تَمُرُ سَاعَاتُ أَيَّامِي بِلَا نَدَمٍ وَلا بُكاءٍ ولا خَوفٍ ولا حَزَنِ
سَفَرِيْ بَعِيْدٌ وَزَادِيْ لا يُبَلِّغُنِي وَقسْمَتي لم تَزَلْ وَالموتُ يَطْلُبُنِي
مَا أَحْلَمَ اللهَ عَني حَيْثُ أَمْهَلَنِي وَقَدْ تَمَادَيْتُ في ذَنْبِي وَيَسْتُرنِي
أَنَا الذِي أُغْلِقُ الأَبْوَابَ مُجْتَهِدًا عَلَى المعاصِي وَعَيْنُ اللهِ تَنْظُرُنِي
يا زَلةً كُتِبَتْ يا غَفْلَةً ذَهَبَتْ يَا حَسْرَةً بَقِيَتْ في القَلْبِ تَقْتُلُنِي
دَعْ عَنْكَ عَذْلِي يا مَن كَانَ يَعْذِلُنِي لَوْ كُنْتَ تَعْلَمُ مَا بِي كُنْتَ تَعْذُرُنِي
دَعْنِي أَنُوْحُ على نَفْسِي وَأَنْدِبُهَا وَأَقْطَعُ الدَّهْر بالتَّذْكَارِ وَالحَزَنِ
[ ١ / ١٧٢ ]
دَعْنِي أَسِحُّ دُمُوعًا لا انْقطاع لَهَا فَهَل عَسَى عَبْرَةٌ مِنْهَا تُخَلِّصُنِي
كَأَنَّنِي بَيْنَ تِلْكَ الأَهْلِ مُنْطَرِحًا عَلَى الفِرَاشِ وَأَيْدِيهِمْ تُقَلِّبُنِي
وَقَدْ أَتَوْا بِطَبِيْبٍ كَيْ يُعَالِجنِي وَلَم أَرَ مِن طَبِيْبِ اليَومِ يَنْفَعُنِي
وَاشْتَدَّ نَزْعِي وَصَارَ الموتُ يَجْذِبُها مِن كُلِّ عِرقٍ بِلا رِفْقٍ وَلا هَوَنِ
وَاسْتَخْرَجَ الرُوْحَ مِنِّي في تَغَرْغُرِهَا وَصَارَ في الحَلْقَ مُرًا حِيْنَ غَرْغَرنِي
وَغَمَّضُونِي وَرَاحَ الكُلُّ وَانْصَرَفُوا بَعدَ الإِيَاسِ وَجَدُّوا في شِرَا كَفَنِي
وَقَامَ مَنْ كَانَ أَوْلَى الناسِ في عَجَلٍ إِلى المُغَسِّلِ يأتِيْنِي يُغَسِلُنِي
وَقَالَ يا قَوْمُ نَبْغِي غَاسِلًا حَذقًا حُرًّا أَدِيْبًا أَرِيْبًا عَارِفًا فَطِني
فَجَاءَنِي رَجُلٌ مِنْهُمْ فَجَردَنِي مِن الثِيَابِ وَأعْرَانِي وَأفردَنِي
وأطرحُونِي عَلَى الأَلْواحِ مُنْفَرِدًا وَصَارَ فَوْقِي خَرِيْرُ المَاءِ يُنْظِفُنِي
وَأَسْكَبَ المَاءَ مِنْ فَوْقِي وَغَسَّلَنِي غُسْلًا ثَلاثًا وَنَادَى القَوْمَ بِالكَفَنِي
[ ١ / ١٧٣ ]
وَأَلْبَسُونِي ثِيْابًا لا كُمُومَ لَهَا وَصَارَ زَادِي حَنُوْطًا حِيْنَ حَنَّطَنِي
وَقَدَّمُونِي إِلى المِحْرَابِ وانصرفُوا خَلْفَ الإمَامِ فَصَلَّى ثِم وَدَّعنِي
صَلَّوا عَلَي صَلاةً لا رُكُوعَ لَهَا وَلا سُجُودَ لَعَلَّ اللهَ يَرْحَمُنِي
وَأَنْزَلُونِي في قَبْرِي عَلَى مَهَل وَأَنْزَلُوا وَاحِدًا مِنْهُم يُلَحِّدُنِي
وَكَشَّفَ الثَوْبَ عن وَجْهِي لِيْنَظُرنِي وَأَسْبَلَ الدَّمْعَ مِن عَيْنَيْهِ أَغْرَقَنِي
فَقَامَ مُحْتَرِمًا بِالعَزْمِ مُشْتَمِلًا وَصَفَّفَ اللِّبنَ مِن فَوقِي وَفَارَقَنِي
وَقَالَ هُلُّوا عَلَيْهِ التُّرَبَ واغْتَنِمُوا حُسْنَ الثَّوَابِ مِن الرحمنِ ذِي المِنَنِ
في ظُلْمَةِ القَبْرِ لا أُمٌّ هُنَاكَ وَلا أَبٌ شَفِيْقٌ وَلا أَخٌ يُؤَنِّسُنِي
وَأَوْدَعُونِي وَلَجُّوا في سُؤالِهمُو مَا لِي سِوَاكَ إِلهي مَن يُخَلِّصُنِي
وَهَالَنِي صُوْرةٌ في العَيْنِ إِذْ نَظَرَتْ مِن هَوْلِ مَطْلَعِ مَا قَدْ كَانَ أَدْهَشَنِي
من مُنْكَرٍ وَنَكِيْرٍ مَا أَقُولُ لَهُم إِذْ هَالَنِي مِنْهُمَا مَا كَانَ أَفْزَعَنِي
[ ١ / ١٧٤ ]
فامْنُن عَلَيَّ بِعَفْو مِنْكَ يَا أَمَلِي فَإِنَّنِي مُوثَقٌ بِالذَّنْبِ مُرْتَهَنِ
تَقَاسَمَ الأَهْلُ مالِيْ بَعْدَمَا انْصَرَفُوا وَصَارَ وزْرِي عَلى ظَهْرِي فَأثْقَلَنِي
فَلا تَغُرَّنَكَ الدُّنْيَا وَزِيْنَتُهَا وانْظُرْ إلى فِعْلِهَا في الأَهْلِ والوَطَنِ
وانْظُر إلى مَن حَوَى الدُّنْيَا بِأَجْمَعِهَا هَلْ رَاحَ مِنْهَا بِغَيْرِ الزَّادِ وَالكَفَنِ
خُذ القَنَاعَةَ مِنْ دُنْيَاكَ وَارْضَ بِها لَوْ لَمْ يَكُنْ لَكَ إِلا رَاحَةُ البَدَنِ
يَا نَفْسُ كُفِّيْ عَنِ العِصْيَانِ واكْتَسِبِي فِعْلًا جَمِيْلًا لَعَلَّ اللهَ يَرْحَمُنِي
انْتَهَى
وقال بعضهم يخاطب نفسه ويوبِّخها على تفريطها وإهمالها: