ الموهوم (!) ولو فحصت ومحّصت فستجد غالبًا أنّ هذا الوليّ الشفيع هو شيخه أو شيخ طريقته!
(٢) بل فيمن سار ببدنه وقلبه؛ ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ﴾.
(٣) رسائل المحصرين لا تحتاج إلى حامل ولا وسيط، ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾.
(٤) يعني: كان يرسل البريد من الشام خصوصًا لإبلاغ سلامه للنبيّ - ﷺ -. وما أراه يصحّ. والعمدة في هذا الباب قوله - ﷺ -: "حيثما كنتم فصلّوا علي فإنّ صلاتكم تبلغني".
[ ٥٣١ ]
سارَ قَلْبي خَلْفَ أحْمالِكُمُ … غَيْرَ أن العُذْرَ عاقَ البَدَنا
ما قَطَعْتُمْ وادِيًا إلَّا وَقَدْ … جُبْتُهُ أسْعى بِأقْدامِ المُنى
آهِ واشَوْقي إلى ذاكَ الحِمى … شَوْقَ مَحْرومٍ وَقَدْ ذاقَ العَنا
سَلِّموا عَنِّي عَلى أرْبابِهِ … أخْبِروهُمْ أنَّني حِلْفُ الضَّنا
أنا مُذْ غِبْتُمْ عَلى تَذْكارِكُمْ … أتُرى عِنْدَكُمُ ما عِنْدَنا
بَيْنَنا يَوْمُ أثَيْلاتِ النَّقا … كانَ عَنْ غَيْرِ تَراضٍ بَيْنَنا
زَمَنًا كانَ وَكُنَّا جِيرَةً … فَأعادَ اللهُ ذاكَ الزَّمَنا
مَنْ شاهَدَ تلكَ الدِّيار، وعايَنَ تلكَ الآثار، ثمَّ انْقَطَعَ عنها؛ لمْ يَمُتْ إلَّا بالأسفِ عليها والحنينِ إليها.
ما أذْكُرُ عَيْشَنا الذي قَدْ سَلَفا … إلَّا وَجَفَ القَلْبُ وَكَمْ قَدْ وَجَفا
واهًا لِزَمانِنا الَّذي كانَ صَفا … وَا أسَفًا لِرَدِّهِ وَا أسَفا
مَن يُرْجِعُ دَهْرَنا بِأرْضِ الجَزْعِ … بَيْنَ الأَثَلاتِ وَالرُّبا في سَلْعِ
قالوا اصْبِرْ (^١) ولَيْسَ ذا في وُسْعي … يا حُزْنُ أقِمْ وأنْتَ سِرْ يا دَمْعي
يا لَيْتَنا بِزَمْزَمٍ والحِجْرِ … يا جيرَتَنا قُبَيْلَ يَوْمَ النَّفْرِ
هَلْ يَرْجِعُ صافي ما مَضى مِن عُمْري … أدْري ما كانَ لَيْتَني لا أدْري