قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ (١).
قال ابن كثير ﵀ في تفسير هذه الآية: يقول الله تعالى آمرًا عباده المؤمنين بالأكل من طيبات ما رزقهم تعالى وأن يشكروه على ذلك إن كانوا عبيده، والأكل من الحلال سبب لتقبل الدعاء كما أن الأكل من الحرام يمنع قبول الدعاء والعبادة (٢).
وقال جل وعلا: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ (٣). قال ابن عباس: كل ما شئت والبس ما شئت ما أخطأتك خصلتان سرفٌ ومخيلة.
وعن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: "إن من السرف أن تأكل كُلَّ ما شئت" (٤).
وقال تعالى: ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ (٥).
لما نزلت هذه الآية قالوا: يا رسول الله! أي نعيم نُسأل عنه؟ وإنما هما الأسودان: الماء والتمر، وسيوفنا على رقابنا، والعدو
_________________
(١) سورة البقرة، الآية ١٧٢.
(٢) تفسير ابن كثير ١/ ٢٠٦.
(٣) سورة الأعراف، الآية: ٣١.
(٤) تفسير ابن كثير ٢/ ٢١١.
(٥) سورة التكاثر، الآية: ٨.
[ ٤ ]
حاضر، فعن أي نعيم نُسأل؟ قال: "اما إن ذلك سيكون" (١).
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: "هذا والذي نفسي بيده من النعيم الذي نُسأل عنه: ظل بارد، ورطب، وماء بارد" (٢).
وحال نبي الأمة - ﷺ - في أكله وشربه تروي لنا طرفًا منه أم المؤمنين عائشة ﵂ حيث قالت: "ما شبع آل محمد - ﷺ - منذ قدم المدينة من خبز ثلاث ليال تباعًا حتى قبض" (٣).
وعلى المرء أن يتجنب الشبع المفرط لقول رسول الله - ﷺ -: "ما ملأ آدمي وعاء شرًا من بطنه، حسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه، فإن لم يفعل فثلث لطعامه، وثلث لشرابه، وثلث لنفسه" (٤).
وهذا الحديث أصلٌ جامع لأصول الطب كلها.
وقد روي أن ابن ماسوية الطبيب لما قرأ هذا الحديث قال: لو استعمل الناس هذه الكلمات لسلموا من الأمراض والأسقام ولتعطلت المارشايات ودكاكين الصيادلة، وإنما قال هذا لأن اصل كل داء التخم (٥).
وتأمل في نهاية كثرة الأكل وما يجر إليه في الآخرة؛ فعن
_________________
(١) فتح القدير ٥/ ٦٠٧.
(٢) رواه الترمذي وصححه الألباني.
(٣) رواه البخاري ومسلم.
(٤) رواه أحمد وابن ماجه والحاكم.
(٥) جامع العلوم، ص ٤٢٤.
[ ٥ ]
سلمان ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -:: "أكثر الناس شبعًا في الدنيا أطولهم جوعًا في الآخرة" (١).
وعن أُبي ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: "إن مطعم ابن آدم قد ضرب مثلًا للدنيا وإن قزحه وملحه فانظر إلى ما يصير" (٢).
وهذا أبو هريرة ﵁ يذكر طرفًا من حال الرسول - ﷺ - قال: أتي رسول الله - ﷺ - بطعام سخن فأكل، فلما فرغ قال: "الحمد لله، ما دخل بطني طعام سخن منذ كذا وكذا" (٣).
وصح عن النبي - ﷺ - أنه قال: "خير القرون قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم، ثم قوم يشهدون ولا يستشهدون، وينذرون ولا يوفون، ويظهر فيهم السمن".
وفي المسند أن النبي - ﷺ - رأى رجلًا سمينًا، فجعل يومئ بيده إلى بطنه ويقول: "لو كان هذا في غير هذا لكان خيرًا لك".
وهذا نبي الأمة - ﷺ - يحذر أمته من شهوة الفرج والبطن، فعن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - قال: "إن أخوف ما أخاف عليكم الشهوات التي في بطونكم وفروجكم ومضلات الهوى".
وعن فاطمة عن النبي - ﷺ - قال: "شرار أمتي الذين غُذُّوا
_________________
(١) رواه أبو نعيم في الحلية وحسنه الألباني.
(٢) رواه ابن حبان والطبراني وحسنه الألباني.
(٣) رواه ابن ماجه.
[ ٦ ]
بالنعم؛ يأكلون ألوان الطعام ويلبسون ألوان الثياب ويتشدقون في الكلام" (١).
وعن ابن عمر قال: تجشأ رجل عند النبي - ﷺ - فقال: "كف عنا جشأك، فإن أكثرهم شبعًا في الدنيا أطولهم جوعًا يوم القيامة" (٢).
وقد سُئل الإمام أحمد عن قول النبي - ﷺ -: "ثلث للطعام وثلث للشراب وثلث للنفس" .. فقال: ثلث الطعام هو القوت، وثلث الشراب هو القوى، وثلث النفس هو الروح (٣).
قال المروذي: كان أبو عبد الله (أحمد بن حنبل) إذا ذكر الموت خنقته العبرة، وكان يقول: الخوف يمنعني أكل الطعام والشراب، وإذا ذُكِر الموت أهان عليَّ كل الدنيا، إنما هو طعامٌ دون طعام، ولباسٌ دون لباس، وإنها أيامٌ قلائل، ما أعدل بالفقر شيئًا (٤).
وعن عبد الله بن عدي وكان مولى لابن عمر، أنه قدم من العراق فجاءه فسلم عليه فقال: أهديت لك هدية، قال: وما هي؟ قال: جوارش، قال: وما جوارش؟ قال: يهضم الطعام، قال: ما ملأت بطني منذ أربعين سنة، فما أصنع به (٥).
وسُئل سهل التستري: الرجل يأكل في اليوم أكلة، قال: أكل
_________________
(١) رواه البزار.
(٢) رواه ابن ماجه.
(٣) جامع العلوم والحكم، ص ٤٢٨.
(٤) السير ١١/ ٢١٦.
(٥) صفة الصفوة ١/ ٥٧٤.
[ ٧ ]