نشرت سنة ١٩٦١
ورد عليّ في هذا الأسبوع أغرب سؤال يمكن أن يَرِدَ من عاقل. يقول صاحب السؤال إن له صديقًا نشأ في بيت مؤمن وكان مقيمًا للصلاة صائمًا رمضان، ثم غدا شيوعيًا فكفر وجحد حتى صار يقول إنه ليس لهذا الكون إله. وهو يسأل: ما هو الدليل على وجود الله؟ يريد أن يتعلم مني دليلًا يردّ به صاحبه عن كفره.
الدليل على وجود الله هو أنت وصديقك الذي يكفر بالله، قل له: الدليل في نفسك، والدليل من حولك، والدليل في كل ما ترى أو تسمع.
اذهب إلى أستاذ الفسيولوجيا في كلية الطب فاسأله عن تركيب جسم الإنسان وما فيه من الأسرار العجيبة، بل اذهب إلى أستاذ الأنسجة واسأله عن الجلد وطبقاته والشعر وبصلاته، وانظر هذه الآلة التي لم يكشف الإنسان أسرارها كلها إلى اليوم، فضلًا عن أن يخلق مثلها. ولن أفيض في بيان هذه الأسرار، ولو ذكرت ما أعرفه منها لصغت من ذلك عشرة فصول، ولكن أشير إلى شيء واحد، هو أن هذا الإنسان أصله من مخلوق صغير جدًا كأنه خيط
[ ١٥ ]
دقيق، بلغ من صغره أنه لا يُرى إلا بالمجهر وأنك لو حزمت ألفًا منه وربطتها معًا لكان مجموعها كلها أدقّ من الشعرة.
من هذا الخيط الدقيق خلق الله رفيقك الذي ينكر الله، فجاء يشبه أباه في خلقته وفي جبهته وفي لون عينيه وفي نوع دمه، وورث عن أبيه أو عن جده صفات كثيرة من صفات الجسد، وطباعًا كثيرة وأمراضًا وعللًا. فكيف كانت هذه الملامح وهذه الطباع وهذه الأمراض مخبوءة في هذا الخيط الدقيق الذي لا يُرى إلا بالمجهر، والذي لو اجتمع عدد منه يعدل عدد سكان الأرض كلهم لوسع هذا العددَ كله قعرُ فنجان؟
قل له: إنك تنكر الله بعقلك هذا الذي تفخر به وتعتز بحكمه، فهل أوجدتَ أنت هذا العقل؟ إنك لم تعرف نفسك إلا وأنت ابن ثلاث سنين أو أربع، لا تعرف نفسك وأنت حيوان منوي، خيط دقيق، ولا تعرف نفسك وأنت جنين في بطن أمك، ولا تعرف نفسك وأنت وليد لا تفهم ولا تتحرك ولا تدفع عن نفسك ذبابة سقطت على أنفك فإذا كنت موجودًا قبل أن تعرف نفسك، فكيف تكون قد خلقت أنت نفسك؟
وإذا لم تخلق نفسك فتلفَّتْ حولك تَلْقَ جمادات لا تحسّ ولا تعقل، فهل خلقتك هذه الجمادات: هذه الجبال وهذه السهول وهذه الشمس وهذه النجوم؟ إنها كلها لا عقل لها، فكيف أعطتك عقلًا لا تملكه هي؟
واسأله: كيف وُجدت هذه الأسرار التي يكتشفها العلم يومًا بعد يوم؟ إننا سيّرنا قمرًا صناعيًا، ولكن مَن الذي وضع في الهواء
[ ١٦ ]
وفي الفضاء قابلية حمل هذا القمر؟ وهل كنا نستطيع أن نسيّره لولا هذه القابلية؟
﴿ألَمْ تَرَ إلى الذي حَاجَّ إبْراهيمَ في رَبِّه أَنْ آتاهُ اللهُ المُلكَ؟ إذْ قالَ إبراهيمُ: رَبّيَ الذي يُحيي ويُميتُ. قالَ: أنا أُحيي وأُميتُ. قالَ إبْراهيمُ: فإنّ اللهَ يأتي بالشَمْسِ مِنَ المَشْرِقِ، فَاتِ بها مِنَ المَغْرِبِ! فبُهِتَ الذي كَفَر﴾.
ونحن نقول: إن الله يسيّر هذا القمر وهذه الشمس وهذه النجوم الهائلة، فيقول الشيوعيون: نحن نسيّر الصاروخ والقمر الصناعي، فنقول: إن الله يسيّر قمرَكم مع سير الأرض فسيّروه بعكس سَير الأرض! إن الدلائل على وجود الله لا تُعَد ولا تُحصى:
وفي كل شيء له آية تدلّ على أنه واحدُ
فاسأل صاحبك: كيف وُجدَت هذه العجائب التي نرى طرفًا منها في الكيمياء وفي الفيزياء وفي الفلك وفي الطب؟ وأنا أعلم أنه سيقول إنها كانت بالمصادفة.
المصادفة؟ إن مَثَل من يقول بذلك كمَثَل رجلين كانا يمشيان في الصحراء فوجدا دارًا حولها حديقة فيها المقاعد والسّرر وثريات الكهرباء والساعات الطنّانة والبرّاد والغسّالة والرادّ والرائي (التلفزيون)، وعلى جدرانها أنواع النقوش الدقيقة. فعجبا منها، فقال أحدهما: لا بد أن بانيًا بناها وفَرَشها، فضحك الثاني منه وقال له: أنت رجعي تفكر بعقلية القرن الماضي، لا تعرف التقدمية ولا الرقيّ. قال: فما تقول أنت يا ذا الرقي والتقدمية؟ قال: إنه لم يَبنِها
[ ١٧ ]
أحدٌ ولكن جاءت بالطبيعة والمصادفة؟ قال: كيف؟
قال: كان في الجبل صخور فتحطمت على مر الزمان وتكسرت، ثم حملتها السيول فتراكم بعضها فوق بعض فصارت جدارًا. قال: والنقوش والأصباغ؟ قال: ذابت معادن ملوّنة وحملتها الرياح والأمطار فوضعتها على الجدران، وبمرور آلاف السنين تداخلت فكانت بالمصادفة هذه النقوش. قال: والساعة الطنانة؟ قال: قطع حديد مرّ عليها آلاف وآلاف من السنين، فتحطمت وكان منها قطع مستديرة ومستطيلة سقط بعضها فوق بعض، وأخذت بالمصادفة ملايين الأشكال حتى كان أحد أشكالها ساعة تمشي.
وأمثال هذا الهذيان! هذا مثال صغير جدًا لمن يقول إن هذا العالم بأسراره وعجائبه كان من غير خالق، مع أن كل ذرة فيه، نعم، الذرة الواحدة بأسرارها وعلومها تكفي لتكون الدليل على وجود هذا الخالق.
* * *
على أن وجود الله لا يحتاج إلى دليل، ولقد قيل لرابعة العدوية: إن فلانًا من العلماء أقام ألف دليل على وجود الله، فقالت: لو لم يكن عنده ألف شك لما أقام ألف دليل. قالوا: فما الدليل؟ قالت: إذا كان رجل يمشي في الصحراء وحده فسقط في بئر ولم يكن عنده من ينجيه، ماذا يقول؟ قالوا: يقول «يا الله»، قالت: ذاك هو الدليل!
إن الإيمان مستقر في أعماق كل قلب ولكنه يحتاج إلى هزة
[ ١٨ ]
شديدة تبديه وتظهره، لذلك كانت المصائب والأزمات سببًا لظهور الإيمان. وكل واحد منا إذا مرض مرضًا يئس منه الأطباء أو أشرف على الموت ذكر الله.
أنا رأيت الموت مرتين، مرة لمّا غرقت في بحر بيروت من ست سنين، ومرة لما مرضت من سنتين. كنت أسبح، أو أنا -على الأصحّ- أحاول تعلم السباحة ولا أحسن منها في الحقيقة شيئًا، وإذا أنا أحس فجأة أن رجلَيّ ليس تحتهما شيء وأني أغوص في الماء، وجعلت أبتلع ماء البحر فلا أستطيع أن أتنفس، وأريد الصياح مستنجدًا فلا يخرج صوتي من حلقي. ورأيتني في نصف دقيقة كأني ابتعدت عن هذه الدنيا مئة سنة، فلم أعد أذكر منها شيئًا، لا الأهل ولا المال ولا الجاه؛ لم يعد يهمّني إلا أمران أنا أتردد بينهما، الأمل في النجاة والخوف من الحساب. ونظرت فإذا كل ما كنت أَعُدّه لي لم يبقَ في يدي منه شيء، لم يأتِ معي في ساعة الموت زوجة ولا ولد ولا صديق، والمال الذي جمعته تركته لمن يرثني، والجاه الذي حصلته خلفته وراء ظهري، ونظرت في الكتب التي كتبتها والشهرة التي حصلتها والمناصب التي بلغتها فلم أجد معي من ذلك شيئًا (١).
في تلك الساعة يتيقّن الإنسان أنه لم يبقَ إلا حقيقةٌ واحدة يفكر فيها، هي أنه قادم على الله. إن الشدائد تذكّره بهذه الحقيقة التي كان نسيها، ولذلك خبّر الله ﷿ أن كفار قريش كانوا
_________________
(١) انظر قصة غرق علي الطنطاوي في مقالة «في لجّ البحر»، وهي في كتاب «من حديث النفس» (مجاهد).
[ ١٩ ]
-على كفرهم وشركهم- إذا ركبوا في الفُلْك دَعَوا الله مخلصين له الدين، فلمّا نجّاهم إلى البر عادوا إلى كفرهم. ولذلك كان الملوك ورؤساء الدول أيام الحرب العامة الماضية يذكرون الله، وكانت الكنائس في بلاد الغرب تمتلئ دائمًا بالناس، فلما انتهت الحرب عادوا إلى لهوهم ونسيانهم.
* * *
وإذا كان صاحبك هذا الذي ينكر الله لا يريد أقوالنا وأقوال علمائنا، وكان من هؤلاء الذين استقر في نفوسهم تعظيم الغربيين فلا يعرفون الحق إلا بدمغة الغرب عليه، فإني آتيه برأي عالم غربي معروف هو دوركايم، الذي يرى أن وجود الله بديهية لا تحتاج إلى إثبات، وله في ذلك كتاب مشهور. بديهية مثل بديهية أن الذي هو هو، وأن الجزء أصغر من الكل. كيف تثبت أن الكتاب هو كتاب وليس الكتاب تفاحة مثلًا؟ وأن نصف رغيف أصغر من الرغيف؟ إنها بديهيات يقول بها كل إنسان في كل زمان وكل مكان فلا تحتاج إلى إثبات.
وكذلك وجود الله، عند دوركايم وعند كل عاقل. يقول دوركايم إن فكرة الإله ملازمة لكل إنسان لا يستطيع أن يتخلى عنها، ولكنه يكون أحيانًا صحيح الجسم مكفيّ المَؤونة فينساها، وربما وصل إلى معرفة الإله الحق أو توهّمه في شيء من الأشياء فأفاض عليه فكرة الإله فعبدها. والذي يعبد الصنم أو النار إنما يعبد الإله الذي في فكره والذي توهمه في هذا الصنم أو في هذه النار. وكان بنو حنيفة من العرب، يجمعون التمر ويجعلون منه صنمًا عظيمًا يعبدونه، فأصابهم مرة مجاعة فأكلوه، فهجاهم الشاعر
[ ٢٠ ]
فقال: «أكلت حنيفةُ ربَّها»!
على أنها لم تعبده تمرًا ولا أكلته ربًا، وإنما أكلت التمر وعبدت الإله الذي في أفكارها. ولذلك قال القرآن على لسان قريش: ﴿ما نَعْبُدُهُم إلاّ لِيُقَرّبونا إلى الله زُلْفَى﴾.
* * *
وبعد يا أيها السائل، فإن من الثابت أن العقائد والطباع إنما تتكون في النفوس في مرحلة الصبا وأوائل الشباب، فمَن نشأ مؤمنًا في بيت مؤمن لا يمكن أن يذهب هذا الإيمانُ من نفسه حتى كأنْ لم يكُن، وإنّ صاحبك لا يزال في قلبه مؤمنًا وإن جحد اللهَ بلسانه، ولو أصابه مرض مُؤيِس أو خطرٌ قاصم لعاد ينادي: «يا الله».
ولقد كنت مرة أجادل مجنونًا من هؤلاء المجانين (من معشرٍ كفروا بالله تقليدًا) أقول له: ويلك خَفِ الله، فيقول: ما في إله! فلما ضايقته وعجز عن الحجة سبق لسانه فقال: والله ما في إله.
يحلف بالله على نفي وجود الله! فضحكت عليه وتركته.
* * *
[ ٢١ ]