الآيتان (٩٤) من سورة المائدة
أعوذ بالله الشيطان الرجيم
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ .
الشرح:
اعلم أيها القارئ الكريم أن الله تعالى إذ ابتلى عباده المؤمنين اختبارا لهم وامتحانا ليعلم الذين يخافونه بالغيب، كما قال ﷿: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ فيرفع درجاتهم، ويعلى مقاماتهم ويظهر في الدنيا كراماتهم، وها هو ذا ﷾ ينادى عباد المؤمنين ليخبرهم بأنه سيبتليهم بشيء من الصيد، والصيد هو ما يصاد من حمار الوحش إلى الغزال وما دون ذلك كالطير والأرانب، أطلق المصدر وأريد به اسم المفعول وهو المصيد؛ إذ الفعل صاد يصيد صيدا، كباع يبيع بيعا، فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ يا من آمنتم بالله ولقائه، وكتابه، ورسوله. ﴿لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ﴾ أي ليختبرنكم الله ربكم ووليكم ﴿بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ﴾ أي مما يصطاد كالظباء والأرانب وغيرهما، وقد فعل ذلك بالمؤمنين أيام عمرة الحديبية فكانت الوحوش والطيور تغشاهم في رحالهم بصورة لم ير مثلها قط، فنهاهم الله ﵎ عن صيده وقتله وهم محرمون بالعمرة قبل التحلل منها.
وقوله تعالى: ﴿تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ﴾ أي لكثرته وكثرة ما يعشاهم في رحالهم فصغاره كبيضه، وفراخه تناله أيديهم لو أرادو أن يأخذوه وكباره تناله رماحهم لو أرادوا صيده. ثم ذكر تعالى الحكمة من هذا الابتلاء العجيب فقال ﷿:
[ ١٠٦ ]
﴿لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ﴾ وفعلا قد خافوا ربهم، وما صادوا لا بأيديهم ولا برماحهم فأصبحوا بذلك أهلا للقيام بمهام الأمور وعظائمها لأنهم عما قريب سيصبحون هداة البشرية وقادتها وقضاتها فسيسوسون بالعقل والرشد ويحكمون بالشرع، ويعاملون بالمعروف، ولم يكونوا كبنى إسرائيل ابتلاهم ربهم بتحريم الصيد أي صيد السمك يوم السبت فكان الصيد يأتيهم أي يظهر لهم شرعا ظاهرا بارزا إغراء لهم وفتنة يوم سبتهم ويوم لا يسبتون لا تأتيهم فاحتالوا على الصيد ووضعوا الشباك ليلة السبت أو يوم الجمعة فتمتلئ بالحيتان يوم السبت فيأخذونها ملأى يوم الأحد فيأكلونها فمسخهم الله ﷿ قردة وخنازير كما جاء ذلك في صورة الأعراف قي قوله تعالى: ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ﴾ .
أما المؤمنون الصادقون من تلك الزمرة المباركة الذين صحبوا رسول الله ﷺ فقد امتحنوا ونجحوا وفازوا، وجاء أناس غلب عليهم الجهل فأحلوا محارم الله بالحيل كالربا بأنواع من الحيل، وقوله تعالى في ختام النداء: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ أي من اعتدى بعد هذا النهى عن قتل الصيد حال الإحرام فله عذاب أليم أي موجع، وقد يكون في الدنيا، وقد يكون في الآخرة، أو فيهما معا بحسب حال المعتدى في اعتدائه، وقد يعفو الرحمن ويغفر وهو العفو الرحيم.
هذا ولنعلم أن الصيد في الحرم محرم على المحرم وغيره وهو المحل، والحرم حرمان حرم مكة المكرمة، وحرم المدينة المنورة، أما حرم مكة فقد قال فيه رسول الله ﷺ: " إن إبراهيم قد حرم مكة فهي حرام إلى يوم القيامة لا يختلى خلالها ولا ينفر صيدها ولا يصاد " وحدود الحرم المكي قد حددها إبراهيم ﵇ مع جبريل ﵇. وأما حدود حرم المدينة فقد حددها رسول الله ﷺ بقوله: " المدينة حرام من عائر إلى ثور " فلا يصاد صيد، ولا يختلى خلاه كالحرم المكي سواء بسواء.
كما ينبغي أن نعلم أن خمسا من الحيوانات أذن في قتلهن في الحل والحرم، وللمحرم والمحل وهى التي جاءت في قول النبي ﷺ في الصحيح: " خمس فواسق يقتلن في الحل والحرم: الحية، والغراب الأبقع، والفأرة، والكلب العقور، والحدأة " وما قيس عليها من كل ما يؤذى كالأسد والنمر والذئب والفهد إذ على هذا فقهاء الإسلام رحمهم الله تعالى.
[ ١٠٧ ]
وأخيرا أيها القارئ الكريم والمستمع المستفيد اذكر ما علمتما من الله تعالى يبتلى عباده المؤمنين بالفعل والترك، وبالخير والغير تربية لهم وإعدادا لتحمل أعباء الشريعة وتكاليف الدين ليفوزوا بولايته ومحبته ورضاه، ورضوانه، فاذكروا هذا واصبروا على البلاء، وقد يكون جوعا وقد يكون خوفا، وقد يكون صحة وقد يكون مرضا، وقد يكون ولاية، وقد يكون إهانة، فلنصبر على كل ابتلاء بالرضا به والتسليم لله فيه، ولا نفارق ذكر الله بعبادته، وبحمده وشكره، فهذا سبيل الفائزين جعلنا الله منهم وحشرنا في زمرتهم آمين.
وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.
[ ١٠٨ ]