السنة
١٢٣ - تعريف السنة: هي ما أُثر عن الرسول - ﷺ - من قول أو فعل أو تقرير. فالسنة على ثلاثة أنواع: سنة قولية، وسنة فعلية، وسنة تقريرية.
أولًا: السنة القولية: هي أحاديث الرسول التي قالها في مختلف المناسبات، مثل قوله: "لا يحل قتل امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: كفر بعد إيمان، أو زنًا بعد إحصان، أو قتل نفس بدون نفس". وكقوله: "من قتل له قتيل فأهله بين خيرتين: إن أحبوا قتلوا، وإن أحبوا أخذوا العَقْل". وكقوله في عقوبة الزاني الذي لم يحصن: "البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام". وكقوله: "لا قطع في ثمر معلَّق، ولا في حَريسة الجبل، فإن آواه المَراح أو الجَرين فالقطع فيما بلغ ثَمَن المِجَنَّ". وقوله: "من شرب الخمر فاجلدوه، ثم إن شرب فاجلدوه".
[ ١ / ١٧٣ ]
ثانيًا: السنة الفعلية: هي أفعاله - ﷺ - مثل قضائه بالعقوبة في الزنا بعد الإقرار، وقطعه اليد اليمنى في السرقة، وقضائه بشاهد واحد ويمين المدعي.
ثالثًا: السنة التقريرية: هي ما صدر عن بعض أصحاب الرسول من أقوال وأفعال أقرها الرسول - ﷺ - بسكوته وعدم إنكاره، أو بموافقته وإظهار استحسانه، فيعتبر عمل الصحابي أو قوله بعد أن أقره الرسول كأنه صادر عن الرسول نفسه، ومثل ذلك أن النبي - ﷺ - لما بعث معاذًا إلى اليمن سأله: بم تقضي؟ قال: أقضي بكتاب الله، فإن لم أجد فبسنة رسول الله، فإن لم أجد أجتهد رأيي، فأقره الرسول على ذلك حيث قال: "الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله إلى ما يرضي رسول الله".
١٢٤ - مركز السنة من القرآن: القرآن هو المصدر الأول للتشريع الإسلامي، وأساس هذا التشريع، والسنة هي المصدر الثاني، وتلي القرآن في المرتبة. وأحكام السنة من الناحية التشريعية لا تعدو أن تكون واحدًا من ثلاثة:
الأول: فهي إما أن تكون سنة تقرر وتؤكد حكمًا جاء به القرآن، فيكون الحكم مرجعه القرآن والسنة معًا، كتحريم القتل بغير حق، وشهادة الزور، والسرقة، وغير ذلك من الأوامر والنواهي التي جاء بها القرآن والسنة.
الثاني: وإما أن تكون سنة مفصلة مفسرة حكمًا جاء به القرآن مجملًا، أو مقيدة ما جاء في القرآن مطلقًا، أو مخصصة ما جاء فيه عامًا، فيكون هذا التفسير أو التقييد أو التخصيص الذي جاءت به السنة بيانًا للمقصود من الحكم الذي جاء به القرآن، لأن الله جعل لرسوله حق البيان لنصوص القرآن بقوله: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤]، فالسنة هي التي فصلت كيفية إقامة الصلاة والحج وإيتاء الزكاة؛ لأن القرآن أمر بإقامة الصلاة،
[ ١ / ١٧٤ ]
وإيتاء الزكاة، وحج البيت، ولم يبين عدد الركعات، ولا كيفية الصلاة، ولا مقادير الزكاة، ولا مناسك الحج.
والسنة هي التي قيدت وخصصت كثيرًا من أحكام القرآن، فنصوص القرآن أحلت البيع وحرمت الربا، والسنة هي التي بينت بيوع الربا. ونصوص القرآن حرمت الميتة والدم، والسنة قيدت هذا الإطلاق، وخصصت التحريم وبينت ما يحل من أنواع الميتة والدم. ونصوص القرآن جعلت الميراث للأولاد، والسنة منعت ميراث القاتل. والقرآن يعاقب السارق والسارقة بالقطع، والسنة منعت القطع إلا في ربع دينار فصاعدًا، ومنعت القطع إلا في السرقة من حِرْز.
الثالث: وإما أن تكون سنة مثبتة حكمًا سكت عنه القرآن، فيكون الحكم أساسه السنة وليس له دليل في القرآن، كقول الرسول: "لا تنكح المرأة على عمتها ولا خالتها"، وكقوله في تحريم الذهب والفضة: "هذان حرامان على رجال أمتي حلالان لنسائها"، وكقوله: "يَحْرُمُ من الرضاع ما يَحْرُم من النسب".
١٢٥ - أنواع السنة بحسب روايتها: تنقسم السنة بحسب روايتها ثلاثة أقسام:
أسنة متواترة. ب - سنة مشهورة. جـ - سنة آحاد.
(أ) السنة المتواترة: هي ما رواه عن رسول الله جمع يمتنع عادة أن يتواطأ أفراده على كذب؛ لكثرتهم وأمانتهم، ثم رواه على الجمع جمع مثله، وعن هذا الجمع جمع آخر، وهكذا حتى وصلت إلينا بسند كل طبقة من رواته جمع لا يتفقون على كذب من مبدأ التلقي عن الرسول حتى وصلت إلينا. ومن هذا القسم السنن العملية في أداء الصلاة والصوم وغير ذلك من شعائر الدين،
[ ١ / ١٧٥ ]
التي تلقاها المسلمون جموعًا عن الرسول، ولقنوها جموعًا أخر دون خلاف عليها مع اختلاف الأعصار وتباعد الأمصار.
(ب) السنة المشهورة: هي ما رواها عن الرسول صحابي أو أكثر دون أن يبلغ الرواة حد التواتر، ثم نقلها عن الراوي أو الرواة جمع من جموع التواتر، وتناقلها عن هذا الجمع جموع أخر حتى وصلت إلينا بسند أول طبقة فيه فرد أو أفراد لا يبلغون حد التواتر، وباقي طبقاته من جموع التواتر، ومن هذا القسم ما رواه عمر بن الخطاب وابن مسعود وغيرهما من الصحابة.
(جـ) سنة الآحاد: هي ما رواها عن الرسول آحاد أو جمع لم يبلغ حد التواتر وتناقلها عن هؤلاء أمثالهم من الآحاد أو الجموع التي لا تبلغ حد التواتر حتى وصلت إلينا بسند طبقات الرواة فيه آحاد أو جموع لا تبلغ حد التواتر، ومن هذا القسم معظم الأحاديث.
١٢٦ - هل السنن قطعية أم ظنية؟: السنة المتواترة قطعية الورود عن الرسول لأن تواتر النقل يفيد الجزم بصدق الرواة، والسنة المشهورة قطعية الورود عن الصحابي الذي نقلها عن الرسول، وليست قطعية الورود عن الرسول، لأن من تلقاها عن الرسول ليس جمعًا من جموع التواتر، ولأن من تلقاها عن الصحابي جمع من جموع التواتر، وسنة الآحاد ظنية الورود عن الرسول.
والسنن جميعًا قد تكون قطعية الدلالة، وهذا إذا كانت لا تحتمل تأويلًا، وقد تكون ظنية الدلالة، وهذا إذا كانت تحتمل التأويل.
١٢٧ - حجية السنة: لا خلاف في أن أقوال الرسول وأفعاله وتقاريره التي قصد بها التشريع ونقلت إلينا بسند صحيح يفيد القطع أو الظن الراجح - تعتبر حجة ملزمة للمسلمين، ومصدرًا تشريعيًا واجب الاتباع، سواء كانت قطعية الورود أو ظنية الورود، فالسنة المتواترة واجبة الاتباع، لأن ورودها
[ ١ / ١٧٦ ]
عن الرسول مقطوع به، والسنة المشهورة وسنة الآحاد واجبة الاتباع وإن كانت ظنية الورود عن الرسول؛ لأن هذا الظن راجح بما توفر في الرواة من العدالة والإتقان.
وقد اعتبرت أحكام السنة ملزمة واجبة الاتباع لأن القرآن جعلها كذلك، فالله تعالى يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩]، ويقول: ﴿وَإِذَا جَاءهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء: ٨٣]، ويقول: ﴿مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللهَ﴾ [النساء: ٨٠]، ويقول: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللهِ﴾ [النساء: ٦٤]، ويقول: ﴿قُلْ أَطِيعُواْ اللهَ وَالرَّسُولَ﴾ [آل عمران: ٣٢]، ويقول: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ﴾ [آل عمران: ٣١]، ويقول: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٦]، ويقول: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا﴾ [الحشر: ٧] .
فالسنة إذن تشريع واجب الاتباع بنص القرآن، وقد أجمع الصحابة في حياة الرسول وبعد وفاته على وجوب اتباع سنته، فكانوا في حياته يمضون أحكامه، ويمتثلون أمره ونهيه؛ يُحلون ما أحل، ويُحرمَّون ما حرم، وبعد وفاته إذا لم يجدوا في القرآن حكم أي واقعة نزلت بهم يسألوا عن سنة الرسول فيها، وكان أبو بكر إذا لم يحفظ سنة في واقعة ما خرج ينشد المسلمين أيهم يحفظ سنة عن النبي في تلك الواقعة، كذلك كان يفعل عمر وغيره من الصحابة والتابعين.
١٢٨ - هل تعتبر كل أقوال الرسول وأفعاله تشريعًا؟: أفعال الرسول وأقواله على أنواع: فمنها ما صدر عنه باعتباره بشرًا؛ كالقيام والقعود والأكل
[ ١ / ١٧٧ ]
والشرب، ومثل هذه الأفعال لا تعتبر تشريعًا؛ لأنها صدرت عن الرسول بمقتضى بشريته وليست جزءًا من رسالته.
وبعض الأفعال صدر عن الرسول - ﷺ - ودل الدليل أنها من خصائصه لا يشاركه فيها أحد، كالزواج بأكثر من أربعة، ودخول مكة بغير إحرام، والوصال في الصوم، وهذه أيضًا لا تعتبر تشريعًا؛ لأنها خاصة بالرسول فلا يشاركه فيها غيره.
وبعض الأفعال صدر عن الرسول - ﷺ - وأساسه خبرته الخاصة بالشئون الدنيوية، كالاتجار والزراعة وتنظيم الجيش، وهذه الأفعال وأمثالها ليست تشريعًا أيضًا؛ لأن مبناها الخبرة الشخصية، والرسول نفسه كان لا يعتبر هذه الأفعال تشريعًا، فقد أشار على بعض الصحابى بتأبير النخل على وجه خاص فلم يصلح النخل به، فعدل عن رأيه وقال: "أنتم أعلم بأمور دنياكم"، وفي موقعة بدر أراد أن ينزل بالجيش في مكان معين، فقال له أحد أصحابه: أهذا منزل أنزلكه الله، أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟ قال: "بل هو الرأي والحرب والمكيدة" فأشار الصحابي بإنزال الجنود في مكان آخر لأسباب بينها فأخذ الرسول بمشورته.
أما الأقوال والأفعال التي صدرت عن الرسول - ﷺ - بقصد البيان والتعليم والإرشاد فهي تشريع ملزم، ومثل ذلك قوله: "صلوا كما رأيتموني أصلي"، وقوله: "خذوا عني مناسككم"، وقطعه يد السارق اليمنى من الكوع بيانًا لقوله تعالى: ﴿فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا﴾، وكأمره بدفن المرجوم والصلاة عليه حينما سئل عن ماعز فقال: "افعلوا به كما تفعلون بموتاكم"، وكاختياره سوطًا لا هو بالشديد ولا هو باللين حينما أراد إقامة الحد، ومثل ذلك أيضًا ما روي عنه من أن أم سلمة سألته عن قبلة الصائم، فقال لها: "لم لم تقولي لهم إني أقبل وأنا صائم؟ "، ولما سألته عن بل الشعر في الاغتسال قال: "أما أنا فيكفيني أن أحثو رأسي ثلاث حثيات من الماء". ولقد اختلف الصحابة في الغسل من غير إنزال فأنفذ عمر إلى عائشة
[ ١ / ١٧٨ ]
﵂ وسألها عن ذلك؛ فقالت: فعلته أنا ورسول الله واغتسلنا. فأخذ عمر الناس بذلك. وكان عمر يقبل الحجر الأسود في طوافه ويقول: إني أعلم أنك حجر لا يضر ولا ينفع، ولولا أني رأيت رسول الله يقبلك ما قبلتك. ولولا أن فعل رسول الله وقوله متبع لما أخذ الصحابة بفعله وقوله.
* * *