خَرَّجَ الإمامُ أحْمَدُ وأبو داوودَ والتِّرْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ وابنُ ماجَهْ وابنُ حِبَّانَ في "صحيحه" والحاكِمُ مِن حديثِ: العَلاءِ بن عَبْدِ الرَّحْمنِ، عن أبيهِ، عن أبي هُرَيْرَةَ، عن النَّبيِّ - ﷺ -؛ قالَ: "إذا انْتَصَفَ شعبانُ؛ فلا تَصوموا حتَّى رمضانَ" (^١).
وصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ وغيرُهُ.
• واخْتَلَفَ العلماءُ في صحَّةِ هذا الحديثِ ثمَّ في العملِ بهِ:
• فأمَّا تصحيحُهُ؛ فصَحَّحَهُ غيرُ واحدٍ، منهُمُ التِّرْمِذِيُّ وابنُ حِبَّانَ والحاكِمُ والطَّحاوِيُّ وابنُ عَبْدِ البَرِّ، وتَكَلَّمَ فيهِ مَن هوَ أكبرُ مِن هؤلاءِ وأعلمُ وقالوا: هوَ حديثٌ
_________________
(١) (حسن). رواه: عبد الرزاق (٧٣٢٥)، وابن أبي شيبة (٩٠٢٦)، وأحمد (٢/ ٤٤٢)، والدارمي (٢/ ١٧)، وابن ماجه (٧ - الصيام، ٥ - النهي أن يتقدّم رمضان، ١/ ٥٢٨/ ١٦٥١)، وأبو داوود (٨ - الصيام، ١٢ - كراهية ذلك، ١/ ٧١٣/ ٢٣٣٧)، والترمذي (٦ - الصوم، ٣٨ - كراهية الصوم في النصف، ٣/ ١١٥/ ٧٣٨)، والنسائي في "الكبرى" (٢٩١١)، والطحاوي (٢/ ٨٢)، والعقيلي (٣/ ٣٥٤)، وابن حبّان (٣٥٨٩ و٣٥٩١)، والطبراني في "الأوسط" (٦٨٥٩)، وابن عدي (١/ ٢٢٦، ٢/ ٤٧٦، ٣/ ١٠٧٣، ٤/ ١٦١٧، ٥/ ١٩١٨)، والدارقطني (٢/ ١٩١)، وابن حزم في "المحلّى" (٧/ ٢٥ و٢٦)، والبيهقي (٤/ ٢٠٩)، والخطيب (٨/ ٤٨)؛ من طرق، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة … رفعه. قال أبو داوود: "قال أحمد: هذا حديث منكر. وكان عبد الرحمن لا يحدّث به. قلت لأحمد: لم؟ قال: لأنّه كان عنده أنّ النبيّ - ﷺ - كان يصل شعبان برمضان وقال عن النبيّ - ﷺ - خلافه". قال أبو داوود: "وليس هذا عندي خلافه، ولم يجئ به غير العلاء عن أبيه". وقال الذهبي: "هذا أغرب ما أتى به العلاء". قلت: العلاء صدوق ربّما وهم من رجال مسلم، لكنّه ردّ على من أنكر عليه عند أبي داوود وغيره؛ قال: "اللهمّ إنّ أبي حدّثني عن أبي هريرة عن النبيّ - ﷺ - بذلك"، فهذا يدفع الوهم هاهنا، فالسند حسن، وقد قوّاه الترمذي وابن حبّان والحاكم والطحاوي وابن عبد البرّ فيما ذكر ابن رجب، وصحّحه الألباني. وتوبع العلاء عند ابن عدي (١/ ٢٢٦) من وجه فيه إبراهيم بن محمّد بن أبي يحيى المتّهم المتروك.
[ ٣٢٠ ]
منكرٌ، منهُم عَبْدُ الرَّحْمنِ بنُ مَهْدِيٍّ والإمامُ أحْمَدُ وأبو زُرْعَةَ الرَّازِيُّ والأثْرَمُ. وقالَ أحْمَدُ: لمْ يَرْوِ العلاءُ حديثًا أنكرَ منهُ. ورَدَّهُ بحديثِ "لا تَقَدَّموا رمضانَ بصومِ يومٍ أو يومينِ"؛ فإنَّ مفهومَهُ جوازُ التَّقدُّمِ بأكثرَ مِن يومينِ (^١). وقالَ الأثْرَمُ: الأحاديثُ كلُّها تُخالِفُهُ. يُشيرُ إلى أحاديثِ صيامِ النَّبيِّ - ﷺ - شعبانَ كلَّهُ ووصلِهِ برمضانَ ونهيهِ عن التَّقدُّمِ على رمضانَ بيومينِ، فصارَ الحديثُ حينئذٍ شاذًّا مخالفًا للأحاديثِ الصَّحيحةِ. وقالَ الطَّحاوِيُّ: هوَ منسوخٌ. وحَكى الإجماعَ على تركِ العملِ بهِ. وأكثرُ العلماءِ على أنَّهُ لا يُعْمَلُ بهِ. وقد أخَذَ بهِ آخرونَ - منهُمُ الشَّافِعِي وأصحابُهُ - ونَهَوْا - عن ابتداءِ التَّطوُّعِ بالصِّيامِ بعدَ نصفِ شعبانَ لمَن ليسَ لهُ عادةٌ، ووافَقَهُم بعضُ المتأخرينَ مِن أصحابِنا.
• ثمَّ اخْتَلَفوا في علَّةِ النَّهيِ:
فمنهُم مَن قالَ: خشيةَ أنْ يُزادَ في صيامِ رمضانَ ما ليسَ منهُ. وهذا بعيدٌ جدًّا فيما بعدَ النِّصفِ، وإنَّما يُحْتَمَلُ هذا في التَّقدُّمِ بيومٍ أو يومينِ.
ومنهُم مَن قالَ: النَّهيُ للتَّقوِّي على صيامِ رمضانَ شفقةَ أنْ يُضْعِفَهُ ذلكَ عن صيامِ رمضانَ. ورُوِيَ ذلكَ عن وَكيعٍ. ويَرُدُّ هذا صيامُ النَّبيِّ - ﷺ - شعبانَ كلَّهُ أو أكثرَهُ ووصلُهُ برمضانَ.
هذا كلُّهُ في الصِّيامِ بعدَ نصفِ شعبانَ.
• فأمَّا صيامُ يومِ النِّصفِ منهُ؛ فغيرُ منهيٍّ عنهُ؛ فإنَّهُ مِن جملةِ أيَّامِ البيضِ الغرِّ المندوبِ إلى صيامِها مِن كلِّ شهرٍ. وقد وَرَدَ الأمرُ بصيامِهِ مِن شعبانَ بخصوصِهِ؛ ففي "سنن ابن ماجَهْ" بإسنادٍ ضعيفٍ: عن عَلِيٍّ، عن النَّبيِّ - ﷺ -: "إذا كانَ ليلةُ نصفِ شعبانَ؛ فقوموا ليلَها، وصوموا نهارَها؛ فإنَّ الله تَعالى يَنْزِلُ فيها لغروبِ الشَّمسِ إلى السَّماءِ الدُّنيا فيَقولُ: ألا مستغفرٌ فأغْفِرَ لهُ، ألا مسترزقٌ فأرْزُقَهُ، ألا مبتلًى فأُعافِيَهُ، ألا كذا، ألا كذا، حتَّى يَطْلُعَ الفجرُ" (^٢).
_________________
(١) في هذا المفهوم نظر ظاهر.
(٢) (موضوع). رواه: الفاكهي (١٨٣٧)، وابن ماجه (٥ - الإقامة، ١٩١ - ليلة النصف، ١/ ٤٤٤ / ١٣٨٨)، والبيهقي في "الشعب" (٣٨٢٢ و٣٨٢٣) و"الفضائل" (٣٣)، وابن الجوزي في "الواهيات" =
[ ٣٢١ ]
• وفي فضلِ ليلةِ نصفِ شعبانَ أحاديثُ أُخَرُ متعدِّدةٌ، وقدِ اخْتُلِفَ فيها، فضَعَّفَها الأكثرونَ، وصَحَّحَ ابنُ حِبَّانَ بعضَها وخَرَّجَهُ في "صحيحه".
ومِن أمثلِها حديثُ عائِشَةَ؛ قالَتْ: فَقَدْتُ النَّبيَّ - ﷺ -، فخَرَجْتُ، فإذا هوَ بالبقيعِ رافعٌ رأْسَهُ إلى السَّماءِ، فقالَ: "أكُنْتِ تخافينَ أنْ يَحيفَ اللهُ عليكِ ورسولُهُ؟ ". فقُلْت: يا رسولَ اللهِ! ظَنَنْتُ أنَّكَ أتَيْتَ بعضَ نسائِكَ. فقالَ: "إنَّ الله [تَبارَكَ و] تَعالى يَنْزِلُ ليلةَ النِّصفِ مِن شعبانَ إلى السَّماءِ الدُّنيا، فيَغْفِرُ لأكثرَ مِن عددِ شعرِ غنمِ كلبٍ" (^١). خَرَّجَهُ
_________________
(١) = (٩٢٣)، والأصبهاني في "الترغيب" (١٨٣٣)، والمزّي في "التهذيب" (٣٣/ ١٠٧)؛ من طريق أبي بكر بن أبي سبرة، عن إبراهيم بن محمّد، عن معاوية بن عبد الله بن جعفر، عن أبيه، عن عليّ … رفعه. قال البوصيري: "إسناده ضعيف لضعف ابن أبي سبرة، واسمه أبو بكر بن عبد الله بن محمّد بن أبي سبرة، قال فيه أحمد وابن معين: يضع الحديث". قلت: وإبراهيم بن محمّد هو ابن أبي يحيى كما استظهر العسقلاني في "التهذيب"، وهو متروك متّهم. فالسند ساقط، وقد وهّاه ابن الجوزي، وضعّفه المنذري والبوصيري، وقال العراقي: "باطل"، وقال الألباني: "موضوع السند".
(٢) (ضعيف). رواه: ابن أبي شيبة (٢٩٨٤٩)، وإسحاق في "المسند" (٢/ ٣٢٧/ ٨٥٠، ٣/ ٩٧٩/ ١٧٠٠ و١٧٠١)، وأحمد (٦/ ٢٣٨)، وعبد بن حميد (١٥٠٩)، وابن ماجه (الموضع السابق، ١٣٨٩)، والترمذي (٦ - الصوم، ٣٩ - ليلة النصف، ٣/ ١١٦/ ٧٣٩)، والدارقطني في "النزول" (٨٩ - ٩١)، واللالكائي في "الاعتقاد" (٧٦٤)، والبيهقي في "الشعب" (٣٨٢٤ و٣٨٢٦) و"الفضائل" (٣٧)، والبغوي في "السنّة" (٩٩٢)، وابن الجوزي في "الواهيات" (٩١٥ و٩١٨)؛ من طريقين قويّتين، عن الحجّاج بن أرطاة، عن يحيى بن أبي كثير، عن عروة، عن عائشة … رفعته. قال الترمذي: "لا نعرفه إلّا من هذا الوجه". قلت: واهٍ فيه علل: أولاها: أنّ الحجّاج كثير الخطأ ليّن الحديث. والثانية: أنّه كثير التدليس، وقد عنعن، على أنّ البخاري قال: "لم يسمع من يحيى". والثالثة: أنّ فيه انقطاعًا آخر، فقد قال البخاري: "يحيى بن أبي كثير لم يسمع من عروة". والرابعة: أنّ البيهقي رواه في "الشعب" (٣٨٢٥) من وجه قويّ عن الحجّاج عن يحيى مرسلًا وقال: "المحفوظ هذا الحديث من حديث الحجّاج بن أرطاة عن يحيى بن أبي كثير مرسلًا". والخامسة: أنّ فيه خلافًا أشار إليه الدارقطني بقوله: "روي من وجوه، وإسناده مضطرب غير ثابت". ورواه الفاكهي في "مكّة" (١٨٣٩) من طريق عمّار بن عمرو بن هاشم الجنبي، عن أبيه، عن الحجّاج، عن مكحول، عن كثير بن مرّة الحضرمي، عن عائشة … رفعته. وعمّار وعمرو ضعيفان، وقد خالفا رواية الثقات عن الحجّاج، وهذا حدّ النكارة. ورواه الإسماعيلي في "شيوخه" (١/ ٤٠٧/ ٧١) من طريق الشعبي، عن عروة، عن عائشة. لكنّ في طريقه عبّاد بن أحمد بن عبد الرحمن العرزمي متروك، وعمّه وجدّه لم أعرفهما. وروى البيهقي في "الفضائل" (٣٥) معناه من طريق النضر بن كثير، عن يحيى بن سعيد، عن عروة، عن عائشة. لكنّ النضر متروك. ورواه البيهقي في "الشعب" (٣٨٣٧) عن وهيب المكّي عن أبي رهم عن عائشة. لكن من طريق محمّد =
[ ٣٢٢ ]
الإمامُ أحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ وابنُ ماجَهْ، وذَكَرَ التِّرْمِذِيُّ عن البُخارِيِّ أنَّهُ ضَعَّفَهُ.
وخَرَّجَ ابنُ ماجَهْ مِن حديثِ: أبي موسى، عن النَّبيِّ - ﷺ -؛ قالَ: "إنَّ الله لَيَطَّلعُ ليلةَ النِّصفِ مِن شعبانَ فيَغْفِرُ لجميعِ خلقِهِ؛ إلَّا لمشركٍ أو مشاحنٍ" (^١).
_________________
(١) = بن عيسى بن حبّان المدائني متروك، عن سلام بن سليمان المدائني ضعيف، عن سلام الطويل متروك، وأبو رهم ما عرفته، وظاهر السند الانقطاع، وقد ضعّفه البيهقي. وروى البيهقي معناه في "فضائل الأوقات" (٣٦) من طريق أنس عن عائشة. لكن في الطريق إلى أنس سعد بن عبد الكريم متّهم، وأبو النعمان السعدي ما عرفته. ورواه إسحاق (٣/ ٩٨١/ ١٧٠٢) من طريق ضعيفة عن الوضين بن عطاء عن النبيّ؛ - ﷺ -. وهذا ساقط لضعف الطريق إلى الوضين، ولين الوضين في نفسه، ولإعضاله. وجملة القول أنّ عمدة طرق هذا المتن هي الطريق الأولى، وهي ضعيفة بل واهية، والطرق التي تليها ساقطة لا تصلح لصالحة، فاجتماعها لا يزحزح هذا المتن عن الضعف، ولذلك ضعّفه البخاري والترمذي والدارقطني والبيهقي والبغوي وابن الجوزي والألباني.
(٢) (صحيح بشواهده). رواه: ابن ماجه (٥ - إقامة الصلاة، ١٩١ - ليلة النصف من شعبان، ١/ ٤٤٥ / ١٣٩٠)، وابن أبي عاصم في "السنّة" (٥١٠)، والطبراني (٩/ ٣٠١٩ - تهذيب الكمال)، والدارقطني في "النزول" (٩٤)، واللالكائي في "أُصول الاعتقاد" (٧٦٣)، والبيهقي في "الشعب" (٣٨٣٤) و"فضائل الأوقات" (٣٨)، وابن الجوزي في "الواهيات" (٩٢٢)، والمزّي في "الهذيب" (٩/ ٣٠٩)؛ من طريق ابن لهيعة، (قال مرّة: عن الزبير بن سليم، ومرّة: عن الضحّاك بن أيمن، ومرّة: عن الربيع بن سليمان)، عن الضحّاك بن عبد الرحمن بن عرزب، [عن أبيه]، سمعت أبا موسى … رفعه. وهذا سند واهٍ فيه علل: أشار إلى أولاها البوصيري بقوله: "إسناده ضعيف لضعف عبد الله بن لهيعة". والثانية: أنّه اضطرب في شيخه فيه على ثلاثة مجاهيل، وإن كنت أُرجّح أنّ الربيع بن سليمان محرّف عن الزبير بن سليم. والثالثة: أنّ عبد الرحمن بن عرزب مجهول إن أُثبت والسند منقطع إن أُسقط كما فعل بعض الرواة. فالسند واه لكن بغير متّهم ولا متروك، فيتأهّل لينتفع بالشواهد إذا تكاثرت كما هو الحال هنا. • وله شاهد رواه: الفاكهي في "مكّة" (١٨٣٨)، والدارمي في "الجهميّة" (١٣٦)، وابن أبي عاصم في "السنّة" (٥٠٩)، والبزّار (٨٠ و٨٠ م)، وابن خزيمة في "التوحيد" (ص ١٣٦)، والعقيلي (٣/ ٢٩)، وابن عديّ (٥/ ١٩٤٦)، وأبو الشيخ في "الطبقات" (٢/ ١٤٩)، والدارقطني في "النزول" (٧٥ و٧٦)، واللالكائي في "أصول الاعتقاد" (٧٥٠)، وأبو نعيم في "أصبهان" (٢/ ٢)، والبيهقي في "الشعب" (٣٨٢٧ - ٣٨٢٩)، والبغوي في "التفسير" (٥/ ١١١) و"السنّة" (٩٩٣)، وابن الجوزي في "الواهيات" (٩١٦)؛ من طريق عبد الملك بن عبد الملك من ولد ابن حمد، عن مصعب بن أبي ذئب، عن القاسم بن محمّد، عن أبيه أو عمّه، [عن أبي بكر] … رفعه. وهذا سند واهٍ: عبد الملك ومصعب مجهولان، وقد تردّد القاسم بين أبيه وعمّه، فإن كان المحفوظ أباه؛ فروايته عن أبي بكر مرسلة. • وله شاهد رواه: الفاكهي في "مكّة" (١٨٣٩) من طريق كثير بن مرّة، والطبراني في "الدعاء" (٦٠٦) والدارقطني في "النزول" (٩٢) والبيهقي في "الشعب" (٣٨٣٨) وابن الجوزي في "الواهيات" (٩١٧) من طريق =
[ ٣٢٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = عروة بن الزبير، وابن الجوزي في "الواهيات" (٩١٩) من طريق ابن أبي مليكة، والبيهقي في "الشعب" (٣٨٣٧) من طريق أبي رهم، والبيهقي في "الشعب" (٣٨٣٥) من طريق العلاء بن الحارث؛ خمستهم عن عائشة … رفعته. فأمّا طريق كثير بن مرّة؛ فسيأتيك أنها منكرة جمعت الضعف إلى المخالفة عند الكلام في حديث معاذ الآتي قريبًا. وأمّا طريق عروة؛ ففيها عمرو بن هاشم البيروتي هو أقرب إلى الضعف وسليمان بن أبي كريمة منكر الحديث. وأمّا طريق ابن أبي مليكة؛ ففيها عطاء بن عجلان متهم. وأمّا طريق أبي رهم؛ ففيها سلام بن سليمان المدائني ضعيف وسلام الطويل متروك وأبو رهم ما عرفته. وأمّا الطريق إلى العلاء بن الحارث؛ فلا بأس بها، ولكنّ ابن الحارث لم يلحق عائشة، ولذلك قال المنذري: "مرسل جيّد، ويحتمل أن يكون العلاء أخذه من مكحول". قلت: لأنّ العلاء من الرواة عن مكحول، وقد اشتهر هذا الحديث عن مكحول كما سيأتي، فاحتمال أن يكون العلاء تلقّاه عنه ثمّ أرسله راجح، لكنّه على أيّ الحالين يبقى أصلًا صالحًا للتقوّي من حديث عائشة وينتشله من الضعف الشديد الذي في الطرق الأخرى، ولا سيّما أنّ حديث عائشة المطوّل الضعيف المتقدّم آنفًا يشهد لمعناه بل وللفظه في بعض سياقاته. • وله شاهد رواه: البزّار (٢٠٤٦ - كشف)، والخطيب في "التاريخ" (١٤/ ٢٨٥)، وابن الجوزي في "الواهيات" (٩٢١)؛ من طريق قويّة، عن هشام بن عبد الرحمن (أو: ابن عبد الملك) الكوفي، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة … رفعه. قال البزّار: "لم يتابع هشام على هذا". وقال الهيثمي (٨/ ٦٨): "هشام بن عبد الرحمن لم أعرفه، وبقيّة رجاله ثقات". • وله شاهد رواه البزّار (٢٠٤٨ - كشف) من طريق ابن لهيعة، عن عبد الرحمن بن زياد بن أنعم، عن عبادة بن نسيّ، عن كثير بن مرّة، عن عوف بن مالك … رفعه. وهذا منكر فيه علل ثلاث: أشار الهيثمي (٨/ ٦٨) إلى الأولى والثانية بقوله: "فيه عبد الرحمن بن زياد بن أنعم وثّقه أحمد بن صالح وضعّفه جمهور الأئمّة، وابن لهيعة ليّن، وبقيّة رجاله ثقات". ولذلك قال العسقلاني: "إسناد ضعيف". والثالثة: أنّه روي من أوجه قويّة عن كثير بن مرّة موقوفًا ومرسلًا، وهذا هو المعروف عنه، والرفع منكر. • وله شاهد موقوف على عطاء بن يسار عند اللالكائي (٧٦٩) بسند جيّد، وله حكم الإرسال. • وله شاهد فيه لين من حديث عبد الله بن عمرو يأتي بعده. • وآخر من حديث معاذ يأتي بعده. • وآخر من حديث عثمان بن أبي العاص يأتي بعده. • وجاء هذا اللفظ أيضًا في بعض سياقات حديث عليّ الموضوع المتقدّم. فهذه أسانيد عدّة، لا يخلو شيء منها من ضعف بانقطاع أو إرسال أو جهالة أو سوء حفظ، وبعضها واهٍ، لكنّها سليمة من المتروكين والمتّهمين إلّا حديث عليّ الأخير، فحريّ باجتماعها أن يشدّها وينتشلها من ضعفها ويصحّحها أو يحسنّها على الأقل. وقد مال العقيلي والدارقطني وابن الجوزي إلى أنّه لا يثبت في الباب حديث، وهو حقّ كما رأيت، لكنّ هذا لا يعني أنّ اجتماع الضعاف غير ثابت، وقد قوّى الرواية في هذا الباب البزّار وابن حبّان والبيهقي والمنذري والهيثمي والألباني. والله أعلم. • تنبيه: جاءت أغلب مفردات هذا المتن وأقوى أسانيده بلفظ: "يطّلع الله إلى عباده ليلة النصف … "، وجاء في أحيان قليلة وأسانيد واهية "ينزل الله ليلة النصف … "، ولذلك فاللفظ الأوّل هو =
[ ٣٢٤ ]
وخرَّجَ الإمامُ أحْمَدُ مِن حديثِ: عَبْدِ اللهِ بن عَمْرٍو، عن النَّبيِّ - ﷺ -؛ قالَ: "إنَّ الله لَيَطَّلعُ إلى خلقِهِ ليلةَ النِّصفِ مِن شعبانَ، فيَغْفِرُ لعبادِهِ؛ إلَّا اثنينِ؛ مشاحنٌ أو قاتلُ نفسٍ" (^١).
وخَرَّجَهُ ابنُ حِبَّانَ في "صحيحه" مِن حديثِ معاذٍ مرفوعًا (^٢).
_________________
(١) = المحفوظ أو المعروف في هذا المتن واللفظ الثاني بين الشذوذ والنكارة. والله أعلم.
(٢) (صحيح بشواهده إلَّا ذكر قاتل النفس فمنكر). رواه أحمد (٢/ ١٧٦) من طريق ابن لهيعة، وابن حيّويه في "حديثه" (١١٤٤ - صحيحة) من طريق رشدين بن سعد؛ كلاهما عن حييّ بن عبد الله، عن أبي عبد الرحمن الحبلي، عن ابن عمرو … رفعه. قال المنذري: "إسناد ليّن". وقال الهيثمي (٨/ ٦٨): "فيه ابن لهيعة وهو ليّن الحديث، وبقيّة رجاله وثّقوا". قلت: ابن لهيعة توبع كما ترى، لكن تبقى العلّة في حييّ؛ فإنّ فيه لينًا لا يطمئنّ القلب معه لتحسين حديثه، ولا سيّما أنّه تفرّد بذكر "قاتل النفس" في سياق ليلة النصف من شعبان ولم يتابعه عليه أحد فيما أعلم، فهذه اللفظة من مناكيره التي حذّر منها أحمد والبخاري وغيرهما. نعم؛ لبقيّة السياق شواهد يصحّ بها تقدّم أكثرها وسيأتي بعضها قريبًا.
(٣) (صحيح بشواهده). رواه مكحول الشاميّ واختلف عليه فيه على أوجه: روى أوّلها: الفاكهي في "مكّة" (١٨٣٩) من طريق عمّار بن عمرو بن هاشم الجنبي، عن أبيه، عن حجّاج بن أرطاة، عن مكحول، عن كثير بن مرّة، عن عائشة … رفعته. وعمّار وأبوه ضعيفان، وحجّاج كثير الخطأ والتدليس وقد عنعن. وروى الثاني: ابن أبي عاصم في "السنّة" (٥١١)، وابن أبي شيبة في "العرش" (٨٧)، وابن قانع (١/ ١٦٠/ ١٧٣)، وابن حبّان (٥٦٦٥)، والدارقطني في "النزول" (٧٨ - ٨١)، والطبراني (٢٢/ ٢٢٣/ ٥٩٠ و٥٩٣)، واللالكائي في "أصول الاعتقاد" (٧٦٠)، والبيهقي في "الشعب" (٣٨٣٢ و٦٦٢٨)، وابن الجوزي في "الواهيات" (٩٢٠)؛ من طريق الأحوص بن حكيم، (قال مرّة: عن مهاصر بن حبيب، ومرّة: عن حبيب بن صهيب)، [عن مكحول]، عن أبي ثعلبة الخشني … رفعه. قال الهيثمي (٨/ ٦٨): "فيه الأحوص بن حكيم وهو ضعيف". قلت: وحبيب ما وقفت له على ترجمة. وروى الثالث: الطبراني في "الكبير" (٢٠/ ١٠٨/ ٢١٥) و"الأوسط" (٦٧٧٢)، و"الشاميّين" (٢٠٣)، والدارقطني في "النزول" (٧٧) و"العلل" (٩٧٠)، وأبو نعيم في "الحلية" (٥/ ١٩١)، والبيهقي في "الشعب" (٣٨٣٣)، وابن عساكر؛ من طريقين إحداهما قويّة، عن مكحول، عن مالك بن يخامر، عن معاذ … رفعه. قال الدارقطني: "غير محفوظ". قلت: يريد أنّ المحفوظ هو الإرسال لا الوصل على طريقة المتقدّمين في الترجيح، وأمّا على طريقة ابن الصلاح وغيره فالوصل زيادة ثقة، لكنّ العلّة القادحة هنا هي أنّ رواية مكحول عن مالك بن يخامر مرسلة. ولذلك اكتفى الهيثمي (٦٨/ ٨) بقوله: "رجاله ثقات". وروى الرابع: اللالكائي في "أصول الاعتقاد" (٧٧٢)، والبيهقي في "الشعب" (٣٨٣٠)؛ من طريقين قويتين، عن مكحول … به موقوفًا. وله حكم الإرسال. وروى الخامس: عبد الرزّاق (٧٩٢٣ و٧٩٢٤)، وابن أبي شيبة (٢٩٨٥٠)، والدارقطني في "النزول" (٨٢)، والبيهقي في "الشعب" (٣٨٣١)؛ من أوجه يقوّي بعضها بعضًا، عن مكحول، عن كثير بن مرّة … به موقوفًا ومرسلًا. وله حكم الإرسال في كلّ حال. وتابع خالد بن معدان مكحولًا فرواه عن كثير مرسلًا عند الحارث (٣٣٨ - هيثمي) بسند جيّد.
[ ٣٢٥ ]
ويُرْوى مِن حديثِ عُثْمانَ بن أبي العاصِ مرفوعًا: "إذا كانَ ليلةُ النِّصفِ مِن شعبانَ؛ نادى منادٍ: هل مِن مستغفرٍ فأغْفِرَ له؛ هل مِن سائلٍ فأُعْطِيَهُ؟ فلا يَسْألُ أحدٌ شيئًا إلَّا أُعْطيَهُ؛ إلَّا زانيةً بفرجِها أو مشركًا" (^١).
وفي البابِ أحاديثُ أُخرُ فيها ضعفٌ (^٢).
ويُرْوى عن نَوْفٍ البِكالِيِّ؛ أن عَلِيًّا ﵇ خَرَجَ ليلةَ النِّصفِ مِن شعبانَ، فأكثَرَ الخروجَ فيها يَنْظُرُ إلى السَّماءِ، فقالَ: إنَّ داوودَ ﵇ خَرَجَ ذاتَ ليلةٍ في مثلِ هذهِ السَّاعةِ، فنَظَرَ إلى السَّماءِ، فقالَ: إنَّ هذهِ السَّاعةَ ما دَعا الله أحدٌ إلَّا أجابَهُ، ولا اسْتَغْفَرَ [هُ] أحدٌ في هذهِ الليلةِ إلَّا غَفَرَ لهُ، ما لم يَكُنْ عشَّارًا أو ساحرًا أو شاعرًا أو كاهنًا أو عريفًا أو شرطيًّا أو جابيًا أو صاحبَ كوبةٍ أو عُرْطُبَةٍ (قالَ نَوْفٌ: الكوبَةُ الطَّبلُ، والعُرْطُبَةُ الطُّنبورُ). اللهمَّ! ربَّ داوودَ! اغْفِرْ لمَن دَعاكَ في هذهِ الليلةِ ولمَنِ اسْتَغْفَرَكَ فيها (^٣).
_________________
(١) = فالوجهان الأوّلان منكران جمعا الضعف إلى المخالفة. والثلاثة التالية يمكن الجمع بينها بأنّ مكحولًا كان يختصر فيقفه تارة ويرسله أو يرويه عن كثير مرسلًا أو معاذ موصولًا تارات أُخرى. ولا يبعد أن يكون مكحول تلقّاه عن كثير عن معاذ فدلّسه عن معاذ، لكن يبقى هذا في باب الظنّ، وأمّا الواقع الملموس فيفيد أنّ اجتماع الأوجه الثلاثة الأخيرة لا يزحزح حديث مكحول عن الضعف بإرسال أو انقطاع. لكن الشواهد المتقدّمة والتالية تشدّ هذا المرسل أو المنقطع وتصحّحه.
(٢) (ضعيف بهذا السياق). رواه: الخرائطي في "المساوئ" (٤٩٠)، والبيهقي في "شعب الإيمان" (٣٨٣٦) و"الفضائل" (٣٤)؛ من طريق مرحوم بن عبد العزيز، عن داوود بن عبد الرحمن، عن هشام بن حسّان، عن الحسن، عن عثمان بن أبي العاص … رفعه. وهذا ضعيف من وجوه: أوّلها: أنّهم تكلّموا في رواية هشام عن الحسن خاصّة وأنّها مرسلة. والثاني: أنّ الحسن عنعن على تدليسه وترجيحهم عدم سماعه من عثمان. والثالث: أنّ الحديث روي عن عثمان بن أبي العاص عند: أحمد (٤/ ٢٢ و٢١٨)، وابن خزيمة في "التوحيد" (ص ١٣٥)، وابن قانع (٢/ ٣٨٨/ ٩٤١)، والطبراني في "الكبير" (٩/ ٥٤/ ٨٣٧١ و٨٣٧٣ و٨٣٧٤ و٨٣٧٥) و"الأوسط" (٢٧٩٠)، وابن عدي، وغيرهم؛ من أوجه بعضها صحيح لذاته بلفظ: "تفتح أبواب السماء نصف الليل فينادي مناد … إلّا زانية تسعى بفرجها أو عشّارًا"، وليس في شيء منها ذكر ليلة النصف من شعبان ولا المشرك، فالظاهر أنّه دخل حديث في حديث على هشام أو الذي دلّسه عنه. والرابع: أنّه مخالف لجمهرة الأحاديث المتقدّمة الواردة في ليلة شعبان، فليس في شيء منها ذكر الزانية.
(٣) وقد تقدّم ذكر أكثرها في شواهد الأحاديث المتقدّمة.
(٤) رواه أبو نعيم في "الحلية" (١/ ٧٩، ٦/ ٥٣) بسند مسلسل بالمجاهيل ومن ظاهره أنّه من قصص=
[ ٣٢٦ ]
• وليلةُ النِّصفِ مِن شعبانَ كانَ التَّابعونَ مِن أهلِ الشَّامِ كخالِدِ بن مَعْدانَ ومَكْحولٍ ولُقْمانَ بن عامِرٍ وغيرِهِم يُعَظِّمونَها ويَجْتَهِدونَ فيها في العبادةِ، وعنهُم أخَذَ النَّاسُ فضلَها وتعظيمَها، وقد قيلَ: إنَّهُ بَلَغَهُم في ذلكَ آثارٌ إسرائيليَّةٌ (^١). فلمَّا اشْتَهَرَ ذلكَ عنهُم في البلدانِ؛ اخْتَلَفَ النَّاسُ في ذلكَ، فمنهُم مَن قَبِلَهُ منهُم ووافَقَهُم (^٢) على تعظيمِها - منهُم طائفةٌ مِن عبَّادِ [أهلِ] البصرةِ وغيرِهِم -، وأنْكَرَ ذلكَ أكثرُ العلماءِ مِن أهلِ الحجازِ - منهُم عطاءٌ وابنُ أبي مُلَيْكَةَ، ونَقَلَهُ عَبْدُ الرَّحمنِ بنُ زَيْدِ بن أسْلَمَ عن فقهاءِ أهلِ المدينةِ، وهوَ قولُ أصحابِ مالِكٍ وغيرِهِم - وقالوا: ذلكَ كلُّهُ بدعةٌ.
واخْتَلَفَ علماءُ أهلِ الشَّامِ في صفةِ إحيائِها على قولينِ:
أحدُهُما: أنَّهُ يُسْتَحَبُّ إحياؤُها جماعة في المساجدِ، كانَ خالِدُ بنُ مَعْدانَ ولُقْمانُ بنُ عامِرٍ وغيرُهُما يَلْبَسونَ فيها أحسنَ ثيابِهِم ويَتبَخَّرونَ ويَكْتَحِلونَ ويَقومونَ في المسجدِ ليلتَهُم تلكَ، ووافَقَهُم إسْحاقُ بنُ راهَوَيْهِ على ذلكَ، وقالَ في قيامِها في المساجدِ جماعةً: ليسَ ذلكَ ببدعةٍ. نَقَلَهُ عنهُ حربٌ الكِرْمانِيُّ في "مسائلِهِ".
والثَّاني: أنَّهُ يُكْرَهُ الاجتماعُ لها (^٣) في المساجدِ للصَّلاةِ والقصصِ والدُّعاءِ، ولا يُكْرَهُ أنْ يُصَلِّيَ الرَّجلُ فيها بخاصَّةِ نفسِهِ. وهذا قولُ الأوزاعِيِّ إمامِ أهلِ الشَّامِ وفقيهِهِم [وعالمِهِم]. وهذا هوَ الأقربُ إنْ شاءَ اللهُ.
وقد رُوِيَ عن عُمَرَ بن عَبْدِ العَزيزِ أنَّهُ كتَبَ إلى عاملِهِ بالبصرةِ: عليكَ بأربعِ ليالٍ مِن السَّنةِ؛ فإنَّ الله يُفْرِغُ فيهِنَّ الرَّحمةَ إفراغًا: أوَّلِ ليلةٍ مِن رجبٍ، وليلةِ النِّصفِ مِن شعبانَ، وليلةِ الفطرِ، وليلةِ الأضحى. وفي صحَّتِهِ عنهُ نظرٌ.
وقالَ الشَّافِعِيُّ: بلَغَنا أن الدُّعاءَ يُسْتَجابُ في خمسِ ليالٍ: ليلةِ الجمعةِ، والعيدينِ، وأوَّلِ رجبٍ، ونصفِ شعبانَ. قالَ: وأسْتَحِبُّ كلَّ ما حَكَيْتُ في هذهِ
_________________
(١) = أهل الكتاب، وليس عنده ذكر ليلة النصف من شعبان، فالغالب أنّه من كلام نوف، ثمّ أسنده أُولئك المجاهيل إلى عليّ سهوًا أو عمدًا! وما أكثر ما كُذب على عليّ ﵁!
(٢) والأثر المتقدّم آنفًا يدلُّ على أنّ هذا القول ليس بعيدًا عن الصواب.
(٣) في خ: "من قبله ومنهم من وافقهم"! والصواب ما أثبتّه من م ون وط.
(٤) في م ون وط: "الاجتماع فيها"، والأولى ما أثبتّه من خ.
[ ٣٢٧ ]
الليالي.
ولا يُعْرَفُ للإمامِ أحْمَدَ كلامٌ في ليلةِ نصفِ شعبانَ. ويُخَرَّجُ في استحبابِ قيامِها عنهُ روايتانِ مِن الرِّوايتينِ عنهُ في قيامِ ليلةِ العيدِ؛ فإنَّهُ في روايةٍ لمْ يَسْتَحِبَّ قيامَها جماعةً لأنَّهُ لم يُنْقَلْ عن النَّبيِّ - ﷺ - وأصحابِهِ، واسْتَحَبَّها في روايةٍ لفعلِ عَبْدِ الرَّحمنِ بن الأسودِ بن يَزيدَ (^١) لذلكَ، وهوَ مِن التَّابعينَ. فكذلكَ قيامُ ليلةِ النِّصفِ مِن شعبانَ لم يَثْبُتْ فيها شيءٌ عن النَّبيِّ - ﷺ - ولا عن أصحابهِ، وثَبَتَ فيها عن طائفةٍ من التَّابعينَ مِن أعيانِ فقهاءِ [أهلِ] الشَّامِ (^٢).
ورُوِيَ عن كعبٍ؛ قالَ: إنَّ الله تَعالى يَبْعَثُ ليلةَ النِّصفِ مِن شعبانَ جبريلَ ﵇ إلى الجنَّةِ، فيَأْمُرُها أنْ تَتَزَيَّنَ، ويَقولُ: إن الله قدْ أعْتَقَ في ليلتِكِ هذهِ عددَ نجومِ السَّماءِ وعددَ أيَّامِ الدُّنيا ولياليها وعددَ ورقِ الشَّجرِ وزِنَةَ الجبالِ وعددَ الرِّمالِ (^٣).
ورَوى سَعيدُ بنُ مَنْصورٍ: حَدَّثَنا أبو مَعْشَرٍ، عن أبي حازِمٍ ومُحَمَّدِ بن قَيْسٍ، عن
_________________
(١) في خ وم ون: "عبد الرحمن بن يزيد الأسود"! والصواب ما أثبتّه. وهو عبد الرحمن بن الأسود بن يزيد، وقد كان يقوم ليلة الفطر بالناس، رواه عنه ابن أبي شيبة (٧٧٣٤).
(٢) تقدّم لك أنّ الذي صحّ عن النبي - ﷺ - في ليلة النصف من شعبان ولم يصحّ عنه غيره أن الله سبحانه يطّلع على عباده تلك الليلة فيغفر لهم جميعًا إلّا مشركًا أو مشاحنًا. وعليه؛ فقد اختصّ ﷾ هذه النعمة الجزيلة والهبة الجليلة بأهل التوحيد القويم والقلب السليم ولم يختصّ بها أهل الصيام والقيام وغير ذلك من الصالحات. ومن هنا رأينا النبيّ الكريم الرؤوف الرحيم بالمؤمنين الحريص على دلالتهم على كلّ خير لا يأمرهم بقيام هذه الليلة ولا بصيام نهارها، بل ولا يفعله في نفسه وهو أعلم الناس بمرضاة الربّ تعالى وأحرصهم عليها، وإنّما رأيناه يفعل فيها ما كان يفعله في سائر اليالي. وعلى هذا النهج سار الصحابة الكرام، فلم يصحّ عن واحد منهم أنّه عني بهذه الليلة عناية خاصّة بقيام أو عني بنهارها بصيام. ثمّ جاء بعض الجلّة من التابعين فاستحبّوا قيام هذه الليلة وصيام نهارها، وظلّ السواد الأعظم منهم مستمسكين بمنهج سلفهم من الأصحاب، بل صرّح جماعة منهم بكراهة تخصيص هذه الليلة بصيام وتخصيص نهارها بقيام. ثمّ نبتت نوابت لا يروي ظمأهم إلّا مخالفة السنّة ولا يشفي غليلهم إلّا التقدّم بين يدي الله ورسوله، فتعلّقوا باجتهادات أُولئك الجلّة من التابعين أصحاب الأجر الواحد، ونبذوا ما صحّ عن النبيّ - ﷺ - والصحابة الكرام أجمعين والسواد الأعظم من التابعين واتخذوه وراءهم ظهريّا، فكان عاقبة أمرهم أن استحوذ عليهم الشيطان وشغلهم بالصيام والقيام وأنساهم تطهير قلوبهم من علائق الشرك والغلّ والحقد … فلم يلتفتوا إلى ذلك إلّا نادرًا، فكانوا من المحرومين في هذه الليلة العظيمة جزاءً وفاقًا.
(٣) لعلّ هذا أضعاف عدد البشر من لدن آدم حتّى قيام الساعة! فالله المستعان على هذه المرويّات التي ما لها خطام ولا زمام.
[ ٣٢٨ ]
عَطاءِ بن يَسارٍ؛ قالَ: ما مِن ليلةٍ بعدَ ليلةِ القدرِ أفضلَ مِن ليلةِ نصفِ شعبانَ، يَنْزِلُ اللهُ ﷿ إلى السَّماءِ الدُّنيا فيَغْفِرُ لعبادِهِ كلِّهِم إلَّا لمشركٍ أو مشاحنٍ أو قاطعِ رحمٍ.
فيا مَن أُعْتِقَ فيها مِن النَّارِ! هنيئًا لكَ هذهِ المنحةُ الجسيمة. ويا أيُّها المردودُ فيها! جَبَرَ اللهُ مصيبتَكَ فإنَّها مصيبةٌ عظيمة.
بَكَيْتُ عَلى نَفْسي وَحَقِّي أنْ أبْكي … وَما أنا مِنْ تَضْييعِ عُمْرِيَ في شَكِّ
لَئِنْ قُلْتُ إنِّي في صَنيعِيَ مُحْسِنُ … فَإنِّيَ في قَوْلي لِذلِكَ ذو إفْكِ
لَيالِيَ شَعْبانٍ ولَيْلَةُ نِصْفِهِ … بِأيَّةِ حالٍ قَدْ تُنَزَّلُ في صَكِّي (^١)
وحَقِّي [لَـ]ـعَمْرِي (^٢) أنْ أُديمَ تَضَرُّعي … لَعَلَّ إلهَ الخَلْقِ يَسْمَحُ بِالفَكِّ
• فيَنْبَغي للمؤمنِ أنْ يَتَفرَّغَ في تلكَ الليلةِ لذكرِ اللهِ تَعالى ودعائِهِ بغفرانِ الذُّنوبِ وسترِ العيوبِ وتفريجِ الكروبِ، وأنْ يُقَدَّمَ على ذلكَ التَّوبةَ؛ فإنَّ الله يَتوبُ فيها على مَن يَتوبُ.
فَقُمْ لَيْلَةَ النِّصْفِ الشَّريفِ مُصَلِّيًا … فَأشْرَفُ هذا الشَهْرِ لَيْلَةُ نِصفِهِ
فَكَمْ مِنْ فَتًى قَدْ باتَ في النِّصْفِ غافِلًا … وَقَدْ نُسِخَتْ فيهِ صَحيفَةُ حَتْفِهِ
فبادِرْ بِفِعْلِ الخَيْرِ قَبْلَ انْقِضائِهِ … وحاذِرْ هُجومَ المَوْتِ فيهِ بِصَرْفِهِ
وَصُمْ يَوْمَها لِلِهِ وَاعْظِمْ رَجاءَهُ (^٣) … لِتَظْفَرَ عِنْدَ الكَرْبِ مِنْهُ بِلُطْفِهِ (^٤)
ويَتَعَيَّنُ على المسلمِ أنْ يَتَجَنَّبَ الذُّنوبَ التي تَمْنَعُ مِن المغفرةِ وقبولِ الدُّعاءِ في تلكَ الليلةِ. وقد رُوِيَ أنَّها: الشِّركُ، وقتلُ النَّفسِ، والزِّنى (^٥) وهذهِ الثَّلاثةُ أعظمُ الذُّنوبِ عندَ اللهِ ﷿، كما في حديثِ ابن مَسْعودٍ المتَّفقِ على صحَّتِهِ؛ أنَّهُ سَألَ
_________________
(١) صكّي: صحيفتي. والمعنى: كيف ستكتب هذه الليالي في صحيفتي؟ هل سيكتب لي فيها توبة ومغفرة أو سأكون من الخاسرين؟ نسأل الله العافية.
(٢) ما بين الحاصرتين زيادة يقتضيها الوزن والسياق.
(٣) في ن وحاشية خ: "في النصف آمنًا … لله واحسن رجاءه".
(٤) تقدّم لك أنّ تجريد التوحيد لله وتجريد الاتّباع لنبيّه - ﷺ - وسلامة الصدر للمؤمنين هي أعظم أسباب الفوز في هذه الليلة وأنّ اختصاصها بقيام واختصاص نهارها بصيام غير مشروع.
(٥) الروايات الواردة في قتل النفس ضعيفة والواردة في الزنى ساقطة، لكنْ من المعلوم أنّ الإصرار على مثل هذه الكبائر من أعظم أسباب إعراض الله عن العبد وخروجه في تلك الليلة بائرًا خاسرًا.
[ ٣٢٩ ]
النَّبيَّ - ﷺ -: أيُّ الذَّنبِ أعظمُ؟ قالَ: "أن تَجْعَلَ للهِ ندًّا وهوَ خَلَقَكَ". قالَ: ثمَّ أيٌّ؟ قالَ: "أنْ تَقْتُلَ ولدَكَ خشيةَ أنْ يَطْعَمَ معَكَ". قالَ: ثمَّ أيٌّ؟ قالَ: "أنْ تُزانِيَ حليلةَ جارِكَ". فأنْزَلَ اللهُ تَعالى تصديقَ ذلكَ: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ﴾ الآية [الفرقان: ٦٨] (^١).
ومِن الذُّنوبِ المانعةِ مِن المغفرةِ أيضًا الشَّحناءُ، وهيَ حقدُ المسلمِ على أخيهِ بغضًا لهُ لهوى نفسِهِ، وذلكَ يَمْنَعُ أيضًا مِن المغفرةِ في أكثرِ أوقاتِ المغفرةِ والرَّحمةِ، كما في "صحيحِ مسلم" (^٢): عن أبي هُرَيْرَةَ مرفوعًا: "تُفْتَحُ أبوابُ الجنَّةِ يومَ الاثنينِ والخميسِ، فيُغْفرُ لكلِّ عبدٍ لا يُشْرِكُ باللهِ شيئًا؛ إلَّا رجلًا كانَتْ بينَهُ وبينَ أخيهِ شحناءُ، يُقالُ: أنْظِروا هذينِ حتَّى يَصْطَلِحا".
وقد فَسَّرَ الأوْزاعِيُّ هذهِ الشَّحناءَ المانعةَ بالذي في قلبِهِ شحناءُ لأصحابِ النَّبيِّ - ﷺ -. ولا ريبَ أن هذهِ الشَّحناءَ أعظمُ جرمًا مِن مشاحنةِ الأقرانِ بعضِهِم بعضًا.
وعنِ الأوْزاعِيِّ أنَّهُ قالَ: المشاحنُ كلُّ صاحبِ بدعةٍ فارَقَ عليهـ[ـا] الأُمَّةَ.
وكذا قالَ ابنُ ثَوْبانَ: المشاحِنُ هوَ: التَّاركُ لسنَّةِ نبيِّهِ - ﷺ -، الطَّاعنُ على أُمَّتِهِ، السَّافِكُ دماءَهُم (^٣).
وهذهِ الشَّحناءُ - أعْني: شحناءَ البدعةِ - توجِبُ الطعنَ على جماعةِ المسلمينَ واستحلالَ دمائِهِم وأموالِهِم وأعراضِهِم، كبدعِ الخوارجِ والرَّوافضِ ونحوِهِم.
فأفضلُ الأعمالِ: سلامةُ الصَّدرِ مِن أنواعِ الشَّحناءِ كلِّها، وأفضلُها السَّلامةُ مِن شحناءِ أهلِ الأهواءِ والبدعِ التي تَقْتَضي الطَّعنَ على سلفِ الأُمَّةِ وبغضَهُم والحقدَ عليهِم واعتقادَ تكفيرِهِم أو تبديعِهِم وتضليلِهِم، ثمَّ يَلي ذلكَ سلامةُ القلبِ مِن الشَّحناءِ لعمومِ المسلمينَ وإرادةُ الخيرِ لهُم ونصيحتُهُم وأنْ يُحِبَّ لهُم ما يُحِبُّ لنفسِهِ.
_________________
(١) البخاري (٦٥ - التفسير، ٢ - سورة البقرة، ٣ - فلا تجعلوا لله أندادًا، ٨/ ١٦٣/ ٤٤٧٧)، ومسلم (١ - الإيمان، ٣٧ - الشرك أقبح الذنوب، ١/ ٩٠/ ٨٦).
(٢) (٤٥ - البرّ، ١١ - النهي عن الشحناء، ٤/ ١٩٨٧/ ٢٥٦٥).
(٣) لا ريب أنّ هؤلاء جميعًا أولى الخلق بلقب المشاحن وأعظم جرمًا من مشاحنة الأقران، لكنّ قصر الشحناء عليهم لا يخلو من نظر.
[ ٣٣٠ ]
وقد وَصَفَ اللهُ المؤمنينَ عمومًا بأنَّهُم يَقولونَ: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر: ١٠].
وفي "المسند": عن أنَسٍ؛ أن النَّبيَّ - ﷺ - قالَ لأصحابِهِ ثلاثةَ أيَّامٍ: "يَطْلُعُ عليكُمُ الآنَ رجلٌ مِن أهلِ الجنَّةِ". فيَطَلُعُ رجلٌ واحدٌ. فاسْتَضافَهُ عَبْدُ اللهِ بنُ عَمْرٍو، فنامَ عندَهُ ثلاثًا لِيَنْظُرَ عملَهُ، فلم يَرَ لهُ في بيتِهِ كثيرَ عملٍ، فأخْبَرَهُ بالحالِ، فقالَ لهُ: هوَ ما تَرى؛ إلَّا أنِّي أبِيتُ وليسَ في قلبي شيءٌ على أحدٍ مِن المسلمينَ. فقالَ عَبْدُ اللهِ: بهذا بَلَغَ ما بَلَغَ (^١).
وفي "سنن ابن ماجَهْ": عن عَبْدِ اللهِ بن عَمْرٍو؛ قالَ: قيلَ: يا رسولَ اللهِ! أيُّ النَّاسِ أفضلُ؟ قالَ: " [كلُّ] مخمومِ القلبِ صدوقِ اللسانِ". قالوا: صدوقُ اللسانِ نَعْرِفُهُ، فما مخمومُ القلبِ؟ قالَ: "هوَ التَّقيُّ النَّقيُّ الذي لا إثمَ فيهِ ولا بغيَ ولا غلَّ ولا حسدَ" (^٢).
قالَ بعضُ السَّلفِ: أفضلُ الأعمالِ سلامةُ الصُّدورِ وسخاوةُ النُّفوسِ والنَّصيحةُ للأُمَّةِ. وبهذهِ الخصالِ بَلَغَ مَن بَلَغَ لا بكثرةِ الاجتهادِ في الصَّومِ والصَّلاةِ.
_________________
(١) (صحيح). رواه: معمر في "الجامع" (٢٠٥٥٩)، وابن المبارك في "الزهد" (٦٩٤)، وأحمد (٣/ ١٦٦)، وعبد بن حميد (١١٥٩)، والبزّار (١٩٨١ - كشف)، والنسائي في "الكبرى" (١٠٦٩٩) و"اليوم والليلة" (٨٦٩)، والبيهقي في "الشعب" (٦٦٠٥)، وابن عبد البرّ في "التمهيد" (٦/ ١٢١)، والبغوي في "السنّة" (٣٥٣٥)، والأصبهاني في "الرغيب" (١١٠٨ و٢٢٤٧)، والسمعاني في "الإملاء والاستملاء" (ص ١٢٢)؛ من طرق، عن معمر، عن الزهري، عن أنس … رفعه. قال المنذري: "إسناد على شرط البخاري ومسلم". وصحَّحه ابن كثير. وقال الهيثمي (٨/ ٨٢): "رجال الصحيح". قلت: لكن جاء عند البيهقي في "الشعب" (٦٦٠٦) عن الزهري، ثني من لا أتّهم، عن أنس … رفعه! ولا يضرّه لأمرين: أوّلهما: ضعف هذا الطريق وانقطاعها. والآخر: أنّ الزهريّ صرّح بالإخبار عند البيهقي في "الشعب" (٦٦٠٥)، فلو صحّت الطريق الأُخرى؛ فالأمر محمول على أنّه سمعه من أنس مباشرة وبواسطة، فكيف والطريق الأُخرى غير صحيحة؟!
(٢) (صحيح). رواه: الفسوي (٢/ ٥٢٣)، وابن ماجه (٣٧ - الزهد، ٢٤ - في الورع، ٢/ ١٤٠٩/ ٤٢١٦)، وابن أبي حاتم في "العلل" (١٨٧٣) تعليقًا، والخرائطي في "المكارم" (٤٤)، والطبراني في "الشاميّين" (١٢١٨)، وأبو نعيم في "الحلية" (١/ ١٨٣، ٦/ ٦٩)، والبيهقي في "الشعب" (٤٨٠٠ و٦٦٠٤)، وابن عساكر (٥٩/ ٤٥٠ - ٤٥٢)، من طريق زيد بن واقد، ثني مغيث بن سميّ، عن ابن عمرو … رفعه. قال ابن أبي حاتم: "قال أبي: هذا حديث صحيح حسن وزيد محلّه الصدق". وقال المنذري والبوصيري: "إسناد صحيح". وصحّحه الألباني.
[ ٣٣١ ]
إخواني! اجْتَنِبوا الذُّنوبَ التي تَحْرِمُ العبدَ مغفرةَ مولاهُ الغفَّار في مواسمِ الرَّحمةِ والتَّوبةِ والاستغفار. أمَّا الشِّركُ؛ فإنَّهُ ﴿مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ [المائدة: ٧٢]. وأمَّا القتلُ؛ فلوِ اجْتَمَعَ أهلُ السَّماواتِ و[أهلُ] الأرضِ على قتلِ رجلٍ مسلمٍ بغيرِ حقٍّ؛ لأكَبَّهُمُ اللهُ جميعًا في النَّار. وأمَّا الزِّنى؛ فحذارِ حذارِ مِن التَّعرُّضِ لسخطِ الجبَّار، الخلقُ كلُهُم عبيدُهُ وإماؤهُ واللهُ يَغار، لا أحدَ أغيرُ مِن اللهِ أنْ يَزْنِيَ عبدُهُ أو تَزْني أمَتُهُ فمِن أجلِ ذلكَ حَرَّمَ الفواحشَ وأمَرَ بغضِّ الأبصار. وأمَّا الشَّحناءُ؛ فيا مَن أضْمَرَ لأخيهِ السُّوءَ وقَصَدَ لهُ الإضرار! ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ﴾ [إبراهيم: ٤٢]، يَكْفيكَ حرمانُ المغفرةِ في أوقاتِ مغفرةِ الأوزار.
خابَ عَبْدٌ بارَزَ المَوْ … لَى بِأسْبابِ المَعاصي
وَيْحَهُ مِمَّا جَناهُ … لَمْ يَخَفْ يَوْمَ القِصاصِ
يَوْمَ فيهِ تَرْعَدُ الأقْـ … دامُ مِنْ شَيْبِ النَّواصي
لي ذُنوبٌ في ازْدِيادٍ … وَحَياةٌ في انْتِقاصِ
فَمَتى أعْمَلُ ما أعـ … لَمُ لي فيهِ خَلاصي
وقد رُوِيَ عن عِكْرِمَةَ وغيرِهِ مِن المفسِّرينَ في قولِهِ تَعالى: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ [الدخان: ٤]؛ أنَّها ليلةُ نصفِ شعبانَ! والجمهورُ [على] أنَّها ليلةُ القدرِ. وهوَ الصَّحيحُ.
وقالَ عَطاءُ بنُ يَسارٍ: إذا كانَ ليلةُ النِّصفِ مِن شعبانَ؛ دُفِعَ إلى ملَكِ الموتِ صحيفةٌ، فيُقالُ: اقْبِضْ روحَ مَن في هذهِ الصَّحيفةِ؛ فإنَّ العبدَ لَيَغْرِسُ الغراسَ ويَنْكِحُ الأزواجَ ويَبْني البُنيانَ وإنَّ اسمَهُ قد نُسِخَ في الموتى، ما يَنْتَظِرُ بهِ ملَكُ الموتِ إلَّا أنْ يُؤْمَرَ بهِ فيَقْبِضَهُ (^١).
يا مغرورًا بطولِ الأمل! يا مسرورًا بسوءِ العمل! كُنْ مِن الموتِ على وَجَل، فما
_________________
(١) تقدّم أنّ ما ورد في هذا من المرفوعات منكر.
[ ٣٣٢ ]
تَدْري متى يَهْجُمُ الأجل.
كُلُّ امْرِئ مُصَبَّحٌ في أهْلِهِ … وَالمَوْتُ أدْنى مِن شِراكِ نَعْلِهِ
قالَ بعضُ السَّلفِ: كم مِن مستقبلٍ يومًا لا يَسْتكمِلُه، ومِن مؤمِّلٍ غدًا لا يُدْرِكُه؛ إنَّكُم لو رَأيْتُمُ الأجلَ ومسيرَه لأبْغَضْتُمُ الأملَ وغرورَه.
أُؤَمِّلُ أنْ أُخَلَّدَ وَالمَنايا … تَدورُ عَلَي مِنْ كُلِّ النَّواحي
وَما أدْري وَإنْ أمْسَيْتُ يَوْمًا … لَعَلِّي لا أعِيشُ إلى الصَّباحِ
كم ممَّن راحَ في طلبِ الدُّنيا أو غَدا أصْبَحَ مِن سكَّانِ القبورِ غدا.
كَأنَّكَ بِالمُضِيِّ إلى سَبيلِكْ … وَقَدْ جَدَّ المُجَهِّزُ في رَحيلِكْ
وَجيءَ بِغاسِلٍ فَاسْتَعْجَلوهُ … بِقَوْلِهِمُ لَهُ افْرَغْ مِن غَسيلِكْ
وَلَمْ تَحْمِلْ سِوى كَفنٍ وَقُطْنٍ … إلَيْهِـ[ـمْ] مِنْ كَثيرِكَ أوْ قَليلِكْ
وَقَدْ مَدَّ الرِّجالُ إلَيْكَ نَعْشًا … فَأنْتَ عَلَيْهِ مَمْدودٌ بِطولِكْ
وَصَلَّوْا لمَّ إنَّهُمُ تَداعَوْا … لِحَمْلِكَ (^١) في بُكورِكَ أو أصيلِكْ
فَلَمَّا أسْلَموكَ نَزَلْتَ قَبْرًا … وَمَنْ لَكَ بِالسَّلامَةِ في نُزولِكْ (^٢)
أعانَكَ يَومَ تَدْخُلُهُ رَحيمٌ … رَؤوفٌ بِالعِبادِ عَلى دُخولِكْ
فَسَوْفَ تُجاوِرُ المَوْتى طَويلًا … فَذَرْني مِنْ قَصيرِكَ أو طَويلِكْ
أخِي ها قَدْ (^٣) نَصَحْتُكَ فاسْتَمعْ لي … وَبِاللهِ اسْتَعَنْتُ عَلى قَبولِكْ
ألَسْتَ تَرى المَنايا كُلَّ حينٍ … تُصيبُكَ في أخيكَ وفي خَليلِكْ