إن جريمة الحرابة من الجرائم المحرمة التي أوجب الله على مرتكبها العقوبة الرادعة في الدنيا، مع الوعيد الشديد الذي توعد الله به المحارب في الدار الآخرة، إذا لم يتب، وأطلق عليها بعض الفقهاء السرقة الكبرى، فبهذا يعظم ذنبها وتزداد عقوبتها، وهي محرمة بكتاب الله عزوجل وسنة رسوله ﷺ وإجماع المسلمين.
فدليل التحريم من كتاب الله: قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ ١
فالآية نص صريح في تحريم الحرابة، فالقتل والصلب والقطع والنفي في الدنيا، والعذاب في الآخرة، لا يكون إلا على فعل محرم وهذا يدل على أن الحرابة محرمة.
أما دليل تحريم الحرابة من السنة: فبما روى أنس بن مالك ﵁
_________________
(١) ١ المائدة: ٣٣.
[ ٢ / ١٣٥ ]
أن النبي ﷺ قطع العرنيين وسمل أعينهم وتركهم في الحرة حتى ماتوا.١
ولو لم يكن فعلهم هذا محرمًا لما قطع رسول الله ﷺ أيديهم وأرجلهم من خلاف وفقأ أعينهم وتركهم حتى ماتوا، قال النووي: "هذا الحديث أصل في عقوبة المحاربين "٢
أما الإجماع: فقد أجمعت الأمة الإسلامية على تحريم الحرابة وأنها من كبائر الذنوب ومن الفساد في الأرض.٣
ولا خلاف بين الفقهاء في وجوب إقامة حد الحرابة على المسلم المحارب للمسلمين في دار الإسلام.٤
أما المستأمن في دار الإسلام فلا يخلو من حالتين: فإما أن يكون محارَبًا أو محارِبًا.
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري ٤/١٧٤،١٧٥ كتاب المحاربين من أهل الكفر والردة. ومسلم ٣/١٢٩٦ كتبا القسامة باب حكم المحاربين والمرتدين. والحديث روي بألفاظ عديدة في الصحيح والقصة مشهورة ومغنى سمل أعينهم أي فقأها وأذهب ما فيها. أما الحرة التي تركهم فيها الحرة المعروفة بالمدينة وهي ذات الحجارة السوداء في الجهة الشرقية منها ز انظر: شرح النووي على مسلم ١١/١٥٥، والمصباح المنير ١/٢٨٩. ٢ شرح النووي على مسلم ١١/١٥٣. ٣ الاختيار ٤/١١٤، وقوانين الأحكام الشرعية ص ٣٩٢، وكفاية الأخيار ٢/١١٩، والمبدع ٩/١٤٤. ٤ المرجع السابق نفسه.
[ ٢ / ١٣٦ ]
الحالة الأولى: أن يكون المستأمن هو المحارب في دار الإسلام من قبل المسلمين أو غيرهم.
وقد اختلف الفقهاء في وجوب إقامة حد الحرابة على المحارب للمستأمن في دار الإسلام إلى قولين:
القول الأول: لا يقام الحد على قاطع الطريق على المستأمن مسلمًا كان أو ذميًا أو مستأمنًا.
وهو قول فقهاء الحنفية، والشافعية في أصح الأوجه.١
القول الثاني: يقام حد الحرابة على المسلم أو غيره إذا قطع الطريق على المستأمن.
وهو قول المالكية والحنابلة ووجه للشافعية.٢
الأدلة:
استدل أصحاب القول الأول بما يلي:
١- أن مال المستأمن الحربي ليس بمعصوم على الإطلاق، بل في عصمته شبهة العدم، لأنه من أهل دار الحرب، وإنما العصمة بعارض
_________________
(١) ١ بدائع الصنائع ٧/٩١، والمبسوط ٩/١٩٥، وحاشية الدر المختار ٤/١١٣، وأسنى المطالب ٤/١٥٠، وتحفة المحتاج ٩/١٥٠، وقليوبي وعميرة ٤/١٩٦. ٢ مواهب الجليل ٦/٣١٤، وشرح الخرشي ٨/١٠٤، وجواهر الإكليل ٢/٢٩٤، والمدونة ٦/٤٠٧، والإنصاف ١٠/٢٨١، والهداية للكلوذاني ٢/١٠٥، وشرح منتهى الإرادات ٣/٣٣٦، ومغني المحتاج ٤/١٧٥.
[ ٢ / ١٣٧ ]
الأمان مؤقتة إلى غاية العودة إلى دار الحرب، فكان في عصمته شبهة الإباحة، فلا يقام الحد على من قطع عليه الطريق كما لا يقام الحد على من سرق ماله، بخلاف الذمي، فإن عقد الذمة أفاد له العصمة المؤبدة فتعلق الحد بأخذه كما يتعلق بسرقته.١
٢- أنه لا يقام الحد على المستأمن إذا قطع الطريق على المسلم فكذلك لا يقام الحد على المسلم إذا قطع الطريق عليه من باب أولى.٢
واستدل أصحاب القول الثاني بما يلي:
١- أن المستأمن ما التزم أحكام الإسلام إلا في مقابل حمايته، وعصمته ما له ودمه، ولو قلنا بعدم إقامة الحد على قاطع الطريق على المستأمنين لما استفاد المستأمن من عقد الأمان.٣
الرأي المختار:
والمختار من أقوال الفقهاء هو إقامة حد الحرابة على قاطع الطريق على المستأمن مسلمًا كان أو ذميًا أو مستأمنًا آخر.
١- لأن المستأمن معصوم الدم والمال، بعقد الأمان وفي مقابل هذه العصمة يقام الحد على قاطع الطريق عليه.
٢- ولأن هذا الرأي يتفق مع عدالة الشريعة بين البشر فكما يقام
_________________
(١) ١ انظر: بدائع الصنائع ٧/٩١، والمبسوط ٩/١٩٥. ٢ شرح السير الكبير ٥/١٦٠٢، ومغني المحتاج ٤/١٨٠. ٣ كشاف القناع ٦/١٤٩.
[ ٢ / ١٣٨ ]
الحد عليه إذا حارب المسلمين أو غيرهم في دار الإسلام، فكذلك يقام الحد على المحارِب له.
٣- ولأن في إقامة الحدود على المجرمين سواء كانوا مسلمين أو غيرهم، صيانة لدار الإسلام، ومنعًا لانتشار الفساد فيها، وزلزلة أمن المجتمع، فيقام الحد على المحاربين في دار الإسلام من المسلمين أو غيرهم تحقيقًا لهذا الغرض.
٤- ولأن إقامة حد الحرابة على قاطع الطريق على المستأمن في دار الإسلام من الوفاء بالعهد الذي أوجبت الشريعة الإسلامية الالتزام به وعدم نقضه ما دام المستأمن متمسكًا به ولم يحدث منه ما يوجب النقض.
الحالة الثانية: أن يكون المستأمن هو المحارِبْ:
المستأمن إذا قطع الطريق في دار الإسلام على المسلمين وغير المسلمين اختلف الفقهاء في وجوب إقامة الحد عليه إلى قولين.
القول الأول: المستأمن إذا قطع الطريق في دار الإسلام لا يقام عليه حد الحرابة. وهو قول فقهاء الحنفية ما عدا أبا يوسف وبه قال فقهاء الشافعية والحنابلة إلا أنه ينتقض أمانه بارتكاب هذه الجريمة عند الشافعية والحنابلة.١
أما الحنفية فقالوا لا ينتقض أمانه، وقاسوا الأمان على الإيمان
_________________
(١) ١ انظر: المبسوط ٩/٥٥، وشرح السير الكبير ٥/١٦٠٢، ونهاية المحتاج ٨/٢، ومغني المحتاج ٤/١٨٠، وكشاف القناع ٦/٧٨ – ١٤٩، وغاية المنتهى ٣/٣٩٦.
[ ٢ / ١٣٩ ]
فالمسلم إذا قطع الطريق لم يكن فعله ناقضًا لإيمانه. فكذلك المستأمن لا ينتقض أمانه بالحرابة.
القول الثاني: يقام حد الحرابة على المستأمن إذا قطع الطريق في دار الإسلام قال به الأوزاعي والمالكية وأبو يوسف من الحنفية.١
الأدلة:
أ - أدلة أصحاب القول الأول الذين قالوا بعدم إقامة حد الحرابة على المستأمن:
١- بقوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ﴾ ٢
قالوا في وجه الدلالة من الآية الكريمة:
أن الله ﷾ أمر المسلمين إبلاغ المستأمن مأمنه، وفي إقامة حد الحرابة عليه تفويت لهذا الحق فلا يقام عليه.٣
٢- أن المستأمن لا تقام عليه الحدود التي هي حق لله تعالى، كحد الزنى، والسرقة، وقطع الطريق، - بخلاف الحدود والجنايات التي هي حق للعبد، فإنها تقام عليه كحد القذف، وجناية القصاص.٤
_________________
(١) ١ انظر: المدونة ٦/٢٧٥، والتاج والإكليل ٦/٣١٤، وشرح الخرشي ٨/١٠٤، وتبصرة الحكام ٢/٢٥١، والمبسوط ٩/١٩٥، وحاشية ابن عابدين ٤/١٣. ٢ التوبة: ٦. ٣ انظر: المبسوط ٩/٥٦. ٤ المرجع السابق نفسه، والهداية ٤/١٥٤.
[ ٢ / ١٤٠ ]
٣- أن المستأمن لم يلتزم أحكام الإسلام، وليس من أهل دار الإسلام وإنما دخل لحاجة يقضيها ثم يرجع إلى داره فلا يقام عليه حد الحرابة.١
ب- أدلة أصحاب القول الثاني الذين قالوا بوجوب إقامة حد الحرابة على المستأمن:
١- استدلوا بعموم النصوص الموجبة بإقامة حد الحرابة من غير فرق بين المسلم وغير المسلم. كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلاف﴾ ٢
فالآية عامة في وجوب إقامة حد الحرابة على المسلم وغيره كالمستأمن في دار الإسلام.
٢- وبحديث العرنيين السابق٣. فهو نص في وجوب إقامة حد الحرابة على مرتكبيها من المسلمين أو غيرهم كالمستأمنين.
٣- ولأن المستأمن عندما عقد الأمان وصار مقيمًا في دار الإسلام صار ملتزمًا لأحكامه، فيقام عليه حد الحرابة كما يقام عليه حد القصاص والقذف والسرقة.٤
_________________
(١) ١ انظر: المبسوط ٩/٥٦، وبدائع الصنائع ٧/٩١. ٢ المائدة: ٣٣. ٣ سبق تخريجه ص ١٣٦. ٤ كشف القناع ٦/٧٨، وغاية المنتهى ٣/٣٩٦، وشرح منتهى الإرادات.
[ ٢ / ١٤١ ]
٤- أن الغرض من إقامة الحدود هو الزجر والردع لمن يرتكب مثل هذه الجرائم، وفي إقامتها تحقيق لهذا الغرض، وكذلك تقام الحدود صيانة لدار الإسلام، فلو قلنا بعدم إقامتها على المستأمن لرجع ذلك إلى الاستخفاف بالمسلمين وما أعطي الأمان ليحصل منه ذلك.١
الرأي المختار:
يتضح لنا مما سبق بيانه أن الرأي المختار هو القائل بإقامة حد الحرابة على المستأمن إذا قطع الطريق على المسلمين أو غيرهم في دار الإسلام وذلك للأسباب الآتية:
١- لأن الأصل في العقوبات الإسلامية سريانها على جميع المقيمين في دار الإسلام وتطبيقها عليهم.
٢- ولأن الجرائم كلها قائمة على الفساد في الأرض، وشرع العقاب لمنع هذه الجرائم، وانتشار الفساد في الأرض، وحتى ينزجر ويرتدع من تسول له نفسه ارتكاب هذه الجرائم في دار الإسلام.
٣- ولأن اعتبار حد الحرابة من حقوق الله لا يمنع من إقامة الحد على المستأمن لأن حق الله هو حق المجتمع.٢
٤- ولأن علة الحد وهي المحاربة عامة فتشمل المستأمن وغيره.
٥- ولأن هذا هو الذين يؤديه الدليل فالآية عامة في إقامة حد
_________________
(١) ١ المبسوط ٩/٥٦. ٢ أحكام الذميين والمستأمنين ص ٢٣٢، ٢٣٣.
[ ٢ / ١٤٢ ]
الحرابة فتشمل المسلمين وغير المسلمين، والحديث السابق دل على أن الرسول ﷺ قطع أيدي العرنيين وأرجلهم ولم يفرق بين المسلم وغيره.
٦- ولأن المستأمن يجب إبلاغه مأمنه كما دلت الآية، ولكن ذلك فيما إذا دخل المستأمن دار الإسلام والتزم بمقتضى عقد الأمان، وهو الكف عن الجرائم التي تضر بالمسلمين وغيرهم، كجريمة الحرابة، أما إذا دخل دار الإسلام ولم يلتزم بعقد الأمان، وأخذ يرتكب الجرائم المؤدية إلى الفساد في الأرض وزلزلة أمن المجتمع، فعند ذلك لا حرمة له، وتقام عليه الحدود زجرًا له وردعًا لأمثاله.
وأيضًا الأولى لفقهاء الحنابلة أن يقولوا بإقامة حد الحرابة على المستأمن لأنهم قالوا بإقامة حد السرقة عليه وهذا أولى وضرره أعم ولأنهم قالوا بوجوب إقامة حد الحرابة على المسلم أو غيره إذا قطع الطريق على المستأمن وإقامته على المستأمن من باب أولى.
وبناءً على هذا الاختيار يتضح لنا أثر اختلاف الدار في إقامة حد الحرابة على المستأمن في دار الإسلام. وكذلك في إقامته على المحارب للمستأمن من المسلمين أو غيرهم.
[ ٢ / ١٤٣ ]