الآيتان ٣٨ - ٣٩ من سورة التوبة
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ إِلاّ تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ .
الشرح:
اعلم أيها القارئ والمستمع أن هذا النداء وجه يوم نزل إلى المؤمنين بالمدينة النبوية وذلك يوم بلغ الرسول ﷺ أن هرقل ملك الروم قد جمع جموعه لحرب الرسول ﷺ فدعا الرسول ﷺ بالتعبئة العامة، وكان الزمن صيفا حارا، وبالبلاد جدب وقحط ومجاعة، وكان ذلك في شوال من سنة تسع من الهجرة لذا سميت هذه الغزوة بغزوة العسرة، فاستحث الرب ﵎ المؤمنين ليخرجوا مع نبيهم ﷺ لقتال أعدائه الذين عزموا على غزوه في عقر داره فأنزل الله تعالى قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أي أخرجوا للجهاد في سبيل الله، والقائل رسول الله ﷺ ﴿اثَّاقَلْتُمْ﴾ أي تباطأتم كأنكم تحملون أثقالا. لا تريدون الخروج راضين ببقائكم في دوركم وبين أزواجكم وأولادكم. ﴿أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ﴾ . وهذا إنكار منه الله تعالى على من كانت هذه حالته منهم، وهو عدد قليل وليس بكثير إذ أكثر المؤمنين نفروا مع رسول الله ﷺ وأن من تباطأ أولا خرج ثانيا، إلا من تخلف بإذن من الرسول ﷺ.ثم قال لهم عز من قائل ﴿فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ . فكيف تؤثرون الحياة الدنيا
[ ١٤٦ ]
القليلة التمتع بالطعام والشراب والكساء والراحة على الآخرة ذات النعيم العظيم والخالد الباقي، فكيف تؤثرون القليل الفاني على الكثير الباقي إن أمركم عجب، ثم وجه إليهم الأمر الموجب للخروج للجهاد لقتال بنى الأصفر - الروم _، إذ عزموا على قتال الرسول وأتباعه فقال تعالى مهددا موعدا آمرا بالخروج حاثا حاظا عليه: ﴿إِلاّ تَنْفِرُوا﴾ أي تخليتم عن نصرة نبيكم وتركتموه يخرج إلى قتال الروم وحده مع قلة من أصحابه. فالجزاء سيكون عظيما: ﴿يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ أي موجعا لا يطاق لشدة ألمه ومرارة مذاقه. وأمر أخر هو أنه إذا أهلككم يستبدل بكم غيركم ممن ينصرون رسوله ويقاتلون معه إذ قال ﷿: ﴿وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلا تَضُرُّوهُ شَيْئًا﴾ أي من الضرر لأنه وليه وناصره ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ فلا يعجزه إهلاككم واستبدالكم بغيركم، ونصرة نبيه إن كنتم تركتم نصرته.
هذا ولنعلم أيها القارئ الكريم والمستمع أن هذا النداء حمل حكما عاما للمسلمين في إي زمان ومكان، إذ العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، لذا فلنتأمل ما يلي:
١-الجهاد في سبيل الله تعالى من أفضل الأعمال وهو باق ما بقى من لا يعبد الله تعالى لقوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾؛ أولا في جزيرة العرب ثم في كل أنحاء المعمورة؛ إذ أمة الإسلام نائبة عن نبيها في إبلاغ دعوته إلى العالم التي تحمل الهداية والطهر والسعادة والكمال للبشر أجمع.
٢-أن النفير والتعبئة العامة يقوم بها إمام المسلمين عندما تدعو الحاجة إلى ذلك لهذه الآية الكريمة في هذا النداء العظيم.
٣-الجهاد وهو من أفضل الأعمال يكون فرض عين ويكون فرض كفاية وفرض العين يكون في ثلاثة أحوال.
أ-أن يعلن الإمام التعبئة العامة والنفير العام كما في هذه الآية التي تضمنها النداء.
ب-أن يعين الإمام من شاء من المؤمنين، فيجب على من عينه أن يخرج للجهاد.
جـ-أن يداهم العدو أهل ثغر أو بلد على الحدود فعلى كل ذكر بالغ عاقل أن يدافع ويقاتل حتى يقهر العدو أو يصل المدد من إمام المسلمين وحكومته
[ ١٤٧ ]
٤-أن يكون الجهاد وهو بذل الجهد والطاقة البدنية والفعلية والمالية في سبيل الله أي من أجل رضا الله تعالى، وطاعة رسوله وأميره، فلا يكون من أجل سلطة أو مال، أو جاه أو سمعة.
٥-بيان حقارة الدنيا وتفاهتها وضآلتها أمام الآخرة دار النعيم المقيم والسعادة الأبدية الخالدة لقوله تعالى: ﴿فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ وقول الرسول ﷺ في رواية مسلم: " ما الدنيا في الآخرة إلا كما يجعل أحدكم أصبعه هذه في اليم فلينظر بما ترجع؟ " والإصبع التي أشار بها هي السبابة.
٦-وجوب نصرة رسول الله ﷺ في دينه وفى أمته وسنته.
ألا فلنتدبر ونتأمل ما حواه هذا النداء الإلهي الكريم ولنعمل في صدق على إبلاغه بعد العمل به. والحسنة بألف حسنة لقول الرسول ﷺ: " إن الله يجزى الحسنة بألفي حسنة" أما حسنة الجهاد فهي بألف ألف أي بمليون حسنة والله يضاعف لمن يشاء".
سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.
[ ١٤٨ ]