قام مصعب بن عمير (ت ٣ هـ) بمهمة عظيمة في يثرب، فكان عليه أن يطلع على أحوالها عن قرب، ويتعرف إلى طبيعة أهلها وحقيقة شعورهم تجاه الدعوة ورسولها وليعطي صورة صادقة لهذا البلد الذي توجهت إليه أنظار الرسول ﵇؛ ليكون منطلقا للدولة الإسلامية، وليخرج الرسول ﷺ بتقدير صحيح ويتصرف على أساسه بسرعة ودقة، وحتى لا يتكرر الموقف الذي واجه الرسول ﷺ في الطائف «١» .
لقد كانت دعوة مصعب بن عمير (ت ٣ هـ) بالمقرئ «٢» . تفيد أن هناك توجها جديدا في الرئاسة لتنظيم الدعوة الإسلامية بعيدا عن القبيلة وأعرافها.
فكان هذا المقرئ يتولى دعوة الناس إلى الإسلام وتعليمهم أحكامه، أضف إلى ذلك إمامته المؤمنين في الصلاة، وبذلك غدت يثرب- بفضل هذا الرئيس المقرئ- تشهد طلائع تنظيم إداري جديد يقوم على أساس الدين بمفاهيمه الجديدة.
وكان النبي ﷺ على اتصال مباشر مع مصعب. وتشير الروايات أن مصعبا كتب كتابا إلى النبي ﷺ يستشيره في أن يجمع بهم بعد أن دخل الإسلام إلى كل بيت من بيوت الأنصار «٣»، فرد النبي ﵇ على كتاب مصعب بقوله: «أما بعد، فانظر اليوم الذي تجهر فيه اليهود بالزبور لسبتهم، فاجمعوا نساءكم وأبنائكم، فإذا مال النهار عن شطره عند الزوال من يوم الجمعة فتقربوا إلى الله بركعتين» «٤» . ويلاحظ أن ذكر اليهود هنا كان يعني أن الدعوة بدأت مرحلة جديدة من التحدي وإثبات الوجود، ولا سيما في
_________________
(١) العدوي، نظم (ص ١٠٧) .
(٢) ابن هشام، السيرة (م ١، ص ٤٣٤، ٤٣٥) (ابن إسحاق) . الطبري، تاريخ (ج ٢، ص ٣٥٧) (ابن إسحاق) . ابن الأثير، الكامل (ج ٢، ص ٩٦) .
(٣) ابن هشام، السيرة (م ١، ص ٤٣٧) .
(٤) الصنعاني، أبو بكر عبد الرزاق بن همام (ت ٢١١ هـ) المصنف، تحقيق حبيب الله الرحمن الأعظمي (ط ١)، (١٣٩٠ هـ، ١٩٧١ م)، (ج ٣، ص ١٦٠) (رقم الحديث ١٥٤٦) . وانظر: ابن سعد، الطبقات (ج ١، ص ٢٢٠) . حميد الله، مجموعة الوثائق (ص ٥٣) . الأحمدي، علي بن حسين بن علي، مكاتيب الرسول، بيروت، دار صعب، د. ت (ج ١، ص ٢٣٩)، المقصود صلاة الجمعة.
[ ٦٩ ]
يثرب التي يكثر فيها اليهود ولهم دور كبير في خلخلة أمنها واستقرارها.
لقد مكث مصعب في يثرب عاما واحدا استطاع خلاله أن يوجد قاعدة صلبة للدين الجديد، تمثل ذلك في عدد المؤمنين الذين جاؤوا إلى الموسم في مكة للالتقاء مع رسول الله ﷺ ويبايعوه البيعة الثانية والتي سميت «بيعة العقبة الثانية» «١» .
لقد كان أمر التهيئة لمباحثات البيعة قد تم بتخطيط دقيق وفيها تم تحديد معالم الدولة الجديدة وقيادتها، فقد تحرك الوفد اليثربي إلى مكة بسرّية تامة، فلم يكن أحد من قومهم يعلم بهدف خروجهم، ولما وصلوا مكة «تواعدوا مع رسول الله ﷺ في أواسط أيام التشريق في منى» «٢»، وكان التخطيط النبوي يقتضي أن يخرج هؤلاء لموعد اللقاء خروجا منظما. يقول كعب بن مالك (ت ٥٠ هـ): «حتى إذا مضى ثلث الليل خرجنا لميعاد رسول الله ﷺ نتسلل تسلّل القطا» «٣» . ويشير ابن سعد (ت ٢٣٠ هـ) إلى ذلك بقوله: «فخرج القوم يتسللون الرجل والرجلان وقد سبقهم رسول الله ﷺ» «٤» .
وكانت الخطوة التالية من التخطيط المحكم كما يشير المقريزي (ت ٨٤٥ هـ) هو تأمين مكان الاجتماع بالحراسة اليقظة، فقال: وجاءهم رسول الله ﷺ والعباس فأوقف العباس (ت ٣٢ هـ) عليّا على فم الشعب عينا له وأوقف أبا بكر (ت ١٣ هـ) على فم الطريق الاخر عينا له «٥» . فلم يعلم أحد من الصحابة بهذا اللقاء السري إلا من كان له مهمة خاصة من الحراسة والمراقبة وهما علي وأبو بكر ﵄.
وهكذا؛ فقد تم اللقاء بين الأنصار وبين رسول الله بنجاح كامل وبايع النبي ﷺ أصحابه من الأنصار، ثم قال لهم النبي ﷺ: «إن موسى أخذ من بني إسرائيل
_________________
(١) كانت هذه البيعة على السمع والطاعة في العسر واليسر والمكره والمنشط وعدم منازعة الأمر أهله، وأن يقول بالجد، وعدم الخوف في الله لومة لائم» . انظر: ابن هشام، السيرة (م ١، ص ٤٥٤) . ابن سعد، الطبقات (ج ١، ص ٢٢٢، ٢٢٣) . البلاذري، أنساب (ج ١، ص ٣٥٤) (الواقدي) . ابن حبان، كتاب الثقات (ج ١، ص ١١١، ١١٢) .
(٢) ابن هشام، السيرة (م ١، ص ٤٤٠) (ابن إسحاق) . وانظر: البلاذري، أنساب (ج ١، ص ٢٣٩، ٢٤٠) . الطبري، تاريخ (ج ٢، ص ٣٦٩) (ابن إسحاق) . الساعاتي، الفتح الرباني (ج ٢، ص ٢٧٢) .
(٣) ابن هشام، السيرة (م ١، ص ٤٤١) (ابن إسحاق)، وانظر. الطبري، تاريخ (ج ٢، ص ٣٦٢) . ابن الأثير، الكامل (ج ٢، ص ٩٨) .
(٤) ابن سعد، الطبقات (ج ١، ص ٢٢١) . وانظر: البيهقي، سنن (ج ٩، ص ٩) .
(٥) المقريزي، إمتاع (ج ١، ص ٣٥) .
[ ٧٠ ]
اثني عشر نقيبا فأخرجوا لي منكم اثني عشر نقيبا» «١» . ولكن ابن سعد (ت ٢٣٠ هـ) يروي رواية أخرى تشير إلى أن النبي ﷺ هو الذي اختار النقباء وقال لهم: «فلا يجدن منكم أحد في نفسه أن يؤخذ غيره فإنما يختار لي جبريل ﵇» «٢» .
ويؤيد هذا الرأي ما أشار إليه مالك بن أنس (ت ١٧٩ هـ) بقوله: «كنت أعجب كيف جاء من قبيلة رجل، ومن قبيلة رجلان حتى حدثني شيخ من الأنصار أن جبريل كان يشير إليهم يوم البيعة» «٣» . ولكن يلاحظ من خلال استعراض أسماء هؤلاء النقباء أنهم كانوا من المنظور إليهم في أقوامهم ولهم مكانة اجتماعية مميزة، وذلك كان ضروريّا لتقتنع هذه القبائل بهم، ومن خلال نظام النقباء الذي أحدثه النبي ﷺ استطاع أن يحافظ على التقسيمات القبلية للبطون والأفخاذ في المدينة ويسخرها في نفس الوقت لخدمة النظام الجديد.
لقد تم اختيار النقباء، وكان هذا أول تنظيم إداري عملي حدد النبي ﷺ فيه مسؤولية هؤلاء النقباء ووضع لهم نظاما خاصّا في الإتصال والحركة بوصفهم نواة للمجتمع الجديد، فقال لهم: «أنتم كفلاء على قومكم» «٤» . وهذه الكفالة كانت توجب على هؤلاء أن يحافظوا على انضباط قومهم والتزامهم بمبادئ الدين الجديد ولم يعف النبي ﷺ نفسه من المسؤولية فقال: «وأنا كفيل على قومي» «٥» وينتظر أن يكون هؤلاء النقباء هم رجال النظام الإداري للدولة القادمة، ووصل هذا النظام إلى درجة دقيقة من الدقة واتباع التسلسل الهرمي في المسؤولية بحيث جعل النبي ﷺ «أسعد بن زرارة (ت ١ هـ) نقيبا للنقباء» «٦» . وكانت مهمة أسعد تصل أحيانا إلى أن يفوض عن النبي ﷺ في حالة غيابه، فيروي البلاذري (ت ٢٧٩ هـ): «أن سليط بن قيس (ت ١٣ هـ) حضر يوم
_________________
(١) إشارة إلى قول الله ﵎: وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ وَبَعَثْنا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا [المائدة: ١٢] . وانظر: ابن هشام، السيرة (م ١، ص ٤٤٣، ٤٤٤) . البلاذري، أنساب (ج ١، ص ٢٥٣) (الواقدي) . الطبري، تاريخ (ج ٢، ص ٣٦٢) . ابن الأثير، الكامل (ج ٢، ص ٩٩) .
(٢) ابن سعد، الطبقات (ج ٢، ص ٢٢٢، ٢٢٣) .
(٣) الذهبي، السيرة (ص ٢٠٧) . ويرى سرجنت «أن عدد النقباء اثنا عشر هو مجرد مصادفة وليس مخططا» . انظر: .Sarjeant، Constitution of Medina، Islamic Guar lerly، London، ١٩٧٨، part ١، p.p.١٠.
(٤) ابن هشام، السيرة (م ١، ص ٤٤٣- ٤٤٤) . وانظر: ابن سعد، الطبقات، (ج ١، ص ٢٢٢، ٢٢٣) . البلاذري، أنساب (ج ١، ص ٢٥٣) (الواقدي) .
(٥) الأجزاء والصفحات نفسها.
(٦) ابن سعد، الطبقات (ج ٣، ص ٦٠٣) . البلاذري، أنساب (ج ١، ص ٢٥٣) (الواقدي) .
[ ٧١ ]
العقبة ليبايع فوجد الناس قد تفرقوا فبايع أسعد بن زرارة (ت ١ هـ) نقيب النقباء، وحضر مالك بن الدخشم وقد تفرق الناس فبايع أسعد أيضا» «١» .
وعند ما نقارن قائمة النقباء بالقبائل المذكورة أسماؤها في وثيقة الحلف يتضح أن كل قبيلة من قبائل الخزرج كان يمثلها نقيب أو اثنان، وأن ثلاثة نقباء كانوا يمثلون الأوس، وهذا العدد يتناسب مع عدد كل من القبيلتين الكبيرتين الذين حضروا البيعة مع رسول الله ﷺ.
ويفترض أن تكون مهمة هؤلاء النقباء قد استمرت بعد الهجرة. ويذكر الحاكم (ت ٤٠٥ هـ) «أنه لما مات أسعد بن زرارة (سنة ١ هـ) نقيب بني النجار جاء قومه إلى النبي ﷺ، فقالوا: مات نقيبنا فنقّب علينا، فقال رسول الله ﷺ «أنا نقيبكم» «٢» ولم تشر المصادر إلى أن النبي ﷺ قد عين نقباء جددا بدل أولئك الذين ماتوا أو استشهدوا في بدر (٢ هـ) وأحد (٣ هـ) والخندق (٥ هـ) «٣» .
ويبدو أن هذه القبائل كانت تعين نقباءها بنفسها، وأما (بنو النجار) فقد جاؤا إلى رسول الله ﷺ؛ لأنهم أخواله، ولهذا فقد قال لهم: «أنتم أخوالي، وأنا نقيبكم» «٤» فكانت هذه فضيلة لبني النجار.
لقد اتى التنظيم المبكر للجماعة الإسلامية أكله في إعداد العدة لتهيئة الظروف المناسبة لهجرة النبي وأصحابه إلى يثرب، وبهذه الهجرة انتقلت الدعوة الإسلامية إلى مرحلة جديدة من التنظيم الإداري والسياسي.
_________________
(١) البلاذري، أنساب، (ج ١، ص ٢٥٢) (الواقدي) .
(٢) الحاكم، أبو عبد الله محمد بن عبد الله الحاكم النيسابوري (٤٠٥ هـ)، المستدرك على الصحيحين، بيروت، دار الكتاب العربي، د. ت (ج ٣، ص ١٨٦) . وانظر: ابن سعد، الطبقات (ج ٣، ص ٦٦١) . الطبري، تاريخ (ج ٣، ص ٣٩٨) (ابن إسحاق) . ابن الأثير، أسد الغابة (ج ١، ص ٧٢) .
(٣) مثل سعد بن خيثمة، استشهد يوم بدر (ت ٢ هـ) . وسعد بن الربيع، استشهد يوم أحد (سنة ٣ هـ) . وعبد الله ابن رواحة، استشهد يوم مؤتة (سنة ٨ هـ) . وسعد بن معاذ، استشهد في الخندق (سنة ٥ هـ) . وكان هؤلاء من النقباء، انظر ابن هشام، السيرة (ج ١، ص ٧٠٧)، (ج ٢، ص ٢٥)، (ج ٢، ص ٣٧٩) .
(٤) ابن سعد، الطبقات (ج ٣، ص ٦١١) .
[ ٧٢ ]
الفصل الثاني إدارة الدعوة الإسلامية حتى قيام الدولة
ثالثا: ملامح الإدارة في الهجرة النبوية
علمت قريش بخبر الذين بايعوا رسول الله ﷺ فازدادوا اضطهادا للمسلمين «١» وكان هذا مدعاة إلى أن يستأذن المسلمون في الهجرة إلى إخوانهم في الدين، فلم يأذن لهم النبي ابتداء، ثم إن النبي ﷺ قال لهم: «رأيت في المنام أني أهاجر من مكة إلى أرض فيها نخل، فذهب وهلي إلى أنها اليمامة أو هجر، فإذا هي المدينة» «٢» فأذن النبي ﷺ لهم بالهجرة، وأشار البخاري (ت ٢٥٦ هـ) إلى ذلك بقوله: قال ﷺ: «إني رأيت دار هجرتكم ذات نخل بين لابتين هاجر » «٣» ويلاحظ أن المسلمين خرجوا إلى المدينة جماعات جماعات حتى لا يسترعوا الانتباه إليهم، فقال ابن سعد (ت ٢٣٠ هـ): «فخرج المسلمون تباعا يترافدون بالمال والظهر» «٤» وتأخر النبي ﷺ في مكة؛ إذ ليس من الحكمة أن يخرج في البداية؛ لأنه القائد والمخطط والمراقب للموقف عن كثب والمتابع للأخبار، وإصدار القرارات المناسبة لذلك أمر مهم في مثل هذه الحالة.
وتذكر المصادر أن قريشا بدأت تعدّ خطتها لمنع الرسول ﷺ من الهجرة إلى المدينة، وتشير الايه القرانية إلى هذا الإعداد فيقول الله تعالى: وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ [الأنفال: ٣٠] «٥» .
لقد شعر النبي ﷺ وأبو بكر بذلك الإعداد المحكم فكان لابد من رسم خطة
_________________
(١) ابن هشام، السيرة (م ١، ص ٣٣٧، ٣٧٩) . البلاذري، أنساب (ج ١، ص ٢٥٧، ٢٥٨) . ابن سيد الناس، عيون الأثر (ج ١، ص ٢١٠) .
(٢) البخاري، الصحيح (ج ٥، ص ٧١) . وانظر: البيهقي، السنن (ج ٩، ص ٩) .
(٣) البخاري، الصحيح (ج ٥، ص ٧٥) . وانظر: ابن هشام، السيرة (ج ١، ص ٤٦٨) . وأحمد، المسند (ج ٦، ص ١٩٨) .
(٤) ابن سعد، الطبقات (ج ١، ص ٢٢٦) . وانظر: البلاذري، أنساب (ج ١، ص ٢٧٧)، الذهبي، السيرة (ص ٢١٣) .
(٥) انظر: تفاصيل هذا الاجتماع في ابن هشام، السيرة (م ١، ص ٤٨٤) . البلاذري، أنساب (ج ١، ص ٢٦٠) . الطبري، تفسير (ج ١٣، ص ٤٩٤- ٤٩٦) . تاريخ (ج ١، ص ٣٧٠) . الزمخشري، الكشاف (ج ٢، ص ١٥٤، ١٥٥) . ابن العربي، الجامع (ج ٢، ص ٨٤) . أبا حيان، البحر المحيط (ج ٤، ص ٤٨٧) . السيوطي، الدر المنثور (ج ٤، ص ٥١- ٥٣) .
[ ٧٣ ]
محكمة؛ للخروج دون الاصطدام بقريش، وقد وضعت هذه الخطة على أسس سليمة فطلب النبي ﷺ من علي بن أبي طالب (استشهد ٣٩ هـ) أن ينام في فراشه؛ حتى يظن هؤلاء أن النبي ﷺ ما زال في فراشه «١»، وكل ذلك كان يتم بسرية تامة، فلا يعلم بالخروج إلا من كان له دور مرسوم في تنفيذ الخطة.
ابتدأ بتنفيذ الخطة المرسومة بأن خرج النبي ﷺ من بيته وجاء إلى بيت صاحبه أبي بكر، وكان ذلك في وقت الهاجرة «٢» إذ يغلب على هذه الساعة هجوع الناس، فلا يسترعى إليه الانتباه، ثم إن النبي ﷺ خرج هو وأبو بكر من مكان خاص في بيت أبي بكر. يقول ابن إسحاق (ت ١٥١ هـ): «خرجا من خوخة لأبي بكر في ظهر بيته» «٣»، وفي الجهة المقابلة، فكان من المنتظر أن يعد أبو بكر الصديق بقية الأمور، اشترى راحلتين قويتين وتركهما عند عبد الله بن أريقط وقد استأجره أبو بكر «يدلهما على الطريق فدفعا إليه راحلتهما فكانتا عنده يرعاهما لميعادهما» «٤» . أخذ النبي ﷺ طريقه إلى غار ثور جنوب مكة «٥» باتجاه اليمن؛ لأنه يفترض في الملاحقين أن يتجهوا إلى الشمال وهم يعلمون أن وجهة النبي إلى المدينة الواقعة إلى الشمال من مكة، ولهذا يقول المباركفوري: «ولما كان النبي ﷺ يعلم أن قريشا ستجد في الطلب، وأن الطريق الذي ستتجه إليه الأنظار لأول وهلة هو طريق المدينة الرئيسي المتجه شمالا، فقد سلك الطريق الذي يضاده تماما» «٦» .
لقد اتجه النبي إلى غار ثور وذلك بعد أن تدارس الموقف مع أبي بكر وأفراد عائلته ولا سيما أولئك الذين لهم دور في الخطة، فاتبع «مبدأ تقسيم العمل» فقام عامر بن فهيرة (ت ٤ هـ) بإخفاء اثار أقدامهما «إذ أمره أبو بكر- وهو مولاه- أن
_________________
(١) ابن هشام، السيرة (م ١، ص ٤٨٢) . ابن سعد، الطبقات (ج ١، ص ٢٢٧) . البلاذري، أنساب (ج ١، ص ٢٦٠) . الطبري، تاريخ (ج ٢، ص ٣٧٢) . ابن الأثير، الكامل (ج ٢، ص ١٠٣) .
(٢) البخاري، الصحيح (ج ٥، ص ٧٣، ٧٥) . الساعاتي، الفتح الرباني (ج ٢٠، ص ٢٨٠) .
(٣) ابن هشام، السيرة (م ١، ص ٤٨٥) . وانظر: البلاذري، أنساب (ج ١، ص ٢٦٠) (قالوا) . الطبري، تاريخ (ج ٢، ص ٣٧٨) . ابن الأثير، الكامل (ج ٢، ص ١٠٤) .
(٤) البخاري، الصحيح (ج ٥، ص ٧٦) . الحاكم، المستدرك (ج ٣، ص ٨) .
(٥) البخاري، الصحيح (ج ٥، ص ٧٥) . ابن هشام، السيرة (م ١، ص ٤٨٦) . البلاذري، أنساب (ج ١، ص ٢٦١) . الطبري، تاريخ (ج ٢، ص ٣٧٨) .
(٦) المباركفوري، حقي الرحمن، الرحيق المختوم «مكة المكرمة»، رابطة العالم الإسلامي، (١٩٨٠ م)، (ص ١٨٣) .
[ ٧٤ ]
يرعى غنمه نهاره ثم يريحهما عليهما- أي يأتيهما- إذا أمسى في الغار» «١»، أما أسماء بنت أبي بكر (ت ٦٤ هـ) فكان دورها في الخطة أن تأتي ليلا بالطعام إلى الغار «٢»، ويبدو أن اختيار أسماء كان مقصودا؛ لأن المرأة لا تثير شك أحد، أما أخوها عبد الله (ت ١٦ هـ) فكان يقوم بدور مهم في مراقبة تحركات قريش والإتيان بأخبارها إلى رسول الله ﷺ وصاحبه في الغار، وكان اختيار عبد الله (ت ١٦ هـ) في غاية الحكمة فهو «شاب ثقف لقن» «٣» أي حاذق سريع الفهم، فكان يخرج من عندهما بالسحر، ويصبح مع قريش بمكة، كأنه كان قائما فيها فلا يسمع من قريش أمرا يبيتونه إلا وعاه حتى يأتيهما في المساء بخبره «٤» .
وينتظر أن يقوم كل واحد من هؤلاء بدوره المرسوم في الخطة بدقة متناهية، حتى كان اليوم الثالث، فخف الطلب عن رسول الله ﷺ فخرج بعد أن توافق التقدير النبوي المسبق الذي ضربه لابن أريقط وتقادير عبد الله بن أبي بكر (ت ١٦ هـ) عن مكة.
لقد أنقذت هذه الهجرة الدعوة الإسلامية وانتقلت بها من مرحلة الضعف إلى القوة ومن الدعوة إلى الدولة، وكانت بداية تكوين خطة جديدة تلائم الأرض الجديدة السيادة فيها للإسلام «وهكذا؛ دخل محمد ﷺ المدينة وعلى رأسه إكليل من الغار وكان استقبال الناس له استقبال فاتح عاد منتصرا لا استقبال مهاجر يطلب ملجأ» «٥» .
_________________
(١) البخاري، الصحيح (ج ٥، ص ٧٦) . وانظر: ابن هشام، السيرة (م ١، ص ٤٨٦) . ابن سعد، الطبقات (ج ٢، ص ٢٢٩) . البلاذري، أنساب (ج ١، ص ٢٦) . الطبري، تاريخ (ج ٢، ص ٢٢٩، ٣٧٦- ٣٧٨) .
(٢) البخاري، الصحيح (ج ٥، ص ٧٨) . ابن هشام، السيرة (م ١، ص ٤٨٦) . (ابن إسحاق) . ابن سعد، الطبقات (ج ١، ص ٢٢٩) . البلاذري، أنساب (ج ١، ص ٢٦٠) . الساعاتي، الفتح (ج ٢٠، ص ٢٨١) .
(٣) البخاري، الصحيح (ج ٥، ص ٧٥) .
(٤) مصطفى السباعي، السيرة النبوية، دروس وعبر (ط ٥) دمشق، المكتب الإسلامي، (١٩٨٠ م)، (ص ٦٤) .
(٥) أرفنج داشنجتون، حياة محمد (ط ٢) دار المعارف، مصر، (١٩٦٦ م)، (ص ١٢٧) .
[ ٧٥ ]
الفصل الثاني إدارة الدعوة الإسلامية حتى قيام الدولة