بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ صلى الله على سيدنا محمد وآله
قال الفقيه الأجل العالم العارف الأوحد أبي عبد الله محمد بن أبي محمد السقطي - ﵀ بمنه-:
الحمد لله الذي علمنا ما لم نكن نعلم، وفهمنا ما لم نكن نعرف ولا نفهم، وصلى الله على محمد نبيه ورسوله وسلم، وعلى آله الطيبين الطاهرين وشرف وكرم.
وبعد:
فإني لكثرة ما لزمت من الأسفار، وجلت من البلاد والأقطار، أيام رحلتي، وعنفوان شبيبتي وقوتي، وعرفني ثقات المسافرين، وأمناء التجار المتجولين، ألسنة الزمان، وحداث الحوادث من مكان إلى مكان، مع ما تصرفت فيه من الأشغال، وظهرت عليه بسبب الاشتغال، ونبهني على جلائه من رغب مني القرب، ونصح في الكشف عنه من أظهر في ولايتي الاعتقاد والحب، ممن كان شاهد واختبر، واستغنى بالتجربة عن الخبر، وحسنت في ذات الله نيته، وكرمت سجيته وطويته، تحصل في فهمي، وتقرر في حقيقة علمي، من أخبار مفسدي الباعة والصناع بالأسواق وغشهم في الكيل والميزان وبخسهم واستعمالهم الخدع للناس في معاملتهم، والتلبيس عليهم في مداخلتهم وملابستهم، وإحراز الحسبة عليهم وتقلد النظر في أمورهم من لا يحسن لذلك
[ ١ ]
تناولا، ولا يعرف من الحلال والحرام مفصلا ولا مجملا، ما لم يسعني معه إلا التنبيه على مكرهم، والقول بالمعروف في نكرهم، لقول الله تعالى وتبارك: (ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون) مع أن الخطة لم تزل عظيما شأنها، رفيعا مكانها، وسيطة بين خطة القضاء والمظالم تجاذبهما في وجوه وتشاركهما، وتماثلهما في أمور وتشابكهما، فتجمع بين نظر شرعي وزجر سلطاني موقوفة على هيئة متقلدها وتنفيذ الحقوق للمعترف بها، وكان خلفاء الصدر الأول يباشرونها بأنفسهم لعموم مصلحتها وعظيم ثواب الله عليها إلى أن قصر في بعض الأزمان بواجبها، وتعين من ليس من أهلها للاشتغال بها، فلان أمرها، وهان خطبها وقدرها، وصارت سببا لتكسب المال لا لتفريق بين الحلال والحرام على أن مذهب العلماء أن القاعدة إذا نالها خلل لم يبطل حكمها، ولا زال وإن عفا رسمها.
وقد ولي أحد أصحاب الشافعي الحسبة ببغداد فنزل الجامع والقاضي جالس للحكم فيه فقال له: أما علمت أن الله ﷿ يقول: (في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والآصال رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر) وإنه لتدخل المرأة إليك ومعها الطفل فيبول على الحصير والرجل يطأ الحصر وقد مشي غير متنعل في المواضع القذرة ودارك بك أولى، فلم يجلس بعدها في الجامع للحكم على أن مالكا يقول: القضاء في المسجد من الأمر القديم، ويروى أن يجلس القاضي في المسجد أو رحابة، وقد اتخذ سحنون من أصحابه بيتا في المسجد يقضي فيه، وفي بعض الآثار أن رسول الله ﷺ كان يقضى في المسجد، ووجه عمر ﵁ إلى العراق ليحرقوا دار ابن موسى الأشعري ﵁، وقال: اضرمها عليه نارا، لما بلغه أنه كان يقضي فيها وتكلم الناس
[ ٢ ]
في ذلك فقيل إنما كان لما يتخوف من عجز الضعيف عن الوصول إليه، وإن عاقه عائق عن الخروج منها من مرض أو غيره فليفتح بابه ولا يمنع أحدا منه، ودعا أحد الملوك علي بن عبد الرحمن التميمي إلى شرطة الكوفة، فقال: لا أقبلها إلا أن تكفيني أهلك وأولادك، فقال: يا غلام ناد فيهم: من طلب إليه منهم حاجة فقد برئت منه الذمة، فقال الشعبي: فما رأيت صاحب شرطة أهيب منه ولقد كان يمر عليه الشهر وأزيد منه فلا يرتفع إليه خصمان لفرط مهابته.
وجعلت كتابي هذا مقسما على ثمانية أبواب ليقرب النظر فيه ويسهل فهمه على مستعمليه إن شاء الله تعالى وبه أستعين وهو حسبي ونعم الوكيل.
الباب الأول