في تفسير ابن سلام قال الكلبي: كان رجل مولى لبني سهم انطلق في تجارة ومعه تميم الداري ورجل آخر، قال- في الدلائل للأصيلي- وهو ابن براء، قال في التفسير: وهما نصرانيان فلما حضر السهمي الموت كتب وصية وجعلها في متاعه، ثم دفعها إليهما فقال: بلّغا هذا أهلي. فانطلقا لوجههما الذي توجها إليه، وفتشا متاع الرجل بعد موته، فأخذا ما أعجبهما منه، ثم رجعا بالمال إلى أهل الميت، فلما فتش القوم المال فقدوا بعض ما خرج به صاحبهم معه، ونظروا في الوصية فوجدوا المال تاما، فكلّموا تميما وصاحبه فقالوا: هل باع صاحبنا شيئا؟ فقالا: لا، فقالوا: هل مرض فطال مرضه فأنفق على نفسه؟ فقالا: لا- علم لنا بما كان في وصيته، ولكنه دفع إلينا المال فبلّغناكموه. فرفعوا الأمر إلى رسول الله ﷺ فنزلت هذه الاية:
إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُما مِنْ بَعْدِ الصَّلاةِ [المائدة: الاية ١٠٦] إلى آخرها. فحلفا عند منبر النبيّ ﷺ دبر صلاة العصر، ثم خلّى سبيلهما، فاطلع على إناء من فضة منقوش مموّه بذهب عند تميم- قال في الدلائل: وجد بمكة، وقال غيره: بيع بألف درهم، فأخذ تميم خمسمائة، وعدي بن براء خمسمائة- فقالوا: هذا من آنية صاحبنا الذي بدا بها معه، وقد زعمتما أنه لم يبع شيئا ولم يشتره، فقالا: إنا كنا قد اشتريناه ونسينا أن نخبركم به، فرفع أمرهما إلى النبيّ ﷺ فأنزل الله ﷿: فَإِنْ عُثِرَ عَلى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا فَآخَرانِ يَقُومانِ مَقامَهُما مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيانِ فَيُقْسِمانِ بِاللَّهِ لَشَهادَتُنا أَحَقُّ مِنْ شَهادَتِهِما وَمَا اعْتَدَيْنا إِنَّا إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ [المائدة: الاية ١٠٧] . فقام رجلان من أولياء الميت وهما: عبد الله بن عمرو، والمطلب بن أبي وداعة فحلفا: أن ما في وصيته حق، ولقد خانه تميم وصاحبه، فأخذ تميم وصاحبه بما وجد في وصيته لما اطلع الله عليه من خيانتهما «٢» .
_________________
(١) رواه الدارقطني (٤/ ٩٦ و٢٣٧)، والبيهقي (٦/ ٢٢) من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ﵃. وهو حديث حسن.
(٢) رواه بنحوه الترمذي (٣٠٥٩) وقال: هذا حديث غريب. وليس إسناده بصحيح. من حديث ابن عباس. وانظر ابن كثير (ج/ ١/ ١١١) باب قوله تعالى: إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ [المائدة: الاية ١٠٦] .
[ ١٢٤ ]
وفي معاني القرآن للزجاج يروي أن رجلا من الأنصار كان يقال له: أبو طعمة سرق درعا وجعله في غرارة من دقيق، وكان فيها خرق فانتثر الدقيق من مكان سرقته إلى منزله، فظن أنه سارق الدرع، وخيض في أمره، فمضى بالدرع إلى رجل من اليهود فأودعها إياه، ثم سار إلى قومه فأعلمهم أنه اتهم بالدرع واتبع أثرها فعلم أنها عند اليهودي، وأن اليهودي سارقها، فجاء قوم الأنصاري إلى رسول الله ﷺ فسألوه أن يعذره عند الناس، وأعلموه أن اليهودي سرق الدرع، فهم النبيّ ﷺ أن يعذره فأوحى الله إليه وعرّفه قصة الأنصاري أنه خائن ونهاه أن يجادل عنه، وأمره بالاستغفار مما هم به، وأن يحكم بما أنزل الله في كتابه. فقال: وَلا تُجادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ أَنْفُسَهُمْ
[النّساء: الاية ١٠٧] . يعني أبا طعمة ومن عاونه من قومه وهم يعلمون أنه سارق. ويروى أن أبا طعمة هرب إلى مكة وارتد عن الإسلام، ونقب حائطا بمكة ليسرق أهله فسقط الحائط عليه فقتله «١» .
وفي مصنف أبي داود: حدثنا أحمد بن حنبل، حدثنا معاذ بن هشام عن أبيه عن قتادة عن أبي نصرة عن عمران بن حصين: أن غلاما لأناس فقراء قطع أذن غلام لأناس أغنياء، فأتى أهله إلى النبيّ ﷺ فقالوا: يا رسول الله انا أناس فقراء. فلم يجعل عليه شيئا «٢» .
وفي كتاب أبي عبيد، قال أبو عبيد: في حديث النبيّ ﷺ إن أبيض بن جمال المأربي استقطعه ماء الثلج بمأرب فأقطعه إياه، فلما ولّى قال رجل: يا رسول الله أتدري ما اقتطعه إنما اقتطعه للماء العدّ. قال: فرجعه منه «٣» .
وفي الموطأ: أن النبيّ ﷺ اقتطع لبلال بن الحارث «٤» في كتاب ابن سحنون، وذكره ابن أبي زيد في النوادر: أنها لم تكن خطة لأحد وكانت بفلاة، وقال الأصيلي: هي بقرب المدينة وكانت متملكة.
_________________
(١) ذكره الزجاج في معاني القرآن قوله تعالى وَلا تُجادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ أَنْفُسَهُمْ وصدّره بقوله يروى وهو علامة ضعف. وذكره الترمذي بنحوه مطولا رقم (٣٠٣٦) وقال: هذا حديث غريب لا نعلم أحدا أسنده غير محمد بن مسلمة الحراني. وروى يونس بن بكير. وغير واحد هذا الحديث عن محمد بن إسحاق عن عاصم بن عمر عن قتادة مرسلا.
(٢) رواه أبو داود (٤٥٩٠) من حديث عمران بن الحصين ﵁ وإسناده صحيح.
(٣) رواه أبو عبيد (٦٨٤)، وأبو داود (٣٠٦٤)، والترمذي (١٣٨٠) في الأحكام وهو حديث حسن بطرقه وشواهده.
(٤) رواه مالك في الموطأ (١/ ٢٤٨)، وأبو داود (٣٠٦١) في الخراج والإمارة. وهو حديث مرسل- قال الزرقاني في شرح الموطأ: وصله البزار من طريق عبد العزيز الدراوردي عن ربيعة عن الحارث بن بلال ابن الحارث المزني عن أبيه. أقول: قال الذهبي في (الميزان) عن هذا السند في ترجمة الحارث قال أحمد بن حنبل ليس إسناده بالمعروف. وقال المنذري في مختصر سنن أبي داود رقم (٢٩٣٨) وقال أبو عمر. هكذا في الموطأ عن جميع الرواة مرسلا.
[ ١٢٥ ]
وفي مصنف أبي داود والواضحة عن ابن عباس: أن رجلا أتى إلى النبيّ ﷺ فقال: يا رسول الله إن امرأتي لا تمنع يد لامس. فقال: «طلقها»، وفي المصنف: «غربها»، فقال: أخاف أن تتبعها نفسي. وفي الواضحة: لا أستطيع أن أصبر عنها قال رسول الله ﷺ: «فاستمتع منها» «١» . وفي حديث سعد بن عبادة أنه قال لرسول الله ﷺ: أرأيت إن وجدت مع امرأتي رجلا أقتله أم أمهله حتى آتي بأربعة شهداء؟ فقال رسول الله ﷺ: «كفى بالسيف شا»، أراد أن يقول:
شاهدا فأمسك، ثم قال: «لولا أن يتتابع الغيران والسكران» . قال أبو عبيد: التتابع:
التهافت «٢» .