في الموطأ والبخاري ومسلم: أن رسول الله ﷺ قال: «إنما أنا بشر مثلكم وأنكم نختصمون إلي، ولعل بعضكم ألحن بحجته من بعض» «١» . وفي حديث آخر في البخاري: «إنما أنا بشر وأنه يأتي الخصمان فلعل بعضا أن يكون أبلغ من بعض أقضي له بذلك وأحسب أنه صادق، فمن قضيت له بشيء من حق أخيه فلا يأخذ منه شيئا فإنما أقطع له قطعة من النار» «٢» .
وقال في الحديث في البخاري: «فمن قضيت له بحق مسلم فإنما هي قطعة من النار فليأخذها أو ليدعها «٣» .
وفي مصنف أبي داود عن علي قال: بعثني النبيّ ﷺ إلى اليمن فقلت: يا رسول الله ترسلني وأنا حديث السن لا علم لي بالقضاء! فقال: «إن الله ﷿ سيهدي قلبك، ويثبت لسانك. فإذا جلس بين يديك الخصمان فلا تقضينَّ حتى تسمع من الاخر كما سمعت من الأول، فإنه أحرى أن يتبين لك القضاء» . قال: فما زلت قاضيا وما شككت في قضاء بعد «٤» .
وفي البخاري عن عبد الله بن مسعود قال: قال النبيّ ﷺ: «لا يحلف امرؤ على يمين صبرا يقتطع بها مالا وهو فيها فاجر إلا لقي الله وهو عليه غضبان»، فأنزل الله ﷿: إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا [آل عمران: الاية ٧٧] . فجاء الأشعث وعبد الله يحدثهم قال:
فيّ نزلت وفي رجل، وفي حديث آخر: في ابن عم لي خاصمته في بئر كانت لي في أرضه.
وروي أن الرجل كان يهوديا- الذي خاصم الأشعث- فقال النبيّ ﷺ: «ألك بينة؟» قلت: لا.
قال: «فيحلف»، فقلت: إذن يحلف، زاد في كتاب مسلم: «ليس لك إلا ذلك»، فنزلت: إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا [آل عمران: الاية ٧٧] «٥» .
_________________
(١) رواه البخاري (٢٦٨٠)، ومسلم (١٧١٣ و٤) .
(٢) رواه البخاري (٧١٦٩) في الأحكام من حديث أم سلمة ﵂.
(٣) رواه البخاري (٢٤٥٨) من حديث أم سلمة ﵂.
(٤) رواه أبو داود (٣٥٨٢) من حديث علي ﵁.
(٥) رواه البخاري (٧١٨٣ و٧١٨٤)، ومسلم (١٣٨) من حديث عبد الله بن مسعود ﵁ وإسناده حسن.
[ ٩١ ]
وروى الأشعث أن رجلا من حضرموت ورجلا من كندة اختصما إلى النبيّ ﷺ في أرض باليمن فقال الحضرمي: أرضي اغتصبها أبو هذا، فقال الكندي: يا رسول الله، أرضي ورثتها من أبي. فقال النبيّ ﷺ للحضرمي: «هل لك بينة؟» فقال: لا ولكن يحلف بالله ما يعلم أنها أرضي غصبها لي أبوه، فتهيأ الكندي لليمين فقال رسول الله ﷺ: «لا يقتطع رجل مالا بيمين إلا لقي الله ﷿ وهو عليه غضبان» . فتركها الكندي «١» .
وفي مصنف عبد الرزاق، والمدونة: أن رجلين تخاصما إلى النبيّ ﷺ في أرض فأقاما بينتين فتكافيا فقسمها نبيّ الله بينهما «٢» .
وفي حديث آخر: ولم يثبت بعد إيمانهم.
وفي الدلائل: أن رجلين اختصما إلى النبيّ ﷺ في أمر فجاء كل واحد منهما بشهود عدول على عدة واحدة، فأسهم رسول الله ﷺ بينهما وقال: «اللهم أنت تقضي بينهما» «٣» . وفي حديث آخر: أن رجلين تنازعا في بيع وليست بينهما بينة فأمرهما رسول الله ﷺ أن يستهما على اليمين أحبا أو كرها.
وفي البخاري قال أبو هريرة: عرض النبيّ ﷺ على قوم اليمين فأسرعوا فأمرهم أن يسهم بينهم أيهم يحلف «٤» .
وفي الحديث الثابت أسنده مسلم وغيره: أن النبيّ ﷺ قضى بشاهد ويمين «٥» .
وذكر القاضي ابن زرب «٦»: أن أعرابيا أقر عند النبيّ ﷺ ثم حاد عن الإقرار، وقال للرسول ﵇: أمام من أقررت عندك؟ فلم يعنّفه رسول الله ﷺ ولا سطا عليه حتى أتى خزيمة بن ثابت فقال: أنا سمعت منه يا رسول الله. فقبل منه شهادته عليه وقال: «إن شهادته كشهادتين عند الله» «٧» . وذكر غيره أن النبيّ ﷺ قبل شهادته، وسماه خزيمة ذا الشهادتين. وذكر
_________________
(١) رواه أبو داود (٣٢٤٤) من حديث الأشعث بن قيس ﵁. وهو حديث صحيح.
(٢) رواه عبد الرزاق (٨/ ٢٧٩)، وأبو داود (٣٩٨) ورجاله ثقات. وهو مرسل.
(٣) رواه الطبراني (٣٩٨٥)، والبيهقي (١٠/ ٢٥٩) وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (٤/ ٢٠٣) وقال: رواه الطبراني في الأوسط وفيه أسامة بن زيد القرشي ضعيف. ويشهد له ما قبله.
(٤) رواه البخاري (٢٦٧٤) من حديث أبي هريرة إضي الله عنه.
(٥) رواه مسلم (١٧١٢)، وأبو داود (٣٦٠٧) من حديث ابن عباس ﵄.
(٦) ابن زرب- هو أبو بكر محمد بن يبقى بن زرب القرطبي المالكي صاحب التصانيف. وأحفظ أهل زمانه لمذهب مالك سمع قاسم بن أصبغ وجماعة. وولي القضاء سنة سبع وستين وثلثمائة وإلى أن مات وكان المنصور بن أبي عامر يعظه ويجلسه معه توفي ﵀ سنة إحدى وثمانين وثلاثمائة.
(٧) لم نجده بهذا اللفظ. وهو حديث منقطع.
[ ٩٢ ]
أبو داود في المصنف خبر الفرس «١» . قال الزهري: وقتل خزيمة يوم صفين مع علي بن أبي طالب، والقضاء مع الشاهد عند مالك والشافعي في الأموال خاصة. زاد الشافعي: وفي العتق، وكذلك قاله عمرو بن دينار في حديثه عن ابن عباس أن النبيّ ﷺ «قضى بشاهد ويمين» . وقال أبو عمرو: وذلك في الأموال، وأبو حنيفة ﵁ لا يرى القضاء بشاهد ويمين في شيء.