• الْحَمْدُ للهِ الَّذِيْ أَقَامَ مِنْ شَوَاهِدِ وَحْدَانِيَّتِهِ مَا لَا يَدَعُ لِكُلِّ ذِي بَصِيْرَةٍ رَيْبًا وَلَا شَكًّا، فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفْرًا بِهِ وَشِرْكًا، رَفَعَ مِنَ السَّمَاءِ سَمْكًا، وَحَبَكَهَا طَرَائِقَ حَبْكًا، وَفَرَشَ الْأَرْضَ وَجَعَلَهَا قَرَارًا إِلَى أَجَلٍ تُدَكُّ فِيْهِ دَكًّا، وَأَسْبَغَ عَلَى عِبَادِهِ مِنْ أَصْنَافِ النِّعَمِ وَخَوَّلَهُمْ أَمْوالًا وَمُلْكًا، وَهُوَ الَّذِيْ أَغْنَى وَأَقْنَى وَأَضْحَكَ وَأَبْكَى، يُوكِي عَلَى مَنْ أَوْكَى، وَيُخْلِفُ عَلَى مَنْ أَنْفَقَ بِأَطْيَبَ وَأَزْكَى، أَحْمَدُهُ ﷾ حَمْدًا يَفُوحُ مَندَلًا وَمِسْكًا، وَأشْهَدُ أَنْ لَّا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، تَعَالَى عَمَّا يَقُولُهُ الظَّالِمُونَ زُورًا وَإِفْكًا، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، خَيْرُ مَنْ وَحَّدَ وَصَامَ وَصَلَّى وَزَكَّى، هَتَكَ اللهُ بِهِ سُتُورَ الزَّيْغِ هَتْكًا، وَجَلَّى بِهِ الدِّيْنَ أَمْرًا وَنَهْيًا، فَكَانَ أَتْقَى النَّاسِ لِرَبِّهِ فِعْلًا وَتَرْكًا، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ الَّذِيْنَ قَارَعُوا الْبَاطِلَ وصَكُّوا أَهْلَهُ صَكًّا، وَصَيَّرُوا طَوَاغِيْتَ الْكُفْرِ بِعَوْنِ رَبِّهِمْ صَرْعَى وَهَلْكَى، أَمَّا بَعْدُ:
• فَإِنَّ إِيْتَاءَ الزَّكَاةِ أَحَدُ أَرْكَانِ الْإِسْلَامِ وَمَبَانِيْهِ الْعِظَامِ، وَهَاكَ أَخِي الْمُسْلِمُ جُمْلَةً مِمَّا حُفَّ بِهَذِهِ الشَّعِيْرَةِ الْعَظِيْمَةِ، مِنَ التَّعْرِيْفِ بِهَا، وَبَيَانِ فَضْلِهَا، وَالتَّرْهِيْبِ مِنْ مَنْعِهَا، وَشَيْئًا مِنْ أَحْكَامِهَا:
أَوَّلًا: تَعْرِيْفُهَا: الزَّكَاةُ فِي اللُّغَةِ تَأْتِي عَلَى مَعَانٍ، وَهِيَ:
١. النَّمَاءُ وَالزِّيَادَةُ، وَهُوَ الْأَصْلُ فِي مَعْنَى الزَّكَاةِ، يُقَالُ: زَكَا الزَّرْعُ إِذَا نَمَا، وَكَذَا الْمَالُ.
٢. وَالتَّطْهِيْرُ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ ﷿: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة: ١٠٣].
٣. وَالصَّلَاحُ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ ﷿: ﴿فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً﴾ [الكهف: ٨١].
• وَوَرَدَتْ شَرْعًا بِاعْتِبَارِ هَذِهِ الْمَعَانِي جَمِيْعِهَا؛ فَهِيَ سَبَبٌ لِلنَّمَاءِ فِي الْمَالِ، وَتَكْثِيرِهِ،
[ ٢٧٧ ]
وَحُلُولِ الْبَرَكَةِ فِيْهِ، وَإِصْلَاحِهِ، وَلِأَنَّ أَجْرَهَا يُنْمَى عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى، ويُضَاعَفُ ثَوَابُهَا، وَلِأَنَّهَا تُطَهِّرُ صَاحِبَهَا، وَتَكُونُ عَوْنًا لَهُ عَلَى الصَّلَاحِ. (^١)
• أَخْرَجَ مُسْلِمٌ فِي صَحِيْحِهِ (رَقْم: ٢٥٨٨) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنْ رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، قَالَ: «مَا نَقَصَتْ صَدَقَةٌ مِنْ مَالٍ».
• فَائِدَةٌ: قَالَ النَّوَوِيُّ ﵀: وَاعْلَمْ أَنَّ الزَّكَاةَ لَفْظَةٌ عَرَبِيَّةٌ، مَعْرُوفَةٌ قَبْلَ وُرُودِ الشَّرْعِ، مُسْتَعْمَلَةٌ فِي أَشْعَارِهِمْ، وَذَلِكَ أَكْثَرُ مِنْ أَنْ يُسْتَدَلَّ لَهُ. ا. هـ.
• وَتُسَمَّى أَيْضًا: صَّدَقَةً؛ لِأَنَّهَا دَالَّةٌ عَلَى صِدْقِ إِيْمَانِ صَاحِبِهَا، فَقَدْ قَالَ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «وَالصَّدَقَةُ بُرْهَانٌ». رَوَاهُ مُسْلمٌ (رَقْم: ٢٢٣) مِنْ حَدِيْثِ أَبِي مَالِكٍ الْأَشْعَرِيِّ ﵁.
• وَالصَّدَقَةُ عَلَى الْإِطْلَاقِ أَعَمُّ مِنْ الزَّكَاةِ الْمَفْرُوضَةِ، فَمِنْهَا الْوَاجِبُ، وَمِنْهَا الْمُسْتَحَبُّ.
ثَانِيًا: حُكْمُهَا: هِيَ فَرْضٌ وَرُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْإِسْلَام، وَقَدْ تَّظَاهَرَتِ الْأَدِلَّةُ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ عَلَى ذَلِكَ.
• أَمَّا مِنَ الْكِتَابِ فَقَوْلُهُ ﷿: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣، و٨٣، و١١٠، والنساء: ٧٧، والنور: ٥٦، والمزمل: ٢٥]، وَقَوْلُهُ ﷿: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ [التوبة: ٥]، وَقَوْلُهُ ﷿: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [التوبة: ١١].
• وَأَمَّا مِنَ السُّنَّةِ فَأَحَادِيْثُ كَثِيْرَةٌ، مِنْهَا: حَدِيْثُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄، أَنَّ رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قَالَ: «بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَإِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَحَجِّ الْبَيْتِ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ». رواه البخاري (رَقْم: ٨، و٤٥١٤)، ومسلم (رَقْم: ١٦).
_________________
(١) راجع: "المغني" (ج ٢/ صـ: ٤٢٧)، و"المجموع" (ج ٥/ صـ: ٣٢٤)، و"الفتح" (ج ٣/ صـ: ٢٦٢).
[ ٢٧٨ ]
• وَأَمَّا الْإِجْمَاعُ فَقَدْ نَقَلَهُ جَمْعٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، مِنْهُمُ: ابْنُ حَزْمٍ، وَابْنُ قُدَامَةَ، وَالنَّوَوِيُّ ﵏. (^١)
ثَالِثًا: أَوَّلَ مَا فُرِضَتِ الزّكَاةُ ذَاتُ النِّصَابِ وَالْحَوْلِ فِي الْمَدِيْنَةِ بَعْدَ الْهِجْرَةِ، عَلَى الصَّحِيْحِ الْمَشْهُورِ الَّذِيْ عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ، فَعَنْ قَيْسِ بْنِ سَعْدٍ بْنِ عُبَادَةَ ﵄، قَالَ: «أَمَرَنَا رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بِصَدَقَةِ الْفِطْرِ قَبْلَ أَنْ تَنْزِلَ الزَّكَاةُ، فَلَمَّا نَزَلَتِ الزَّكَاةُ لَمْ يَأْمُرْنَا، وَلَمْ يَنْهَنَا وَنَحْنُ نَفْعَلُهَا». رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ. (^٢)
• قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀: «وَهُوَ دَالٌّ عَلَى أَنَّ فَرْضَ صَدَقَةِ الْفِطْرِ كَانَ قَبْلَ فَرْضِ الزَّكَاةِ؛ فَيَقْتَضِي وُقُوعَهَا بَعْدَ فَرْضِ رَمَضَانَ، وَذَلِكَ بَعْدَ الْهِجْرَةِ».
• قُلْتُ: وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ فَرْضَ رَمَضَانَ كَانَ فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ مِنَ الْهِجْرَةِ النَّبَوِيَّةِ، عَلَى صَاحِبِهَا أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ.
• وَأَمَّا أَصْلُ الزَّكَاةِ مِنْ غَيْرِ تَقْدِيْرٍ بِأَنصِبَةٍ وَحَوَلَانِ الْحَوْلِ، وَلَكِن بِمَا جَادَتْ بِهِ النَّفْسُ وَسَمَحَتْ بِهِ، فَإِنَّهُ كَانَ مَأْمُورًا بِهِ قَبْلَ الْهِجْرَةِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١]، وَقَوْلِهِ ﷿: ﴿وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ (٦) الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ [فصلت: ٦ - ٧]، وَقَوْلِهِ ﷿: ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ (٢٤) لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ [المعارج: ٢٤ - ٢٥]، وَهَذِهِ الْآيَاتُ مَكِّيَّةٌ.
_________________
(١) "المحلى" (ج ٤/ صـ: ٣)، و"المغني" (ج ٢/ صـ: ٤٢٧)، و"المجموع" (ج ٥/ صـ: ٣٢٦).
(٢) "المسند" (رَقْم: ٢٣٨٤٠، و٢٣٨٤٣)، و"سنن النسائي" (رَقْم: ٢٥٠٦، و٢٥٠٧)، و"سنن ابن ماجه" (رَقْم: ١٨٢٨)، وصححه ابن خزيمة (رَقْم: ٢٣٩٤)، والحاكم (رَقْم: ١٤٩١)، وقال: «على شرط الشيخين!»، وقال الحافظ في "الفتح" (ج ٣/ صـ: ٢٦٧): «إسناده صحيح، رجاله رجال الصحيح، إلا أبا عمار الراوي له عن قيس بن سعد، وهو كوفي اسمه: عَرِيب - بالمهملة المفتوحة - بن حميد، وقد وثقه أحمد وابن معين. ا. هـ. وذكره العلامة الوادعي ﵀ في "الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين" (رَقْم: ١٠٨٧).
[ ٢٧٩ ]
رَابعًا: تَجِبُ الزّكَاةُ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ حُرٍّ عَاقِلٍ بَالِغٍ مَلَكَ النِّصَابَ مِلْكًا تَامًّا، وَذَلِكَ بِدَلَالَةِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ.
• فَأَمَّا مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ فَمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ.
• وَأَمَّا الْإِجْمَاعُ فَقَدَ نَقَلَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ، مِنْهُمُ: ابْنُ رُشْدٍ، وَالنَّوَوِيُّ -رحمهما الله-. (^١)
• وَالزَّكَاةُ حَقٌّ مُتَعَلِّقٌ بِالْمَالِ، لَا بِالذِّمَّةِ، وَلِهَذَا تَجِبُ فِي مَالِ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ عَلَى قَوْلِ الْأَكْثَرِ، وَهُوَ الصَّحِيْحِ؛ لِعُمُومِ الْأَدِلَّةِ، وَمِنْهَا قَوْلُهُ ﷿: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التوبة: ١٠٣].
• قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ عُثَيْمِيْنٍ ﵀: «فَالْمَدَارُ عَلَى الْمَالِ لَا عَلَى الْمُتَمَوِّلِ».
• وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لِمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ حِينَ بَعَثَهُ إِلَى اليَمَنِ: «إِنَّكَ سَتَأْتِي قَوْمًا أَهْلَ كِتَابٍ، فَإِذَا جِئْتَهُمْ، فَادْعُهُمْ إِلَى أَنْ يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لَكَ بِذَلِكَ، فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لَكَ بِذَلِكَ، فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ فَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لَكَ بِذَلِكَ، فَإِيَّاكَ وَكَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ وَاتَّقِ دَعْوَةَ المَظْلُومِ، فَإِنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ حِجَابٌ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^٢)
• قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ عُثَيْمِيْنٍ ﵀: «فَجَعَلَ مَحَلَّ الزَّكَاةِ الْمَالَ».
• وَقَالَ: «وَلِأَنَّ الزَّكَاةَ حَقُّ الْآدَمِيِّ؛ فَاسْتَوَى فِي وُجُوبِ أَدَائِهِ الْمُكَلَّفُ وَغَيْرُ الْمُكَلَّفِ، كَمَا لَوْ أَتْلَفَ الصَّغِيْرُ مَالَ إِنسَانٍ فَإِنَّنَا نُلْزِمُهُ بِضَمَانِهِ، مَعَ أَنَّهُ غَيْرُ مُكَلَّفٍ». (^٣)
_________________
(١) "بداية المجتهد" (ج ٢/ صـ: ٥)، و"المجموع" (ج ٥/ صـ: ٣٢٦).
(٢) البخاري (رَقْم: ١٤٩٦)، ومسلم (رَقْم: ١٩).
(٣) "الشرح الممتع" (ج ٦/ صـ: ٢٢ - ٢٣).
[ ٢٨٠ ]
• وَمَنْ مَضَتْ عَلَيْهِ سِنُوْنَ لَمْ يُؤَدِّ زَكَاةَ مَالِهِ فِيْهَا لَزِمَهُ إِخْرَاجُهَا عَنْ جَمِيْعِ السِّنِيْنَ الْمَاضِيَةِ؛ لِأَنَّهَا بِمَثَابَةِ الدِّيْنِ عَلَيْهِ، قَالَ النَّوَوِيُّ ﵀ فِي "الْمَجْمُوعِ" (ج ٥/ صـ: ٣٣٧): سَوَاءٌ عَلِمَ وُجُوبَ الزَّكَاةِ أَمْ لَا، وَسَوَاءٌ كَانَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ أَمْ دَارِ الْحَرْبِ، هَذَا مَذْهَبُنَا. ا. هـ، وَذَكَرَ أَيْضًا أَنَّهُ قَوْلُ مَالِكٍ وَأَبِي ثَوْرٍ.
• وَإِنْ تَلِفَتْ عَلَيْهِ الزَّكَاةُ أَوْ ضَاعَتْ قَبْلَ إِيْصَالِهَا إِلَى مُسْتَحِقِّيْهَا فَإِنَّهَا تَبْقَى فِي ذِمَّتِهِ، وَلَا تَسْقُطُ عَنْهُ.
• وَمَنْ كَانَ لَهُ دَيْنٌ عَلَى غَيْرِهِ، فَإن كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الدَّيْنُ مُعْتَرِفًا بِهِ بَاذِلًا لَهُ، فَعَلَى صَاحِبِهِ زَكَاتُهُ إِنْ كَانَ قَدْ بَلَغَ النِّصَابَ وَحَالَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ؛ لِأَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى أَخْذِهِ وَالتَّصَرُّفِ فِيهِ، فَلَزِمَهُ إخْرَاجُ زَكَاتِهِ، كَالْوَدِيعَة.
• وَهَذَا الْقَوْلُ مَنقُولٌ عَنْ بَعْضِ الصَّحَابَةِ وَجَمَاعَةٍ مِنَ التَّابِعِيْنَ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَإِسْحَاقَ، وَأَبِي عُبَيْدٍ، وَهُوَ الصَّوَابُ. (^١)
• فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الدَّيْنُ مُعْسِرًا، أَوْ جَاحِدًا، أَوْ مُمَاطِلًا، فَإِنَّ صَاحِبَهُ يُزَكِّيْهِ إِذَا قَبَضَهُ لِسَنَةٍ وَاحِدَةٍ، وَهِيَ سَنَةُ الْقَبْضِ، وَقِيْلَ: يَسْتَأْنِفُ بِهِ حَوْلًا، ثُمَّ يُزَكِّيْهِ. (^٢)
• وَلَا يَمْنَعُ الدَّيْنُ الزَّكَاةَ، فَمَنْ مَلَكَ نِصَابًا حَالَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ وَجَبَ إِخْرَاجُ زَكَاتِهِ، سَواءٌ أَكَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ أَمْ لَا.
• وَلَا يُجْزِئُ مَنْ كَانَ لَهُ دَيْنٌ عَلَى جَاحِدٍ قَدْ أَيِسَ منه، أَوْ عَلَى مُعْسِرٍ، أَوْ مُمَاطِلٍ أَنْ يُسْقِطَهُ عَنْهُ مِنْ حِسَابِ زَكَاتِهِ؛ لِأَنَّهُ يَتَوَصَّلُ بِذَلِكَ إِلَى مَنفَعَةٍ، وَهِيَ رِفْدُ مَالِهِ. (^٣)
_________________
(١) راجع: "المجموع شرح المهذب" (ج ٦/ صـ: ٢٠ - ٢٢).
(٢) راجع: "الشرح الممتع" (ج ٦/ صـ: ٢٤ - ٣٥).
(٣) راجع: "مجموع فتاوى ابن باز" (ج ١٤/ صـ: ٢٨٠).
[ ٢٨١ ]
• وَمَنْ مَاتَ بَعْدَ أَنْ وَجَبَتْ فِي مَالِهِ الزَّكَاةُ، فَإِنَّهَا تُخْرَجُ مِنْ مَالِهِ، كَالدَّيْنِ؛ وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «فَدَيْنُ اللَّهِ أَحَقُّ أَنْ يُقْضَى». رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (رَقْم: ١٩٥٣)، وَمُسْلِمٌ (رَقْم: ١١٤٨) مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄.
خَامِسًا: يُشْترَطُ لَهَا النِّيَّةُ، فِي قَوْلِ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ لِقَوْلِهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّةِ، وَإِنَّمَا لِامْرِئٍ مَا نَوَى». رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (رَقْم: ٦٦٨٩)، وَمُسْلِمٌ (رَقْم: ١٩٠٧) مِنْ حَدِيْثِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁.
• فَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ التَّكْلِيْفِ فَعَلَيْهِ أَنْ يَنْوِيَهَا قَبْلِ إِخْرَاجِهَا، سَوَاءٌ أَخْرَجَهَا عَنْ نَفْسِهِ، أَوْ أَخْرَجَهَا غَيْرُهُ عَنْهُ، وَأَمَّا الصَّبِيُّ والمَجْنُونُ، فَيَنْوِيْهَا مَنْ يُخْرِجُ عَنْهُ. (^١)
• وَذَهَبَ الْأَوْزَاعِيٌّ إِلَى عَدَمِ اشْتِرَاطِهَا، فَلَوْ أَنَّ الْإِنسَانَ دَفَعَ عَنْ غَيْرِهِ زَكَاةً، وَأَجَازَهُ الْغَيْرُ، فَإِنَّ ذلك يُجْزِئُ، وَرَجَّحَهُ الْعَلَامَةُ ابْنُ عُثَيْمِينٍ ﵀، وَمَثَّلَ لِذَلِكَ بِرَجُلٍ جَاءَ، فَطَلَبَ مِنْ رَجُلٍ مَالًا من الزَّكَاةِ لِلْمُجَاهِدِيْنَ، وَكَانَ الْمَطْلُوبُ مِنْهُ يعْلَمُ أَنَّ صَاحِبًا لَهُ عِندَهُ زَكَاةٌ كَثِيْرَةٌ، فَأَعْطَي هَذَا الرَّجُلَ ثَلَاثِيْنَ أَلْفًا، عَلَى أَنَّهَا زَكَاةُ صَاحِبِهِ، فَفِي هَذِهِ الصُّوْرَةِ لَا تُجْزِئُ؛ لِأَنَّ الزَّكَاةَ تَجِبُ فِيْهَا النِّيَّةُ، وَالَّذي عَلَيْهِ الزَّكَاةُ لَمْ يَنْوِ هُنَا، وَيَكُونُ مَا دُفِعَ صَدَقَةً نَافِلَةً.
• قَالَ ابْنُ عُثَيْمِيْنٍ: فَلَوْ أَنَّنِي أَخْبَرْتُهُ، وَقُلْتُ: إِنَّنِي دَفَعْتُ عَنْكَ زَكَاةً، فَقَالَ: جَزَاكَ اللهُ خَيْرًا، وَأَنَا مُجِيْزٌ لَكَ هَذَا التَّصَرُّفَ، فَالْمَذْهَبُ لَا يُجْزِئُ؛ لِعَدَمِ وُجُودِ النِّيَّةِ حِيْنَ الدَّفْعِ.
• ثُمَّ صَحَّحَ الْإجْزَاءَ، وَاحْتَجَّ بِحَدِيْثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: وَكَّلَنِي رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بِحِفْظِ زَكَاةِ رَمَضَانَ، فَأَتَانِي آتٍ فَجَعَلَ يَحْثُو مِنَ الطَّعَامِ فَأَخَذْتُهُ، وَقُلْتُ: وَاللَّهِ لَأَرْفَعَنَّكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، قَالَ: إِنِّي مُحْتَاجٌ،
_________________
(١) راجع: "البيان" (ج ٣/ صـ: ٣٩٩)، و"المغني" (ج ٢/ صـ: ٤٧٧)، و"مسك الختام" (ج ٢/ صـ: ٢٥٣ - ٢٥٤).
[ ٢٨٢ ]
وَعَلَيَّ عِيَالٌ وَلِي حَاجَةٌ شَدِيدَةٌ، قَالَ: فَخَلَّيْتُ عَنْهُ، فَأَصْبَحْتُ، فَقَالَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، مَا فَعَلَ أَسِيرُكَ البَارِحَةَ؟»، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، شَكَا حَاجَةً شَدِيدَةً، وَعِيَالًا، فَرَحِمْتُهُ، فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ. وَذَكَرَ الْحَدِيْثَ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (رَقْم: ٢٣١١) عَلَى صُورَةِ الْمُعَلَّقِ، وَهُوَ صَحِيحٌ. (^١)
• قَالَ ابْنُ عُثَيْمِيْنٍ ﵀: فَأَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ حِينَ دَفَعَ مِنَ الزَّكَاةِ لَمْ يَدْفَعْ بِإِذْنِ الرَّسُولِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، لَكِنِ الرَّسُولُ ﵊ أَجَازَهُ. ا. هـ.
• وَقَالَ فِي بَابِ زَكَاةِ الْفِطْرِ: «وَالشَّاهِدُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ الرَّسُولَ ﵊ أَجَازَ هَذَا التَّصَرُّفَ مِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، وَجَعَلَهُ مُجْزِئًا، مَعَ أَنَّ الْمَأْخُوذَ مِنْهُ زَكَاةٌ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ وَكِيْلٌ فِي الْحِفْظِ، لَا وَكَيْلٌ فِي التَّصَرُّفِ. ا. هـ. (^٢)
• وَالْأَظْهَرُ وَالْأَحْوَطُ: أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنَ النِّيَّةِ، وَمَحَلُّ النِّيَّةِ: الْقَلْبُ، كَمَا سَبَقَ بَيَانُهُ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيْقُ.
سَادِسًا: مَا يَترَتبُ عَلَى مَنْعِهَا: مَنْ مَنَعَ الزَّكَاةَ جُحُودًا كَفَرَ، إِلَّا إِن كَانَ مِمَّنْ يَخْفَى عَلَيْهِ ذَلِكَ، كَأن يَكُونَ قَرِيبَ عَهْدٍ بِالْإِسْلَامِ، أَوْ نَشَأَ بِبَادِيَةٍ بَعِيْدَةٍ، أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ؛ لَمْ يُحْكَمْ بِكُفْرِهِ، بَلْ يُعَرَّفُ وُجُوبَهَا، وَتُؤْخَذُ مِنْهُ. (^٣)
• فَإِنْ مَنَعَهَا بُخْلًا مَعَ اعْتِقَادِهِ وُجُوبَهَا لَمْ يَكْفُرْ، وَيَكُونُ مُرْتَكِبًا لِكَبِيْرَةٍ مِنْ كَبَائِرِ الذُّنُوبِ.
• قَالَ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٣٤) يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ
_________________
(١) راجع: "الفتح" (ج ٤/ صـ: ٤٨٨)، و"تغليق التعليق" (ج ٣/ صـ: ٢٩٦).
(٢) "الشرح الممتع" (ج ٦/ صـ: ١٦٥ - ١٦٦، وج ٩/ صـ: ٢٠١).
(٣) "المجموع" (ج ٥/ صـ: ٣٣٤).
[ ٢٨٣ ]
وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ﴾ [التوبة: ٣٤ - ٣٥].
• وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «مَا مِنْ صَاحِبِ ذَهَبٍ وَلَا فِضَّةٍ، لَا يُؤَدِّي مِنْهَا حَقَّهَا، إِلَّا إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ، صُفِّحَتْ لَهُ صَفَائِحُ مِنْ نَارٍ، فَأُحْمِيَ عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ، فَيُكْوَى بِهَا جَنْبُهُ وَجَبِينُهُ وَظَهْرُهُ، كُلَّمَا بَرَدَتْ أُعِيدَتْ لَهُ، فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ، حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ الْعِبَادِ، فَيَرَى سَبِيلَهُ (^١)، إِمَّا إِلَى الْجَنَّةِ، وَإِمَّا إِلَى النَّارِ».
• قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، فَالْإِبِلُ؟ قَالَ: «وَلَا صَاحِبُ إِبِلٍ لَا يُؤَدِّي مِنْهَا حَقَّهَا، وَمِنْ حَقِّهَا حَلَبُهَا يَوْمَ وِرْدِهَا، إِلَّا إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ، بُطِحَ لَهَا بِقَاعٍ قَرْقَرٍ، أَوْفَرَ مَا كَانَتْ، لَا يَفْقِدُ مِنْهَا فَصِيلًا وَاحِدًا، تَطَؤُهُ بِأَخْفَافِهَا وَتَعَضُّهُ بِأَفْوَاهِهَا، كُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ أُولَاهَا رُدَّ عَلَيْهِ أُخْرَاهَا، فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ، حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ الْعِبَادِ، فَيَرَى سَبِيلَهُ إِمَّا إِلَى الْجَنَّةِ، وَإِمَّا إِلَى النَّارِ».
• قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، فَالْبَقَرُ وَالْغَنَمُ؟ قَالَ: «وَلَا صَاحِبُ بَقَرٍ، وَلَا غَنَمٍ، لَا يُؤَدِّي مِنْهَا حَقَّهَا، إِلَّا إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ بُطِحَ لَهَا بِقَاعٍ قَرْقَرٍ، لَا يَفْقِدُ مِنْهَا شَيْئًا، لَيْسَ فِيهَا عَقْصَاءُ، وَلَا جَلْحَاءُ، وَلَا عَضْبَاءُ، تَنْطَحُهُ بِقُرُونِهَا وَتَطَؤُهُ بِأَظْلَافِهَا، كُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ أُولَاهَا رُدَّ عَلَيْهِ أُخْرَاهَا، فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ، حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ الْعِبَادِ، فَيَرَى سَبِيلَهُ إِمَّا إِلَى الْجَنَّةِ، وَإِمَّا إِلَى النَّارِ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ (رَقْم: ٩٨٧).
• وَعَنْهُ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «مَنْ آتَاهُ اللَّهُ مَالًا، فَلَمْ يُؤَدِّ زَكَاتَهُ مُثِّلَ لَهُ مَالُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ شُجَاعًا أَقْرَعَ لَهُ زَبِيبَتَانِ يُطَوَّقُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ، ثُمَّ يَأْخُذُ بِلِهْزِمَتَيْهِ - يَعْنِي بِشِدْقَيْهِ - ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا مَالُكَ أَنَا كَنْزُكَ»، ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الآيَةَ: ﴿وَلَا
_________________
(١) ضُبِطَتْ فِي هذا الموضع والموضعين بعده: بضم الياء وفتحها، وبرفع لام سبيله ونصبها. راجع: "شرح النووي على مسلم".
[ ٢٨٤ ]
يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [آل عمران: ١٨٠]، إِلَى آخِرِ الآيَة. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (رَقْم: ١٤٠٣، و٤٥٦٥).
• وَفِي رِوَايَةٍ (رَقْم: ٦٩٥٧): «وَاللَّهِ لَنْ يَزَالَ يَطْلُبُهُ، حَتَّى يَبْسُطَ يَدَهُ فَيُلْقِمَهَا فَاهُ».
• وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ (رَقْم: ٩٨٨) مِنْ حَدِيْثِ جَابِرٍ ﵁، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يَقُولُ: «وَلَا صَاحِبِ كَنْزٍ لَا يَفْعَلُ فِيهِ حَقَّهُ، إِلَّا جَاءَ كَنْزُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ شُجَاعًا أَقْرَعَ، يَتْبَعُهُ فَاتِحًا فَاهُ، فَإِذَا أَتَاهُ فَرَّ مِنْهُ، فَيُنَادِيهِ: خُذْ كَنْزَكَ الَّذِي خَبَأْتَهُ، فَأَنَا عَنْهُ غَنِيٌّ، فَإِذَا رَأَى أَنْ لَا بُدَّ مِنْهُ، سَلَكَ يَدَهُ فِي فِيهِ، فَيَقْضَمُهَا قَضْمَ الْفَحْلِ».
• وَالشُّجَاعُ: الْحَيَّةُ الذَّكَرُ، وَالْأَقْرَعُ: الَّذِي تَمَعَّطَ شَعْرُهُ؛ لِكَثْرَةِ سُمِّهِ، وَقِيلَ: الشُّجَاعُ الَّذِي يُوَاثِبُ الرَّاجِلَ وَالْفَارِسَ وَيَقُومُ عَلَى ذَنَبِهِ، وَرُبَّمَا بَلَغَ رَأْسَ الْفَارِسِ وَيَكُونُ فِي الصَّحَارِي. قَالَهُ النَّوَوِيُّ ﵀.
• وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، قَالَ: أَقْبَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، فَقَالَ: «يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ، خَمْسٌ إِذَا ابْتُلِيتُمْ بِهِنَّ، وَأَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ تُدْرِكُوهُنَّ: لَمْ تَظْهَرِ الْفَاحِشَةُ فِي قَوْمٍ قَطُّ، حَتَّى يُعْلِنُوا بِهَا، إِلَّا فَشَا فِيهِمُ الطَّاعُونُ، وَالْأَوْجَاعُ الَّتِي لَمْ تَكُنْ مَضَتْ فِي أَسْلَافِهِمُ الَّذِينَ مَضَوْا، وَلَمْ يَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ، إِلَّا أُخِذُوا بِالسِّنِينَ، وَشِدَّةِ الْمُؤْنَةِ، وَجَوْرِ السُّلْطَانِ عَلَيْهِمْ، وَلَمْ يَمْنَعُوا زَكَاةَ أَمْوَالِهِمْ، إِلَّا مُنِعُوا الْقَطْرَ مِنَ السَّمَاءِ، وَلَوْلَا الْبَهَائِمُ لَمْ يُمْطَرُوا، وَلَمْ يَنْقُضُوا عَهْدَ اللَّهِ، وَعَهْدَ رَسُولِهِ، إِلَّا سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ غَيْرِهِمْ، فَأَخَذُوا بَعْضَ مَا فِي أَيْدِيهِمْ، وَمَا لَمْ تَحْكُمْ أَئِمَّتُهُمْ بِكِتَابِ اللَّهِ، وَيَتَخَيَّرُوا مِمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ، إِلَّا جَعَلَ اللَّهُ بَأْسَهُمْ بَيْنَهُمْ». أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالْحَاكِمُ. (^١)
_________________
(١) سنن ابن ماجه (رَقْم: ٤٠١٩)، و"المستدرك" (رَقْم: ٨٦٢٣)، وفي إسناد ابن ماجه ضعف، وإسناد الحاكم حسن، كما قال الإمام الألباني في "الصحيحة" (رَقْم: ١٠٦)، وقد صححه الحاكم ووافقه الذهبي. ولمعظم الحديث - ومنه موضع الشاهد - شاهد من حديث بريدة بن الحصيب ﵁، أخرجه الحاكم (رَقْم: ٢٥٧٧)، وصححه على شرط مسلم، ووافقه الذهبي، وأقرهما الألباني في "الصحيحة" (رَقْم: ١٠٧).
[ ٢٨٥ ]
• فَإِنْ مَنَعَ فَرْدٌ أَوْ جَمَاعَةٌ الزَّكَاةَ، وَلَمْ يُمْكِن لِلْإِمَامِ أَخْذُهَا مِنْهُمْ إِلَّا بِقِتَالِهِمْ قَاتَلَهُمْ، فَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قَالَ: «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَّاَ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ، وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ، فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلَّا بِحَقِّ الإِسْلَامِ، وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^١)
• وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: لَمَّا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ ﵁، وَكَفَرَ مَنْ كَفَرَ مِنَ العَرَبِ، فَقَالَ عُمَرُ ﵁: كَيْفَ تُقَاتِلُ النَّاسَ؟ وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَمَنْ قَالَهَا فَقَدْ عَصَمَ مِنِّي مَالَهُ وَنَفْسَهُ إِلَّا بِحَقِّهِ، وَحِسَابُهُ عَلَى اللَّهِ».
• فَقَالَ: «وَاللَّهِ لَأُقَاتِلَنَّ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ، فَإِنَّ الزَّكَاةَ حَقُّ المَالِ، وَاللَّهِ لَوْ مَنَعُونِي عَنَاقًا كَانُوا يُؤَدُّونَهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لَقَاتَلْتُهُمْ عَلَى مَنْعِهَا».
• قَالَ عُمَرُ ﵁: «فَوَاللَّهِ مَا هُوَ إِلَّا أَنْ قَدْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَ أَبِي بَكْرٍ، فَعَرَفْتُ أَنَّهُ الحَقُّ». (^٢)
• فَإِنْ قَدَرَ الْإِمَامُ عَلَى أَخْذِ الزَّكَاةِ مِنْهُمْ قَهْرًا أَخَذَهَا، وَلَهُ أَنْ يُعَزِّرَهُمْ، وَهَلْ يَأْخُذُ مِنْ أَمْوَالِهِمْ زِيَادَةً عَلَى الزَّكَاةِ؟ فِيْهِ لِأَهْلِ الْعِلْمِ قَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: يَأَخُذُهَا وَشَطْرَ الْمَالِ؛ لِحَدِيْثِ بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قَالَ: «فِي كُلِّ سَائِمَةِ إِبِلٍ فِي أَرْبَعِينَ بِنْتُ لَبُونٍ، وَلَا يُفَرَّقُ
_________________
(١) البخاري (رَقْم: ٢٥)، ومسلم (رَقْم: ٢٢).
(٢) البخاري (رَقْم: ١٣٩٩، و١٤٠٠، و٦٩٢٤، و٦٩٢٥)، ومسلم (رَقْم: ٢٠).
[ ٢٨٦ ]
إِبِلٌ عَنْ حِسَابِهَا، مَنْ أَعْطَاهَا مُؤْتَجِرًا بِهَا فَلَهُ أَجْرُهَا، وَمَنْ مَنَعَهَا فَإِنَّا آخِذُوهَا وَشَطْرَ مَالِهِ، عَزْمَةً مِنْ عَزَمَاتِ رَبِّنَا ﷿، لَيْسَ لِآلِ مُحَمَّدٍ مِنْهَا شَيْءٌ». (^١)
• وَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ فِي الْقَدِيْمِ، وَعَلَّقَ الْقَوْلَ بِهِ فِي الْجَدِيْدِ عَلَى ثُبُوتِهِ، وَهُوَ أَيْضًا قَوْلُ إِسْحَاقَ بْنِ رَاهَوَيِهِ، وَرَجَّحَهُ ابْنُ عُثَيْمِيْنٍ، وَاللَّجْنَةُ الدَّائِمَةُ بِرَئَاسَةِ ابْنِ بَازٍ ﵏. (^٢)
وَالآخَرُ: لَا يَأخُذُ زِيَادَةً عَلَيْهَا، وَبِهِ قَالَ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ، مِنْهُمْ: أَئِمَّةُ الْمَذَاهِبِ الْأَرْبَعَةِ وَأَتْبَاعُهُمْ، وَاحْتَجُّوا بِأَنَّهُ لَمْ يُنقَلْ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ ﵁ أَخَذَ مِمَّنْ مَنَعَ الزَّكَاةَ زِيَادَةً عَلَيْهَا، وَلَا قَالَ أَحَدٌ مِنَ الصَّحَابَةِ بِذَلِكَ.
• قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀: وَأَجَابَ مَنْ صَحَّحَهُ وَلَمْ يَعْمَلْ بِهِ بِأَنَّ الْحُكْمَ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ مَنْسُوخٌ، وَأَنَّ الْأَمْرَ كَانَ أَوَّلًا كَذَلِكَ ثُمَّ نُسِخَ، وَضَعَّفَ النَّوَوِيُّ هَذَا الْجَوَابَ مِنْ جِهَةِ أَنَّ الْعُقُوبَةَ بِالْمَالِ لَا تُعْرَفُ أَوَّلًا حَتَّى يَتِمَّ دَعْوَى النَّسْخِ، وَلِأَنَّ النَّسْخَ لَا يَثْبُتُ إِلَّا بِشَرْطِهِ، كَمَعْرِفَةِ التَّارِيخِ، وَلَا يُعْرَفُ ذَلِكَ، وَاعْتَمَدَ النَّوَوِيُّ مَا أَشَارَ إِلَيْهِ ابْنُ حِبَّانَ مِنْ تَضْعِيفِ بَهْزٍ، وَلَيْسَ بِجَيِّدٍ؛ لِأَنَّهُ مُوَثَّقٌ عِنْدَ الْجُمْهُورِ.
_________________
(١) رواه أحمد (رَقْم: ٢٠٠١٦، و٢٠٠٣٨، و٢٠٠٤١)، وأبو داودَ (رَقْم: ١٥٧٥)، والنسائيُّ (رَقْم: ٢٤٤٤، و٢٤٤٩)، وصححه ابن خزيمة (رَقْم: ٢٢٦٦)، والحاكم (رَقْم: ١٤٤٨)، والذهبيُّ، وحسنه الألباني في "صحيح أبي داود" (رَقْم: ١٤٠٧)، وفي "الإرواء" (رَقْم: ٧٩١)، وهو كما قال؛ فإن سلسلة بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده سلسلة حسنة، من أجل بهز، وقد وثقه خلق من الأئمة، وجده هو معاوية بن حيدة ﵁. • وسئل أحمد عن هذا الحديث، فقال: «ما أدري ما وجهه». فسئل عن إسناده، فقال: «صالح الإسناد». راجع "التلخيص" (ج ٢/ صـ: ٣١٣)، و"تهذيب التهذيب" (ج ١/ صـ: ٤٩٨ - ٤٩٩).
(٢) راجع: "المجموع شرح المهذب" (ج ٥/ صـ: ٣٣١ - ٣٣٢)، و"المغني" (ج ٢/ صـ: ٤٢٨ - ٤٢٩)، و"الشرح الممتع" (ج ٦/ صـ: ٢٠٠ - ٢٠١)، و"فتاوى اللجنة الدائمة" (م. الثانية) (ج ٣/ صـ: ١٦٣).
[ ٢٨٧ ]
• ثُمَّ قَالَ: وَيُؤَيِّدُهُ إِطْبَاقُ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ عَلَى تَرْكِ الْعَمَلِ بِهِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ لَهُ مُعَارِضًا رَاجِحًا، وَقَوْلُ مَنْ قَالَ بِمُقْتَضَاهُ يُعَدُّ فِي نُدْرَةِ الْمُخَالِفِ. ا. هـ.
• قُلْتُ: الْعِبْرَةُ بِالدَّلِيْلِ، وَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ: «أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّ مَنْ اسْتَبَانَتْ لَهُ سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَدَعَهَا لِقَوْلِ أَحَدٍ مِنْ النَّاسِ». (^١)
• قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ عُثَيْمِيْنٍ ﵀: وَلَكِنْ هَلْ هُوَ شَطْرُ مَالِهِ عُمُومًا، أَوْ شَطْرُ مَالِهِ الَّذِيْ مَنَعَ مِنْهُ زَكَاتَهُ؟
• الْجَوَابُ: فِي هَذَا قَوْلَانِ لِلْعُلَمَاءِ:
الأَوَّلُ: أَنَّنَا نَأْخُذُ الزَّكَاةَ وَنِصْفَ مَالِهِ الَّذِيْ مَنَعَ زَكَاتَهُ.
الثَّانِي: أَنَّنَا نَأْخُذُ الزَّكَاةَ وَنِصْفَ مَالِهِ كُلِّهِ.
• مِثَالُ ذَلِكَ: إِذَا كَانَ عِنْدَ رَجُلٍ مِائَةٌ مِنَ الْإِبِلِ وَمِائَةٌ مِنَ الْغَنَمِ، وَمَنَعَ زَكَاةَ الْغَنَمِ، فَعَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ: نَأْخُذُ مِنْهُ خَمْسِيْنَ مِنَ الْغَنَمِ، وَزَكَاةَ الْغَنَمِ.
• وَعَلَى الْقَوْلِ الثَّانِي: نَأْخُذُ مِنْهُ خَمْسِيْنَ مِنَ الْغَنَمَ، وَخَمْسِيْنَ مِنَ الْإِبِلِ، وَزَكَاةَ الْغَنَمِ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ الْمَالُ كُلُّهُ، وَالنَّصُّ مُحْتَمِلٌ.
• فَإِذَا كَانَ مُحْتَمِلًا، فَالظَّاهِرُ أَنَّنَا نَأْخُذُ بِأَيْسَرِ الْاحْتِمَالَيْنِ؛ لِأَنَّ مَا زَادَ عَلَى الْأَيْسَرِ فَمَشْكُوكٌ فِيْهِ، وَالْأَصْلُ احْتِرَامُ مَالِ الْمُسْلِمِ.
• وَلَكِنْ إِذَا انْهَمَكَ النَّاسُ وَتَمَرَّدُوا فِي ذَلِكَ وَمَنَعُوا الزَّكَاةَ، وَرَأَى وَلِيُّ الْأَمْرِ أَنْ يَأْخُذَ بِالِاحْتِمَالِ الْآخَرِ، فَيَأْخُذَ الزَّكَاةَ وَنِصْفَ الْمَالِ كُلِّهِ فَلَهُ ذَلِكَ. ا. هـ.
• فَإِنْ أُخِذَتِ الزَّكَاةُ قَهْرًا مِمَّنْ كَانَ قَدْ مَنَعَهَا بُخْلًا أَجْزَأَتْ عَنْهُ فِي الظَّاهِرِ، قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ عُثَيْمِيْنٍ ﵀: أَمَّا ظَاهِرًا فَإِنَّهَا تَبْرَأُ بِهَا ذِمَّتُهُ فَلَا نُطَالِبُهُ بِهَا مَرَّةً ثَانِيَةً، وَأَمَّا
_________________
(١) "إعلام الموقعين" (ج ١/ صـ: ٦)، و"أصل صفة صلاة النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- " (ج ١/ صـ: ٢٨).
[ ٢٨٨ ]
بَاطِنًا فَإِنَّهَا لَا تَبْرَأُ ذِمَّتُهُ، وَلَا تُجْزِئُهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَنْوِ بِهَا التَّقَرُّبَ إِلَى اللهِ، وَإِبْرَاءَ ذِمَّتِهِ مِنْ حَقِّ اللهِ، وَلِذَلِكَ فَإِنَّهُ يُعَاقَبُ عَلَى ذَلِكَ مُعَاقَبَةَ مَنْ لَمْ تُؤْخَذْ مِنْهُ؛ لِأَنَّهَا أُخْرِجَتْ بِغَيْرِ اخْتِيَارٍ مِنْهُ، فَإِذَا تَابَ مِنْ ذَلِكَ فَإِنَّ مِنْ تَوْبَتِهِ أَنْ يُخْرِجَهَا مَرَّةً ثَانِيَةً. ا. هـ. (^١)
سَابِعًا: يُجْزِئُ دفْعُ الزَّكَاةِ إِلَى الْإِمَامِ الْعَادِلِ، نَقَلَ فِيْهِ الْإِجْمَاعِ: النَّوَوِيُّ، وَشَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ، (^٢) وَإِلَى الْجَائِرِ عَلَى قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ لِحَدِيْثِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، قَالَ: «سَتَكُونُ أَثَرَةٌ وَأُمُورٌ تُنْكِرُونَهَا». قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَمَا تَأْمُرُنَا؟ قَالَ: «تُؤَدُّونَ الحَقَّ الَّذِي عَلَيْكُمْ، وَتَسْأَلُونَ اللَّهَ الَّذِي لَكُمْ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^٣)
• وَلَكِنَّ الْأَبْرَأَ وَالْأَحْوَطَ أَنْ يَتَوَلَّى صَرْفَهَا بِنَفْسِهِ إِنِ اسْتَطَاعَ.
• قَالَ ابْنُ قُدَامَةَ فِي "الْمُغْنِي" (٢/ صـ: ٤٧٩ - ٤٨٠): وَيُسْتَحَبُّ لِلْإِنْسَانِ أَنْ يَلِيَ تَفْرِقَةَ الزَّكَاةِ بِنَفْسِهِ؛ لِيَكُونَ عَلَى يَقِينٍ مِنْ وُصُولِهَا إلَى مُسْتَحِقِّهَا، سَوَاءٌ كَانَتْ مِنْ الْأَمْوَالِ الظَّاهِرَةِ أَوْ الْبَاطِنَةِ، قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: أَعْجَبُ إلَى أَنْ يُخْرِجَهَا، وَإِنْ دَفَعَهَا إلَى السُّلْطَانِ فَهُوَ جَائِزٌ.
• فَإِنْ قِيلَ: فَالْكَلَامُ فِي الْإِمَامِ الْعَادِلِ، إذِ الْخِيَانَةُ مَأْمُونَةٌ فِي حَقِّهِ؛ قُلْنَا: الْإِمَامُ لَا يَتَوَلَّى ذَلِكَ بِنَفْسِهِ، وَإِنَّمَا يُفَوِّضُهُ إلَى نُوَّابِهِ، فَلَا تُؤْمَنُ مِنْهُمْ الْخِيَانَةُ، ثُمَّ رُبَّمَا لَا يَصِلُ إلَى الْمُسْتَحِقِّ الَّذِي قَدْ عَلِمَهُ الْمَالِكُ مِنْ أَهْلِهِ وَجِيرَانِهِ شَيْءٌ مِنْهَا، وَهُمْ أَحَقُّ النَّاسِ بِصِلَتِهِ وَصَدَقَتِهِ وَمُوَاسَاتِهِ. ا. هـ.
• وَتَجَنَّبْ أَخِي الْمُسْلِمُ أَيْضًا إِخْرَاجَهَا إِلَى الطَّوَائِفِ الَّتِي عَرَفَهَا النَّاسُ بِجَمْعِهَا وَتَوْزِيْعِهَا عَلَى أُسُسٍ حِزْبِيَّةٍ! أَوْ صَرْفِهَا فِي غَيْرِ مَصَارِفِهَا! وَتَوَلَّ تَوْزِيْعَهَا بِنَفْسِكَ.
_________________
(١) "الشرح الممتع" (ج ٦/ صـ: ١٩٩).
(٢) "المجموع شرح المهذب" (ج ٦/ صـ: ١٦٥)، و"مجموع الفتاوى" (ج ٢٥/ صـ: ٨١).
(٣) البخاري (رَقْم: ٣٦٠٣)، ومسلم (رَقْم: ١٨٤٣).
[ ٢٨٩ ]
ثَامِنًا: الْأَصْلُ فِي مَكَانِ إِخْرَاجِ الزَّكَاةِ أَنْ يَكُونَ فِي بَلَدِ الْمَالِ؛ لِقَوْلِهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ، فَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ».
• قَالَ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀: «وَهَذَا يَخْتَصُّ بِفُقَرَاءِ بَلَدِهِمْ».
• ويَجُوزُ نَقْلُ الزَّكَاةِ مِنْ بَلَدِ الْمَالِ إِلَى بَلَدٍ آخَرَ لِحَاجَةٍ أَوْ مَصْلَحَةٍ شَرْعِيَّة، عَلَى الْقَوْلِ الصَّحِيْحِ، قَالَ ابْنُ عُثَيْمِيْنٍ ﵀: فَالْحَاجَةُ مِثْلُ مَا لَوْ كَانَ الْبَلَدُ الْبَعِيْدُ أَهْلُهُ أَشَدُّ فَقْرًا، وَالْمَصْلَحَةُ مِثْلُ أَنْ يَكُونَ لِصَاحِبِ الزِّكَاةِ أَقَارِبُ فُقَرَاءُ فِي بَلَدٍ بَعِيْدٍ يُسَاوُونَ فُقَرَاءَ بَلَدِهِ فِي الْحَاجَةِ، فَإِنْ دَفَعَهَا إِلَى أَقَارِبِهِ حَصَلَتِ الْمَصْلَحَةُ، وَهِيَ صَدَقَةٌ وَصِلَةُ رَحِمٍ.
• أَوْ يَكُونُ مَثَلًا فِي بَلَدٍ بَعِيْدٍ: طُلَّابُ عِلْمٍ، حَاجَتُهُمْ مُسَاوِيَةٌ لِحَاجَةِ فُقَرَاءِ بَلَدِهِ.
وَهَذَا الْقَوْلُ هُوَ الصَّحِيْحُ وَهُوَ الَّذِيْ عَلَيْهِ الْعَمَلُ؛ لِعُمُومِ الدَّلِيْلِ: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ [التوبة: ٦٠]. ا. هـ مِنَ "الشَّرْحِ الْمُمْتِعِ" (ج ٦/ صـ: ٢١٠ - ٢١١).
• وَبِمِثْلِ هَذَا قَالَ الْإِمَامُ ابْنُ بَازٍ، كَمَا فِي "مَجْمُوعِ فَتَاوَاهُ" (ج ١٤/ صـ: ٢٤٤).
• وَعَنْ عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ ﵄، أَنَّ زِيَادًا - أَوْ بَعْضَ الْأُمَرَاءِ - بَعَثَه عَلَى الصَّدَقَةِ، فَلَمَّا رَجَعَ قَالَ لِعِمْرَانَ: أَيْنَ الْمَالُ؟ قَالَ: «وَلِلْمَالِ أَرْسَلْتَنِي؟!، أَخَذْنَاهَا مِنْ حَيْثُ كُنَّا نَأْخُذُهَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ، وَوَضَعْنَاهَا حَيْثُ كُنَّا نَضَعُهَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (رَقْم: ١٦٢٥)، وَابْنُ مَاجَهْ (رَقْم: ١٨١١). (^١)
• تَنبِيْهٌ: قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀: «وَتَحْدِيْدُ الْمَنْعِ مِنْ نَقَلِ الزَّكَاةِ بِمَسَافَةِ الْقَصْرِ لَيْسَ عَلَيْهِ دَلِيْلٌ شَرْعِيٌّ». (^٢)
• [كَانُوا يَقُومُونَ الدَّيْجُورَ، بِبُكَاءِ مَطْرُودٍ مَهْجُورٍ، وَرَعْدُ قُلُوبِهِمْ مُقْلِقٌ زَجُورٌ، فَامْتَلأَتْ بِالْعَبَرَاتِ الْحُجُورُ، ﴿يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ﴾ [فاطر: ٢٩].
_________________
(١) وصححه الحاكم (رَقْم: ٥٩٨٩)، ووافقه الذهبي، وكذا صححه الألباني في "صحيح أبي داود" (رَقْم: ١٤٣٧)، وحسنه الوادعي في "الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين" (رَقْم: ١٠١٨).
(٢) "المستدرك على مجموع الفتاوى" (ج ٣/ صـ: ١٦٢).
[ ٢٩٠ ]
• رَفَضُوا الدُّنْيَا شُغُلًا عَنِ الزِّينَةِ، وَأَذَلُّوا نُفُوسَهُمْ فَعَادَتْ مِسْكِيْنَةً، وَعَلِمُوا أَنَّ الدُّنْيَا سَفِيْنَةٌ، فَتَهَيَّأُوا لِلْعُبُورِ، ﴿يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ﴾ [فاطر: ٢٩].
• يُؤْثِرُونَ بِالطَّعَامِ، وَيُؤْثِرُونَ الصِّيَامَ، وَيَأْمُلُونَ فَضْلَ الإِنْعَامِ، فَمَا كَانَتْ إِلَّا أَيَّامٌ، حَتَّى اخْضَرَّتِ الْبُذُورُ، ﴿يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ﴾ [فاطر: ٢٩].
• بَعَثُوا الأَمْوَالَ الْحَبِيبَةَ، إِلَى بِلادِ الْبَعْثِ الْغَرِيبَةِ، فَإِذَا الأَرْبَاحُ عَنْ قَرِيبٍ قَرِيبَةٌ، وَعَلَى هَذَا التِّجَارَةُ تَدُورُ، ﴿يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ﴾ [فاطر: ٢٩].
• الْعَوِيلُ عَليِلٌ، وَالأَنِينُ طَوِيلٌ، وَالْعُيُونُ تَسِيلُ، وَمَا مَضَى إِلَّا الْقَلِيْلُ حَتَّى فَرِحَ الصَّبُورُ، ﴿يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ﴾ [فاطر: ٢٩].
• يَقِفُونَ وُقُوفَ مِسْكِينٍ، وَيَذِلُّونَ ذُلَّ مُسْتَكِينٍ، فَنَالُوا الْمَقَامَ الأَمِينَ، وَانْشَعَبَ قَلْبُ الْحَزِينِ بِأَكْمَلِ الْحُبُورِ، ﴿يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ﴾ [فاطر: ٢٩].
• سَلِيمُهُمْ كَالسَّلِيمِ، وَحُزْنُهُمْ مُقِيمٌ، يَحْذَرُونَ الْجَحِيمَ، وَيَرْجُونَ النَّعِيْمَ فِي كَمَالِ الْحُبُورِ، ﴿يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ﴾ [فاطر: ٢٩].
• يَا مَنْ يَدْفِنُ مَالَهُ تَحْتَ الأَرْضِ، وَلَا يَفْهَمُ مَعْنَى الْقَرْضِ، سَيَخْرُجُ الْوَارِثُ بِالْفَرْضِ إِلَى الدِّرْهَمِ وَالدُّورِ، سُبْحَانَ مَنْ قَضَى لِقَوْمٍ سُرُورًا، وَعَلَى آخَرِينَ ثُبُورًا، فَمَا لَهُمْ مِنْ نُورٍ]. (^١)
• اللَّهُمَّ قِنَا شُحَّ أَنفُسِنَا، اللَّهُمَّ إِنَّا نَعُوذُ بِكَ مِنَ الهَمِّ وَالحَزَنِ، وَالعَجْزِ وَالكَسَلِ، وَالبُخْلِ وَالجُبْنِ، وَضَلَعِ الدَّيْنِ، وَغَلَبَةِ الرِّجَالِ.
وَصَلَى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
سُبْحَانَكَ وَبِحَمْدِك، لَا إِلَه إِلَّا أَنْتَ،
أَسْتَغْفِرُكَ، وَأَتُوبُ إِلَيْكَ
* * *
_________________
(١) "التبصرة" (ج ٢/ صـ: ٢٧١).
[ ٢٩١ ]