الآية (٨) من سورة التحريم
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ .
الشرح:
اعلم أيها القارئ الكريم أن هذا آخر نداء من نداءات الرحمن ﷻ وعظم سلطانه في كتابه العزيز القرآن الكريم ناداهم إكراما لهم، وإنعاما عليهم ليأمرهم بما يزكى أنفسهم ويطهر أرواحهم، ولينهاهم عما يخبث أرواحهم وبدسي نفوسهم، إذ بطهرهم يتأهلون للنزول بدار السلام حيث النبيون والصديقون والشهداء والصالحون، إذ أخبر تعالى به في قوله من سور ة النساء: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا﴾ قد ناداهم ﷾ في هذا النداء الأخير ناداهم ليأمرهم بالتوبة إليه ﷾؛ إذ قال وقوله الحق وله الملك وهو على كل شئ قدير ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا﴾ أي ارجعوا إليه بذكره وشكره وحسن عبادته رجوعا صادقا أنتم فيه ناصحون لأنفسكم غير خادعين لها ولا غاشين إذ
[ ٢٤٥ ]
من الخداع للنفس والغش أن يقلع العبد عن الذنب فتطهر نفسه ثم يعاود الذنب ويرجع إليه فيعظم خبث النفس ويكثر، إذ التوبة النصوح هي التي لا يعاود صاحبها الذنب الذي تاب منه، ولا يرجع إليه أبدا كما لا يرجع اللبن في الضرع بعد حلبه منه.
وإليك أيها القارئ الكريم قائمة بمحاب الله تعالى وأخرى بمكارهه لتفعل المحبوب بشرطه، ويترك المكروه بشرطه.
قائمة المحبوب لله ﷿:
١-الإخلاص لله ﷿ في فعل المحبوب وترك المكروه، ومعنى الإخلاص أن تفعل ما تفعل وتترك ما تترك طاعة لله وخوفا منه وحبا فيه. وتترك ما تترك كذلك لا تلتفت بقلبك إلى شئ أبدا.
٢-إقام الصلاة بان تؤديها في بيوت الله مع جماعة المسلمين، وأن تخشع فيها. مراعيا فيها شروطها وأركانها وواجباتها وسننها.
٣-إيتاء الزكاة متى وجبت عليك لملكك مالا صامتا كالدراهم والدنانير والحبوب والثمار، أو ناطقا كالأنعام من الإبل والبقر والغنم. وبلغ مالك نصابا وحال عليه الحول إن كان غير الحبوب ولثمار.
٤-صيام رمضان مع تجنب مفسداته كالغيبة وسائر الآثام والمفطرات.
٥-حج بيت الله الحرام إن ملكت زادا لنفقتك ونفقة أهلك بعدك. وقدرت على المشي أو الركوب.
٦-بر والديك بطاعتهما في المعروف وإيصال الخير إليهما وذلك بتقديم ما يحتاجان إليه من غذاء وكساء ودواء وإيواء. مع كف الأذى عنهما ولو بكلمة نابية بصوت مرتفع.
٧-صلة رحمك بالإحسان إليهم في حدود قدرتك.
٨-الجهاد في سبيل الله متى دعا إليه إمام المسلمين وعينك له.
٩-الإحسان إلى اليتامى والمساكين وابن السبيل. وإلى كل المسلمين بإكرامهم وعدم أذيتهم بقول أو فعل.
١٠-الصبر بأن تصبر على عبادة الله تعالى فلا تضجر ولا تمل. وتصبر على ما يبتليك به امتحانا لك كالمرض والجوع والخوف.
[ ٢٤٦ ]
قائمة المكروه لله ﷾:
١-الشرك في عبادته بصرف أي شئ منها لغير الله تعالى.
٢-آكل الربا وإن قل كدرهم.
٣-أكل مال اليتيم.
٤-عقوق الوالدين.
٥-شهادة الزور.
٦-قذف المؤمنين والمؤمنات بالفاحشة.
٧-أذية الجار.
٨-أذية المؤمنين والمؤمنات.
٩-ترك محبوب لله من قائمة المحبوبات.
كانت تلك بعض المحبوبات والمكروهات. فإذا تركت محبوبا منها، افعلت مكروها منها فبادر بالتوبة على الفور وهى فعل ما تركت، وترك ما فعلت وأنت تستغفر الله ونادم اشد الندم على ما تركت من محبوب الله، أو على ما فعلت من مكروه لله وأبشر بعد ذلك بما يشرك الله تعالى به في قوله: ﴿عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ واعلم أن ﴿عَسَى﴾ من الله تفيد تحقيق المرجو وتأكيده، فأبشر بالحنة بعد تكفير السيئات. في يوم لا يخزى الله فيه النبي ﷺ والذين آمنوا معه بأن لا يذلهم ولا يعذبهم ويعطيهم نورا يمشون فيه حتى يجتازوا الصراط ويدخلوا الجنة دار السلام.
وسلام عليهم وعلى كل المرسلين وأهل الجنة أجمعين والحمد الله رب العالمين.
[ ٢٤٧ ]