وَوضع هَذِه الاعضاء موَاضعهَا مِنْهُ واعدادها لما اعدت لَهُ وإعداد هَذِه الاوعية الْمعدة لحمل الفضلات وَجَمعهَا لكيلا تَنْتَشِر فِي الْبدن فتفسده ثمَّ تَأمل الْحِكْمَة الْبَالِغَة فِي تنميتك وَكَثْرَة اجزائك من غير تفكيك وَلَا تَفْصِيل وَلَو ان صائغا اخذ تمثالا من ذهب اَوْ فضَّة اَوْ نُحَاس فَأَرَادَ ان يَجعله اكبر مِمَّا هُوَ هَل كَانَ يُمكنهُ ذَلِك الا بعد ان يكسرهُ ويصوغه صياغة اخرى والرب تَعَالَى ينمي جسم الطِّفْل واعضاءه الظَّاهِرَة والباطنة وَجَمِيع اجزائه وَهُوَ بَاقٍ ثَابت على شكله وهيئته لَا يتزايل وَلَا يَنْفَكّ وَلَا ينقص وأعجب من هَذَا كُله تَصْوِيره فِي الرَّحِم حَيْثُ لاتراه الْعُيُون وَلَا تلمسه الايدي وَلَا تصل اليه الالات فَيخرج بشرا سويا مُسْتَوْفيا لكل مَا فِيهِ مصْلحَته وقوامه
[ ١ / ٢٦٢ ]
من عُضْو وحاسة وَآلَة من الاحشاء والجوارح والحوامل والاعصاب والرباطات والاغشية وَالْعِظَام الْمُخْتَلفَة الشكل وَالْقدر وَالْمَنْفَعَة والموضع الى غير ذَلِك من اللَّحْم والشحم والمخ وَمَا فِي ذَلِك من دَقِيق التَّرْكِيب ولطيف الْخلقَة وخفي الْحِكْمَة وبديع الصَّنْعَة كل هَذَا صنع الله احسن الْخَالِقِينَ فِي قَطْرَة من مَاء مهين وَمَا كرر عَلَيْك فِي كِتَابه مبدأ خلقك وإعادته ودعاك الى التفكير فِيهِ إِلَّا لما بك من الْعبْرَة والمعرفة وَلَا تستطل هَذَا الْفَصْل وَمَا فِيهِ من نوع تكْرَار يشْتَمل على مزِيد فَائِدَة فَإِن الْحَاجة اليه ماسة وَالْمَنْفَعَة عَظِيمَة فَانْظُر الى بعض مَا خصك بِهِ وفضلك بِهِ على الْبَهَائِم الْمُهْملَة إِذْ خلقك على هَيْئَة تنتصب قَائِما وتستوي جَالِسا وتستقبل الاشياء ببدنك وَتقبل عَلَيْهَا بجملتك فيمكنك الْعَمَل وَالصَّلَاح وَالتَّدْبِير وَلَو كنت كذوات الاربع المكبوبة على وَجههَا لم يظْهر لَك فَضِيلَة تَمْيِيز واختصاص وَلم يتهيأ مِنْك مَا تهَيَّأ من هَذِه النِّسْبَة