في الصَّحيحينِ (^٢): عن ابن عُمَرَ - ﵄ -؛ أن رجالًا مِن أصحابِ النَّبيِّ - ﷺ - أُروا ليلةَ القدرِ في المنامِ في السَّبعِ الأواخرِ. فقالَ رسولُ اللهِ - ﷺ -: "أرى رؤياكُم قد تَواطَأتْ في السَّبعِ الأواخرِ، فمَن كانَ متحرِّيَها فلْيَتَحَرَّها في السَّبعِ الأواخرِ".
وفي "صحيح مسلم" (^٣): عنهُ، عن النَّبيِّ - ﷺ -؛ قالَ: "الْتَمِسوها في العشرِ الأواخرِ، فإنْ ضَعُفَ أحدُكُم أو عَجَزَ؛ فلا يُغْلَبَنَّ على السَّبعِ البواقي".
• قد ذَكَرْنا فيما تَقَدَّمَ أن النَّبيَّ - ﷺ - كانَ يَجْتَهِدُ في شهرِ رمضانَ على طلبِ ليلةِ
_________________
(١) في خ: "فيها من الأجر"، والأولى ما أثبتّه من م ون وط.
(٢) البخاري (٢٢ - ليلة القدر، ٢ - التماسها في السبع الأواخر، ٤/ ٢٥٦/ ٢٠١٥)، ومسلم (١٣ - الصيام، ٤٠ - ليلة القدر، ٢/ ٨٢٢/ ١١٦٥).
(٣) (الموضع السابق، ٢/ ٨٢٣/ ١١٦٥).
[ ٤٤٣ ]
القدرِ، وأنَّهُ اعْتكَفَ مرَّةً العشرَ الأوَّلَ منهُ، ثمَّ طَلَبَها فاعْتكَفَ بعدَ ذلكَ العشرَ الأوسطَ في طلبِها، وأنَّ ذلكَ تَكَرَّرَ منهُ غيرَ مرَّةٍ، ثمَّ اسْتَقَرَّ أمرُهُ على اعتكافِ العشرِ الأواخرِ في طلبِها وأمَرَ بطلبِها فيهِ.
ففي الصَّحيحينِ (^١): عن عائِشَةَ؛ أن النَّبيَّ - ﷺ - قالَ: "تَحَرَّوْا ليلةَ القدرِ في العشرِ. الأواخرِ مِن رمضانَ".
وفي روايةٍ للبُخارِيِّ (^٢): "في الوترِ مِن العشرِ الأواخرِ مِن رمضانَ".
ولهُ (^٣) مِن حديثِ: ابن عَبَّاسٍ، عن النَّبيِّ - ﷺ -؛ قالَ: "الْتَمِسوها في العشرِ الأواخرِ مِن رمضانَ".
ولمسلمٍ (^٤) مِن حديثِ: أبي هُرَيْرَةَ، عن النَّبيِّ - ﷺ -؛ قالَ: "الْتَمِسوها في العشرِ الغوابرِ".
والأحاديثُ في المعنى كثيرةٌ.
• وكانَ يَأْمُرُ بالتماسِها في أوتارِ العشرِ الأواخرِ:
ففي "صحيح البُخارِيِّ" (^٥): عن ابن عَبَّاسٍ - ﵄ -، عن رسول اللهِ - ﷺ -؛ قال: "الْتَمِسوا ليلةَ القدرِ في العشرِ الأواخرِ مِن رمضانَ؛ في تاسعةٍ تَبْقى، في سابعةٍ تَبْقى، في خامسةٍ تَبْقى".
وفي روايةٍ لهُ (^٦): "هيَ في العشرِ؛ في سبعٍ يَمْضينَ، أو سبعٍ يَبْقَيْنَ".
وخَرَّجَ الإمامُ أحْمَدُ والنَّسائِيِّ والتِّرْمِذِيُّ مِن حديثِ: أبي بَكْرَةَ؛ قالَ: ما أنا بملتمسِها لشيءٍ سَمِعْتُهُ مِن رسول اللهِ - ﷺ - إلَّا في العشرِ الأواخرِ؛ فإنِّي سَمِعْتُهُ يَقولُ:
_________________
(١) البخاري (٢٢ - ليلة القدر، ٣ - تحرّيها في الوتر من العشر، ٤/ ٢٥٩/ ٢٠٢٠)، ومسلم (الموضع السابق، ٢/ ٨٢٨/ ١١٦٩).
(٢) (الموضع السابق، ٢٠١٧).
(٣) (الموضع السابق، ٤/ ٢٦٠/ ٢٠٢١).
(٤) (الموضع السابق، ٢/ ٨٢٤/ ١١٦٧).
(٥) (الموضع السابق، ٤/ ٢٦٠/ ٢٠٢١).
(٦) (الموضع السابق، ٢٠٢٢). ووقع في "الصحيح": "في تسع يمضين أو في سبع يبقين". ووقع في بعض روايات "الصحيح" باللفظ الذي أورده المصنّف.
[ ٤٤٤ ]
"الْتَمِسوها في تسعٍ يَبْقَيْنَ، أو سبعٍ يَبْقَيْنَ (^١)، أو خمسٍ يَبْقَيْنَ، أو ثلاثٍ يَبْقَيْنَ، أو آخرِ ليلةٍ". وكانَ أبو بَكْرَةَ يُصَلِّي في العشرينَ مِن رمضانَ كصلاتِهِ في سائرِ السَّنةِ، فإذا دَخَلَ العشرُ؛ اجْتَهَدَ (^٢).
• ثمَّ بعدَ ذلكَ أمَرَ بطلبِها في السَّبعِ الأواخرِ.
وفي "المسند" و"كتاب النَّسائِيِّ": عن أبي ذَرٍّ؛ قالَ: كُنْتُ أسْألُ النَّاسَ عنها (يَعْني: ليلةَ القدرِ)، فقُلْتُ: يا رسولَ اللهِ! أخْبِرْني عن ليلةِ القدرِ؛ أفي رمضانَ هيَ أو في غيرِهِ؟ قالَ: "بل هيَ في رمضانَ". قُلْتُ: تَكونُ معَ الأنبياءِ ما كانوا فإذا قُبِضوا رُفِعَتْ، أم هيَ إلى يومِ القيامةِ؟ قالَ: "بل هيَ إلى يومِ القيامةِ". قُلْتُ: في أيِّ رمضانَ هيَ؟ قالَ: "الْتَمِسوها في العشرِ الأوَّلِ والعشرِ الأواخرِ". قُلْتُ: في أيِّ العَشْرَيْنِ هيَ؟ قالَ: "في العشرِ الأواخرِ، لا تَسْألْني عن شيءٍ بعدَها". ثمَّ حَدَّثَ رسولُ اللهِ - ﷺ -، ثمَّ اهْتَبَلْتُ غفلتَهُ، فقُلْتُ: يا رسولَ اللهِ! أقْسَمْتُ عليكَ بحقِّي لَما أخْبَرْتَني، في أيِّ العشرِ هيَ؟ فغَضِبَ عليَّ غضبًا لم يَغْضَبْ مثلَهُ منذُ صَحِبْتُهُ، وقالَ: "الْتَمِسوها في السَّبعِ الأواخرِ؛ لا تَسْألْني عن شيءٍ بعدَها" (^٣).
_________________
(١) في خ: "أو في سبع يبقين"، والأولى ما أثبتّه من م ون وط.
(٢) (صحيح). رواه: الطيالسي (٨٨١)، وابن أبي شيبة (٨٦٦٤ و٩٥٣٢)، وأحمد (٥/ ٣٦ و٣٩ و٤٠)، والترمذي (٦ - الصوم، ٧٢ - ليلة القدر، ٣/ ١٦٠/ ٧٩٤)، والبزّار (٣٦٨١)، والنسائي في "الكبرى" (٣٤٠٣ و٣٤٠٤)، وابن خزيمة (٢١٧٥)، وابن حبّان (٣٦٨٦)، والحاكم (١/ ٤٣٨)، والبيهقي في "الشعب" (٣٦٨١)؛ من طرق، عن عيينة بن عبد الرحمن بن جوشن، عن أبيه، عن أبي بكرة … رفعه. وهذا سند حسن، بل صحيح، رجاله ثقات، وقد قال الترمذي: "حسن صحيح"، وصحّحه ابن خزيمة وابن حبّان، وقال الحاكم والذهبي: "صحيح"، وحسّنه الألباني.
(٣) (ضعيف). رواه: ابن أبي شيبة في "المصنّف" (٨٦٦٤ و٩٥١٣)، وأحمد (٥/ ١٧١)، والبزّار (٤٠٦٧ و٤٠٦٨)، والنسائي في "الكبرى" (٣٤٢٧)، وابن خزيمة (٢١٦٩ و٢١٧٠)، والطحاوي في "شرح المعاني" (٣/ ٨٥)، وابن حبّان (٣٦٨٣)، والحاكم (١/ ٤٣٧، ٢/ ٥٣٠)، والبيهقي في "السنن" (٤/ ٣٠٧) و"الشعب" (٣٦٧١)، وابن عبد البرّ في "التمهيد" (٢/ ٢١٢ و٢١٣)؛ من طريقين، عن مالك بن مرثد (أو: مرثد بن أبي مرثد)، عن أبيه، عن أبي ذرّ … رفعه. قال الحاكم: "على شرط مسلم"، وقال مرّة: "صحيح"، ووافقه الذهبي. وقال ابن التركماني: "في سنده مرثد، وهو مجهول، كذا في "الضعفاء" للذهبي". وقال الهيثمي (٣/ ١٨٠): "مرثد هذا لم يرو عنه غير ابنه مالك". قلت: فهو مجهول، فالسند ضعيف، وفي المتن نكارة، وقد ضعّفه الألباني.
[ ٤٤٥ ]
وخَرَّجَهُ ابنُ حِبَّانَ في "صحيحه" والحاكمُ. وفي روايةٍ لهُما؛ أنَّهُ قالَ: "ألمْ أنْهَكَ أنْ تَسْألَني (^١) عنها؟ إنَّ الله لو أذِنَ لي أنْ أُخْبِرَكُم بها لأخْبَرْتُكُم، لا آمَنُ أنْ تَكونَ في السَّبعِ الأواخرِ" (^٢).
ففي هذهِ الرِّوايةِ أن بيانَ النَّبيِّ - ﷺ - لليلةِ القدرِ انْتَهى إلى أنَّها في السَّبعِ الأواخرِ، ولم يَزِدْ على ذلكَ شيئًا.
وهذا ممَّا يَسْتَدِلُّ بهِ مَن رَجَّحَ ليلةَ ثلاثٍ وعشرينَ وخمسٍ وعشرينَ على ليلةِ إحدى وعشرينَ؛ فإنَّ ليلةَ إحدى وعشرينَ ليستْ مِن السَّبعِ الأواخرِ بلا تردُّدٍ.
وقد رُوِيَ عن النَّبيِّ - ﷺ - مِن وجوهٍ أُخَرَ أنَّهُ بَيَّنَ أنَّها ليلةُ سبعٍ وعشرينَ، كما سَيَأْتي إنْ شاءَ اللهُ تَعالى.
• واخْتُلِفَ في أوَّلِ السَّبعِ الأواخرِ:
• فمنهُم مَن قالَ: أوَّلُ السَّبعِ ليلةُ ثلاثٍ وعشرينَ على حسابِ نقصانِ الشَّهرِ دونَ تمامِهِ لأنَّهُ المتيقَّنُ. ورُوِيَ هذا عن ابن عَبَّاسٍ، وسَيَأْتي كلامُهُ فيما بعدُ إنْ شاءَ اللهُ تَعالى.
وفي "صحيح البُخارِيِّ": عن بِلالٍ؛ قالَ: إنَّها أوَّلُ السَّبعِ مِن العشرِ الأواخرِ.
[و] خَرَّجَهُ ابنُ أبي شَيْبَةَ وعندَهُ قالَ: ليلةُ ثلاثٍ وعشرينَ.
وهذا قولُ مالكٍ؛ قالَ: أرى - واللهُ أعلمُ - أن التَّاسعةَ ليلةُ إحدى وعشرينَ، والسابعةَ ليلةُ ثلاثٍ وعشرينَ، والخامسةَ ليلةُ خمسٍ وعشرينَ.
وتَأوَّلَهُ عَبْدُ المَلِكِ بنُ حَبيبٍ على أنَّهُ إنَّما يُحْسَبُ كذلكَ إذا كانَ الشَّهرُ ناقصًا، وليسَ هذا بشيءٍ؛ فإنَّهُ إنَّما أمَرَ بالاجتهادِ في هذهِ الليالي على هذا الحسابِ، وهذا لا يُمْكِنُ أن يَكونَ مراعًى بنقصانِ الشَّهرِ في آخرِهِ.
وكانَ أيُّوبُ السُّخْتِيانِيُّ يَغْتَسِلُ [في] ليلةِ ثلاثٍ وعشرينَ ويَمَسُّ طيبًا وليلةِ أربعٍ وعشرينَ، ويَقولُ: ليلةُ ثلاثٍ وعشرينَ ليلةُ أهلِ المدينةِ، وليلةُ أربعٍ وعشرينَ ليلتُنا؛
_________________
(١) في خ: "أنك عن أن تسألني"، والأولى ما أثبتّه من م ون وط.
(٢) (ضعيف). تقدّم تفصيله آنفًا، وقد جاء هذا اللفظ من الطريق نفسها، وله العلّة نفسها.
[ ٤٤٦ ]
يَعْني: أهلَ البصرةِ.
وكذلكَ كانَ ثابِتٌ وحُمَيْدٌ يَفْعَلانِ.
• وكانَتْ طائفةٌ يَجْتَهِدونَ ليلةَ أربعٍ وعشرينَ.
رُوِيَ عن أنسٍ والحَسَنِ.
ورُوِيَ عنهُ قالَ: رَقَبْتُ الشَّمسَ عشرينَ سنةً ليلةَ أربعٍ وعشرينَ، فكانَتْ تَطْلُعُ لا شعاعَ لها.
ورُوِيَ عن ابن عَبَّاسٍ. ذَكَرَهُ البُخارِيُّ عنهُ. وقيلَ: إنَّ المحفوظَ عنهُ أنَّها ليلةُ ثلاثٍ وعشرينَ كما سَبَقَ.
وقد تَقَدَّمَ حديثُ إنزالِ القرآنِ في ليلةِ أربعٍ وعشرينَ.
وكذلكَ أبو سَعيدٍ الخُدْرِيُّ وأبو ذَرٍّ حَسَبا الشَّهرَ تامًّا، فيَكونُ عندَهُما أوَّلُ السَّبعِ الأواخرِ ليلةَ أربعٍ وعشرينَ.
وممَّن اخْتارَ هذا القولَ ابنُ عَبْدِ البَرِّ، واسْتَدَلَّ بأنَّ الأصلَ تمامُ الشَّهرِ، ولهذا أمَرَ النَّبيُّ - ﷺ - بإكمالِهِ إذا غُمَّ معَ احتمالِ نقصِهِ. وكذلكَ رَجَّحَه بعضُ أصحابِنا.
وقد تَقَدَّمَ مِن حديثِ أنسٍ أن النَّبيَّ - ﷺ - إذا كانَ ليلةُ أربعٍ وعشرينَ لم يَذُقْ غمضًا (^١). وإسنادُهُ ضعيفٌ.
* وقد رُوِيَ عن النَّبيِّ - ﷺ - ما يَدُلُّ على أن أوَّلَ السَّبعِ البواقي ليلةُ ثلاثٍ وعشرينَ.
ففي "مسند الإمامِ أحْمَدَ": عن جابرٍ؛ أن عَبْدَ اللهِ بنَ أُنَيْسٍ سَألَ النَّبيَّ - ﷺ - عن ليلةِ القدرِ، وقد خَلَتِ اثنتانِ وعشرونَ ليلةً، فقالَ رسولُ اللهِ - ﷺ -: "الْتَمِسوها في هذهِ السَّبعِ الأواخرِ التي بَقِينَ مِن الشَّهرِ" (^٢).
وفيهِ أيضًا: عن عَبْدِ اللهِ بن أُنَيْسٍ؛ أنَّهُم سَألوا النَّبيَّ - ﷺ - عن ليلةِ القدرِ، وذلكَ
_________________
(١) (ضعيف جدًّا). تقدّم تفصيل القول فيه (ص ٤٢٧).
(٢) (صحيح لشواهده). رواه: أحمد (٣/ ٣٣٦)، والطحاوي في "المعاني" (٣/ ٨٥)؛ من طريق ابن لهيعة، ثنا أبو الزبير، أني جابر، عن عبد الله بن أنيس … رفعه. قال الهيثمي (٣/ ١٧٨): "إسناده حسن". قلت: ابن لهيعة لا يستحقّ أن يحسّن له. نعم؛ هو حسن بل صحيح بحديث ابن عمر المتقدّم في الصحيحين وغيره.
[ ٤٤٧ ]
مساءَ ليلةِ ثلاثٍ وعشرينَ، فقالَ: "الْتَمِسوها هذهِ الليلةَ". فقالَ رجلٌ مِن القومِ: فهيَ إذنْ يا رسولَ اللهِ أُولى ثمانٍ. فقالَ رسولُ اللهِ - ﷺ -: "إنَّها ليست بأُولى ثمانٍ، ولكنَّها أُولى سبعٍ، إنَّ الشَّهرَ لا يَتِمُّ" (^١).
وفيهِ أيضًا: عن أبي هُرَيْرَةَ؛ أن النَّبيَّ - ﷺ - قالَ: "كم مَضى مِن الشَّهرِ؟ ". قُلْنا: مَضَتْ ثنتانِ وعشرونَ وبَقِيَ ثمانٌ. فقالَ رسولُ اللهِ - ﷺ -: "لا؛ بل مَضَتْ ثنتانِ وعشرونَ، وبَقِيَ سبعٌ، اطْلُبوها الليلةَ" (^٢).
وقد يُحْمَل هذا على شهرٍ خاصٍّ اطَّلَعَ النَّبيُّ - ﷺ - على نقصانِهِ، وهوَ بعيدٌ. ويَدُلُّ على خلافِهِ أنَّهُ رُوِيَ في تمامِ حديثِ أبي هُرَيْرَةَ: ثمَّ قالَ رسولُ اللهِ - ﷺ -: "الشَّهرُ هكذا وهكذا وهكذا، ثمَّ خَنَسَ إبهامَهُ في الثَّالثةِ" (^٣). فهذا يَدُلُّ على أنَّهُ تشريعٌ عامٌ، وأنَّهُ
_________________
(١) (صحيح لشواهده). رواه: أحمد (٣/ ٤٩٥)، وابن نصر في "قيام رمضان" (ص ٢٥٤)، وابن خزيمة (٢١٨٥ و٢١٨٦)، والطحاوي في "شرح المعاني" (٣/ ٨٥ و٨٦)، وابن عبد البرّ في "التمهيد" (٢١/ ٢١٣ - ٢١٤)؛ من طريق محمّد بن إسحاق، عن معاذ بن عبد الله بن خبيب، عن أخيه عبد الله بن عبد الله بن خبيب، عن عبد الله بن أنيس … رفعه بهذا السياق. أصل هذا الحديث عند مسلم (١١٦٨)، وله طرق أُخرى صحيحة عند غيره، لكنّ هذا السياق لم يأت إلّا من هذا الوجه. وقد صرّح ابن إسحاق بالتحديث عند أحمد فارتفعت شبهة التدليس. لكن المشكل هنا هو عبد الله بن عبد الله بن خبيب؛ فإنّه مجهول، بيّض له البخاري وأبو حاتم وذكره ابن حبّان في "الثقات" برواية أخيه فقط، وقد قيل: كان في عصر عمر رجلًا، وهذا يعني أنّه صحابيّ، لكنّني لم أر من ذكره في الصحابة، وقد حسّن الألباني هذا السند، فكأنه مال إلى إثبات صحبته، وفي القلب من ذلك أشياء. ولهذا السياق: شاهد عن أنس عند: أبي يعلى (٣٧١٢)، والضياء في "المختارة" (٧/ ١٧٠/ ٢٦٠١)؛ بسند واه. وآخر من حديث أبي هريرة يأتي بعده. فهو صحيح لشواهده. وقد حسّنه الألباني.
(٢) (صحيح). رواه: ابن أبي شيبة (٩٦٠٢)، وأحمد (٢/ ٢٥١)، وابن ماجه (٧ - الصيام، ٨ - تسع وعشرون، ١/ ٥٣٠/ ١٦٥٦)، وأبو يعلى في "المعجم" (٢٢)، وابن خزيمة (٢١٧٩)، وابن حبّان (٢٥٤٨)، والحاكم في "المعرفة" (ص ٣٥)؛ من طريق الأعمش، [عن سهيل]، عن أبي صالح، عن أبي هريرة … رفعه. قال الحاكم: "لم يسمع هذا الحديث الأعمشُ من أبي صالح، وقد رواه عنه أكثر أصحابه هكذا منقطعًا"، ثمّ ذكر الرواية الأُخرى بزيادة سهيل بن أبي صالح بينهما. والحقّ أنّ هذا الدليل ليس بالحاسم، ولا سيّما أنّ زيادة سهيل تفرّد بها أبو مسلم قائد الأعمش وهو ضعيف، فالأولى - على الأقلّ - أن يقال: سمعه على الوجهين، فإن لم يكن كذلك وكان منقطعًا فعلًا فقد عرفت الواسطة هنا وهي ثقة. وقد صحّح الحديث ابن خزيمة وابن حبّان، وقال البوصيري: "على شرط مسلم"، وقال الألباني: "على شرط البخاري".
(٣) (صحيح). جاءت هذه الزيادة في الحديث السابق بالسند المتقدّم نفسه، فلها حكمه.
[ ٤٤٨ ]
حَسَبَ الشَّهرَ على تقديرِ نقصانِهِ أبدًا؛ لأَنَّهُ المتيقَّنُ، كما ذَهَبَ إليهِ أيُّوبُ ومالِكٌ وغيرُهُما، وعلى قولِهِما تَكونُ ليلةُ سابعةٍ تَبْقى ليلةَ ثلاثٍ وعشرينَ، وليلةُ خامسةٍ تَبْقى ليلةَ خمسٍ وعشرينَ، وليلةُ تاسعةٍ تَبْقى ليلةَ إحدى وعشرينَ (^١).
وقد رُوِيَ عن النُّعْمانِ بن بَشيرٍ؛ أنَّهُ أنْكَرَ أنْ تُحْسَبَ ليلةُ القدرِ بما مَضى مِن الشَّهرِ، وأخْبَرَ أن الصَّحابةَ يَحْسِبونَها بما بَقِيَ منهُ (^٢).
وهذا الاحتمالُ إنَّما يَكونُ في مثلِ قولِ النَّبيِّ - ﷺ -: "الْتَمِسوها في التَّاسعةِ والسَّابعةِ والخامسةِ". وقد خَرَّجَهُ البُخارِيُّ (^٣) مِن حديثِ عُبادَةَ، ومسلمٌ (^٤) مِن حديثِ أبي سَعيدٍ. فإنَّهُ يُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بهِ التَّاسعةُ والسَّابعةُ والخامسةُ ممَّا يَبْقى وممَّا يَمْضي.
وأمَّا حديثُ ابن عَبَّاسٍ وأبي بَكْرَةَ وما في معناهُما (^٥)؛ فإنَّها مقيَّدةٌ بالباقي مِن الشَّهرِ، فلا يُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بهِ الماضي، وحينئذٍ يَتَوَجَّهُ الاختلافُ السَّابقُ في أنَّهُ: هل يُحْسَبُ على تقديرِ تمامِ الشَّهرِ أو نقصانِهِ؟
وحديثُ ابن عَبَّاسٍ قد رُوِيَ بالشَّكِّ فيما مَضى أو يَبْقى. وقد خَرَّجَهُ البُخارِيُّ بالوجهين (^٦).
وحديثُ أبي ذَرٍّ في قيامِ النَّبيِّ - ﷺ - بهِم أفرادَ العشرِ الأواخرِ قد خَرَّجَهُ أبو داوودَ
_________________
(١) وهذا هو التحقيق السليم الذي دلّ عليه حديث أبي ذرّ الصحيح الذي تقدّم (ص ٣٩٦ - ٣٩٧).
(٢) الذي ثبت عنه أنّه قالا: "أنتم تقولون ليلة سابعة ثلاث وعشرين، ونحن نقول سابعة سبع وعشرين، فنحن أصوب أم أنتم؟ ". وهذا يدلّ أوّلًا على أنّ حساب آخر الشهر على تقدير نقصانه كان مألوفًا في عصر التابعين. ويدلّ ثانيًا على أنّ طرائق الناس في الحساب في عصر الصحابة والتابعين كانت متفاوتة - فمنهم من كان يحسب اعتمادًا على أوّل الشهر، ومنهم من كان يحسب اعتمادًا على آخره. ودلّ غيره على أنّ من اعتمد آخر الشهر منهم من كان يحسب على تقدير تمامه ومنهم من كان يحسب على تقدير نقصانه. ومن هنا وقعت الخلافات والإشكالات.
(٣) (٢٢ - ليلة القدر، ٤ - رفع معرفة ليلة القدر، ٤/ ٢٦٧/ ٢٠٢٣).
(٤) (١٣ - الصيام، ٤٠ - فضل ليلة القدر، ٢/ ٨٢٧/ ١١٦٧).
(٥) وقد تقدّما (ص ٤٤٤ و٤٤٥).
(٦) وقد تقدّم الوجهان (ص ٤٤٤).
[ ٤٤٩ ]
الطَّيالِسِيُّ بلفظٍ صريحٍ أنَّهُ قامَ بهِم أشفاعَ العشرِ الأواخرِ وحَسَبَها أوتارًا بالنِّسبةِ إلى ما يَبْقى مِن الشَّهرِ وقَدَّرَهُ تامًّا وجَعَلَ الليلةَ التي قامَها حتَّى خَشُوا أنْ يَفوتَهُمُ الفلاحُ ليلةَ ثمانٍ وعشرينَ وهيَ الثَّالثةُ ممَّا يَبْقى (^١). وقد قيلَ: إنَّ ذلكَ مِن تصرُّفِ بعضِ الرُّواةِ بما فَهِمَهُ مِن المعنى. واللهُ أعلمُ.
* وعلى قياسِ قولِ مَن حَسَبَ اللياليَ الباقيةَ مِن الشَّهرِ على تقديرِ نقصانِ الشَّهرِ يَنْبَغي أنْ يَكونَ عندَهُ أوَّلُ العشرِ الأواخرِ ليلةَ العشرينَ؛ لاحتمالِ أنْ يَكونَ الشَّهرُ ناقصًا، فلا يَتَحَقَّقُ كونُها عشرَ ليالٍ بدونِ إدخالِ ليلةِ العشرينَ فيها. وقد يُقالُ: بلِ العشرُ الأواخرُ عبارةٌ عمَّا بعدَ انقضاءِ العشرينَ الماضيةِ مِن الشَّهرِ، وسواءٌ كانَتْ تامَّةً أو ناقصةً فهيَ المعبَّرُ عنها بالعشرِ الأواخرِ وقيامُها هوَ قيامُ العشرِ الأواخر (^٢). وهذا كما يُقالُ: صامَ عشرَ ذي الحجَّةِ، وإنَّما يُصامُ منهُ تسعةُ أيَّامٍ، ولهذا كانَ ابنُ سِيرِينَ يَكْرَهُ أنْ يُقالَ: صامَ عشرَ ذي الحجَّةِ، وقالَ: إنَّما يُقالُ: صامَ التِّسعَ. ومَن لم يَكْرَهْهُ - وهُمُ الجمهورُ - فقد يَقولونَ: الصِّيامُ المضافُ إلى العشرِ هوَ صيامُ ما يُمْكِنُ منهُ، وهوَ ما عدا يومَ النَّحرِ. ويُطْلَقُ على ذلكَ العشرُ لأنَّهُ أكثرُ العشرِ. واللهُ أعلمُ.
• وقدِ اخْتَلَفَ النَّاسُ في ليلةِ القدرِ اختلافًا كثيرًا:
* فحُكِيَ عن بعضِهِم أنَّها رُفِعَتْ، وحديثُ أبي ذَرٍّ يَرُدُّ ذلكَ (^٣).
ورُويَ عن مُحَمَّدِ بن الحَنَفِيَّةِ أنَّها في كل سبعِ سنينَ مرَّةٌ. وفي إسنادِهِ ضعفٌ.
وعن بعضِهِم أنَّها في كلِّ السَّنةِ. حُكِيَ عن ابن مَسْعودٍ (^٤) وطائفةٍ مِن الكوفيِّينَ،
_________________
(١) (شاذّ). تقدّم تفصيل القول في طرقه (ص ٣٩٦ - ٣٩٧) وبيان شذوذ هذا اللفظ وأنّه رواية بالمعنى من تصرّف الرواة.
(٢) وهذا عين الصواب، والعشر الأواخر إنّما تكون بعد انقضاء العشرَيْن الأوّل والأوسط، سواء كان الباقي تسعة أيّام فقط أو كان عشرة كاملة.
(٣) تقدّم لك (ص ٤٤٥) أنّ حديث أبي ذرّ هذا ضعيف لا يصلح حجِّة على أخذ ولا ردّ. وأولى من ذلك أن يقال: على صاحب هذه الدعوى أن يورد الدليل عليها، فإن لم يفعل ولن يفعل؛ فدعواه ساقطة ابتداء.
(٤) يريد قوله - ﵁ -: "من يقم الحولَ يُصِبْها"، وهذا لا يدلّ على أنّه لا يرى أنّها في رمضان، بل الأمر كما قال أبيّ - ﵁ -: "يرحمَ الله أبا عبد الرحمن [يعني: ابن مسعود]، لقد علم أنّها في رمضان، ولكنّه عمّى على الناس حتّى لا يتّكلوا". وقد صحّ عن ابن مسعود موقوفًا طلبها ليلة سبع عشرة وليلة=
[ ٤٥٠ ]
ورُوِيَ عن أبي حَنِيفَةَ.
• وقالَ الجمهورُ: هيَ في رمضانَ كلَّ سنةٍ.
ثمَّ منهُم مَن قالَ: هيَ في الشَّهرِ كلِّهِ.
وحُكِيَ عن بعضِ المتقدِّمينَ أنَّها أوَّلُ ليلةٍ منهُ.
وقالَتْ طائفةٌ: هيَ في النِّصفِ الثَّاني منهُ. و[قد] حُكِيَ عن أبي يوسُفَ ومُحَمَّدٍ.
وقد تَقَدَّمَ قولُ مَن قالَ: إنَّها ليلةُ بدرٍ؛ على اختلافِهِم هل هيَ ليلةُ سبعَ عشرةَ [أ] وتسعَ عشرةَ.
* وقال الجمهورُ: هيَ منحصرةٌ في العشرِ الأواخرِ، واخْتَلَفوا في أيِّ ليالي العشرِ أرجى:
فحُكِيَ عن الحَسَنِ ومالِكٍ أنَّها تُطْلَبُ في جميعِ ليالي العشرِ؛ أشفاعِهِ وأوتارِهِ، ورَجَّحَهُ بعضُ أصحابِنا [و] قالَ: لأنَّ قولَ النَّبيِّ - ﷺ - "الْتَمِسوها في تاسعةٍ تَبْقى أو سابعةٍ تَبْقى أو خامسةٍ تَبْقى": إن حَمَلْناهُ على تقديرِ كمالِ الشَّهرِ؛ كانَتْ أشفاعًا، وإنْ حَمَلْناهُ على ما يَبْقى منهُ حقيقةً؛ كانَ الأمرُ موقوفًا على كمالِ الشَّهرِ فلا يُعْلَمُ قبلَهُ، فإنْ كانَ تامًّا؛ كانَتِ الليالي المأْمورُ بطلبِها أشفاعًا، وإنْ كانَ ناقصًا؛ كانَتْ أوتارًا. فيُوجِبُ ذلكَ الاجتهادَ في القيامِ في كلا الليلتينِ؛ الشَّفعِ منها والوترِ (^١).
وقالَ الأكثرونَ: بل بعضُ لياليهِ أرجى مِن بعضٍ، وقالوا: الأوتارُ أرجى في الجملةِ.
ثمَّ اخْتَلَفوا: في أيِّ أوتارِهِ أرجى:
* فمنهُم مَن قالَ: ليلةُ إحدى وعشرينَ، وهوَ المشهورُ عن الشَّافِعِيِّ؛ لحديثِ
_________________
(١) = تسع عشرة وإحدى وعشرين وثلاث وعشرين من رمضان، وقد تقدّم تفصيل القول فيه (ص ٤٠٩).
(٢) وهذا أعدل الأقوال وأولاها بالاعتماد؛ لأنّه يجمع كافّة النصوص الصحيحة المرفوعة الواردة في الباب. نعم؛ لا ريب أنّ ليالي الوتر أرجى من ليالي الشفع، لكنّ القلب لا يطمئنّ إلى الجزم بوقوع ليلة القدر فيها دون الشفع لأمرين: أوّلهما: ما ذكره المصنّف ممّا جاء من النصوص باعتماد الحساب على ما بقي من الشهر ونحوها ممّا يحتمل التأويل بالأشفاع وإن كان ضعيفًا. والآخر: آحتمال الخطأ بتقدّم يوم أو تأخّر يوم عن البداية الحقيقيّة لرمضان، وهذا مشهود سنويًّا في اختلاف بلدان المسلمين في إثبات هلال رمضان وشوّال.
[ ٤٥١ ]
أبي سَعيدٍ الخُدْرِيِّ، وقد ذَكَرْناهُ فيما سَبَقَ.
وحُكِيَ عنهُ أنَّها تُطْلَبُ ليلةَ إحدى وعشرينَ وثلاثٍ وعشرينَ، قالَ في القديمِ: كأنِّي رَأيْتُ - واللهُ أعلمُ - أقوى الأحاديثِ فيهِ ليلةَ إحدى وعشرينَ وليلةَ ثلاثٍ وعشرينَ. وقد جاءَ في ليلةِ سبعَ عشرةَ وليلةِ أربعٍ وعشرينَ وليلةِ سبعٍ وعشرينَ. انْتَهى.
ورُوِيَ عن عَلِيٍّ وآبنِ مَسْعودٍ أنَّها تُطْلَبُ ليلةَ إحدى وعشرينَ وثلاثٍ وعشرينَ.
• وحُّكِيَ للشَّافِعِيِّ قولٌ آخرُ؛ أن أرجاها ليلةُ ثلاثٍ وعشرينَ - وهذا قولُ أهلِ المدينةِ. وحَكاهُ سفيانُ الثَّوْرِيُّ عن أهلِ مَكَّةَ والمدينةِ. وممَّن رُوِيَ عنهُ أنَّهُ كانَ يوقِظُ أهلَهُ فيها ابنُ عَبَّاسٍ وعائِشةُ. وهوَ قولُ مَكحولٍ.
ورَوى: رِشدينُ بنُ سَعْدٍ، عن زُهْرَةَ بن مَعْبَدٍ؛ قالَ: أصابَني احتلامٌ في أرضِ العدوِّ وأنا في اليحرِ ليلةَ ثلاثٍ وعشرينَ - في رمضانَ، فذَهَبْتُ لِأغتَسِلَ، فسَقَطْتُ في الماءِ، فإذا الماءُ عذبٌ، فنادَيْتُ أصحابي أُعلِمُهُم أنِّي في ماءٍ عذبٍ (^١).
قالَ ابنُ عَبْدِ البَرِّ: هذهِ الليلةُ تُعْرَفُ بليلةِ الجُهَنِيِّ بالمدينةِ؛ يَعْني: عَبْدَ اللهِ بنَ أُنَيْسٍ. وقد رُوِيَ عنهُ أن النَّبيَّ - ﷺ - أمَرَهُ بقيامِها (^٢).
وفي "صحيح مسلم" (^٣) عنهُ؛ أن النَّبيَّ - ﷺ - قالَ في ليلةِ القدرِ: "أُرِيتُ أنِّي أسْجُدُ صبيحتَها في ماءٍ وطينٍ". فانْصَرَفَ النَّبيُّ - ﷺ - مِن صلاةِ الصُّبح يومَ ثلاثٍ وعشرينَ وعلى جيهتِهِ أثرُ الماءِ والطِّينِ.
وقالَ سَعيدُ بنُ المُسَيَّبِ: كانَ النَّبيُّ - ﷺ - في نفرٍ مِن أصحابِهِ، فقالَ: "ألا أُخْبِرُكُم بليلةِ القدرِ؟ ". قالوا: بلى يا رسولَ اللهِ! فسَكتَ ساعةً، فقالَ: "لقد قُلْتُ لكُم ما قُلْتُ آنفًا وأنا أعْلَمُها، ثمَّ أُنْسِيتُها، أرَأيْتُم يومًا كنَّا بموضعِ كذا وكذا؛ أيُّ ليلةٍ هيَ (في غزوةٍ غَزاها)؟ ". ققالوا: سِرْنا، ققَفَلْنا … حتَّى اسْتَقامَ ملأُ القومِ على أنَّها ليلةُ ثلاثٍ
_________________
(١) رشدين بن سعد ضعيف. ثمّ لو صحّ هذا؛ فأيّ دليل فيه على أنّها ليلة القدر؟! وهل من أدلّة ليلة القدر أن تصبح البحار عذبة؟! وقد تقدّم قبل صفحات أنّهم وجدوا البحر عذبًا ليلة سبع عشرة!
(٢) وقد تقدّم حديث عبد الله بن أنيس من أكثر من وجه. وانظر ما بعده.
(٣) (١٣ - الصيام، ٤٠ - فضل ليلة القدر، ٢/ ٨٢٧/ ١١٦٨).
[ ٤٥٢ ]
وعشرينَ (^١). خَرَّجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ في "كتابِهِ".
• ورَجَّحَتْ طائفةٌ ليلةَ أربعٍ وعشرينَ، وهمُ الحَسَنُ وأهلُ البصرةِ. وقد رُوِيَ عن أنَسٍ.
وكانَ حُمَيْدٌ وأيُّوبُ وثابِتٌ يَحْتاطونَ فيَجْمَعونَ بينَ الليلتينِ؛ أعْني: ليلةَ ثلاثٍ وأربعٍ.
• ورَجَّحَتْ طائفةٌ ليلةَ سبعٍ وعشرينَ، وحَكاهُ الثَّوْرِيُّ عن أهلِ الكوفةِ، فقالَ: نحنُ نَقولُ: هيَ ليلةُ سبعٍ وعشرينَ؛ لما جاءَنا عن أُبَيِّ بن كَعْبٍ.
وممَّن قالَ بهذا أُبَيُّ بنُ كَعْبٍ - وكانَ يَحْلِفُ عليهِ ولا يَسْتَثْني - وزِرُّ بنُ حُبَيْشٍ وعَبْدَةُ بنُ أبي لُبابَةَ.
ورُوِيَ عن قَنانِ بن عَبْدِ اللهِ النَّهْمِيِّ (^٢)؛ قالَ: سَألْتُ زِرًّا عن ليلةِ القدرِ. فقالَ: كانَ عُمَرُ وحُذَيْفَةُ وأُناسٌ مِن أصحابِ رسولِ اللهِ - ﷺ - لا يَشُكُّونَ أنَّها ليلةُ سبعٍ وعشرينَ. خَرَّجَهُ ابنُ أبي شيْبَةَ. وهوَ قولُ أحْمَدَ وإسحاقَ.
وذَهَبَ أبو قِلابَةَ وطائفةٌ إلى أنَّها تَنْتَقِلُ في ليالي العشرِ. ورُوِيَ عنهُ أنَّها تَنْتَقِلُ في أوتارِهِ خاصَّةً. وممَّن قالَ بانتقالِها في ليالي العشرِ المُزَنيُّ وابنُ خُزَيْمَةَ، وحَكاهُ ابنُ عَبْدِ البَرِّ عن مالِكٍ والثَّوْرِيِّ والشَّافِعِيِّ وأحْمَدَ وإسْحاقَ وأبي ثَوْرٍ (^٣). وفي صحَّةِ ذلكَ عنهُم بعدٌ، وإنَّما قولُ هؤلاءِ أنَّها في العشرِ وتُطْلَبُ في لياليهِ كلِّهِ، واخْتَلَفوا في أرجى لياليهِ كما سَبَقَ.
_________________
(١) (حسن لشواهده). رواه: عبد الرزّاق (٧٦٨٧)، وابن عبد البرّ في "التمهيد" (٢/ ٢٠٢) معلّقًا؛ عن ابن جريج، أني يونس بن يوسف، عن ابن المسيّب … رفعه. وهذا مرسل صحيح، وقد احتجّ جماعة من أهل العلم بمرسلات ابن المسيّب، وفي كلّ حال فنسيانه - ﷺ - لليلة القدر وكونها ليلة ثلاث وعشرين قد جاءا من غير وجه كما تقدّم، فالحديث حسن بهذه الشواهد.
(٢) في خ: "عباد بين عبد الله السهمي"، وفي م: "قنان بن عبد الله السهمي"، وفي ن: "قتادة بن عبد الله السهمي"، والصواب ما أثبتّه من ط. والرجل صدوق من رجال "التهذيب".
(٣) وهذا قول تدعمه الأدلّة المتكاثرة؛ فقد صحّ عند الشيخين أنّ ليلة القدر وقعت مرّة ليلة إحدى وعشرين ومرّة ليلة ثلاث وعشرات. فلو كانت ثابتة؛ لما تغيّرت بين عام وعام أوّلًا، ولاكتفى النبيّ - ﷺ - بتحرّيها والأمر بتحرّيها في هاتين الليلتين، ولما أمر بتحرّيها في السبع الأواخر.
[ ٤٥٣ ]
واسْتَدَلَّ مَن رَجَّحَ ليلةَ سبعٍ وعشرينَ بأنَّ أُبَيَّ بنَ كَعْبٍ كانَ يَحْلِفُ على ذلكَ ويَقولُ: بالآيةِ أو بالعلامةِ التي أخْبَرَنا بها رسولُ اللهِ - ﷺ - أن الشَّمسَ تَطْلُعُ صبيحتَها لا شعاعَ لها. خَرَّجَهُ مسلمٌ (^١).
وخَرَّجَهُ أيضًا (^٢) بلفظٍ آخرَ عن أُبَيِّ بن كَعْبٍ؛ قالَ: واللهِ؛ إنِّي لأعلمُ أيَّ ليلةٍ هيَ، هيَ الليلةُ التي أمَرَنا رسولُ اللهِ - ﷺ - بقيامِها، وهيَ ليلةُ سبعٍ وعشرينَ (^٣).
وفي "مسند [الإمام أحْمَدَ] ": عن ابن عَبَّاسٍ؛ أن رجلًا قالَ: يا رسولَ اللهِ! إنِّي شيخٌ كبيرٌ عليلٌ يَشُقُّ عليَّ القيامُ، فمُرْني بليلةٍ [لعلَ الله] (^٤) يُوَفِّقُني فيها لليلةِ القدرِ. قالَ: "عليكَ بالسَّابعةِ" (^٥). وإسنادُهُ على شرطِ البُخارِيِّ.
ورَوى الإمامُ أحْمَدُ أيضًا، قالَ: حَدَّثَنا يَزيدُ بنُ هارونَ، أنْبَأنا شُعْبَةُ، عن عَبْدِ اللهِ بن دينارٍ، عن ابن عُمَرَ؛ قالَ: قالَ رسولُ اللهِ - ﷺ -: "مَن كانَ منكُم متحرِّيَها؛ فلْيَتَحَرَّها ليلةَ سبعٍ وعشرينَ (أو قالَ: تَحَرَّوْها ليلةَ سبعٍ وعشرينَ) "؛ يَعْني: ليلةَ القدرِ. ورَواهُ شَبابَةُ ووَهْبُ بنُ جَريرٍ عنْ شُعْبَةَ مثلَهُ. ورَواهُ أسْوَدُ بنُ عامِرٍ عن شُعْبَةَ مثلَهُ وزادَ: "في السَّبعِ البواقي". قالَ شُعْبَةُ: وأخْبَرَني رجلٌ ثقةٌ عن سُفْيانَ أنَّهُ إنَّما قالَ: "في السَّبعِ البواقي"؛ يَعْني: لم تقُلْ ليلةَ سبعٍ وعشرينَ. قالَ أحْمَدُ في روايةِ ابنِهِ صالحٍ: الثِّقةُ هوَ
_________________
(١) (١٣ - الصيام، ٤٠ - ليلة القدر، ٢/ ٨٢٨/ ٧٦٢).
(٢) (الموضع السابق، بعده).
(٣) وهذان الحديثان يدلّان على أنّ أُبيّ بن كعب لم يسمع من النبيّ - ﷺ - أنّ ليلة القدر هي ليلة سبع وعشرين بالتحديد، وإنّما استدل عليها استدلالًا بمراقبة الشمس، وليس هذا بالدليل الحاسم، ولم يتبيّن لي المقصود بطلوع الشمس بغير شعاع وكيف يدرك ذلك بصورة دقيقة تقطع الشكّ باليقين، وما رأيت من الناس في هذا الأمر إلّا التخبّط: هذا يقول طلعت بغير شعاع ليلة سبع وعشرين، وهذا يقول ليلة ثلاث وعشرين …
(٤) ليست في خ وم ون، وأضفتها من ط و"المسند" ليستقيم السياق.
(٥) (حسن). رواه: أحمد (١/ ٢٤٠)، والطبراني (١١/ ٢٤٦/ ١١٨٣٦)، وابن عدي (٦/ ٢٤٢٦)، وأبو نعيم في "الحلية" (٩/ ٢٣٠)، والبيهقي في "السنن" (٤/ ٣١٢) و"الشعب" (٣٦٨٨)، وابن عبد البرّ في "التمهيد" (٢١/ ٢١٢)، والخطيب في "التاريخ" (١٠/ ٤٧٠١)، ؤالذهبي في "النبلاء" (١١/ ٣٥٦، ١٤/ ٤٤٤) و"التذكرة" (٢/ ٤٣٢)؛ من طريق معاذ بن هشام، ثني أبي، عن قتادة، عن عكرمة، عن ابن عبّاس … رفعه. قال الهيثمي (٣/ ١٧٩): "رجاله رجال الصحيح". قلت: ثقات رجال الشيخين؛ إلّا معاذًا، فصدوق يهم من رجال الشيخين أيضًا، فالسند حسن.
[ ٤٥٤ ]
يَحْيى بنُ سَعيدٍ. قالَ شُعْبَةُ: فلا أدري أيَّهما قالَ. ورَواهُ عَمْرٌو عن شُعْبَةَ وقالَ في حديثِهِ: "ليلةَ سبعٍ وعشرينَ (أو قالَ: في السَّبعِ الأواخرِ) "؛ بالشَّكِّ، فرَجَعَ الأمرُ إلى أن شُعْبَةَ شَكَّ في لفظِهِ (^١).
ورَواهُ: حَمَّادُ بنُ زَيْدٍ ج عن أيُّوبَ، عن نافعٍ، عن ابن عُمَرَ؛ قالَ: كانوا لا يَزالونَ يَقُصُّونَ على النَّبيِّ - ﷺ - أنَّها الليلةُ السابعةُ مِن العشرِ الأواخرِ، فقالَ رسولُ اللهِ - ﷺ -: "أرى رؤياكُم أنَّها قد تَواطَأتْ أنَّها ليلةُ السَّابعةِ في العشرِ الأواخرِ، فمَن كانَ متحرِّيَها فلْيَتَحَرَّها ليلةَ (^٢) السَّابعةِ مِن العشرِ الأواخرِ" (^٣). كذا رَواهُ حَنْبَلُ بنُ إسْحاقَ عنْ عارِمٍ عنْ حَمَّادٍ. وكذا خَرَّجَهُ الطَّحاوِيُّ عنْ إبْراهيمَ بن مَرْزوقٍ عنْ عارِمٍ. ورَواهُ البُخارِيُّ في "صحيحه" عنْ عارِمٍ؛ إلَّا أنَّهُ لم يَذْكُرْ لفظةَ "ليلة السَّابعةِ"، بل قالَ: "مَن كانَ متحرِّيَها؛ فليَتَحَرَّها في العشرِ الأواخرِ".
ورَواهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ في "كتابِهِ" عن: مَعْمَرٍ، عن أيُّوبَ، عن نافعٍ، عن ابن عُمَرَ؛ قالَ: جاءَ رجلٌ إلى رسولِ اللهِ - ﷺ -، فقالَ: يا رسولَ اللهِ! إنِّي رَأيْتُ في النَّومِ ليلةَ القدرِ كأنَّها ليلةُ سابعةٍ. فقالَ النَّبيُّ - ﷺ -: "إنِّي أرى رؤياكُم قد تَواطَأتْ أنَّها ليلةُ سابعةٍ، فمَن كانَ متحرِّيَها [منكُم] فلْيَتَحَرَّها في ليلةِ سابعةٍ". قالَ مَعْمَرٌ: فكانَ أيُّوبُ يَغْتَسِلُ في ليلةِ ثلاثٍ وعشرينَ. يُشيرُ إلى أنَّهُ حَمَلَها على سابعةٍ تَبْقى (^٤).
وخَرَّجَهُ الثَّعْلَبِيُّ في "تفسيرِهِ" مِن طريقِ: الحَسَنِ بن عَبْدِ الأعْلى، عنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ … بهذا الإسنادِ، وقالَ في حديثِهِ: "ليلةُ سابعةٍ تَبْقى". فقالَ رسولُ اللهِ - ﷺ -: "إنِّي أرى رؤياكُم قد تَواطَأتْ على ثلاثٍ وعشرينَ، فمَن كانَ منكُم يُريدُ أنْ يَقومَ مِن الشَّهرِ شيئًا، فلْيَقُمْ ليلةَ ثلاثٍ وعشرينَ" (^٥). وهذهِ الألفاظُ غيرُ محفوظةٍ في الحديثِ (^٦)
_________________
(١) (رواية شعبة شاذّة). وسيأتيك التفصيل قريبًا. وفي خ: "فيرجع الأمر … " إلخ.
(٢) في خ: "فليتحرّها في ليلة"، والأولى ما أثبتّه من م ون وط.
(٣) (شاذ). وسيأتيك التفصيل قريبًا.
(٤) (شاذّ). وسيأتيك التفصيل قريبًا.
(٥) (شاذّ). وانظر ما بعده.
(٦) وهذا كلام طويل لا بدّ لي فيه من بعض التهذيب والترتيب لكي يتّضح الحال وينجلي الإشكال، =
[ ٤٥٥ ]
واللهُ أعلمُ.
وفي "سنن أبي داوود" بإسنادٍ رجالُهُ كلُّهُم رجالُ الصَّحيحِ: عن مُعاوِيَةَ، عن النَّبيِّ
_________________
(١) = فأقول: روى حديث ابن عمر هذا ستّة واختلفوا فيه على وجوه: روى أوّلها: مسلم (١١٦٥) وغيره من طريق عقبة بن حريث (ثقة)، سمعت ابن عمر، قال - ﷺ -: "التمسوها في العشر الأواخر، فإن ضعف أحدكم أو عجز فلا يغلبنّ عن السبع البواقي". وهذا رأس الباب؛ لأنّه يدلّ على أنّ السبع والعشر محفوظين عن ابن عمر. وروى الثاني والثالث مسلم (١١٦٥) وغيره من طريق جبلة ومحارب (ثقتان)، سمعا ابن عمر، عن النبيّ - ﷺ -: "التمسوا ليلة القدر في العشر الأواخر"، أو قال: "في التسع الأواخر". والتسع هنا محرّفة عن السبع، دلّ على ذلك أنّ شيخ مسلم في هذا الحديث - وهو ابن أبي شيبة - روى هذا الحديث نفسه في "المصنّف" (٨٨٦٣ و٩٥٢٤) فقال: "السبع الأواخر"، وبهذا التحقيق يتطابق هذا الوجه مع ما قبله. وروى الرابع: البخاري (٦٩٩١)، ومسلم (١١٦٥)، وغيرهما؛ من طريق الزهريّ، عن سالم، عن ابن عمر، عن النبيّ - ﷺ -: "التمسوها في (قال البخاري: السبع، وقال مسلم: العشر) الغوابر". وكلا الروايتين تتطابقان مع ما تقدّم. وروى الخامس: ابن أبي شيبة (٨٨٦٢ و٩٥٤٢)، وأحمد (٢/ ٦٢ و٧٤)، ومسلم (١١٦٥)، والنسائي في "الكبرى" (٧١٤٧ - تحفة)، والطحاوي (٣/ ٨٤ و٨٧)، وابن حبّان (٣٦٨١)؛ من طرق خمس قويّة، عن عبد الله بن دينار، سمعت ابن عمر، عن النبيّ - ﷺ -؛ قال:، تحرّوها في السبع (وقال الثوري: العشر) الأواخر". وهذا يطابق الروايات المتقدّمة. وخالفهم شعبة فيما رواه: الطيالسي (١٨٨٨)، وأحمد (٢/ ٢٧ و١٥٧) وفي "العلل" (٥٩٢٣)، وعبد بن حميد (٨٩٣)، وعبد الله بن أحمد (٢/ ١٥٧)، والطحاوي (٣/ ٩١)، والبيهقي (٤/ ٣١١)، وابن عبد البرّ (١٧/ ٨٥)؛ عنه، عن ابن دينار، عن ابن عمر، عن النبيّ - ﷺ -: "تحروها ليلة سبع وعشرين". ثمّ شكّ شعبة هل هو ليلة سبع وعشرين أو هو في السبع الأواخر. وهذا شاذّ: خالف فيه شعبة جماعة الرواة عن عبد الله بن دينار وفيهم مالك والثوري، وخالف جماعة الرواة عن ابن عمر، وهو مع ذلك شاكّ متردّد. وروى السادس: مالك (١/ ٣٢١)، وأحمد (٢/ ١٧)، والبخاري (٢٠١٥)، ومسلم (١١٦٥)، والنسائي في "الكبرى" (٣٣٩٨ و٣٣٩٩ و٧٦٢٨)، والطحاوي (٣/ ٨٥ و٩١)، وابن حبّان (٣٦٧٥)، والبيهقي في "السنن" (٤/ ٣١٠) و"الشعب" (٣٦٧٧)؛ من طرق خمس قويّة، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبيّ - ﷺ - قال: "التمسوها في السبع الأواخر". وهذا يطابق ما تقدّم. ورواه أيّوب من هذا الوجه فاختلف عليه فيه على ثلاثة أوجه: روى أوّلها: أحمد (٢/ ٥) من طريق إسماعيل، وابن خزيمة (٢١٨٢) من طريق عبد الوارث؛ كلاهما عن أيّوب، عن نافع، عن ابن عمر … به باللفظ المتقدّم قبله. وروى الثاني: عبد الرزاق (٧٦٨٨)، عن معمر، عن أيّوب … باللفظ الذي ذكره المصنف. وروى الثالث: الثعلبيّ في "التفسير" باللفظ الذي ذكره المصنّف. والراجح هنا هو الوجه الأوّل: لاجتماع إسماعيل بن علية وعبد الوارث بن سعيد الثقتين الثبتين الإمامين عليه ولموافقتهما لرواية الجماعة عن نافع، بخلاف رواية عبد الرزّاق - الذي عمي وتغيّر - عن معمر - الذي تكلّموا في بعض حديثه - التي جاءت مضطربة على وجهين ومخالفة لرواية الثقتين عن أيّوب والجماعة عن نافع وهذا حدّ الشذوذ.
[ ٤٥٦ ]
- ﷺ -؛ في ليلةِ القدرِ: "ليلةُ سبعٍ وعشرينَ" (^١). وخَرَّجَهُ ابنُ حِبَّانَ في "صحيحِهِ"، وصَحَّحَهُ ابنُ عَبْدِ البَرِّ، ولهُ علَّةٌ، وهيَ وقفُهُ على معاويةَ، وهوَ أصحُّ عندَ الإمامِ أحْمَدَ والدَّارَقُطْنِيِّ. وقدِ اخْتُلِفَ أيضًا عليهِ في لفظِهِ.
وفي "المسند": عن ابن مَسْعودٍ؛ أن رجلًا أتى النَّبيَّ - ﷺ -، فقالَ: متى ليلةُ القدرِ؟ فقالَ: "مَن يَذْكُرُ منكُم ليلةَ الصَّهباواتِ؟ ". قالَ عَبْدُ اللهِ: أنا؛ بأبي أنتَ وأُمِّي، وإنَّ في يدي لتَمراتٍ أتَسَحَّرُ بهنَّ مستترًا بمؤخرةِ رحلي مِن الفجرِ، وذلكَ حينَ طَلَعَ [القمرُ] (^٢). وخَرَّجَهُ يَعْقوبُ بنُ شَيْبَةَ في "مسندِهِ" وزادَ: "وذلكَ ليلةَ سبعٍ وعشرينَ" (^٣). وقالَ: صالحُ الإسنادِ. والصَّهباواتُ موضعٌ بقربِ خَيْبَرَ.
وفى "المسند" أيضًا مِن وجهٍ آخرَ: عن أبنِ مَسْعودٍ، عن النَّبيِّ - ﷺ -؛ قالَ: "إنَّ ليلةَ
_________________
(١) (صحيح). رواه شعبة واختلف عليه فيه على وجهين: روى أوّلهما: ابن أبي شيبة (٩٥٣٧) من طريق عفّان، والبيهقي (٤/ ٣١٢) من طريق أبي داوود الطيالسي؛ كلاهما عن شعبة، عن قتادة، عن مطرّف، عن معاوية … به موقوفا لكن جاء عند ابن أبي شيبة: "ليلة ثلاث وعشرين". وروى الثاني: أبو داوود (٢ - الصلاة، ٢٢٣ - من قال ليلة سبع وعشرين، ١/ ٤٤١/ ١٣٨٦)، وابن نصر في "قيام رمضان" (ص ٢٥٣)، والطحاوي (٣/ ٩٣)، وابن حبّان (٣٦٨٠)، والطبراني (١٩/ ٣٤٩/ ٨١٣)، والبيهقي (٤/ ٣١٢)؛ من طريق عبيد الله بن معاذ، عن أبيه، عن شعبة، عن قتادة، سمع مطرّفا، سمع معاوية … رفعه، وهذا سند رجاله ثقات رجال الشيخين، والرفع فيه زيادة ثقة يتعيّن القبول بها على طريقة المتأخّرين، وترجيح أحمد والدارقطني للوقف بالنظر إلى الأكثر أو الأوثق على طريقة المتقدّمين. ورواه: ابن نصر في "قيام رمضان" (ص ٢٥٣)، وابن حبّان (٣٦٦١)، والطبراني (١٩/ ٣٤٩/ ٨١٤)؛ من طريق الجريري، عن يزيد بن عبد الله بن الشخير وأخطأ الراوي عن الجريري عند ابن نصر أو تحرّف يزيد إلى بريدة، [عن مطرّف]، عن معاوية … رفعه. وهذا سند صحيح من جيد حديث الجريري فقد رواه عنه خالد بن عبد الله عند الطبراني وابن حبّان وسماعه منه قديم. فالطريق الثانية ترفع الإشكال المتقدّم في السند والمتن وتصحّح الحديث، وقد سكت عنه المنذري وصحّحه ابن حبّان وابن عبد البرّ والألباني.
(٢) (ضعيف). رواه: الطيالسي (٣٢٩)، وأحمد (١/ ٣٧٦ و٣٩٦ و٤٥٢)، ويعقوب بن شيبة في "مسنده" (٤٥٧ - لطائف المعارف)، وأبو يعلى (٥٣٩٣)، والطحاوي في "المعاني" (٣/ ٩٣)، والطبراني (١٠/ ١٥٢/ ١٠٢٨٩)، والبيهقي (٤/ ٣١٢)؛ من طرق، عن المسعودي، عن سعيد بن عمرو بن جعدة، عن أبي عبيدة، عن ابن مسعود … رفعه. قال الهيثمي (٣/ ١٧٨): "أبو عبيدة لم يسمع من أبيه". قلت: والمسعودي مخلّط.
(٣) (ضعيف). هو قطعة من الحديث المتقدّم قبله فله حكمه.
[ ٤٥٧ ]
القدرِ في النِّصفِ مِن السَّبعِ الأواخرِ مِن رمضانَ" (^١).
وإذا حَسَبْنا أوَّلَ السَّبعِ الأواخرِ ليلةَ أربعٍ وعشرينَ؛ كانَتْ ليلةُ سبعٍ وعشرينَ نصفَ السَّبعِ؛ لأنَّ قبلَها ثلاثُ ليالٍ وبعدَها ثلاثُ ليالٍ.
وممَّا يُرَجِّحُ أن ليلةَ القدرِ ليلةُ سبعٍ وعشرينَ أنَّها مِن السَّبعِ الأواخرِ التي أمَرَ النَّبيُّ - ﷺ - بالتماسِها فيها بالاتِّفاقِ. وفي دخولِ الثَّالثةِ والعشرينَ في السَّبعِ اختلافٌ سَبَقَ ذكرُهُ، ولا خلافَ أنَّها آكَدُ مِن الخامسةِ والعشرينَ.
وممَّا يَدُلُّ على ذلكَ أيضًا حديثُ أبي ذَرٍّ في قيامِ النَّبيِّ - ﷺ - بهِم في أفرادِ السَّبعِ الأواخرِ، وأنَّهُ قامَ بهِم في الثَّالثةِ والعشرينَ إلى ثلثِ الليلِ، وفي الخامسةِ إلى نصفِ الليلِ، وفي السَّابعةِ إلى آخرِ الليلِ حتَّى خَشُوا أنْ يَفوتَهُمُ الفلاحُ، وجَمَعَ أهلَهُ ليلتئذٍ وجَمَعَ النَّاسَ (^٢).
وهذا كلُّهُ يَدُلُّ على تأكُّدِها على سائرِ أفرادِ السَّبعِ والعشرِ (^٣).
وممَّا يَدُلُّ على ذلكَ (^٤) ما اسْتَشْهَدَ بهِ ابنُ عَبَّاسٍ بحضرةِ عُمَرَ والصَّحابةُ معَهُ
_________________
(١) (ضعيف). رواه: الطيالسي (٣٩٤)، وابن أبي شيبة (٨٦٦٥ و٩٥٠٩)، وأحمد (١/ ٤٠٦ و٤٥٧)، والبخاري في "الكنى" (ص ٦٢)، وبحشل في "التاريخ" (١/ ٨٩) تعليقًا، وأبو يعلى (٥٣٧١)، وابن أبي حاتم في "العلل" (٧٧٧) تعليقًا، والشاشي في "المسند" (٨٦٣)، وابن عبد البرّ في "التمهيد" (٢/ ٢٠٧)؛ من طريقين، عن أبي عقرب الأسدي، عن ابن مسعود … رفعه. قال الهيثمي (٣/ ١٧٧): "أبو عقرب لم أجد من ترجمه". قلت: مجهول. والطريقان إليه ضعيفتان: في إحداهما أبو الصلت بيّاع الزاد مجهول، وفي الأخرى أبو خالد الدالاني ليّن مدلّس وقد عنعن.
(٢) (صحيح). تقدّم تفصيل القول فيه (ص ٣٩٦ - ٣٩٧).
(٣) فيه نظر من أوجه: أوّلها: أن أدلّة وقوعها ليلة إحدى وثلاث وعشرين أقوى وأصحّ ولذلك خرّجها الشيخان. والثاني: أنّ أكثر أدلّة وقوعها ليلة سبع وعشرين اجتهاديّة من الصحابة والتابعين غير مرفوعة بخلاف ليلة إحدى وثلاث وعشرين. والثالث: أن أقوى ما جاء في ليلة سبع وعشرين مرفوعًا حديث أبي ذرّ ومعاوية: فأمّا حديث أبي، ذرّ؛ فغير صريح في وقوعها ليلة سبع وعشرين فمن الممكن أن تكون في ليلة تسع وعشرين ومن الممكن أن تكون في تلك السنة على الخصوص ليلة سبع وعشرين. وأمّا حديث معاوية؛ فقد تكلّموا في سنده ومتنه، ونصّ ابن حبّان (٣٦٦١) يدلّ على أنّ معاوية لم يذكر ليلة سبع وعشرين على سبيل التحديد بل على سبيل الإضافة على من خصّ ليلة القدر بإحدى وثلاث وخمس وعشرين.
(٤) وليس فيه دليل حقيقة ولا إشارة إلى أن ليلة القدر هي الليلة السابعة والعشرون كما سيأتيك قريبًا من كلام المصنف نفسه يرحمه الله.
[ ٤٥٨ ]
وَاسْتَحْسَنَهُ عُمَرَ (^١)، وقد رُوِيَ مِن وجوهٍ متعدِّدةٍ:
فرَوى عَبْدُ الرَّزَّاقِ في "كتابِهِ": عن مَعْمَرٍ، عن قَتادَةَ وعاصِمٍ؛ أنَّهُما سَمِعا عِكْرِمَةَ يَقولُ: قالَ ابنُ عَبَّاسٍ: دَعا عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ أصحابَ مُحَمَّدٍ - ﷺ -، فسَألَهُم عن ليلةِ القدرِ، فأجْمَعوا على أنَّها في العشرِ الأواخرِ. قالَ ابنُ عَبَّاسٍ: فقُلْتُ لعُمَرَ: إنِّي لأعلمُ (أو: إنِّي لأظُنُّ) أيُّ ليلةٍ هيَ. قالَ عُمَرُ: وأيُّ ليلةٍ هيَ؟ قُلْتُ: سابعةٌ تَمْضي أو سابعةٌ تَبْقى مِن العشرِ الأواخرِ. فقالَ عُمَرُ: ومِن أينَ عَلِمْتَ ذلكَ؟ قالَ: فقُلْتُ: إنَّ الله خَلَقَ سبعَ سماواتٍ، وسبعَ أرضينَ، وسبعةَ أيَّامٍ، وإنَّ الدَّهرَ يَدورُ على سبعٍ، وخَلَقَ اللهُ الإنسانَ مِن سبعٍ، ويَأْكُلُ مِن سبعٍ، ويَسْجُدُ على سبعٍ، والطَّوافُ بالبيتِ سبعٌ، ورميُ الجمارِ سبعٌ … لأشياءَ ذَكَرَها. فقالَ عُمَرُ: لقد فَطِنْتَ لأمرٍ ما فَطِنَّا لهُ.
وكانَ قَتادَةُ يَزيدُ عن ابن عَبَّاسٍ في قولِهِ "يَأْكُلُ مِن سبعٍ"؛ قالَ: هوَ قولُ اللهِ ﷿: ﴿فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا …﴾ الآيةَ [عبس: ٢٧ - ٣١].
ولكنْ في هذهِ الرِّوايةِ أنها في سبعٍ تَمْضي أو تَبْقى بالتَّرديدِ في ذلكَ.
وخَرَّجَهُ ابنُ شاهِينَ مِن روايةِ: عَبْدِ الواحِدِ بن زيادٍ، عن عاصِمٍ الأحْوَلِ، حَدَّثَني لاحِقُ بنُ حُمَيْدٍ وعِكْرِمَةُ؛ قالا: قالَ عُمَرُ: مَن يَعْلَمُ ليلةَ القدرِ؟ فذَكَرَ الحديثَ بنحوِهِ، وزادَ أن أبنَ عَبَّاسٍ قالَ: قالَ رسولُ اللهِ - ﷺ -: "هيَ في العشرِ، في سبعٍ تَمْضي أو سبعٍ تَبْقى" (^٢)، فخالَفَ في إسنادِهِ وجَعَلَهُ مرسلًا ورَفَعَ آخرَهُ.
رَوى ابنُ عَبْدِ البَرِّ بإسنادٍ صحيح مِن طريقِ سَعيدِ بن جُبَيْرٍ؛ قالَ: كانَ ناسٌ مِن المهاجرينَ وَجَدوا على عُمَرَ في إدنائِهِ ابنَ عَبَّاسٍ، فجَمَعَهُم، ثمَّ سَألَهُم عن ليلةِ القدرِ، فأكْثَروا فيها، فقالَ بعضهُم: كنَّا نَراها في العشرِ الأوسطِ، ثمَّ بَلَغَنا أنَّها في العشرِ الأواخرِ، فأكْثَروا فيها، فقالَ بعضُهُم: ليلةُ إحدى وعشرينَ، وقالَ بعضُهُم: ليلةُ ثلاثٍ وعشرينَ، وقالَ بعضُهُم: ليلةُ سبعٍ وعشرينَ. فقالَ عُمَرُ: يا ابنَ عَبَّاسٍ! تَكَلَّمْ. فقالَ:
_________________
(١) في م ون: "بمحضر عمر والصحابة معه واستحسنه عمر".
(٢) روى هذا الشقّ المرفوع البخاري (٣٢ - ليلة القدر، ٣ - تحرّي ليلة القدر، ٤/ ٢٦٠/ ٢٠٢٢) من هذه الطريق نفسها.
[ ٤٥٩ ]
اللهُ أعلمُ. قالَ عُمَرُ: قد نَعْلَمُ أن الله يَعْلَمُ، وإنَّما نَسْألُكَ عن علمِكَ. فقالَ ابنُ عَبَّاسٍ: إنَّ الله وترٌ يُحِبُّ الوترَ، خَلَقَ مِن خلقِهِ سبعَ سماواتٍ فاسْتَوى عليهِنَّ، وخَلَقَ الأرضَ سبعًا، وجَعَلَ عدَّةَ الأيَّامِ سبعًا، ورميَ الجمارِ سبعًا، وخَلَقَ الإنسانَ مِن سبعٍ، وجَعَلَ رزقَهُ مِن سبعٍ. فقالَ عُمَرُ: خَلَقَ الإنسانَ مِن سبعٍ وجَعَلَ رزقَهُ مِن سبعٍ هذا أمرٌ ما فَهِمْتُهُ. فقالَ: إنَّ الله يَقولُ: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ﴾ حتَّى بَلَغَ آخرَ الآياتِ [المؤمنون: ١٢ - ١٤]. وقَرَأ: ﴿أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا. ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا. فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا. وَعِنَبًا وَقَضْبًا. وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا …﴾ إلى قولهِ: ﴿وَلِأَنْعَامِكُمْ﴾ [عبس: ٢٥ - ٣٢]. ثمَّ قالَ: والأبُّ للدَّوابِّ.
وخَرَّجَهُ ابنُ سَعْدٍ في "طبقاتِهِ" عن: إسْحاقَ الأزْرَقِ، عن عَبْدِ المَلِكِ بن أبي سُلَيْمانَ، عن سَعيدِ بن جُبَيْرٍ … فذَكَرَهُ بمعناهُ، وزادَ في آخرِهِ: قالَ: وأمَّا ليلةُ القدرِ؛ فما نَراها إنْ شاءَ اللهُ إلَّا ليلةَ ثلاثٍ وعشرينَ يَمْضِينَ [أ] وسبعٍ يَبْقَيْنَ.
والظَّاهرُ أن هذا سَمِعَهُ سَعيدُ بنُ جُبَيْرٍ مِنِ ابن عَبَّاسٍ فيَكونُ متَّصلًا.
ورَوى: عاصِمُ بنُ كُلَيْبٍ، عن أبيهِ، عن ابن عَبَّاسٍ؛ قالَ: دَعا عُمَرُ الأشياخَ مِن أصحابِ مُحَمَّدٍ - ﷺ - ذاتَ يومٍ، فقالَ لهُم: إنَّ رسولَ اللهِ - ﷺ - قالَ في ليلةِ القدرِ مما قد عَلِمْتُمُ "الْتَمِسوها في العشرِ الأواخرِ وترًا" (^١)، ففي أيِّ الوترِ تَرَوْنَها؟ فقالَ رجلٌ برأْيِهِ: إنَّها تاسعةٌ، سابعةٌ، خامسةٌ، ثالثةٌ. فقالَ: يا ابنَ عَبَّاسٍ! تَكَلَّمْ. قالَ: قُلْتُ: أقولُ
_________________
(١) (صحيح). رواه: ابن أبي شيبة (٨٦٧٠ و٩٥٢٧)، وإسحاق في "مسنده" (٤/ ٢٦٢ - فتح)، وأحمد (١/ ١٤ و٤٣)، والبزّار (٢١٠)، وابن نصر في "قيام رمضان" (ص ٢٥٢)، وأبو يعلى (١٦٥ و١٦٨)، وابن خزيمة (٢١٧٢ و٢١٧٣) والإسماعيلي في "مسند عمر" (٣٠ - ٣٣)، والحاكم (١/ ٤٣٧ - ٤٣٨)، والبيهقي في "السنن" (٤/ ٣١٣) و"الشعب" (٣٦٨٦)، وابن عبد البرّ في "التمهيد" (٢/ ٢١٠)، والضياء في "المختارة" (١/ ٢٧٦/ ١٦٦ - ١٦٧)؛ من طرق، عن عاصم بن كليب، عن أبيه، عن ابن عبّاس، عن عمر … رفعه مع القصّة وبدونها. قال الحاكم: "على شرط مسلم"، ووافقه الذهبي. وقال الهيثمي (٣/ ١٧٧): "رجال أبي يعلى ثقات". قلت: لم يرو مسلم لكليب أبي عاصم شيئًا، وهو صدوق حسن الحديث، فالسند كذلك. ورواه أيضًا: ابن خزيمة (٢١٧٤)، والحاكم (١/ ٤٣٨)؛ من طريق قويّة، عن عبد الملك بن أبي سليمان، عن سعيد بن جبير، عن ابن عبّاس … مثله. وهذا سند قويّ. والحديث صحيح بمجموع طريقيه، وقد صحّحه الحاكم والذهبي والهيثمي والألباني.
[ ٤٦٠ ]
برأْيي؟ قالَ: عن رأْيِكَ أسْألُكَ. قُلْتُ: إنِّي سَمِعْتُ الله أكثرَ مِن ذكرِ السَّبعِ … وذَكَرَ باقيَهُ بمعنى ما تَقَدَّمَ. وفي آخرِهِ: قالَ عُمَرُ: أعَجَزْتُمْ أنْ تَقولوا مثلَ ما قالَ هذا الغلامُ الذي لم تَسْتَوِ شؤونُ رأْسِهِ؟! خَرَّجَهُ الإسْماعيلِيُّ في "مسند عُمَر" والحاكِمُ وقالَ: صحيحُ الإسنادِ.
وخَرَّجَهُ الثَّعْلَبِيُّ في "تفسيرِهِ" وزادَ: قالَ ابنُ عَبَّاسٍ: فما أراها إلَّا ليلةَ ثلاثٍ وعشرينَ لسبعٍ يَبْقَيْنَ.
وخَرَّجَ عَلِيُّ بنُ المَدِينِيِّ في كتابِ "العلل" المرفوعَ منهُ وقالَ: هوَ صالحٌ، وليسَ ممَّا يُحْتَجُّ بهِ (^١).
ورَوى: مُسْلِمٌ المُلائِيُّ - وهوَ ضعيفٌ -، عن مُجاهِدٍ، عن ابن عَبَّاسٍ؛ أن عُمَرَ قالَ لهُ: أخْبِرْني برأْيِكَ عن ليلةِ القدرِ … فذَكَرَ معنى ما تَقَدَّمَ. وفيهِ أن ابنَ عَبَّاسٍ قالَ: لا أراها إلَّا في سبعٍ يَبْقَيْنَ مِن رمضانَ. فقالَ عُمَرُ: وافَقَ رَأْيي رأْيَكَ.
ورُوِيَ بإسنادٍ فيهِ ضعفٌ عن: مُحَمَّدِ بن كَعْبٍ، عن ابن عَبَّاسٍ: أن عُمَرَ جَلَسَ في رهطٍ مِن أصحابِ النَّبيِّ - ﷺ -، فتَذاكَروا ليلةَ القدرِ … فذَكَرَ معنى ما تَقَدَّمَ، وزادَ فيهِ عن ابن عَبَّاسٍ أنَّهُ قالَ: وأُعْطِيَ مِن المثاني سبعًا، ونَهى في كتابِهِ عن نكاحِ الأقربينَ عن سبعٍ، وقَسَمَ الميراثَ في كتابِهِ على سبعٍ، ونَقَعُ في السُّجودِ مِن أجسادِنا على سبعٍ. وقالَ: فأُراها في السَّبعِ الأواخرِ مِن رمضانَ.
وليسَ في شيءٍ مِن هذهِ الرِّواياتِ أنَّها ليلةُ سبعٍ وعشرينَ جزمًا، بل في بعضِها التَّرديدُ بينَ ثلاثٍ وسبعٍ، وفي بعضِها أنَّها ليلةُ ثلاثٍ وعشرينَ؛ لأنَّها أوَّلُ السَّيعِ الأواخرِ على رأْيِهِ (^٢).
وقد صَحَّ عن ابن عَبَّاسٍ أنَّهُ كانَ يَنْضَحُ على أهلِهِ الماءَ ليلةَ ثلاثٍ وعشرينَ. خَرَّجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ. وخَرَّجَهُ ابنُ أبي عاصِمٍ مرفوعًا (^٣)، والموقوفُ أصحُّ.
_________________
(١) بالنسبة لسنده في "العلل"، وقد تبيّن لك ممّا تقدّم أنّ له أسانيد صحيحة تصلح للحجّة.
(٢) وفي بعضها أنّها في السبع الأواخر عمومًا.
(٣) (منكر مرفوعًا صحيح موقوفًا). رواه: ابن أبي عاصم (٤٦١ - لطائف)، والطبراني (١١/ ١٠٤=
[ ٤٦١ ]
وقدِ اسْتَنْبَطَ طائفةٌ مِن المتأخِّرينَ مِن القرآنِ أنَّها ليلةُ سبعٍ وعشرينَ مِن موضعينِ:
أحدُهُما: أن الله تَعالى كَرَّرَ ذكرَ ليلةِ القدرِ في سورةِ القدرِ في ثلاثـ[ـــــةِ] مواضعَ منها، وليلةُ القدرِ حروفُها تسعُ حروفٍ، والتِّسعُ إذا ضُرِبَتْ في ثلاثةٍ فهيَ سبعٌ وعشرونَ!
والثَّاني: أنَّهُ قالَ: ﴿سَلَامٌ هِيَ﴾، وكلمةُ ﴿هِيَ﴾ هيَ الكلمةُ السَّابعةُ والعشرونَ مِن السُّورةِ؛ فإنَّ كلماتِها كلَّها ثلاثونَ كلمةً.
قالَ ابنُ عَطِيَّةَ: هذا مِن مُلَحِ التَّفسيرِ لا مِن مَتينِ العلمِ. وهوَ كما قالَ (^١).
وممَّا استَدَلَّ بهِ مَن رَجَّحَ ليلةَ سبعٍ وعشرينَ بالآياتِ والعلاماتِ التي رُوِيَتْ فيها قديمًا وحديثًا وبما وَقَعَ فيها مِن إجابةِ الدَّعواتِ:
فقد تَقَدَّمَ عن أُبَيِّ بن كَعْبٍ أنَّهُ أستَدَلَّ على ذلكَ بطلوعِ الشَّمسِ في صبيحتِها لا شعاعَ لها.
وكانَ عَبْدَةُ بنُ أبي لُبابَةَ يَقولُ: هيَ ليلةُ سبعٍ وعشرينَ، ويَسْتَدِلُّ على ذلكَ بأنَّهُ قد جَرَّبَ ذلكَ بأشياءَ وبالنُّجومِ (^٢). خَرَّجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ.
ورُوِيَ عن عَبْدَةَ أنَّهُ ذاقَ ماءَ البحرِ ليلةَ سبَعٍ وعشرينَ فإذا هوَ
_________________
(١) = / ١١٢٥٩)؛ من طريق أبي بحر، عن ابن جريج، عن عبيد الله بن أبي يزيد، عن ابن عبّاس … رفعه. وهذا سند ضعيف فيه علّتان: أولاهما: أنّ أبا بحر البكراوي هذا ضعيف. والثانية: أنّه خالف الثقات فقد رواه: عبد الرزّاق (٧٦٨٦)، وابن أبي شيبة (٨٦٨٨ و٩٥٤١) من طريق يحيى بن سعيد؛ كلاهما عن ابن جريج … به موقوفًا. وهذا حدّ النكارة.
(٢) أيّ ملح هذه؟! لماذا اعتمد عدد الحروف أوّلًا وعدد الكلمات ثانيًا؟! لماذا وقف عند كلمة ﴿هِيَ﴾ ولم يتابع إلى آخر السورة؟! وغير ذلك كثير ممّا يدلّ على تخبّط أهل الحسابات والأرقام وإتيانهم بالمحالات والضلالات لترويج بضاعتهم الكاسدة! فيومًا يعدّون الأحرف المنقّطة وآخر يعدّون الأحرف الصمّاء وثالثًا يعدّون الأحرف الصوتيّة … وهكذا في سعي محموم لتحصيل تاريخ حوادث ١١ أيلول من سورة التوبة وتاريخ سقوط بغداد من سورة محمَّد! والله المستعان على ضلالات أُولئك الجهلة الذين أعرضوا عن تدبّر القرآن وفهم مقاصده والعمل به وجعلوه شريحة رقميَّة يستخرجون منها ما تمليه عليه أهواؤهم من الإشارات على طريقة الباطنيّة من الصوفية والإسماعيليّة والنصيريّة والقاديانيّة.
(٣) بالنجوم لا بالتنجيم! يعني بالنظر إلى أنّه لا يرمى الشياطين ليلتها بالنجوم. لكن كيف تسنّى له أن يجزم بذلك؟!
[ ٤٦٢ ]
عذبٌ (^١)! ذَكَرَهُ الإمامُ أحْمَدُ بإسنادِهِ.
وطافَ بعضُ السَّلفِ ليلةَ سبعٍ وعشرينَ بالبيتِ الحرامِ، فرَأى الملائكةَ في الهواءِ طائفينَ فوقَ رؤوسِ النَّاسِ!
ورَوى أبو موسى المَدِينِيُّ مِن طريقِ أبي الشَّيخِ الأصْبَهانِيِّ بإسنادٍ لهُ عن: حَمَّادِ بن شُعَيْبٍ، عن رجلٍ منهُم؟ قالَ: كُنْتُ بالسَّوادِ، فلمَّا كانَ في العشرِ الأواخرِ؛ جَعَلْتُ انْظُرُ بالليلِ. فقالَ لي رجلٌ منهُم: إلى أيِّ شيءٍ تَنْظُرُ؟ قُلْتُ: إلى ليلةِ القدرِ. قالَ: فنَمْ؛ فإنِّي سَأُخْبِرُكَ. فلمَّا كانَ ليلةُ سبعٍ وعشرينَ؛ جاءَ، فأخَذَ بيدي، فذَهَبَ بي إلى النَّخلِ، فإذا النَّخلُ واضعٌ سعفَهُ في الأرضِ، فقالَ: لسنا نَرى هذا في السَّنةِ كلِّها إلَّا في هذهِ الليلةِ!
وذَكَرَ أبو موسى بأسانيدَ لهُ أن رجلًا مقعدًا دَعا الله ليلةَ سبع وعشرينَ فأطْلَقَهُ.
وعنِ امرأةٍ مقعدةٍ كذلكَ.
وعن رجلٍ بالبصرةِ كانَ أخرسَ ثلاثينَ سنةً، فدَعا الله ليلةَ سبع وعشرينَ، فأطْلَقَ لسانَهُ فتكَلَّمَ.
وذَكَرَ الوزيرُ أبو المُظَفَّرِ بنُ هُبَيْرَةَ أنَّهُ رأى ليلةَ سبعٍ وعشرينَ - وكانَتْ ليلةَ جمعةٍ - بابًا في السَّماءِ مفتوحًا شاميَّ الكعبةِ. قالَ: فظَنَنْتُهُ حيالَ الحجرةِ النَّبويَّةِ المقدَّسةِ. قالَ: ولم يَزَلْ كذلكَ إلى أنِ الْتَفَتُّ إلى المشرقِ لأنْظُرَ طلوعَ الفجرِ، ثمَّ الْتَفَتُّ إليهِ فوَجَدْتُهُ قد غابَ. قالَ: وإنْ وَقَعَ في ليلةٍ مِن أوتارِ العشرِ ليلةُ جمعةٍ؛ فهيَ أرجى مِن غيرِها.
واعْلَمْ أن جميعَ هذهِ العلاماتِ لا توجِبُ القطعَ بليلةِ القدرِ (^٢).
وقد رَوى سَلَمَةُ بنُ شَبيبٍ في كتابِ "فضائل رمضان": حَدَّثَنا إبْراهيمُ بنُ الحَكَمِ، حَدَّثَني أبي، حَدَّثَني فَرْقَدٌ؛ أن ناسًا مِن الصَّحابةِ كانوا في المسجدِ، فسَمِعوا كلامًا مِن
_________________
(١) وذاقه غيره ليلة سبع عشرة وليلة ثلاث وعشرين فوجده عذبًا!
(٢) بل لا تدلّ عليها أصلًا! بل هي من جنس الدليل الذي يحتاج إلى دليل! وهذا كلّه إن سلمت أسانيدها وصحّت وعرف أصحابها! "فكيف والله أعلم بأسانيدها؟! فكيف وأصحابها "رجل من أهل البصرة" و"رجل منهم" و"بعض السلف"؟!
[ ٤٦٣ ]
السَّماءِ ورَاوْا نورًا مِن السَّماءِ وبابًا مِن السَّماءِ، وذلكَ في شهرِ رمضانَ، فأخْبَروا رسولَ اللهِ - ﷺ - بما رَأَوْا، فزُعِمَ أن رسولَ اللهِ - ﷺ - قالَ: "أمَّا النُّورُ؛ فنورُ ربِّ العزَّةِ تَعالى، وأمَّا البابُ؛ فبابُ السَّماءِ، والكلامُ كلامُ الأنبياءِ، فكلُّ شهرِ رمضانَ على هذهِ الحالِ، ولكنْ هذهِ ليلةٌ كُشِفَ غطاؤُها" (^١). وهذا مرسلٌ ضعيفٌ.
• وأمَّا العملُ في ليلةِ القدرِ؛ فقد ثَبَتَ عن النَّبيِّ - ﷺ - أنَّهُ قالَ: "مَن قامَ ليلةَ القدرِ إيمانًا واحتسابًا؛ غُفِرَ لهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذنبِهِ" (^٢). وقيامُها إنَّما هوَ إحياؤُها بالتَّهجُّدِ فيها والصَّلاةِ.
وقد أمَرَ عائِشَةَ بالدُّعاءِ فيها أيضًا (^٣).
قال سُفْيانُ الثَّوْرِيُّ: الدُّعاءُ في تلكَ الليلةِ أحبُّ إليَّ مِن الصَّلاةِ. قالَ: وإذا كانَ يَقْرَأُ وهوَ يَدْعو ويَرْغَبُ إلى اللهِ في الدُّعاءِ والمسألةِ لَعَلَّهُ يُوافِقُ (^٤). انتهى. ومرادُهُ أنَّ كثرةَ الدُّعاءِ أفضلُ مِن الصَّلاةِ التي لا يَكْثُرُ فيها الدُّعاءُ، وإنْ قَرَأ ودَعا كانَ حسنًا.
وقد كانَ النَّبيُّ - ﷺ - تتَهَجَّدُ في ليالي رمضانَ، ويَقْرَأُ قراءةً مرتَّلةً، لا يَمُرُّ بآيةٍ فيها رحمةٌ إلَّا سَألَ ولا بآيةٍ فيها عذابٌ إلَّا تَعَوَّذَ (^٥)، فيَجْمَعُ بينَ الصَّلاةِ والقراءةِ والدُّعاءِ والتَّفكُّرِ. وهذا أفضلُ الأعمالِ وأكملُها في ليالي العشرِ وغيرِها. واللهُ أعلمُ.
وقد قالا الشَّعْبِيُّ في ليلةِ القدرِ: ليلُها كنهارِها.
وقالَ الشَّافِعِيُّ في القديمِ: أسْتحِبُّ أنْ يَكونَ اجتهادُهُ في نهارِها كاجتهادِهِ في ليلِها.
وهذا يَقْتَضي استحبابَ الاجتهادِ في جميعِ زمانِ العشرِ الأواخرِ؛ ليلِهِ ونهارِهِ.
_________________
(١) (موضوع). لم أقف عليه في غير هذا الموضع، لكنّ المصنّف يرحمه الله أورد سنده وفيه: إبراهيم بن الحكم ضعيف. وأبوه الحكم صاحب أوهام. وفرقد هو السبخيّ ضعيف منكر الحديث. ثمّ هو معضل ساقط الصحابيّ والتابعيّ. ثمّ إنّه سيق سياقة القصص لا سياقة الروايات، ودلك واضح في قوله: "فزُعم أنّ رسول الله - ﷺ - قال". وفي متته نكارة ظاهرة.
(٢) متفق عليه. سيأتي (ص ٤٦٨ - ٤٦٩) من غير ما وجه.
(٣) (صحيح). سيأتي بنصِّه وتخريجه (ص ٤٦٦).
(٤) في خ: "لعلّه أن يوافق"، والأولى ما أثبته من م ون وط.
(٥) (صحيح). تقدّم تفصيل القول فيه (ص ٣٩٤ - ٣٩٥).
[ ٤٦٤ ]
واللهُ أعلمُ.
المحبُّونَ تَطولُ عليهِمُ الليالي فيَعُدُّونَها عذًا لانتظارِ ليالي العشرِ في كلِّ عامٍ، فإذا ظَفِروا بها؛ نالوا مطلوبَهُم وخَدَموا محبوبَهُم (^١).
قَدْ مَزَّقَ الحُبُّ قَميصَ الصَّبْرِ … وَقَدْ غَدَوْتُ حائِرًا في أمْري
آهٍ عَلى تِلْكَ الليالي الغُرِّ … ما كُنَّ إلَّا كَلَيالي القَدْرِ
إنْ عُدْنَ لي مِنْ بَعْدِ هذا الهَجْرِ … وَفَّيْتُ لِلهِ بِكُلِّ نَذْرِ
وَقامَ بالحَمْدِ خَطيبُ شُكْري
رياحُ هذهِ الأسحارِ تَحْمِلُ أنينَ المذنبينَ وأنفاسَ المحبِّينَ وقصصَ التَّائبينَ ثمَّ تَعودُ بردِّ الجوابِ بلا كتابٍ.
أعَلِمْتُمُ أنَّ النَّسيمَ إذا سَرى … حَمَلَ الحديثَ إلى الحَبيبِ كَما جَرى
جَهِلَ العَذولُ بِأنَّني في حُبِّهِمْ … سَهَرُ الدُّجى عِندي ألَذُّ مِن الكَرى
فإذا وَرَدَ بريدُ بردِ السَّحرِ يَحْمِلُ ملطَّفاتِ الألطافِ؛ لمْ يَفْهَمْها غيرُ مَن كُتِبَتْ إليهِ ولا يَعْقِلُها إلَّا كلُّ مشتاقٍ.
نَسيمَ صَبا نَجْدٍ مَتى جِئْتَ حامِلًا … تَحِيَّتَهُمْ فَاطْوِ الحَديثَ عَنِ الرَّكْبِ
وَلا تُذِعِ السِّرَّ المَصونَ فَإنَّني … أغارُ عَلى ذِكْرِ الأحِبَّةِ مِنْ صَحْبي
يا يَعْقوبَ الهجرِ! قد هَبَّتْ ريحُ يوسُفَ الوصلِ، فلوِ اسْتَنْشَقْتَ؛ لَعُدْتَ بعدَ العمى بصيرًا، ولَوَ جَدْتَ ما كُنْتَ لفقدِهِ فقيرًا.
كانَ لي قَلْبٌ أعِيشُ بِهِ … ضاعَ مِنِّي في تَقَلُّبِهِ
رَبِّ فَارْدُدْهُ عَلَيَّ فَقَدْ … عِيلَ صَبْري في تَطَلُّبِهِ
وَأغِثْ ما دامَ بي رَمَقٌ … يا غِياثَ المُسْتَغيثِ بِهِ
لو قامَ المذنبونَ في هذهِ الأسحار، على أقدامِ الانكسار، ورَفَعوا قَصصَ الاعتذار (^٢)، مضمونُها ﴿يَاأَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا
_________________
(١) راجع ما تقدّم (ص ٤٢٥ - ٤٢٦) في لفظ "الخدمة".
(٢) قصص الاعتذار: قصاصات الورق التي كتب عليها الاعتذار.
[ ٤٦٥ ]
الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا﴾ [يوسِف: ٨٨]؛ لَبَرَزَ لهُمُ التَّوقيعُ عليها ﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [يوسف: ٩٢].
أشْكو إلى اللهِ كَما قَدْ شَكا … أوْلادُ يَعْقوبَ إلى يوسُفِ
قَدْ مسَّنِي الضُّرُّ وأنْتَ الذي … تَعْلَمُ حالي وَتَرى مَوْقِفي
بِضاعَتِي المُزْجاةُ مُحْتاجَةٌ … إلى سَماحٍ مِنْ كَريمٍ وَفِي
فَقَدْ أتى المِسْكينُ مُسْتَمْطِرًا … جودَكَ فَارْحَمْ ذُلَّهُ وَاعْطِفِ
فَأوْفِ كَيْلي وتَصَدَّقْ على … هذا المُقِلِّ البائِسِ الأضْعَفِ
• قالَتْ عائِشَةُ ﵂ للنَّبيِّ - ﷺ -: أرَأيْتَ إنْ وافَقْتُ ليلةَ القدرِ؛ ما أقولُ فيها؟ قالَ: "قولي: اللهمَّ! إنَّكَ عفوٌّ تُحِبُّ العفوَ فاعْفُ عَنِّي" (^١).
العفوُّ مِن أسماءِ اللهِ [تَعالى]، وهوَ المتجاوزُ عن سيِّئاتِ عبادِهِ، الماحي لآثارِها عنهُم.
وهوَ يُحِبُّ العفوَ، ويُحِبُّ أنْ يَعْفوَ عن عبادِهِ، ويُحِبُّ مِن عبادِهِ أنْ يَعْفُوَ بعضُهُم عن بعضٍ، فإذا عَفا بعضُهُم عن بعضٍ؛ عامَلَهُم بعفوِهِ، وعفوُهُ أحبُّ إليهِ مِن عقوبتِهِ. وكانَ النَّبيُّ - ﷺ - يَقولُ: "أعوذُ برضاكَ مِن سخطِكَ وعفوِكَ مِن عقوبتِكَ" (^٢).
قالَ يَحْيى بنُ مُعاذٍ: لو لم يَكُنِ العفوُ أحبَّ الأشياءِ إليهِ؛ لم يَبْتَلِ بالذَّنبِ أكرمَ النَّاسِ عليهِ. يُشيرُ إلى أنَّهُ ابْتَلى كثيرًا مِن أوليائِهِ وأحبابِهِ بشيءٍ مِن الدُّنوبِ؛ لِيُعامِلَهُم
_________________
(١) (صحيح). رواه: إسحاق (٣/ ٧٤٨/ ١٣٦١ و١٣٦٢)، وأحمد (٦/ ١٧١/ ١٨٢ و١٨٣ و٢٠٨ و٢٥٨)، وابن ماجه (٢٤ - الدعاء، ٥ - الدعاء بالعفو، ٢/ ١٢٦٥/ ٣٨٥٠)، والترمذي (٤٩ - الدعوات، ٨٥ - باب، ٥/ ٥٣٤/ ٣٥١٣)، وابن نصر في "قيام رمضان" (ص ٢٥٩)، والنسائي في "اليوم والليلة" (٨٧٨ - ٨٨٣) و"الكبرى" (١٠٧٠٨ - ١٠٧١٣)، وأبو يعلى في "المعجم" (٤٣)، والطبراني في "الأوسط" (٢٥٢١) و"الدعاء" (٩١٥ و٩١٦)، وابن السنّي (٧٦٧)، والحاكم (١/ ٥٣٠)، والقضاعي (١٤٧٤ - ١٤٧٨)، والبيهقي في "الشعب" (٣٧٠٠ و٣٧٠١)، و"الصفات" (٩٢)؛ من طرق خمس، عن عائشة … رفعته. قال الترمذي: "حسن صحيح"، وأقرّه المنذري والنووي وابن كثير. وقال الحاكم "على شرط البخاري ومسلم". وأقرّه النووي والذهبي وابن كثير. قلت: طريق الترمذي صحيحة، وطريق الحاكم صحيحة أيضًا، والحديث صحيح غاية باجتماعهما، فكيف وله طرق أُخرى؟! وقد صحّحه الألباني.
(٢) رواه مسلم (٤ - الصلاة، ٤٢ - ما يقال في الركوع، ١/ ٣٥٢/ ٤٨٦) عن أبي هريرة عن عائشة.
[ ٤٦٦ ]
بالعفوِ؛ فإنَّهُ سبحانَهُ يُحِبُّ العفوَ.
قالَ بعضُ السَّلفِ الصَّالحينَ: لو عَلِمْتُ أحبَّ الأعمالِ إلى اللهِ؛ لأجْهَدْتُ نفسي فيهِ. فرَأى قائلًا يَقولُ لهُ في منامِهِ: إنَّكَ تُريدُ ما لا يَكونُ، إنَّ الله يُحِبُّ أنْ يَعْفُوَ ويَغْفِرَ (^١).
وإنَّما أحَبَّ أنْ يَعْفُوَ؛ لِيَكونَ العبادُ كلُّهُم تحتَ عفوِهِ، ولا يُدِلُّ عليهِ أحدٌ منهُم بعملٍ (^٢).
وقد جاءَ في حديثِ ابن عَبَّاسٍ مرفوعًا: "إنَّ الله يَنْظُرُ ليلةَ القدرِ إلى المؤمنينَ مِن أُمَّةِ مُحَمَّدٍ - ﷺ - فيَعْفو عنهُم ويَرْحَمُهُم؛ إلَّا أربعةً: مدمنَ خمرٍ، وعاقًّا، ومشاحنًا، وقاطعَ رحمٍ" (^٣).
لمَّا عَرَفَ العارفونَ جلالَهُ؛ خَضَعوا، ولمَّا سَمعَ المذنبونَ بعفوِهِ؛ طَمِعوا، ما ثَمَّ إلَّا عفوُ اللهِ أو النَّارُ.
لولا طمعُ المذنبينَ في العفوِ؛ لاحْتَرَقَتْ قلوبُهُم باليأْسِ مِن الرَّحمةِ، ولكنْ إذا ذَكَرَتْ عفوَ اللهِ؛ اسْتَرْوَحَتْ إلى بردِ عفوِهِ.
كانَ بعضُ المتقدِّمينَ يَقولُ في دعائِهِ: اللهمَّ! إنَّ ذنوبي قد عَظُمَتْ وجَلَّتْ عن الصِّفةِ، وإنَّها صغيرةٌ في (^٤) جنبِ عفوِكَ، فاعْفُ عنِّي.
وقالَ آخرُ منهُم: جرمي عظيمٌ، وعفوُكَ كبيرٌ، فاجْمَعْ بينَ جرمي وعفوِكَ يا كريمُ!
يا كَبيرَ الذَّنْبِ عَفْوُ الـ … ــــــــــلهِ مِنْ ذَنْبِكَ أكْبَرْ
أكْبَرُ الأوْزارِ في جَنْـ … ــــــــــبِ عَفْوِ اللهِ يَصْغُرْ
_________________
(١) تقدّم هذا الكلام والتعقيب عليه (ص ٦١ - ٦٢).
(٢) يدلّ بعمله: يعجبه عمله، ويرى أنّه أهل للكرامة والاستجابة والولاية والتوفيق. وهذا كثير.
(٣) (موضوع). قطعة من حديث ابن عبّاس الطويل في نداء الحور العين أوّل رمضان، وقد تقدّم طرف منه مع تفصيل القول فيه (ص ٣٧٣). ولهذه القطعة شاهد عند: العقيلي (٣/ ١٣٨)، وابن الجوزي في "الواهيات" (٨٧٩)؛ من طريق أبي معمر عبّاد بن عبد الصمد، عن أنس … رفعه. وأبو معمر متهم هالك، ومتابعته هالكة مثله.
(٤) في خ: "وإنّها صغرت في"، والأولى ما أثبتّه من م وط.
[ ٤٦٧ ]
وإنَّما أمَرَ بسؤالِ العفوِ في ليلةِ القدرِ بعدَ الاجتهادِ في الأعمالِ فيها وفي ليالي العشرِ؛ لأنَّ العارفينَ يَجْتَهِدونَ في الأعمالِ، ثمَّ لا يَرَوْنَ لأنفسِهِم عملًا صالحًا ولا حالًا ولا مقالًا، فيَرْجِعونَ إلى سؤالِ العفوِ كحالِ المذنبِ المقصِّرِ.
قالَ يَحْيى بنُ مُعاذٍ: ليسَ بعارفٍ مَن لم يَكُنْ غايةُ أملِهِ مِن اللهِ العفوَ.
إنْ كُنْتُ لا أصْلُحُ لِلْقُرْبِ … فَشَأْنُكُمْ عَفْوٌ عَنِ الذَّنْبِ
كانَ مُطَرِّفٌ يَقولُ في دعائِهِ: اللهمَّ! ارضَ عنَّا، فإنْ لمْ تَرْضَ عنَّا؛ فاعْفُ عنَّا.
مَن عَظُمَتْ ذنوبُهُ في نفسِهِ؛ لم يَطْمَعْ في الرِّضى وكانَ غايةُ أملِهِ أنْ يَطْمَعَ في العفوِ، ومَن كَمَلَتْ معرفتُهُ؛ لمْ يَرَ نفسَهُ إلَّا في هذهِ المنزلةِ.
يا رَبِّ عَبْدُكَ قَدْ أتا … كَ وَقَدْ أساءَ وَقَدْ هَفا
يَكْفيهِ مِنْكَ حَياؤُهُ … مِنْ سوءِ ما قَدْ أسْلَفا
حَمَلَ الذُّنوبَ عَلى الذُّنو … بِ الموبِقاتِ وَأسْرَفا
وَقَدِ اسْتَجارَ بِذَيْلِ عَفْـ … ـــــــــوِكَ مِنْ عِقابِكَ مُلْحِفا
يا رَبِّ فَاعْفُ (^١) وَعافِهِ … فَلأنْتَ أوْلى مَن عَفا