الكفارة من العقوبات التي تجب بجريمة القتل وهي عتق رقبة مؤمنة، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، ولا خلاف بين الفقهاء في وجوبها على المسلم في القتل الخطأ٢ لقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ .٣
كما اتفق الفقهاء على أن الكافر الحربي لا كفارة في قتله لأنه مباح
_________________
(١) ١ الكفارة: لغة مأخوذة من الكفر وهو الستر والتغطية. لسان العرب ٦/٤٦٢. والكفارة شرعًا: اسم لأعمال تكفر بعض الذنوب والمؤاخذات أي تغطيها وتخفيها. تفسير البحر المحيط ٤/١٠. روح المعاني ٧/١٠. ٢ بدائع الصنائع ٧/٢٥٢، والاختيار ٥/٢٥، وقوانين الأحكام الشرعية ص ٣٧٧، وحاشية العدوي ٢/٢٨٧، وروضة الطالبين ١٠/٣٧٩، وأسنى المطالب ٤/٩٥، والمغني ٨/٩٣، والمبدع ٩/٢٧. ٣ النساء: ٩٢.
[ ٢ / ٨٧ ]
الدم وإذا كان القصاص لا يجب على قاتله وكذلك الدية فعدم وجوب الكفارة من باب أولى.١
أما المستأمن وغيره من المعاهدين في دار الإسلام.
فإما أن تكون الكفارة واجبة له، أو واجبة عليه:
الحالة الأولى: وجوب الكفارة للمستأمن:
اختلف الفقهاء في وجوب الكفارة للمستأمن أو غيره من الكفار إلى قولين:
القول الأول: المسلم إذا قتل مستأمنًا في دار الإسلام وجبت عليه الكفارة.
وهو قول جمهور الفقهاء الحنفية والشافعية والحنابلة.٢
القول الثاني: الكفارة لا تجب على المسلم بقتل المستأمن أو غيره من الكفار.
وهو قول فقهاء المالكية والظاهرية.٣
_________________
(١) ١ بدائع الصنائع ٧/٢٥٢، والمبسوط ١٠/٦٥، والخرشي على مختصر خليل ٨/٤٩، وأسنى المطالب ٤/٩٥، ومغني المحتاج ٤/١٠٨، والمغني ٨/٩٤، وكشاف القناع ٦/٦٦. ٢ بدائع الصنائع ٧/٢٥٢، روضة الطالبين ١٠/٣٨١، المغني ٨/٩٨. ٣ الخرشي على مختصر خليل ٨/٥٠، وقوانين الأحكام الشرعية ص ٣٧٧، وحاشية العدوي ٢/٢٨٧، والمحلى ١٠/٣٤٧
[ ٢ / ٨٨ ]
الأدلة:
أولًا: أدلة أصحاب القول الأول:
استدلوا بالكتاب، والمعقول:
أ - دليلهم من الكتاب:
قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ . ١
وجه الدلالة من الآية:
دلت الآية على وجوب الكفارة بقتل المستأمن لأنه من الذميين لهم ميثاق أي عهد وأمان مع المسلمين. ٢
ب - دليلهم من العقول:
أن المعاهد المستأمن أو غيره معصوم الدم، ومقتول ظلمًا بغير حق، فتجب في قتله الدية والكفارة كالمسلم.
وحتى يكون هناك فرق بينه وبين الكافر الحربي الذي لا أمان له ولا دية ولا كفارة تجب بقتله.٣
ثانيًا: أدلة أصحاب القول الثاني:
_________________
(١) ١ النساء: ٩٢. ٢ بدائع الصنائع ٧/٢٥٢، والعدة شرح العمدة ص ٥٤٠. ٣ المغني ٨/٩٣، وكشاف القناع ٦/٦٦، والعدة شرح العمدة ص ٥٤٠.
[ ٢ / ٨٩ ]
استدلوا بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ . ١
وجه الدلالة من الآية:
الآية الكريمة دلت على وجوب الكفارة بقتل المؤمن، ومفهومها أن لا كفارة في غير المؤمن، فالآية كلها في المؤمن، ولا تجب الكفارة بقتل المعاهد المستأمن أو غيره، والضمير يرجع إلى المؤمن المذكور في الآية ولا ذكر للمستأمن في هذه الآية أصلًا.٢
ويرد عليهم بأن قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾ .
ظاهر الدلالة في وجوب الكفارة بقتل المعاهد المستأمن لأنه من الذين بيننا وبينهم عهد وميثاق، فالآية دلت بالمنطوق على أن من له ميثاق من الكفار بعهد وقتله مؤمن، لزمته الدية والكفارة، لأنه مقتول ظلمًا فوجبت الكفارة بقتله كالمسلم.
الرأي المختار:
ورأى الجمهور في وجوي الكفارة على المسلم إذا قتل معاهدًا
_________________
(١) ١ النساء: ٩٢. ٢ المحلى ١٠/٣٤٧،٣٤٨.
[ ٢ / ٩٠ ]
مستأمنًا أو غيره هو المختار، لصريح الآية، ولأن المعاهد المستأمن معصوم الدم ويحرم قتله بغير وجه الحق، ومن قتله بغير حق فقد ارتكب ذنبًا عظيمًا، والكفارة شرعت لمحو الذنب وتكفيره، فلذلك تجب على المسلم بقتل المعاهد المستأمن تكفيرًا لذنبه ومحوًا له.
وبهذا الاختيار يتضح لنا أن اختلاف الدار أثر في وجوب الكفارة للمستأمن لأن المستأمن عندما كان في داره دار الكفر كان دمه هدر ولا عصمة له، ولا يجب بقتله لا دية ولا كفارة، ولكن عندما اختلفت الدار وأصبح في دار الإسلام بعهد وأمان وجبت الدية والكفارة بقتله لأنه معصوم الدم.
الحالة الثاني: في وجوب الكفارة على المستأمن:
اختلف الفقهاء في وجوب الكفارة على المعاهد- ذميًا كان أو مستأمنًا - إذا قتل مسلمًا أو معاهدًا آخر خطأ إلى قولين:
القول الأول: لا تجب الكفارة على الذمي والمستأمن.
وهو قول فقهاء الحنفية والمالكية.١
القول الثاني:
_________________
(١) ١ انظر: بدائع الصنائع ٧/٢٥٢، والاختيار ٥/٢٥، والمبسوط ١٠/٦٥، والخرشي على مختصر خليل ٨/٤٩.
[ ٢ / ٩١ ]
تجب الكفارة على الذمي والمستأمن وتكون في مالهما بعتق رقبة مؤمنة، وأما كفارة الصيام فلا يرون وجوبها لأن الصيام عبادة لا تصح من الكافر.
وهو قول فقهاء الشافعية والحنابلة.١
ووافقهم الظاهرية في وجوبها على الذمي إلا أنهم أجلوا ذلك إلى حين الإسلام لعدم قدرة الذمي على العتق وكذلك الصيام، والظاهر أن المستأمن عندهم كالذمي، بجامع العصمة والدين فكل منهما كافر.
وفي هذا يقول ابن حزم: "وذلك واجب أي الكفارة على الذمي إلا أنه لا يقدر في حالته تلك على عتق رقبة مؤمنة ولا على صيام حتى يسلم، فإن أسلم يومًا ما لزمه العتق والصيام فإن لم يسلم حتى مات لقي الله عزوجل وذلك زائد في إثمه وعذابه".٢
الأدلة:
استدل الحنفية والمالكية على عدم وجوب الكفارة على المعاهد بما يلي:
أن الكفارة فيها معنى العبادة لأن فيها صيامًا، والصيام عبادة، وغير
_________________
(١) ١ انظر: روضة الطالبين ١٠/٣٨١، ومغني المحتاج ٤/ ١٠٧ - ١٠٨، والمجموع شرح المهذب ١٧/٥١٥، وحاشية البيجيرمي على المنهج ٤/١٩١ - ١٩٢، وقليوبي وعميرة ٤/١٦٢، والمغني ٨/٩٣، والمبدع ٩/٢٨، والإنصاف ١٠/١٣٥، والعدة ص٥٤٠، ومطالب أولي النهى ٦/٤٥. ٢ انظر: المحلى لابن حزم ١٠/٣٥٩.
[ ٢ / ٩٢ ]
المسلمين من الذميين والمستأمنين غير مخاطبين بشرائع العبادات، ولهذا اشترطوا في وجوبها أن يكون القاتل مسلمًا.١
واستدل الشافعية والحنابلة الذين قالوا بوجوب الكفارة على المعاهد بالكتاب، والسنة، والمعقول.
أ - دليلهم من الكتاب:
قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ ٢
قالوا في وجه الدلالة:
بأن الآية عامة في وجوب الكفارة على القاتل مسلمًا كان أو كافرًا، ولم يرد ما يخصص هذا العموم في عدم وجوبها على القاتل الكافر، فتبقى الآية على عمومها حتى يدل دليل على التخصيص.٣
ب - دليلهم من السنة:
بما روى عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: يا رسول الله إني وأدت في الجاهلية، فقال النبي ﷺ: "أعتق بكل موؤدة رقبة".٤
فالحديث يدل دلالة واضحة على وجوب الكفارة على الكافر.٥
_________________
(١) ١ انظر: بدائع الصنائع ٧/٢٥٢، والمبسوط ١/٩٥، والخرشي ٨/٤٩. ٢ النساء: ٩٢. ٣ انظر: المجموع شرح المهذب ١٧/٥١٤. ٤ تكملة المجموع شرح المهذب للمطيعي ١٧/٥١٤ وبحثت عنه حسب استطاعتي فلم أجده في كتب السنن المعروفة. ٥ انظر: المجموع شرح المهذب ١٧/٥١٥.
[ ٢ / ٩٣ ]
ج - دليلهم من المعقول:
١- أن الكفارة تجب على الكافر عقوبة له، وليس لتكفير ذنبه كالمسلم، لأنه لا ذنب أعظم من الكفر، كالحدود تجب على المسلم كفارات، وعلى الكافر عقوبة.١
٢- أن الكفارة في هذه الحالة حق مالي يتعلق بالقتل، فتجب على المعاهد الذمي أو المستأمن كما تجب عليه الدية.٢
٣- أن الكفارة ليست عبادة بدنية، وإنما هي عبادة مالية، كالزكاة ونفقات الأقارب، بخلاف الصلاة والصوم.٣
الرأي المختار:
والذي يظهر لي من أقوال الفقهاء أن الكفارة لا تجب على غير المسلم مستأمنًا كان أو غيره.
١- لأن الكفارة فيها معنى العبادة لأن فيها صيامًا، وغير المسلم ليس من أهل العبادة.
_________________
(١) ١ انظر: المجموع شرح المهذب ١٧/٥١٥. ٢ انظر: المجموع شرح المهذب ١٧/٥١٥.، والمغني ٨/٩٤، والمبدع ٩/٢٨، ومطالب أولي النهي ٦ /٤٥، والعدة ص ٥٤. ٣ المغني ٨/٩٤.
[ ٢ / ٩٤ ]
٢- ولأن الكفارة شرعت لمحو الذنب وتكفيره، والكافر لا عمل له مع الكفر، وهل هناك ذنب أعظم منه.
٣- ولأن الآية ليست عامة في وجوب الكفارة، وإنما هي خاصة بالمؤمن لقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلا خَطَأً﴾ .
٤- ولأن الحديث الذين استدل به من أوجب الكفارة لا وجود له وعلى فرض أنه موجود لا دلالة فيه على وجوب الكفارة على المستأمن.
وبهذا الاختيار يتضح لي أنه لا أثر لاختلاف الدار في وجوب الكفارة على المستأمن فالكفارة لا تجب عليه لا في دار الإسلام، ولا في دار الكفر، فإذًا لا أثر لاختلاف الدارين في وجوب الكفارة على المستأمن.
[ ٢ / ٩٥ ]