١ - قال اللَّه تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ (٣).
«يأمر تعالى المؤمنين بتقواه، في جميع أحوالهم، في السر
_________________
(١) سورة آل عمران، الآية: ١٩٥.
(٢) تيسير الكريم الرحمن، ص ١٧٣.
(٣) سورة الأحزاب، الآيتان: ٧٠ - ٧١.
[ ٣٠ ]
والعلانية، ويخصُّ منها، ويندب للقول السديد، وهو القول الموافق للصواب، أو المقارب له، عند تعذّر اليقين، من قراءة، وذكر، وأمر بمعروف، ونهي عن منكر، وتعلّم علم، وتعليمه، والحرص على إصابة الصواب، في المسائل العلمية، وسلوك كل طريق يوصل لذلك، وكل وسيلة تعين عليه.
ومن القول السديد، لين الكلام ولطفه، في مخاطبة الأنام، والقول المتضمن للنصح والإشارة، بما هو الأصلح.
ثم ذكر ما يترتب على تقواه، وقول القول السديد فقال: ﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ﴾ أي: يكون ذلك سببًا لصلاحها، وطريقًا لقبولها؛ لأن استعمال التقوى تتقبل به الأعمال، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ (١).
ويوفق فيه الإنسان للعمل الصالح، ويصلح الله الأعمال [أيضًا] بحفظها عما يفسدها، وحفظ ثوابها ومضاعفته، كما أن الإخلال بالتقوى، والقول السديد سبب لفساد الأعمال، وعدم قبولها، وعدم تَرَتُّبِ آثارها عليها.
﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾ أيضًا ﴿ذُنُوبَكُمْ﴾ التي هي السبب في هلاككم، فالتقوى تستقيم بها الأمور، ويندفع بها كل محذور؛ ولهذا قال:
_________________
(١) سورة المائدة، الآية: ٢٧.
[ ٣١ ]
﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾» (١).
٢ - قال اللَّه تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٢).
«وهذا الخطاب، يحتمل أنه [خطاب] لأهل الكتاب الذين آمنوا بموسى وعيسى ﵉، يأمرهم أن يعملوا بمقتضى إيمانهم، بأن يتقوا اللَّه فيتركوا معاصيه، ويؤمنوا برسوله محمّد - ﷺ -، وأنهم إن فعلوا ذلك أعطاهم اللَّه ﴿كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ﴾ أي: نصيبين من الأجر نصيب على إيمانهم بالأنبياء الأقدمين، ونصيب على إيمانهم بمحمد - ﷺ -.
ويحتمل أن يكون الأمر عامًا يدخل فيه أهل الكتاب وغيرهم، وهذا الظاهر، وأن اللَّه أمرهم بالإيمان والتقوى الذي يدخل فيه جميع الدين، ظاهره وباطنه، أصوله وفروعه، وأنهم إن امتثلوا هذا الأمر العظيم، أعطاهم اللَّه ﴿كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ﴾ لا يعلم وصفهما وقدرهما إلا اللَّه تعالى: أجر على الإيمان، وأجر على التقوى، أو أجر على امتثال الأوامر، وأجر على اجتناب النواهي، أو أن التثنية المراد بها تكرار الإيتاء مرة بعد أخرى.
_________________
(١) تيسير الكريم الرحمن، ص ٧٨٩ - ٧٩٠.
(٢) سورة الحديد، الآية: ٢٨.
[ ٣٢ ]
﴿وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ﴾ أي: يعطيكم علمًا وهدى ونورًا تمشون به في ظلمات الجهل، ويغفر لكم السيئات.
﴿وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ فلا يستكثر هذا الثواب على فضل ذي الفضل العظيم، الذي عم فضله أهل السموات والأرض، فلا يخلو مخلوق من فضله طرفة عين ولا أقل من ذلك» (١).