وَتَقْدِير كل عُضْو مِنْهَا للأرب وَالْمَنْفَعَة المهيأ لَهَا فاليدان للعلاج والبطش والاخذ والاعطاء والمحاربة وَالدَّفْع وَالرجلَانِ لحمل الْبدن وَالسَّعْي وَالرُّكُوب وانتصاف الْقَامَة والعينان للاهتداء وَالْجمال والزينة والملاحة ورؤية مَا فِي السَّمَوَات والارض وآياتهما وعجائبهما والفم للغذاء وَالْكَلَام وَالْجمال وَغير ذَلِك والانف للنَّفس وَإِخْرَاج فضلات الدِّمَاغ وزينة للْوَجْه وَاللِّسَان للْبَيَان والترجمة عَنْك والاذنان صاحبتا الاخبار تؤديانها اليك وَاللِّسَان يبلغ عَنْك والمعدة خزانَة يسْتَقرّ فِيهَا الْغذَاء فتنضجه وتطبخه وتصلحه اصلاحا آخر وطبخا آخر غير الاصلاح والطبخ الَّذِي تَوليته من خَارج فَأَنت تعاني إنضاجه وطبخه وإصلاحه حَتَّى تظن انه قد كمل وانه قد اسْتغنى عَن طبخ آخر وانضاج آخر وطباخه الدَّاخِل ومنضجه يعاني من نضجه وطبخه مَالا تهتدي اليه وَلَا تقدر عَلَيْهِ فَهُوَ يُوقد عَلَيْهِ نيرانا تذيب الْحَصَى وتذيب مَالا تذيبه النَّار وَهِي فِي الطف مَوضِع مِنْك لَا تحرقك وَلَا تلتهب وَهِي اشد حرارة من النَّار وَإِلَّا فَمَا يذيب هَذِه الاطعمة الغليظة الشَّدِيدَة جدا حَتَّى يَجْعَلهَا مَاء ذائبا وَجعل الكبد للتخليص واخذ صفو الْغذَاء والطفه ثمَّ رتب مِنْهَا مجاري
[ ١ / ٢٦٠ ]
وطرقا يَسُوق بهَا الْغذَاء الى كل عُضْو وَعظم وَعصب وَلحم وَشعر وظفر وَجعل الْمنَازل والابواب لادخال مَا ينفعك وَإِخْرَاج مَا يَضرك وَجعل الاوعية الْمُخْتَلفَة خَزَائِن تحفظ مَادَّة حياتك فَهَذِهِ خزانَة للطعام وَهَذِه خزانَة للحرارة وَهَذِه خَزَائِن للدم وَجعل مِنْهَا خَزَائِن مؤديات لِئَلَّا تختلط بالخزائن الاخر فَجعل خَزَائِن للمرة السَّوْدَاء وَأُخْرَى للمرة الصَّفْرَاء وَأُخْرَى للبول وَأُخْرَى للمنى فَتَأمل حَال الطَّعَام فِي وُصُوله الى الْمعدة وَكَيف يسرى مِنْهَا فِي الْبدن فَإِنَّهُ إِذا اسْتَقر فِيهَا اشْتَمَلت عَلَيْهِ وانضمت فتطبخه وتجيد صَنعته ثمَّ تبعثه الى الكبد فِي مجار دقاق وَقد جعل بَين الكبد وَبَين تِلْكَ المجاري غشاء رَقِيقا كالمصفات الضيقة الابخاش تصفية فَلَا يصل الى الكبد مِنْهُ شَيْء غليظ خشن فينكؤها لَان الكبد رقيقَة لَا تحمل الغليظ فَإذْ قبلته الكبد انفذته الى الْبدن كُله فِي مجار مُهَيَّأ قلَّة بِمَنْزِلَة المجاري الْمعدة للْمَاء ليسلك فِي الارض فيعمها بالسقي ثمَّ يبْعَث مَا بَقِي من الْخبث والفضول الى مغايض ومصارف قد اعدت لَهَا فَمَا كَانَ من مرّة صفراء بعثت بِهِ الى المرارة وَمَا كَانَ من مرّة سَوْدَاء بعثت بِهِ الى الطحال وَمَا كَانَ من الرُّطُوبَة المائية بعثت بِهِ الى المثانة فَمن ذَا الَّذِي تولى ذلككله وأحكمه وَدبره وَقدره احسن تَقْدِير وَكَأَنِّي بك ايها الْمِسْكِين تَقول هَذَا كُله من فعل الطبيعة وَفِي الطبيعة عجائب واسرار فَلَو أَرَادَ الله ان يهديك لسالت نَفسك بِنَفْسِك وَقلت اخبريني عَن هَذِه الطبيعة اهي ذَات قَائِمَة بِنَفسِهَا لَهَا علم وقدرة على هَذِه الافعال العجيبة ام لَيست كَذَلِك بل عرض وَصفَة قَائِمَة بالمطبوع تَابِعَة لَهُ مَحْمُولَة فِيهِ فَإِن قَالَت لَك بل هِيَ ذَات قَائِمَة بِنَفسِهَا لَهَا الْعلم التَّام وَالْقُدْرَة والارادة وَالْحكمَة فَقل لَهَا هَذَا هُوَ الْخَالِق البارئ المصور فَلم تسمينه طبيعية وَيَا لله من ذكر الطبائع وَمن يرغب فِيهَا فَهَلا سميته بِمَا سمى بِهِ نَفسه على السن رسله وَدخلت فِي جملَة الْعُقَلَاء والسعداء فَإِن هَذَا الَّذِي وصفت بِهِ الطبيعة صفته تَعَالَى وَإِن قَالَت تِلْكَ بل الطبيعة عرض مَحْمُول مفتقر الى حَامِل وَهَذَا كُله فعلهَا بِغَيْر علم مِنْهَا وَلَا إِرَادَة وَلَا قدرَة وَلَا شُعُور اصلا وَقد شوهد من آثارها مَا شوهد فَقل لَهَا هَذَا مَالا يصدقهُ ذُو عقل سليم كَيفَ تصدر هَذِه الافعال العجيبة وَالْحكم الدقيقة الَّتِي تعجز عقول الْعُقَلَاء عَن مَعْرفَتهَا وَعَن الْقُدْرَة عَلَيْهَا مِمَّن لَا عقل لَهُ وَلَا قدرَة وَلَا حِكْمَة وَلَا شُعُور وَهل التَّصْدِيق بِمثل هَذَا إِلَّا دُخُول فِي سلك المجانين والمبرسمين ثمَّ قل لَهَا بعد وَلَو ثَبت لَك مَا ادعيت فمعلوم ان مثل هَذِه الصّفة لَيست بخالقة لنَفسهَا وَلَا مبدعة لذاتها فَمن رَبهَا ومبدعها وخالقها وَمن طبعها وَجعلهَا تفعل ذَلِك فَهِيَ إِذا من ادل الدَّلَائِل على بارئها وفاطرها وَكَمَال قدرته وَعلمه وحكمته فَلم يجد عَلَيْك تعطيلك رب الْعَالم وجحدك لصفاته وأفعاله الا مخالفتك الْعقل والفطرة وَلَو حاكمناك الى الطبيعة لرايناك انك خَارج عَن مُوجبهَا فَلَا انت مَعَ مُوجب الْعقل وَلَا الْفطْرَة وَلَا الطبيعة وَلَا الانسانية اصلا وَكفى بذلك جهلا وضلالا فَإِن رجعت الى الْعقل وَقلت لَا يُوجد حِكْمَة الا من حَكِيم قَادر عليم وَلَا تَدْبِير
[ ١ / ٢٦١ ]
متقن الا من صانع قَادر مُخْتَار مُدبر عليم بِمَا يُرِيد قَادر عَلَيْهِ لَا يعجزه وَلَا يؤؤده قيل لَك فَإِذا اقررت وَيحك بالخلاق الْعَظِيم الَّذِي لَا اله غَيره وَلَا رب سواهُ فدع تَسْمِيَته طبيعة اوعقلا فعالا اَوْ مُوجبا بِذَاتِهِ وَقل هَذَا هُوَ الله الْخَالِق البارئ المصور رب الْعَالمين وقيوم السَّمَوَات والارضين وَرب الْمَشَارِق والمغارب الَّذِي احسن كل شَيْء خلقه واتقن مَا صنع فمالك جحدت اسماءه وَصِفَاته وذاته اضفت صَنِيعه الى غَيره وخلقه الى سواهُ مَعَ انك مُضْطَر الى الاقرار بِهِ إِضَافَة الابداع والخلق والربوبية وَالتَّدْبِير اليه وَلَا بُد وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين على انك لَو تَأَمَّلت قَوْلك طبيعة وَمعنى هَذِه اللَّفْظَة لدلك على الْخَالِق الباريء لَفظهَا كَمَا دلّ الْعُقُول عَلَيْهِ مَعْنَاهَا لَان طبيعة فعيلة بِمَعْنى مفعولة أَي مطبوعة وَلَا يحْتَمل غيرهذا الْبَتَّةَ لانها على بِنَاء الغرائز الَّتِي ركبت فِي الْجِسْم وَوضعت فِيهِ كالسجية والغريزة والبحيرة والسليقة والطبيعة فَهِيَ الَّتِي طبع عَلَيْهَا الْحَيَوَان وطبعت فِيهِ وَمَعْلُوم ان طبيعة من غير طَابع لَهَا محَال فقد دلّ لفظ الطبيعة على البارئ تَعَالَى كَمَا دلّ مَعْنَاهَا عَلَيْهِ والمسلمون يَقُولُونَ ان الطبيعة خلق من خلق الله مسخر مربوب وَهِي سنته فِي خليقته الَّتِي اجراها عَلَيْهِ ثمَّ انه يتَصَرَّف فِيهَا كَيفَ شَاءَ وكما شَاءَ فيسلبها تاثيرها إِذا اراد ويقلب تأثيرها الى ضِدّه إِذا شَاءَ ليرى عباده أَنه وَحده الْخَالِق البارئ المصور وَأَنه يخلق مَا يَشَاء كَمَا يَشَاء وَإِنَّمَا امْرَهْ إِذا اراد شَيْئا ان يَقُول لَهُ كن فَيكون وَإِن الطبيعة الَّتِي انْتهى نظر الخفافيش اليها إِنَّمَا هِيَ خلق من خلقه بِمَنْزِلَة سَائِر ملخوقاته فَكيف يحسن بِمن لَهُ حَظّ من انسانية اوعقل ان ينسى من طبعها وخلقها ويحيل الصنع والابداع عَلَيْهَا وَلم يزل الله سُبْحَانَهُ يسلبها قوتها ويحيلها ويقلبها الى ضد مَا جعلت لَهُ حَتَّى يرى عباده انها خلقه وصنعه مسخرة بامره ﴿أَلا لَهُ الْخلق وَالْأَمر تبَارك الله رب الْعَالمين﴾