الجو خفف جِسْمه وادمج خلقته وَاقْتصر بِهِ من القوائم الاربع على اثْنَتَيْنِ وَمن الاصابع الْخمس على ارْبَعْ وَمن مخرج الْبَوْل والزبل على وَاحِد يجمعهما جَمِيعًا ثمَّ خلق ذَا جؤجؤ مَحْدُود ليسهل عَلَيْهِ اختراق الْهَوَاء كَيفَ توجه فِيهِ كَمَا يَجْعَل صدر السَّفِينَة بِهَذِهِ الْهَيْئَة ليشق المَاء بِسُرْعَة وتنفذ فِيهِ وَجعل فِي جناحيه وذنبه ريشات طوال متان لينهض بهَا للطيران وكسى جِسْمه كُله الريش ليتداخله الْهَوَاء فيحمله وَلما قدر ان يكون طَعَامه اللَّحْم وَالْحب يبلعه بلعا بِلَا مضغ نقص من خلقه الاسنان وَخلق لَهُ منقار صلب يتَنَاوَل بِهِ طَعَامه فَلَا يتفسخ من لقط الْحبّ وَلَا يتعقف من نهش اللَّحْم وَلما عدم الاسنان وَكَانَ يزدرد الْحبّ صَحِيحا وَاللَّحم غريضا اعين بِفضل حرارة فِي الْجوف تطحن الْحبّ وتطبخ اللَّحْم فاستغنى عَن المضغ وَالَّذِي يدلك على قُوَّة الْحَرَارَة الَّتِي اعين بهَا انك ترى عجم الزَّبِيب وَأَمْثَاله يخرج من بطن الانسان صَحِيحا وينطبخ فِي جَوف الطَّائِر حَتَّى لَا يرى لَهُ اثر ثمَّ اقْتَضَت الْحِكْمَة ان جعل يبيض بيضًا وَلَا يلد ولادَة لِئَلَّا يثقل عَن
[ ١ / ٢٤٤ ]
الطيران فَإِنَّهُ لَو كَانَ مِمَّا يحمل وَيمْكث حمله فِي جَوْفه حَتَّى يستحكم ويثقل لأثقله وعاقه عَن النهوض والطيران وَتَأمل الْحِكْمَة فِي كَون الطَّائِر الْمُرْسل السائح فِي الجو يلهم صَبر نَفسه اسبوعا اَوْ اسبوعين بِاخْتِيَارِهِ قَاعِدا على بيضه حاضنا لَهُ وَيحْتَمل مشقة الْحَبْس ثمَّ إِذا خرج فِرَاخه تحمل مشقة الْكسْب وَجمع الْحبّ فِي حوصلته وبزق فِرَاخه وَلَيْسَ بِذِي روية وَلَا فكرة فِي عَاقِبَة امْرَهْ وَلَا يؤمل فِي فِرَاخه مَا يؤمل الانسان فِي وَلَده من العون والرفد وَبَقَاء الذّكر فَهَذَا من فعله يشْهد بِأَنَّهُ مَعْطُوف على فِرَاخه لعِلَّة لَا يعلمهَا هُوَ وَلَا يفكر فِيهَا من دوَام النَّسْل وبقائه