خَرَّجا في الصَّحيحينِ (^١) مِن حديثِ: أبي هُرَيْرَةَ، عن النَّبيِّ - ﷺ -؛ قالَ: "اشْتكتِ النَّارُ إلى ربِّها فقالَتْ: يا ربِّ! أكَلَ بعضي بعضًا، فأذِنَ لها بنَفَسَيْنِ؛ نفسٍ في الشِّتاءِ، ونفسٍ في الصَّيفِ، فأشدُّ ما تَجِدونَ مِن الحرِّ مِن سمومِ جهنَّمَ، وأشدُّ ما تَجِدونَ مِن البردِ مِن زمهريرِ جهنَّمَ".
• لا شك أن الله تَعالى خَلَقَ لعبادِهِ دارينِ يَجْزيهِم فيهِما بأعمالِهِم معَ البقاءِ في الدَّارينِ مِن غيرِ موتٍ. وخَلَقَ دارًا معجَّلةً للأعمالِ، وجَعَلَ فيها موتًا وحياةً، وابْتَلى عبادَهُ فيها بما أمَرَهُم بهِ ونَهاهُم عنهُ، وكَلَّفَهُم فيها الإيمانَ بالغيبِ، ومنهُ الإيمانُ بالجزاءِ والدَّارينِ المخلوقتينِ لهُ، وأنْزَل بذلكَ الكتبَ وأرْسَلَ بهِ الرُّسلَ وأقامَ الأدلَّةَ الواضحةَ على الغيبِ الذي أمَرَ بالإيمانِ بهِ، وأقامَ علاماتٍ وأماراتٍ تَدُلُّ على وجودِ داريِ الجزاءِ؛ فإنَّ إحدى الدَّارينِ المخلوقتينِ للجزاءِ دارُ نعيمٍ محضٍ لا يَشوبُهُ ألمٌ، والأُخرى دارُ عذابٍ محضٍ لا يَشوبُهُ راحةٌ، وهذهِ الدَّارُ الفانيةُ ممزوجةٌ بالنَّعيمِ والألمِ،
_________________
(١) البخاري (٩ - المواقيت، ٩ - الإبراد بالظهر، ٢/ ١٨/ ٥٣٧)، ومسلم (٥ - المساجد، ٣٢ - الإبراد بالظهر، ١/ ٤٣١/ ٦١٧).
[ ٦٨٨ ]
فما فيها مِن النَّعيمِ يُذَكِّرُ بنعيمِ الجنَّةِ، وما فيها مِن الألمِ يُذَكِّرُ بألمِ النَّارِ.
• وجَعَلَ اللهُ تَعالى في هذهِ الدَّارِ أشياءَ كثيرةً تُذَكِّرُ بدارِ الغيبِ المؤجَّلةِ الباقيةِ:
• فمنها ما يُذَكِّرُ بنعيمِ الجنَّةِ مِن زمانٍ ومكانٍ:
- أمَّا الأماكنُ؛ فخَلَقَ اللهُ بعضَ البلدانِ - كالشَّامِ وغيرِها - فيها مِن المطاعمِ والمشاربِ والملابسِ وغيرِ ذلكَ مِن نعيمِ الدُّنيا ما يُذَكِّرُ بنعيمِ الجنَّةِ.
- وأمَّا الأزمانُ: فكزمنِ الرَّبيعِ؛ فإنَّهُ يُذَكِّرُ طيبُهُ بنعيمِ الجنَّةِ وطيبِها، وكأوقاتِ الأسحارِ؛ فإنَّ بردَها يُذَكِّرُ ببردِ الجنَّةِ.
وفي الحديثِ الذي خَرَّجَهُ الطَّبَرانِيُّ: "إنَّ الجنَّةَ تُفْتَحُ كلَّ ليلةٍ في السَّحرِ، فيَنْظُرُ اللهُ إليها، فيَقولُ لها: ازْدادي طيبًا لأهلِكِ، فتَزْدادُ طيبًا، فذلكَ بردُ السَّحرِ الذي يَجِدُهُ النَّاسُ" (^١).
ورَوى: سَعيدٌ الجُرَيْرِيُّ، عن سَعيدِ بن أبي الحَسَنِ؛ أن داوودَ ﵇ قالَ: يا جِبْريلُ! أيُّ الليلِ أفضلُ؟ قالَ: ما أدري، غيرَ أن العرشَ يَهْتَزُّ إذا كانَ وقتُ السَّحرِ، ألا تَرى أنَّهُ يَفوحُ ريحُ كلِّ الشَّجرِ (^٢).
• ومنها: ما يُذَكِّرُ بالنَّارِ؛ فإنَّ الله جَعَلَ في الدُّنيا أشياءَ كثيرةً تُذَكِّرُ بالنَّارِ [المعدَّةِ لمَن عَصاهُ وبما فيها] (^٣) مِن الآلامِ والعقوباتِ مِن أماكنَ وأزمانٍ وأجسامٍ وغيرِ ذلكَ:
- أمَّا الأماكنُ؛ فكثيرٌ مِن البلدانِ مفرطةُ الحرِّ أوِ البردِ: فبردُها يُذَكِّرُ بزمهريرِ جهنَّمَ، وحرُّها يُذَكِّرُ بحرِّ جهنَّمَ وسمومِها.
- وبعضُ البقاعِ يَذَكِّرُ بالنَّارِ كالحمَّامِ:
قالَ أبو هُرَيْرَةَ: نعمَ البيتُ الحمَّامُ؛ يَدْخُلُهُ المؤمنُ فيُزيلُ بهِ الدَّرنَ ويَسْتَعيذُ باللهِ فيهِ مِن النَّارِ.
كانَ السَّلفُ يَذْكُرونَ النَّارَ بدخولِ الحمَّامِ، فيُحْدِثُ ذلكَ لهُم عبادةً.
_________________
(١) (ضعيف جدًّا). تقدّم تفصيل القول فيه (ص ١٤٧ - ١٤٨).
(٢) هذا من مرويّات أهل الكتاب، وما هو بالمسلّم، وروائح الشجر لا تفوح ساعة السحر.
(٣) ليست في خ وم ون، استفدتها من ط.
[ ٦٨٩ ]
دَخَلَ ابنُ وَهْبٍ الحمَّامَ، فسَمعَ تاليًا يَتْلو: ﴿وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ﴾ [غافر: ٤٧]، فغُشِيَ عليهِ.
وتَزَوَّجَ صِلَةُ بنُ أشْيَمَ، فدَخَلَ الحمَّامَ، ثمَّ دَخَلَ على زوجتِهِ تلكَ الليلةَ، فقامَ يُصَلِّي حتَّى أصبحَ، وقالَ: دَخَلْتُ بالأمسِ بيتًا أذْكَرَنِيَ النَّارَ، ودَخَلْتُ الليلةَ بيتًا ذَكَرْتُ بهِ الجنَّةَ، فلم يَزَلْ فكري فيهِما حتَّى أصْبَحْتُ.
كانَ بعضُ السَّلفِ إذا أصابَهُ كربُ الحمَّامِ يَقولُ: يا برُّ! يا رحيمُ! مُنَّ علينا وقِنا عذابَ السَّمومِ.
صَبَّ بعضُ الصَّالحينَ على رأْسهِ ماءً مِن الحمَّامِ، فوَجَدَهُ حارًّا، فبَكى وقالَ: ذَكَرْتُ قولَهُ تَعالى: ﴿يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ﴾ [الحج: ١٩].
كلُّ ما في الدُّنيا دليلٌ على صانعِهِ يُذَكِّرُ بهِ ويَدُلُّ على صفاتِهِ، فما فيها مِن نعيمٍ وراحةٍ يَدُلُّ على كرمِ خالقِهِ وفضلِهِ وإحسانِهِ وجودِهِ ولطفِهِ، وما فيها مِن نقمةٍ وشدَّةٍ وعذابٍ يَدُلُّ على شدَّةِ بأْسِهِ وبطشِهِ وقهرِهِ وانتقامِهِ، واختلافُ أحوالِ الدُّنيا مِن حرٍّ وبردٍ وليلٍ ونهارٍ وغيرِ ذلكَ يَدُلُّ على انقضائِها وزوالِها.
قالَ الحَسَنُ: كانَ الصَّحابةُ ﵃ يَقولونَ: الحمدُ للهِ الرَّفيقِ الذي لو جَعَلَ هذا الخلقَ خلقًا دائمًا لا يَتَصَرَّفُ؛ لقالَ الشَّاكُّ في اللهِ: لو كانَ لهذا الخلقِ ربٌّ لَحادَثَهُ (^١)، وإنَّ الله قد حادَثَ بما تَرَوْنَ مِن الآياتِ، إنَّهُ جاءَ بضوءٍ طَبَّقَ ما بينَ الخافقينِ وجَعَلَ فيها معاشًا وسراجًا وهَّاجًا، ثمَّ إذا شاءَ ذَهَبَ بذلكَ الخلقِ وجاءَ بظلمةٍ طَبَّقَتْ ما بينَ الخافقينِ وجَعَلَ فيها سكنًا ونجومًا وقمرًا منيرًا، وإذا شاءَ بَنى بناءً جَعَلَ فيهِ المطرَ والبرقَ والرَّعدَ والصَّواعقَ ما شاءَ، وإذا شاءَ صرفَ ذلكَ الخلقَ، وإذا شاءَ جاءَ ببردٍ يُقَرْقِفُ النَّاسَ، وإذا شاءَ أذْهَبَ ذلكَ وجاءَ بحرٍّ يَأْخُذُ بأنفاسِ النَّاسِ؛ لِيَعْلَمَ النَّاسُ أن لهذا الخلقِ ربًّا هوَ يُحادِثُهُ بما تَرَوْنَ مِن الَاياتِ، كذلكَ وإذا شاءَ ذَهَبَ بالدُّنيا وجاءَ بالآخرةِ.
_________________
(١) لحادثه: لأجرى عليه المتغيّرات وقلّبه، وما هي من عبارات الصحابة الكرام ولا من مصطلحات عصرهم، ولا يصحّ إسناد هذا الكلام إلى الحسن في غالب الظنّ. والله أعلم.
[ ٦٩٠ ]
وقالَ خَليفَةُ العَبْدِيُّ: لو أن الله لمْ يُعْبَدْ إلَّا عن رؤيةٍ ما عَبَدَهُ أحدٌ، ولكنَّ المؤمنينَ تَفَكَّروا في مجيءِ هذا الليلِ إذا جاءَ فطَبَّقَ كلَّ شيءٍ ومَلأ كلَّ شيءٍ ومَحا سلطانَ النَّهارِ، وتَفَكَّروا في مجيءِ النَّهارِ إذا جاءَ فمَلأ كلَّ شيءٍ وطَبَّقَ كلَّ شيءٍ ومَحا سلطانَ الليلِ، وتَفَكَّروا في السَّحابِ المسخَّرِ بينَ السَّماءِ والأرضِ، وتَفَكَّروا في الفلكِ التي تَجْري في البحرِ بِما يَنْفَعُ النَّاسَ، وتَفَكَّروا في مجيءِ الشِّتاءِ والصَّيفِ، فواللهِ؛ ما زالَ المؤمنونَ يَتَفَكَّرونَ فيما خَلَقَ لهُم ربُّهُم حتَّى أيْقَنَتْ قلوبُهُم وحتَّى كأنَّما عَبَدوا الله عن رؤيتِهِ.
يُذَكِّرُنيكَ الحَرُّ وَالبَرْدُ وَالَّذي … أخافُ وَأرْجو وَالَّذي أتَوَقَّعُ
ما رَأى العارفونَ شيئًا مِن الدُّنيا إلَّا تَذَكَّروا بهِ ما وَعَدَهُمُ اللهُ بهِ مِن جنسِهِ في الآخرةِ.
قُلوبُ العارِفينَ لَها عُيونٌ … تَرى ما لا يَراهُ النَّاظِرونا
- وأمَّا الأزمانُ؛ فشدَّةُ الحرِّ والبردِ تُذَكِّرُ بما في جهنَّمَ مِن الحرِّ والزَّمهريرِ.
وقد دَلَّ هذا الحديثُ الصَّحيحُ على أن ذلكَ مِن تنفُّسِ النَّارِ في ذلكَ الوقتِ: قالَ الحَسَنُ: كلُّ بردٍ أهْلَكَ شيئًا فهوَ مِن نَفَسِ جهنَّمَ، وكلُّ حرٍّ أهْلَكَ شيئًا فهوَ مِن نَفَسِ جهنَّمَ.
وفي الحديثِ الصَّحيحِ: عن النَّبيِّ - ﷺ -؛ قالَ: "إذا اشْتَدَّ الحرُّ؛ فأبْرِدوا بالصَّلاةِ؛ فإنَّ شدَّةَ الحرِّ مِن فيحِ جهنَّمَ" (^١).
وفي حديثٍ مرفوعٍ خَرَّجَهُ عُثْمانُ الدَّارِمِيُّ وغيرُهُ: "إذا كانَ يومٌ شديدُ الحرِّ، فقالَ العبدُ: لا إلهَ إلَّا اللهُ، ما أشدَّ حرَّ هذا اليومِ! اللهمَّ! أجِرْني مِن حرِّ جهنَّمَ. قالَ اللهُ لجهنَّمَ: إنَّ عبدًا مِن عبادي قدِ اسْتَجارَ بي منكِ، وقد أجَرْتُهُ. وإذا كانَ يومٌ شديدُ البردِ، فقالَ العبدُ: لا إلهَ إلَّا اللهُ، ما أشدَّ بردَ هذا اليومِ! اللهمَّ! أجِرْني مِن زمهريرِ جهنَّمَ. قالَ اللهُ لجهنَّمَ: إنَّ عبدًا مِن عبادي قدِ اسْتَجارَ بي مِن زمهريرِكِ، وإنِّي
_________________
(١) رواه: البخاري (٩ - المواقيت، ٩ - الإبراد بالظهر، ٢/ ١٥/ ٥٣٣ - ٥٣٦ و٥٣٨)، ومسلم (٥ - المساجد، ٣٢ - استحباب الإبراد، ١/ ٤٣٠/ ٦١٥ - ٦١٧)؛ عن أبي هريرة وأبي ذرّ وأبي سعيد وابن عمر.
[ ٦٩١ ]
أُشْهِدُكِ أنِّي قد أجَرْتُهُ". قالوا: وما زمهريرُ جهنَّمَ؟ قالَ: "بيتٌ يُلْقى فيهِ الكافرُ فيَتَمَيَّزُ مِن شدَّةِ بربٍ" (^١).
أبوابُ النَّارِ مغلَّقةٌ وتُفْتحُ أحيانًا، فتُفْتَحُ أبوابُها كلُّها عندَ الظَّهيرةِ، فلذلكَ يَشْتَدُّ الحرُّ حينئذٍ فيَكونُ في ذلكَ تذكرةٌ بنارِ جهنَّمَ.
- وأمَّا الأجسامُ المشاهدةُ في الدُّنيا المذكِّرةُ بالنَّارِ؛ فكثيرةٌ:
[١] منها: الشَّمسُ عندَ اشتدادِ حرِّها، وقد رُوِيَ أنَّها خُلِقَتْ مِن النَّارِ وتَعودُ إليها (^٢).
وخَرَّجَ الطَّبَرانِيُّ بإسنادِهِ: أن رجلًا في عهدِ النَّبيِّ - ﷺ - نَزَعَ ثيابَهُ ثمَّ تَمَرَّغَ في الرَّمضاءِ وهوَ تقولُ لنفسِهِ: ذوقي! نارُ جهنَّمَ أشدُّ حرًّا، جيفةٌ بالليلِ، بطَّالٌ بالنَّهارِ. فرَآهُ النَّبيُّ - ﷺ -، فقالَ: يا رسولَ اللهِ! غَلَبَتْني نفسي. فقالَ النَّبيُّ - ﷺ -: "لقد فُتِحَتْ لكَ أبوابُ السَّماءِ، وباهى اللهُ بكَ الملائكةَ" (^٣).
_________________
(١) (ضعيف). رواه: عثمان الدارمي في "الردّ على المريسي" (ص ٤٨)، وابن السنّي في "اليوم والليلة" (٣٠٦)، وأبو نعيم في "اليوم والليلة" (٢٩٨١ - كشف الخفاء)، والبيهقي في "الصفات" (٣٨٧)؛ من طريق عبد الله بن سليمان، عن درّاج، (عن أبي الهيثم عن أبي سعيد أو عن ابن حجيرة الأكبر عن أبي هريرة) … رفعه. وهذا سند ضعيف: عبد الله بن سليمان يخطئ. ودرّاج فيه ضعف عمومًا وروايته عن أبي الهيثم خصوصًا ضعيفة، وقد تردد فيه على وجهين. ورواه السهمي في "جرجان" (ص ٤٨٦) من حديث أبي موسى الأشعري بسند فيه: لاحق بن حسين كذّاب قليل الحياء، وضرار بن علي ويزيد بن أوس وثابت بن قيس مجاهيل. فالحديث ضعيف بطريقه الأولى موضوع بطريقه الثانية، وقد ضعّفه العجلوني وغيره.
(٢) (لم أقف عليه بهذا السياق). لكن ساق أبو الشيخ في "العظمة" روايات عدّة موقوفة على كعب الأحبار وجماعة من الصحابة والتابعين تفيد أنّ بدء خلق الشمس كان من النار. والواقف على هذه المرويّات لن يتردّد في أنّها ممّا تلقّاه الصحابة عن كعب وغيره من علماء أهل الكتاب. وأمّا عود الشمس إلى النار يوم القيامة؛ فقد جاء مرفوعًا بسند قويّ: "إنّ الشمس والقمر ثوران مكوّران في النار يوم القيامة". فلعلّ المصنّف يرحمه الله أراد هذه المرويّات.
(٣) (ضعيف). رواه: الروياني (١)، والطبراني (٢/ ٢٢/ ١١٥٩)؛ من طريق أبي عبد الله صاحب الصدقة، عن علقمة بن مرثد، عن سليمان بن بريدة، عن أبيه … رفعه. قال الهيثمي (١٠/ ١٨٨): "أبو عبد الله صاحب الصدقة لم أعرفه، وبقيّة رجاله ثقات". ورواه ابن أبي الدنيا في "محاسبة النفس" (٥٧) من طريق ليث عن طلحة … به. قال العراقي: لا منقطع أو مرسل، ولا أدري من طلحة هذا". قلت: وليث هذا هو ابن أبي سليم مخلّط.
[ ٦٩٢ ]
وأمَّا البروزُ للشَّمسِ تعبُّدًا بذلكَ مطلقًا؛ فغيرُ مشروعٍ؛ فإنَّ النَّبيَّ - ﷺ - قالَ لأبي إسْرائيلَ لمَّا رَآهُ قائمًا في الشَّمسِ، فأمَرَهُ أنْ يَجْلِسَ ويَسْتَظِلَّ، وكانَ نَذَرَ أنْ يَقومَ في الشَّمسِ معَ الصَّومِ، فأمَرَهُ أنْ يُتِمَّ صومَهُ فقطْ (^١).
وإنَّما يُشْرَعُ البروزُ للشَّمسِ للمحرمِ، كما قالَ ابنُ عُمَرَ لمحرمٍ رَآهُ قدِ اسْتَظَلَّ: اضْحَ لمَن أحْرَمْتَ لهُ. أي: ابْرُزْ إلى الضُّحَى، وهوَ حرُّ الشَّمسِ (^٢).
كانَ بعضُهُم لا يَسْتَظِلُّ في إحرامِهِ، فقيلَ لهُ: لو أخَذْتَ بالرُّخصةِ، فأنْشَدَ:
ضَحَيْتُ لَهُ كَيْ أسْتَظِلَّ بظِلِّهِ … إذا الظِّلُّ أضْحى في القِيامَةِ قالِصا
فوا أسَفا إنْ كانَ سَعْيُكَ خائِبًا … ووا أسَفا إنْ كانَ حظُّكَ ناقِصا (^٣)
وممَّا يُؤْمَرُ بالصَّبرِ فيهِ على حرِّ الشَّمسِ: النَّفيرُ للجهادِ في الصَّيفِ، كما قالَ تَعالى عن المنافقينَ: ﴿وَقَالُوا لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ﴾ [التوبة: ٨١]. وكذلكَ المشيُ إلى المساجدِ للجمعِ والجماعاتِ وشهودِ الجنائزِ ونحوِها مِن الطَّاعاتِ. والجلوسُ في الشَّمسِ لانتظارِ ذلكَ حيثُ لا يوجَدُ ظلٌّ.
خَرَجَ رجلٌ مِن السَّلفِ إلى الجمعةِ، فوَجَدَ النَّاسَ قد سَبَقوهُ إلى الظِّلِّ، فقَعَدَ في الشَّمسِ، فناداهُ رجلٌ مِن الظِّلِّ أنْ يَدْخُلَ إليهِ، فأبى أنْ يَتَخَطَّى النَّاسَ لذلكَ، ثمَّ تَلا: ﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [لقمان: ١٧] (^٤).
_________________
(١) = فالأوّل ضعيف، والآخر شديد الضعف، واجتماعهما لا يكسب هذه الحادثة قوّة، ولفظة "بطّال" بهذا المعنى من محدثات الصوفيّة. والله أعلم.
(٢) رواه البخاري (٨٣ - الأيمان، ٣١ - النذر فيما لا يملك، ١١/ ٥٨٦/ ٦٧٠٤) من حديث ابن عبّاس.
(٣) البروز للشمس: الخروج من الخيام ونحوها. فيستحبّ لأهل الموقف أن يخرجوا من الخيام ويخلصوا التوجّه إلى الله ويرفعوا أيديهم ويجاروا بالدعاء. ولا بأس على المحرم أن يستظل في ذلك الموقف بفيء شجرة أو بمظلّة أو منديل يلقيه على غصن شجرة أو نحو ذلك. فالضّحاء للشمس والبروز لها لا يستلزمان الوقوف تحت أشعّتها المباشرة ولا ينافيان طلب الفيء. فتنبّه.
(٤) إن كان معتادًا على طول الوقوف تحت أشعّة الشمس المباشرة ويعلم من نفسه القدرة والتحمّل؛ فلا بأس عليه، وإن كان يعلم أنّه سينهار تحت وطأة هذا الحرّ؛ فإنّه لا يأمن أن يناله بعض إثم لفعله. وقد قال - ﷺ - لبعض أصحابه: "من أمرك أن تعذّب نفسك".
(٥) وهذا كالذي قبله سواء.
[ ٦٩٣ ]
كانَ بعضُهُم إذا رَجَعَ مِن الجمعةِ في حرِّ الطهيرةِ تَذَكَّرَ أنصرافَ النَّاسِ مِن موقفِ الحسابِ إلى الجنَّةِ أوِ النَّارِ. فإنَّ السَّاعةَ تَقومُ يومَ الجمعةِ، ولا يَنْتَصِفُ ذلكَ النَّهارُ حتَّى يَقيلَ أهلُ الجنَّةِ في الجنَّةِ وأهلُ النَّارِ في النَّارِ. قالَهُ ابنُ مَسْعودٍ، وتَلا قولَهُ تَعالى: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ [الفرقان: ٢٤].
ويَنْبَغي لمَن كانَ في حرِّ الشَّمسِ أنْ يَتَذَكَّرَ حرَّها في الموقفِ؛ فإنَّ الشَّمسَ تَدْنو مِن رؤوسِ العبادِ يومَ القيامةِ ويُزادُ في حرِّها.
وكذا يَنْبَغي لمَن لا يَصْبِرُ على حرِّ الشَّمسِ في الدُّنيا أنْ يَجْتَنِبَ مِن الأعمالِ ما يَسْتَوْجِبُ صاحبُهُ بهِ دخولَ النَّارِ، فإنَّهُ لا قوَّةَ لأحدٍ عليها ولا صبرَ.
قالَ قَتادَةُ وقد ذَكَرَ شرابَ أهلِ جهنَّمَ، وهوَ ما يَسيلُ مِن صديدِهِم مِن الجلدِ (^١) واللحمِ، فقالَ: هل لكُم بهذا يَدانِ أم لكُم عليهِ صبرٌ؟ طاعةُ اللهِ أهونُ عليكُم يا قومِ! فأطيعوا الله ورسولَهُ.
نَسِيتَ لَظًى عِنْدَ ارْتِكابِكَ لِلْهَوى … وَأنْتَ تَوَقَّى حَرَّ شَمْسِ الهواجِرِ
كَأنَّكَ لَمْ تَدْفِنْ حَميمًا وَلَمْ تَكُنْ … لَهُ في سِياقِ المَوْتِ يَوْمًا بِحاضِرِ
رَأى عُمَرُ بنُ عَبْدِ العَزيزِ قومًا في جنازةٍ، وقد هَرَبوا مِن الشَّمسِ إلى الظِّلِّ، وتَوَقَّوُا الغبارَ، [فبَكى ثمَّ] أنْشَدَ:
مَن كانَ حينَ تُصيبُ الشَمْسُ جَبْهَتَهُ … أوِ الغُبارُ يَخافُ الشَّيْنَ وَالشَّعَثا
وَيَأْلَفُ الظِّل كَيْ تَبْقى بَشاشَتُهُ … فَسَوْفَ يَسْكُنُ يَوْمًا راغِمًا جَدَثا
في ظِلِّ مُقْفِرَةٍ غَبْراءَ مُظْلِمَةٍ … يُطيلُ تَحْتَ الثَّرى في غَمِّهِ اللَبَثا
تَجَهَّزي بِجَهازٍ تَبْلُغينَ بِهِ … يا نَفْسُ قَبْلَ الرَّدى لَمْ تُخْلَقي عَبَثا
وممَّا يُضاعَفُ ثوابُهُ في شدَّةِ الحرِّ الصِّيامُ؛ لما فيهِ مِن ظمإ الهواجرِ.
ولهذا كانَ مُعاذُ بنُ جَبَلٍ يَتَأسَّفُ عندَ موتهِ على ما يَفوتُهُ مِن ظمإ الهواجرِ. وكذلكَ غيرُهُ مِن السَّلفِ.
_________________
(١) في خ ون: "بين الجلد"! والصواب ما أثبتّه من من وط.
[ ٦٩٤ ]
ورُوِيَ عن أبي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵁ أنَّهُ كانَ يَصومُ في الصَّيفِ ويُفْطِرُ في الشِّتاءِ (^١).
ووَصَّى عُمَرُ ﵁ عندَ موتهِ ابنَهُ عَبْدَ اللهِ ﵁ فقالَ لهُ: عليكَ بخصالِ الإيمانِ، وسَمَّى أوَّلَها الصَّومَ في شدَّةِ الحرِّ في الصَّيفِ (^٢).
قالَ القاسِمُ بنُ مُحَمَّدٍ: كانَتْ عائِشَةُ ﵂ تَصومُ في الحرِّ الشَّديدِ. قيلَ لهُ: ما حَمَلَها على ذلكَ؟ قالَ: كانَتْ تُبادِرُ الموتَ (^٣).
وكانَ مُجَمِّعٌ التَّيْمِيُّ يَصومُ في الصَّيفِ حتَّى يَسْقُطَ.
كانَتْ بعضُ الصَّالحاتِ تَتَوَخَّى أشدَّ الأيَّامِ حرًّا فتَصومُهُ، فيُقالُ لها في ذلكَ، فتَقولُ: إنَّ السِّعرَ إذا رَخُصَ اشْتَراهُ كلُّ أحدٍ. تُشيرُ إلى أنَّها لا تُؤْثِرُ إلَّا العملَ الذي لا يَقْدِرُ عليهِ إلَّا القليلُ مِن النَّاسِ لشدَّتِهِ عليهِم. وهذا مِن علوِّ الهمَّةِ (^٤).
كانَ أبو موسى الأشْعَرِيُّ ﵁ في سفينةٍ، فسَمعَ هاتفًا يَهْتِفُ: يا أهلَ المركبِ! قِفوا! يَقولُها ثلاثًا. فقالَ أبو موسى: يا هذا! كيفَ نَقِفُ؟ أما تَرى ما نحنُ فيهِ؟ كيفَ نَسْتَطيعُ وقوفًا؟ فقالَ الهاتفُ: ألا أُخْبِرُكُمْ بقضاءٍ قَضاهُ اللهُ على نفسِهِ؟ قالَ: بلى؛ أخْبِرْنا. قالَ: فإنَّ الله قَضى على نفسِهِ أنَّهُ مَن عَطَّشَ نفسَهُ للهِ في يومٍ حارٍّ كانَ حقًّا على اللهِ أنْ يُرْوِيَهُ يومَ القيامةِ. فكانَ أبو موسى يَتَوَخَّى ذلكَ اليومَ الحارَّ الشَّديدَ الحرِّ الذي
_________________
(١) (موقوف واه). رواه أحمد في "الزهد" (٥٨٥) عن أبي بكر بن حفص، ذكر لي أنّ أبا بكر … إلخ. وهذا منقطع أو معضل! وأبو بكر ﵁ فأتبع هذه الأُمّة للسنّة وأبعدها عن التعمّق.
(٢) (موقوف ضعيف). سيأتي بطوله وتفصيل القول فيه (ص ٧٠٧).
(٣) فتأمّل الفرق العظيم بين هذا وبين ما قبله وبعده! فالسيّدة عائشة ﵂ كانت تصوم في الشتاء، فإذا جاء الصيف حافظت على ما اعتادته من الصيام ولم تقطعه خشية أن يأتيها الموت قبل مجيء الشتاء التالي، فحريّ أن يضاعف أجرها في مثل هذه الحال؛ لأنّ الأجر على قدر المشقّة. وأمّا من اختصّ أشدّ أيّام الصيف حرارة بالصوم تعمّقًا وتشديدًا؛ فإنّه بعيد عن هذا المعنى، وحريّ أن يقال له: "ومن أمرك أن تعذّب نفسك"، أو يقال له ما قاله - ﷺ - للرجل الذي أنهكه الصوم في السفر: "ليس من البرّ الصيام في السفر".
(٤) إن كان لها ولمن قبلها عادة في صوم مؤقّت مشروع كصوم الاثنين والخميس ونحوه فحافظا عليه في الصيف على شدّة الحرّ وطول النهار؛ فهو من علوّ الهمّة … وإن توخّيا التشديد في الصيف على الخصوص؛ فلا يخلو هذا من تنطّع ومخالفة للحنيفيّة السمحة وسيرة النبيّ - ﷺ - وأصحابه الكرام.
[ ٦٩٥ ]
يَكادُ الإنسانُ يَنْسَلِخُ منهُ فيَصومُهُ (^١).
وقالَ كَعْبٌ: إنَّ الله ﷿ قالَ لموسى ﵇: إنِّي آلَيْتُ على نفسي أنَّهُ مَن عَطَّشَ نفسَهُ لي أنْ أُرْوِيَهُ يومَ القيامةِ.
وقالَ غيرُهُ: مكتوبٌ في التَّوراةِ: طوبى لمَن جَوَّعَ نفسَهُ ليومِ الشِّبعِ الأكبرِ، طوبى لمَن عَطَّشَ نفسَهُ ليومِ الرِّيِّ الأكبرِ.
وقالَ الحَسَنُ: تَقولُ الحوراءُ لوليِّ اللهِ وهوَ متَّكئ معَها على نهرِ الخمرِ في الجنَّةِ تُعاطيهِ الكأْسَ في أنعمِ عيشةٍ: أتَدْري في أيِّ يومٍ زَوَّجَنيكَ اللهُ؟ إنَّهُ نَظَرَ إليكَ في يومٍ صائفٍ بعيدِ ما بينَ الطَّرفينِ، وأنتَ في ظمإ هاجرةٍ مِن جهدِ العطشِ، فباهى بكَ الملائكةَ وقالَ: انْظُروا إلى عبدي، تَرَكَ زوجتَهُ ولذَّتَهُ وطعامَهُ وشرابَهُ مِن أجلي؛ رغبةً فيما عندي، اشْهَدوا أنِّي قد غَفَرْتُ لهُ. فغَفَرَ لكَ يومئذٍ وزَوَّجَنيكَ (^٢).
لمَّا سارَ عامِرُ بنُ عَبْدِ قَيْسٍ مِن البصرةِ إلى الشَّامِ كانَ مُعاوِيَةُ يَسْألُهُ أنْ يَرْفَعَ إليهِ حوائجَهُ فَيَأْبى، فلمَّا أكْثَرَ عليهِ؛ قالَ: حاجتي أنْ تَرُدَّ عليَّ مِن حرِّ البصرةِ، لَعَلَّ الصَّومَ أنْ يَشْتَدَّ علي شيئًا؛ فإنَّهُ يَخِفُّ عليَّ في بلادِكُم.
نَزَلَ الحجَّاجُ في بعضِ أسفارِهِ بماءٍ بينَ مَكَّةَ والمَدينَةِ، فدَعا بغدائِهِ، ورَأى أعرابيًّا، فدَعاهُ إلى الغداءِ معَهُ، فقالَ لهُ: دَعاني مَن هوَ خيرٌ منكَ فأجَبْتُهُ. قالَ: ومَن هوَ؟ قالَ: اللهُ ﷿، دَعاني إلى الصِّيامِ فصُمْتُ. قالَ: في هذا الحرِّ الشَّديدِ؟ قالَ: نعم؟ صُمْتُ ليومٍ هوَ أشدُّ منهُ حرًّا. قالَ: فأفْطِرْ وصُمْ غدًا. قالَ: إنْ ضَمِنْتَ ليَ البقاءَ
_________________
(١) (موقوف ضعيف). رواه: ابن أبي الدنيا في "الهواتف" (١٣)، وابن الجوزي في "صفة الصفوة" (١/ ٥٦٠)؛ من طريق لقيط، عن أبي بردة، عن موسى … به. وهذا سند واه من أجل لقيط هذا فإنّه مجهول لا يعرف إلّا بهذا الخبر الغريب وقد ضعّف. ورواه البزّار (١٠٣٩ - كشف) من طريق عبد الله بن المؤمّل، عن عطاء، عن ابن عبّاس؛ أنّ النبيّ - ﷺ - بعث أبا موسى … فذكره. قال البزّار: "لا نعلمه عن ابن عبّاس إلّا من هذا الوجه". قال المنذري: "إسناد حسن". وقال الهثمي: "رجاله موثّقون". وردّه العسقلاني بقوله: "بل عبد الله بن المؤمّل ضعيف جدًّا". فهذه أسانيد هذا الخبر الغريب! فلا تغترّ به ولا بحسن سياقته.
(٢) مثل هذا الكلام لا ينبغي أن يقال إلّا بتوقيف! فإن صحّ سنده إلى الحسن؛ فليس له حكم الإرسال؛ لأنّه ربّما يكون من أقاصيص أهل الكتاب.
[ ٦٩٦ ]
إلى غدٍ أفْطَرْتُ. قالَ: ليسَ ذلكَ إليَّ. قال: فكيفَ تَسْألُني عاجلًا بآجلٍ لا تَقْدِرُ عليهِ؟!
خَرَجَ ابنُ عُمَرَ في سفرٍ ومعَهُ أصحابُهُ، فوَضَعوا سفرةً لهُم، فمَرَّ بهِم راعٍ، فدَعَوْهُ إلى الأكلِ معَهُم. فقال: إنِّي صائمٌ. فقالَ ابنُ عُمَرَ: في مثلِ هذا اليومِ الشَّديدِ حرُّهُ وأنتَ بينَ هذهِ الشِّعابِ في آثارِ هذهِ الغنمِ وأنتَ صائمٌ؟! فقالَ: أُبادِرُ أيَّامي هذهِ الخاليةَ. فعَجِبَ منهُ ابنُ عُمَرَ وقالَ لهُ: هل لكَ أنْ تَبيعَنا شاةً مِن غنمِكَ ونُطْعِمَكَ مِن لحمِها ما تُفْطِرُ عليهِ ونُعْطِيَكَ ثمنَها؟ قالَ: إنَّها ليستْ لي إنَّها لمولايَ. قالَ: فما عَسَيْتَ أنْ يَقولَ لكَ مولاكَ إنْ قُلْتَ: أكَلَها الذِّئبُ. فمَضى الرَّاعي وهوَ رافعٌ إصبعَهُ إلى السَّماءِ وهوَ يَقول: فأينَ اللهُ؟! فلمْ يَزَلِ ابنُ عُمَرَ يُرَدِّدُ كلمتَهُ هذهِ. فلمَّا قَدِمَ المدينةَ؛ بَعَثَ إلى سيِّدِ الرَّاعي، فاشْتَرَى منهُ الرَّاعيَ والغنمَ، فأعْتَقَ الرَّاعيَ ووَهَبَ لهُ الغنمَ.
ونَزَل رَوْحُ بنُ زِنْباعٍ منزلًا بينَ مَكَّةَ والمدينةِ في حرٍّ شديدٍ، فانْقَضَّ عليهِ راعٍ مِن جبلٍ، فقالَ لهُ: يا راعي! هَلُمَّ إلى الغداءِ. قالَ: إنِّي صائمٌ. قال: أتَصومُ في هذا الحرِّ؟ قالَ: أفَأدَعُ أيَّامي تَذْهَبُ باطلًا؟! فقالَ رَوْحٌ: لقد ضَنِنْتَ بأيَّامِكَ يا راعي إذْ جادَ بها رَوْحُ بنُ زِنْباعٍ.
كانَ ابنُ عُمَرَ يَصومُ تطوُّعًا ويُغْشى عليهِ فلا يُفْطِرُ.
وكانَ الإمامُ أحْمَدُ يَصومُ، حتَّى يَكادُ يُغْمى عليهِ، فيَمْسَحُ على وجهِهِ بالماءِ. وسُئِلَ عمَّن يَصومُ ويَشْتَدُّ عليهِ الحرُّ، قالَ: لا بأْسَ أنْ يَبُلَّ ثوبًا يَتَبَرَّدُ بهِ ويَصُبَّ عليهِ الماءَ، كانَ النَّبيُّ - ﷺ - بالعرجِ يَصُبُّ على رأْسِهِ الماءَ وهوَ صائمٌ (^١).
_________________
(١) (صحيح). رواه: مالك في "الموطّأ" (١/ ٢٩٤)، وعبد الرزّاق (٧٥٠٨ و٧٥٠٩)، والشافعي في "المسند" (ص ١٥٧) و"السنن" (٣١٦) و"اختلاف الحديث" (ص ٨٣)، وأحمد (٣/ ٤٧٥، ٤/ ٦٣، ٥/ ٣٧٦ و٣٨٠ و٤٠٨ و٤٣٠)، وأبو داوود (٨ - الصيام، ٢٧ - الصائم يصبّ عليه الماء، ١/ ٧٢١/ ٢٣٦٥)، والنسائي في "السنن الكبرى" (٣٠٢٩)، والفريابي في "الصيام" (٩٠)، والطحاوي في "المعاني" (٢/ ٦٦)، والحاكم (١/ ٤٣٢)، والبيهقي (٤/ ٢٤٢ و٢٦٣)؛ من طريق [سميّ مولى أبي بكر]، عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث، [عن بعض أصحاب النبيّ - ﷺ -] … رفعه. رجاله ثقات رجال الشيخين، وقد أسقط ابن جريج سميًّا من السند وأثبته ابن عيينة ومالك فالقول قولهما، وأرسله ابن جريج وابن عيينة ووصله مالك فوصله زيادة ثقة. ولذلك قال ابن عبد البرّ (٢٢/ ٤٧): "حديث مسند صحيح، ولا فرق بين أن يسمّي التابع الصاحب الذي حدّثه أو لا يسمّيه في وجوب العمل بحديثه؛ لأنّ الصحابة كلهم عدول مرضيّون ثقات أثبات". وقال العسقلاني: =
[ ٦٩٧ ]
وكانَ أبو الدَّرْداءِ يَقولُ: صوموا يومًا شديدًا حرُّهُ لحرِّ يومِ النُّشور، وصَلُّوا ركعتينِ في ظلمةِ الليلِ لظلمةِ القبور.
وفي الصَّحيحِ (^١): عن أبي الدَّرْداءِ؛ قالَ: لقد رَأيْتُنا معَ رسولِ اللهِ - ﷺ - في بعضِ أسفارِهِ في اليومِ الحارِّ الشَّديدِ الحرِّ، وإنَّ الرَّجلَ لَيَضَعُ يدَهُ على رأْسِهِ مِن شدَّةِ الحرِّ، وما في القومِ أحدٌ صائمٌ إلَّا رسولَ اللهِ - ﷺ - وعَبْدَ اللهِ بنَ رَوَاحَةَ. وفي روايةٍ أن ذلكَ كانَ في شهرِ رمضانَ.
لمَّا صَبَرَ الصَّائمونَ للهِ في الحرِّ على شدَّةِ العطشِ والظَّمأ؛ أفْرَدَ لهُم بابًا مِن أبوابِ الجنَّةِ، وهوَ بابُ الرَّيَّانِ، مَن دَخَلَهُ شَرِبَ، ومَن شَرِبَ منهُ لمْ يَظْمَأْ بعدَها أبدًا، فإذا دَخَلوا أُغْلِقَ ذلكَ البابُ على مَن بعدَهُم فلا يَدْخُلُ منهُ غيرُهُم.
[٢] وقد تَحْدُثُ أحيانًا حوادثُ غيرُ معتادةٍ تُذَكِّرُ بالنَّارِ كالصَّواعقِ والرِّيحِ الحارَّةِ المحرقةِ للزَّرعِ:
قالَ اللهُ تَعالى: ﴿وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ﴾ [الرعد: ١٣].
وقد رُوِيَ أن الصَّواعقَ قطعةٌ مِن نارٍ تَطيرُ مِن في الملكِ الذي يَزْجُرُ السَّحابَ عندَ اشتدادِ غضبِهِ (^٢).
وقالَ تَعالى: ﴿فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ﴾ [البقرة: ٢٦٦]. والإعصارُ: الرِّيحُ الشَّديدةُ العاصفُ التي فيها نارٌ، والصِّرُّ: الرِّيحُ الشَّديدةُ البردِ.
_________________
(١) = "إسناد صحيح". وصحّحه الألباني. على أنّه رواه: الدارقطني (١/ ٤١٩ - لسان الميزان)، والحاكم (١/ ٤٣٢)؛ من طريق محمّد بن نعيم السعدي، عن مالك، عن سميّ، عن أبي صالح، عن أبي هريرة … رفعه. قال الحاكم: "إن كان محمّد بن نعيم السعدي حفظه هكذا فإنّه صحيح على شرط الشيخين". ووافقه الذهبي. فهذه الطريق إن لم تنفع الطريق السابقة وتقوّيها فلن تضرّها. والله أعلم.
(٢) البخاري (٣٠ - الصوم، ٣٥ - باب ٣/ ١٨٢/ ١٩٤٥)، ومسلم (١٣ - الصيام، ١٧ - التخيير في الصوم في السفر، ٢/ ٧٩٠/ ١١٢٢).
(٣) (موقوف ضعيف). رواه عبد بن حميد وابن جرير وأبو الشيخ في "العظمة" من قول شهر بن حوشب موقوفًا عليه فيما ذكره السيوطي في "الدرّ" (الرعد ١٣)، وشهر ضعيف، وليس لقوله هذا حكم الإرسال لأنّه لا يبعد أن يكون من أخبار أهل الكتاب، بل هو منها غالبًا.
[ ٦٩٨ ]
[٣] وقد عَذَّبَ اللهُ قومَ شُعَيْبٍ بالظُّلَّةِ، رُوِيَ أنَّهُ أصابَهُم حرٌّ أخَذَ بأنفاسِهِم، فخَرجوا مِن البيوتِ إلى الصَّحراءِ، فأظَلَّتْهُم سحابةٌ، فوَجَدوا لها بردًا، فاجْتَمَعوا تحتَها كلُّهُم، فأمْطَرَتْ عليهِم نارًا، فأحْرَقَتْهُم كلَّهُم (^١).
فكلُّ هذهِ العقوباتِ بسببِ المعاصي، وهىَ مِن مقدِّماتِ عقوباتِ جهنَّمَ وأنموذجِها.
[٤] وممَّا يَدُلُّ على الجنَّةِ والنَّارِ أيضًا ما يُعَجِّلُهُ اللهُ في الدُّنيا لأهلِ طاعتِهِ وأهلِ معصيتِهِ.
فإنَّ الله يُعَجِّلُ لأوليائِهِ وأهلِ طاعتِهِ مِن نفحاتِ نعيمِ الجنَّةِ ورَوْحِها ما يَجِدونَهُ ويَشْهَدونَهُ بقلوبِهم ممَّا لا تُحيطُ بهِ عبارةٌ ولا تَحْصُرُهُ إشارةٌ:
حتَّى قالَ بعضُهُم: إنَّهُ لتَمُرُّ بي أوقاتٌ أقولُ: إنْ كانَ أهلُ الجنَّةِ في مثلِ ما أنا فيهِ؛ فإنَّهُم في عيشٍ طيِّبٍ.
وقالَ أبو سُلَيْمانَ: أهلُ الليلِ في ليلِهِم ألذُّ مِن أهلِ اللهوِ في لهوِهِم.
وقالَ بعضُهُم: الرِّضى بابُ اللهِ الأعظمُ وجنَّةُ الدُّنيا ومستراحُ العابدينَ.
قالَ تَعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ [النحل: ٩٧]. قال الحَسَنُ: يَعْني: نَرْزُقُهُ طاعةً يَجِدُ لذَّتَها في قلبِهِ.
أهلُ التَّقوى في نعيمٍ حيثُ كانوا في الدُّنيا وفي البرزخِ وفي الآخرةِ.
العَيْشُ عَيْشُهُمُ وَالمُلْكُ مُلْكُهُمُ … ما النَّاسُ إلَّا هُمُ بانوا أوِ اقْتَرَبوا
وأمَّا أهلُ المعاصي والمعرضونَ عن اللهِ؛ فإنَّ الله يُعَجِّلُ لهُم في الدُّنيا مِن أنموذجِ عقوباتِ جهنَّمَ ما يُعْرَفُ أيضًا بالتَّجربةِ والذَّوقِ، فلا تَسْألْ عمَّا هُم فيهِ مِن ضيقِ الصَّدرِ والحرجِ والنَّكدِ، وعمَّا يُعَجَّلُ لهُم مِن عقوباتِ المعاصي في الدُّنيا ولو بعدَ حينٍ مِن زمنِ العصيانِ. وهذا مِن نفحاتِ الجحيمِ المعجَّلةِ لهُم. ثمَّ يَنْتَقِلونَ بعدَ هذهِ الدَّارِ إلى أشدَّ مِن ذلكَ وأضيقَ، ولذلكَ يَضيقُ على أحدِهِم قبرُهُ حتَّى تَخْتَلِفَ فيهِ أضلاعُهُ
_________________
(١) انظر تفاصيل القصّة في "الدرّ المنثور" (الشعراء: ١٨٩).
[ ٦٩٩ ]
ويُفْتَحُ لهُ بابٌ إلى النَّارِ فيَأْتيهِ مِن سَمومِها. قالَ اللهُ تَعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾ [طه: ١٢٤]. وَرَدَ في الحديثِ المرفوعِ تفسيرُها بعذابِ القبرِ (^١). ثمَّ بعدَ ذلكَ يَصيرونَ إلى جهنَّمَ وضيقِها. قالَ تَعالى: ﴿وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا (١٣) لَا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا﴾ [الفرقان: ١٣، ١٤].
[٥] وممَّا يَدُلُّ أيضًا في الدُّنيا على وجودِ النَّارِ ويُذَكِّرُ بها الحمَّى التي تُصيبُ بني آدَمَ، وهيَ نارٌ باطنةٌ. فمنها نفحةٌ مِن نفحاتِ سمومِ جهنَّمَ، ومنها لفحةٌ مِن لفحاتِ زمهريرِها.
وقد رُوِيَ في حديثٍ خَرَّجَهُ الإمامُ أحْمَدُ وابنُ ماجَهْ أنَّها حظُّ المؤمنِ مِن النَّارِ (^٢).
_________________
(١) (صحيح). رواه: عبد الرزّاق (٦٧٠٣)، وابن أبي شيبة (١٢٠٦١)، وهنّاد في "الزهد" (٣٤٥)، والبزّار (طه ١٢٤ - ابن كثير)، وابن جرير (٢٠٧٦٠ و٢٠٧٦١) مختصرًا، وابن حبّان (٣١١٣ و٣١١٩)، والطبراني في "الأوسط" (٢٦٥١)، والحاكم (١/ ٣٧٩ - ٣٨١)، والبيهقي في "عذاب القبر" (٥٧ و٥٨ و٦٧)؛ من طريق محمّد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة … رفعه في سياق طويل. قال الهيثمي (٣/ ٥٥): "إسناده حسن". قلت: من أجل محمّد بن عمرو؛ ففيه كلام لا ينزل به عن رتبة الحسن، لكن المشكل أنّهم اختلفوا عليه وقفًا ورفعًا، وقد جاء الرفع من أوجه قويّة، فهو زيادة ثقة يتعيّن المصير إليها، ولا سيّما أنّ أكثر المتن ممّا لا يقال اجتهادًا. ورواه: أحمد (٣/ ٣٨)، وابن أبي الدنيا (طه ١٢٤ - درّ)، وأبو يعلى (٦٦٤٤)، وابن جرير (٢٤٤٢٦)، وابن أبي حاتم (طه ١٢٤ - درّ)، وابن المنذر (طه ١٢٤ - درّ)، وابن حبّان (٣١٢٢)، والآجرّي في "الشريعة" (٨٥٤)، وابن مردويه (طه ١٢٤ - درّ)؛ من طريقين تقوّي إحداهما الأخرى، عن درّاج، عن ابن حجيرة، عن أبي هريرة … رفعه. وفي درّاج ضعف. وللحديث شواهد عدّة موقوفة عن جماعة من الصحابة، وجابر مرفوعًا عن أبي سعيد عند الحاكم (٢/ ٣٨١) بسند صحّحه الحاكم والذهبي على شرط مسلم، وإن كان المشهور عن أبي سعيد الوقف. وحديث أبي هريرة صحيح بطريقيه، ويزداد صحّة بشواهده، وقد قوّاه ابن حبّان والحاكم والمنذري والذهبي والهيثمي والعسقلاني.
(٢) (حسن صحيح). يرويه أبو صالح الأشعري واختلف عليه فيه على وجهين: روى الأوّل: ابن أبي شيبة (١٠٨٠٢)، وأحمد (٢/ ٤٤٠)، وابن ماجه (٣١ - الطبّ، ١٨ - الحمّى، ٢/ ١١٤٩/ ٣٤٧٠)، والترمذي (٢٩ - الطبّ، ٣٥ - باب، ٤/ ٤١٤/ ٢٠٨٨)، وابن أبي الدنيا في "المرض"، وابن جرير (٢٣٨٥١)، والطبراني في "الأوسط" (١٠) و"الشاميّين" (٥٦١)، والحاكم (١/ ٣٤٥)، وأبو نعيم في "الحلية" (٦/ ٨٦)، والبيهقي في "السنن" (٣/ ٣٨١) و"الشعب" (٩٨٤٤)، وابن عبد البرّ (٦/ ٣٥٩)، من طريق قويّة، عن إسماعيل بن عبيد الله، عن أبي صالح، عن أبي هريرة … رفعه. وروى الثاني: أحمد (٥/ ٢٥٢)، وابن منيع، وابن أبي الدنيا في "المرض"، والروياني (١٢٦٩)، والطحاوي في "المشكل" (٣/ ٦٨)، والطبراني (٨/ ٩٣/ ٧٤٦٨)، =
[ ٧٠٠ ]
والمرادُ أنَّ الحمَّى تُكَفِّرُ ذنوبَ المؤمنِ وتُنَقِّيهِ منها كما يُنَقِّي الكيرُ خبثَ الحديدِ.
وإذا طُهِّرَ المؤمنُ مِن ذنوبِهِ في الدُّنيا؛ لم يَجِدْ حرَّ النَّارِ إذا مَرَّ عليها يومَ القيامةِ؛ لأنَّ وجدانَ النَّاسِ لحرِّها عندَ المرور عليها بحسبِ ذنوبِهِم، فمَن طُهِّرَ مِن الذُّنوبِ ونُقِّيَ منها في الدُّنيا؛ جازَ على الصِّراطِ كالبرقِ الخاطفِ والرِّيحِ ولم يَجِدْ شيئًا مِن حرِّ النَّارِ ولم يُحِسَّ بها.
تَقولُ النَّارُ للمؤمنِ: جُزْ يا مؤمنُ! فقد أطْفَأ نورُكَ لهبي.
وفي حديثِ جابرٍ المرفوعِ في "مسند الإمام أحْمَد": أنَّهُم يَدْخُلونَها فتكونُ عليهِم بردًا وسلامًا كما كانَتْ على إبْراهيمَ، حتَّى إنَّ للنَّارِ ضجيجًا مِن بردِهِم (^١).
_________________
(١) = والبيهقي في "الشعب" (٩٨٤٣)، وابن عبد البرّ في "التمهيد" (٦/ ٣٥٩، ٢٣/ ١٧١)، وابن عساكر، والمزّي في "التهذيب" (٣٣/ ٤١٤)؛ من طريق أبي الحصين الشامي أو الفلسطيني، عن أبي صالح، عن أبي أُمامة … رفعه. وإسماعيل بن عبيد الله ثقة، وأبو الحصين إن كان هو مروان بن رؤبة فحديثه لا بأس به ما لم يخالف وإن كان غيره فمجهول. وعليه؛ فالمعروف في هذا المتن أنّه من حديث أبي صالح عن أبي هريرة وذكر أبي أُمامة فيه شاذّ أو منكر، ومع ذلك فأحد الوجهين هنا يقوّي الآخر لأنّ الاختلاف على الصحابي لا يضرّ صحّة المتن. وأبو صالح الأشعري صدوق حسن الحديث، فالسند كذلك. وله طريق أُخرى عند الدارقطني في "حديث مالك" (٤/ ٣٨٧ - لسان الميزان) عن أبي هريرة، لكنّها ساقطة تفرّد بها عمر بن يحيى عن مالك. وله شاهد عند القضاعي (٦٢) من حديث ابن مسعود بسند ساقط. وله شاهد عند: أبي يعلى (٣٤٥٧)، والطبراني في "الأوسط" (٧٥٣٦)، وابن منده (١/ ٤٨٠ - إصابة)، وأبو نعيم (١/ ٤٨٠ - إصابة)؛ من طريقين عن أنس. ولكنّه شديد الضعف ولو اجتمعت طريقاه. وله شاهد عند العقيلي (٢/ ٢٨٧، ٣/ ٤٨٨) من حديث عثمان بسند شديد الضعف. وآخر عند: البزّار (٧٦٥ - كشف)، والطبراني في "الأوسط" (٣٣٤٢) و"الصغير" (٣١٥)، والدارقطني، وابن الجوزي في "الواهيات" (١٤٥٠)؛ من طريقين عن عائشة. لكنّه ضعيف ولو اجتمعت طريقاه. وله شاهد عند: البخاري في "التاريخ" (٧/ ٦٣)، والطحاوي في "المشكل" (٣/ ٦٨)، وابن قانع في "المعجم" (١/ ٣٤٥/ ٤٣٣)، والبيهقي في "الشعب" (٩٨٤٦)، وابن عبد البرّ في "التمهيد" (٦/ ٣٦٠)، وابن عساكر؛ من حديث أبي ريحانة بسند يسير الضعف. وله شاهد عند ابن سعد (٣/ ٤٢١) من وجه قويّ عن أبي المتوكّل الناجي مرسلًا. فحديث أبي صالح حسن، والشواهد الأخيرة عن عائشة وأبي ريحانة وأبي المتوكّل تزيده قوّة وتصحّحه، وقد قوّى بعض أسانيده العقيلي والمنذري والهيثمي والعسقلاني والألباني.
(٢) (ضعيف). رواه: أحمد (٣/ ٣٢٨)، وعبد بن حميد (١١٠٦)، والحارث (١١٢٧ - هيثمي)، والبخاري في "التاريخ" (٣٣/ ٣٨٥ - تهذيب الكمال)، وابن ماجه في "التفسير" (٢١/ ٣٢١ - تهذيب التهذيب)، =
[ ٧٠١ ]
[٤] ومِن أعظمِ ما يُذَكِّرُ بنارِ جهنَّمَ النَّارُ التي في الدُّنيا. قالَ اللهُ تَعالى: ﴿نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً﴾ [الواقعة: ٧٣]؛ يَعْني: أن نارَ الدُّنيا جَعَلَها اللهُ تذكرةً تُذَكِّرُ بنارِ الآخرةِ.
مَرَّ ابنُ مَسْعودٍ بالحدَّادينَ وقد أخْرَجوا حديدًا مِن النَّارِ فوَقَفَ يَنْظُرُ إليهِ ويَبْكي.
ورُوِيَ عنهُ أنَّهُ مَرَّ على الذينَ يَنْفُخونَ الكيرَ فسَقَطَ.
وكانَ أُوَيْسٌ يَقِفُ على الحدَّادينَ فيَنْظُرُ إليهِم كيفَ يَنْفُخونَ الكيرَ ويَسْمَعُ صوتَ النَّارِ فيَصْرُخُ ثمَّ يَسْقُطُ.
وكذلكَ الرَّبيعُ بنُ خُثَيْمٍ.
وكانَ كثيرٌ مِن السَّلفِ يَخْرُجونَ إلى الحدَّادينَ يَنْظُرونَ [إلى] ما يَصْنَعونَ بالحديدِ، فيَبْكونَ ويَتَعَوَّذونَ باللهِ مِن النَّارِ.
ورَأى عَطاءٌ السَّليمِيُّ (^١) امرأةً قد سَجَرَتْ تنَّورًا فغُشِيَ عليهِ.
وقالَ الحَسَنُ: كانَ عُمَرُ ربَّما توقَدُ لهُ نارٌ، ثمَّ يُدْني يدَهُ منها، ثمَّ يَقولُ: يا ابنَ الخَطَّابِ! هل لكَ على هذا صبرٌ؟
كانَ الأحْنَفُ بنُ قَيْسٍ يَجيءُ إلى المصباحِ فيَضَعُ أصبعَهُ فيهِ ويَقولُ: حَسَّ (^٢)! ثمَّ يُعاتِبُ نفسَهُ على ذنوبِهِ.
وأجَّجَ بعضُ العبَّادِ نارًا بينَ يديهِ وعاتَبَ نفسَهُ فلمْ يَزَلْ يُعاتِبُها حتَّى ماتَ.
نارُ الدُّنيا جزءٌ مِن سبعينَ جزءًا مِن نارِ جهنَّمَ، وغُسِلَتْ بالبحرِ مرَّتينِ حتَّى أشْرَقَتْ وخَفَّ حرُّها، ولولا ذلكَ ما انْتَفَعَ بها أهلُ الدُّنيا، وهيَ تَدْعو الله ألَّا يُعيدَها إليها.
_________________
(١) = والنسائي (٣/ ١٢٤ - فتح الباري)، وابن المنذر (مريم ٧١ - الدرّ)، والحكيم الترمذي (الدرّ)، وابن أبي حاتم (الدرّ)، والحاكم (٤/ ٥٧٨)، وابن مردويه (الدرّ)، والبيهقي في "الشعب" (٣٧٠)، وابن عبد البرّ (٦/ ٣٥٥)، والمزي (٣٣/ ٣٨٥)؛ من طريق قويّة، عن أبي سميّة، عن جابر … رفعه. وصحّحه الحاكم ووافقه الذهبي. وحسّنه البيهقي وأقرّه المنذري. وقال المنذري والهيثمي (٧/ ٥٨، ١٠/ ٣٦٣): "رجاله ثقات". قلت: أبو سميّة مجهول، تفرّد كثير بن زياد بالرواية عنه، فلا يرفع ذكر ابن حبّان له في "الثقات" جهالته. ولذلك قال ابن كثير: "غريب"، وضعّفه الألباني.
(٢) في خ ون: "عطاء السلميّ"، وفي حاشية ن: "لعلّه السليمي"، وقد جاء على الجادّة في م وط.
(٣) حسّ: كلمة تقال عند الألم.
[ ٧٠٢ ]
قالَ بعضُ السَّلفِ: لو أُخْرِجَ أهلُ النَّارِ منها إلى نارِ الدُّنيا؟ لَقالوا (^١) فيها ألفي عامٍ. يَعْني: أنَّهُم كانوا يَنامونَ فيها ويَرَوْنَها بردًا.
كانَ عُمَرُ ﵁ يَقولُ: أكْثِروا ذكرَ النَّارِ؛ فإنَّ حرَّها شديد، وإنَّ قعرَها بعيد، وإنَّ مقامعَها حديد.
كانَ ابنُ عُمَرَ وغيرُهُ مِن السَّلفِ إذا شَرِبوا ماءً باردًا بَكَوْا وذَكَروا أُمنيةَ أهلِ النَّارِ وأنَّهُم يَشْتَهونَ الماءَ الباردَ - وقد حيلَ بينَهُم وبينَ ما يَشْتَهونَ - وتقولونَ لأهلِ الجنَّةِ: ﴿أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ [الأعراف: ٥٠]، فيَقولونَ [لهُم]: إنَّ الله حَرَّمَهُما على الكافرينَ.
والمصيبةُ العظمى حينَ تُطْبِقُ النَّارُ على أهلِها ويَيْأسونَ مِن الفرجِ، وهوَ الفزعُ الأكبرُ الذي يَأْمَنُهُ أهلُ الجنَّةِ الذينَ سَبَقَتْ لهُم منَّا الحسنى أُولئكَ عنها مبعَدونَ.
لَوْ أبْصَرَتْ عَيْناكَ أهْلَ الشَّقا … سِيقُوا إلى النَّارِ وَقَدْ أُحْرِقوا
شَرابُهُمُ المُهْلُ في قَعْرِها … إذْ خَالَفوا الرُّسْلَ وَما صَدَّقوا
تَقولُ أُخْراهُمْ لأُولاهُمُ … في لُجَجِ المُهْلِ وَقَدْ أُغْرِقوا
قَدْ كُنْتُمُ خُوِّفْتُمُ حَرَّها … لكِنْ مِنَ النِّيرانِ لَمْ تَفْرَقوا
وَجِيءَ بِالنِّيرانِ مَزْمومَةً … شَرارُها مِنْ حَوْلِها مُحْدِقُ
وَقيلَ لِلنِّيرانِ أنْ أحْرِقي … وَقيلَ لِلْخُزَّانِ أنْ أطْبِقوا