إن جريمة البغي من الجرائم المحرمة في الشريعة الإسلامية لأن فيها خروجًا عن طاعة الإمام الذي أمرنا بطاعته والولاء له، وهي من أخطر الجرائم التي تهدد أمن الدولة وسلامتها، فمن أجل ذلك شدد الشرع في عقوبة من ارتكب هذه الجريمة في دار الإسلام.
وقد دل الكتاب والسنة والإجماع على تحريمها.
فدليل تحريمها من الكتاب:
قوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ ١
فقد أمر الله في هذه الآية الكريمة بقتل الطائفة التي تبغي وتخرج عن طاعة الإمام، وتنفرد برأيها الخاص، والقتل لا يكون إلا على فعل محرم.
أما دليل تحريمها من السنة:
فبما روي عن عرفجة بن شريح ﵁ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من أتاكم وأمركم جميع يريد أن يفرق جماعتكم فاقتلوه" ٢
_________________
(١) ١ الحجرات: ٩. ٢ أخرجه الإمام مسلم ٣/٤٨٠ كتاب الإمارة باب حكم من فرق أمر المسلمين.
[ ٢ / ١٤٥ ]
فالحديث يدل على قتل من يريد تفريق جماعة المسلمين، والقتل لا يكون إلا على فعل محرم.
أما الإجماع:
فقد أجمعت الأمة الإسلامية على تحريم جريمة البغي، وأن عقوبة فاعلها إذا أصر عليها هو القتل١
أما المستأمنون إذا ارتكبوا هذه الجريمة في دار الإسلام فلا يخلوا ذلك من حالتين.
الحالة الأولى: أن يرتكب المستأمنون جريمة البغي منفردين بأن يخرجوا عن طاعة إمام المسلمين ويعلنوا ذلك في دار الإسلام.
فقد اتفق الفقهاء على أنهم بفعلهم هذا قد ارتكبوا جريمة محرمة نقضت عهدهم وصاروا كالحربيين الذين لا أمان لهم، ويجب قتالهم حتى يؤمن شرهم، وتكسر شوكتهم، وذلك لأنهم نقضوا العهد الذي بينهم وبين المسلمين عندما عقد معهم الأمان على عدم الإضرار بالمسلمين.
ولأنهم خرجوا على الدولة وهددوا أمنها واستقرارها وسلامتها،
_________________
(١) ١ الاختيار ٤/١٥١، وقوانين الأحكام الشرعية ص ٣٩٣، وكفاية الأخيار ٢/١٢٢، والمبدع ٩/١٦٠،١٦١.
[ ٢ / ١٤٦ ]
كالبغاة المسلمين فتقام عليهم العقوبة كما تقام على المسلمين١
أما لحالة الثانية: فهي:
أن يرتكب المستأمنون جريمة البغي بالاشتراك مع بعض البغاة المسلمين فقد اختلف الفقهاء في إقامة حد الحرابة عليهم إلى قولين:
القول الأول: أن المستأمنين إذا ارتكبوا هذه الجريمة بالاشتراك مع البغاة المسلمين انتقض عهدهم وصاروا حربيين لا أمان لهم، وحلت دماؤهم وأموالهم كالبغاة المسلمين.
وهو قول فقهاء المالكية والشافعية والحنابلة٢
القول الثاني: المستأمنون إذا ارتكبوا جريمة البغي مع بعض البغاة المسلمين لا ينتقض عهدهم ويعاقبون بالعقوبة المشروعة لهذه الجريمة لأنه صاروا تبعًا للمسلمين في هذه الجريمة، والمسلم لا ينتقض إيمانه إذا ارتكب هذه الجريمة، فكذلك المستأمن لا ينتقض أمانه بها. وهو قول فقهاء الحنفية٣
والمختار في هذا أن المستأمنين إذا ارتكبوا هذه الجريمة المحرمة سواء
_________________
(١) ١ انظر: المبسوط ١٠/١٣٦، وشرح السير الكبير ٢/١٠٣، والمدونة ٦/١١٥، ومغني المحتاج ٤/١٢٩، والمغني ٨/١٢١، والإنصاف ١٠/٣٢٠. ٢ المرجع السابق نفسه. ٣ انظر: المبسوط ١٠/١٢٨، وفتح القدير ٤/٤١٥، وحاشية ابن عابدين ٣/٤٢٩.
[ ٢ / ١٤٧ ]
كانوا منفردين أو مشتركين مع البغاة المسلمين انتقض عهدهم وحلت دماؤهم وأموالهم كالحربيين.
لأنهم ارتكبوا جريمة هددت أمن الدولة الإسلامية وما عقد معهم الأمان للخروج على المسلمين والإضرار بهم.
ولأن هذه الجريمة محرمة في دار الإسلام من المسلمين أنفسهم، ويستحقون العقوبة إذا لم يرجعوا عن فعلهم هذا، فكيف بالكافر الحربي الذي عقد معه الأمان على ألا يتعرض لأهل الإسلام، ويحافظ على دولتهم، ثم يرتكب هذا الجرم القبيح، فإنزال العقوبة الرادعة بحقه من باب أولى.
وبهذا يتضح لنا أن اختلاف الدار له أثر في ارتكاب جريمة البغي من المستأمن في دار الإسلام.
[ ٢ / ١٤٨ ]