قصد العصيان: أو القصد الجنائي
٢٨٧ - قصد العصيان أو القصد الجنائي: بينا فيما سبق أن أساس المسئولية الجنائية هو العصيان، أي عصيان أمر الشارع، وأن مسئولية الجاني تختلف باختلاف درجة العصيان، فإن قصد الجاني العصيان شددت العقوبة وإن لم يقصد العصيان خففت العقوبة، فقصد العصيان عامل أولى في تعيين عقوبة الجاني، وهذا القصد هو ما نسميه اليوم في اصطلاحنا القانوني بالقصد الجنائي.
وقصد العصيان أو القصد الجنائي هو تعمد إتيان الفعل المحرم أو تركه مع العلم بأن الشارع يحرم الفعل أو يوجبه، وينبغي أن لا يفوتنا إدراك الفرق بين العصيان وبين قصد العصيان، فالعصيان عنصر ضروري يجب توفره في كل جريمة سواء كانت الجريمة بسيطة أو جسيمة، من جرائم العمد أو جرائم الخطأ، فإذا لم يتوفر عنصر العصيان في الفعل فهو ليس جريمة.
أما قصد العصيان فلا يجب توفره إلا في الجرائم العمدية دون غيرها. والعصيان هو فعل المعصية؛ أي إتيان الفعل المحرم أو الامتناع عن الفعل الواجب دون أن يقصد الفاعل العصيان، كمن يلقي حجرًا من نافذة ليتخلص منه فيصيب به مارًا في الشارع، فهو قد فعل معصية بإصابة غيره، ولكنه لم يقصد بأي حال أن يصيب غيره، ولم يقصد بالتالي فعل المعصية.
أما قصد العصيان فهو اتجاه نية الفاعل إلى الفعل أو الترك مع علمه بأن الفعل أو الترك محرم، أو هو فعل المعصية بقصد العصيان، كمن يلقي حجرًا
[ ١ / ٤٠٩ ]
من نافذة بقصد إصابة شخص مار في الشارع فيصيبه، فإنه يرتكب معصية لم يأتها إلا وهو قاصد فعلها. ويتفق هذا المثل مع المثل السابق في أن كلًا من الجانبين أتى معصية حرمها الشارع، ويختلف المثلان في أن الجاني في المثل الثاني قصد إتيان المعصية بينما الجاني في المثل الأول لم يقصد إتيان المعصية.
والتفرقة بين العصيان وبين قصد العصيان تقابل النفرقة بين الإرادة Volonté وهي تعمد الفعل المحرم أو تركه ماديًا وبين القصد Intention وهو تعمد النتيجة المترتبة على الفعل المادي، تلك التفرقة التي نقول بها اليوم في القوانين الوضعية.
ولا شك أن التعبير بالعصيان عن إتيان الفعل المادي ويقصد العصيان عن تعمد نتيجة الفعل هو تعبير أكثر دقة ودلالة على هذين المعنيين من التعبير عنهما بالإرادة والقصد؛ لأنه ليس ثمة فرق بين الإرادة والقصد من الوجهة اللغوية، وهما لفظان مترادفان يصلح كلاهما للدلالة على تعمد الفعل وتعمد نتيجته، وهذه الصلاحية اللغوية تؤدي إلى الخلط بين المعاني الفنية كما تؤدي إلى العجز عن تمييزها أحيانًا.
وقصد العصيان أو القصد الجنائي قد يوجد لدى الجاني قبل اقتراف الجريمة، كأن ينتوي قتل إنسان ثم ينفذ القتل بعد ذلك بزمن ما، وقد يعاصر القصد الجريمة كما هو الحال في جرائم المشاجرات أو في الجرائم التي تحدث بغتة بغير تدبير سابق.
ويستوي في الشريعة أن يكون القصد سابقًا للجريمة أو معاصرًا لها، فالعقوبة في الحالين واحدة؛ لأن أساس تقدير العقوبة هو القصد المقارن للفعل وقد توفر، ولا يصح تشديد العقاب مقابل القصد السابق على الفعل؛ لأن معنى ذلك هو العقاب على القصد وحده مستقلًا عن الفعل، والقاعدة في الشريعة أن لا عقاب على حديث النفس وقصد الجريمة قبل ارتكابها؛ لقوله ﵊: "إن الله يجاوز لأمتي عما وسوست أو حدثت به نفسها ما لم تعمل به أو تكلم"، وعلى أساس هذه القاعدة لا تفرق الشريعة في القتل والجرح بين العمد مع سبق الإصرار والترصد وبين العمد الخالي من سبق الإصرار والترصد، بل تجعل العقوبة واحدة
[ ١ / ٤١٠ ]
في الحالين، فعقوبة القتل العمد هي القصاص سواء سبقه إصرار وترصد أو لم يسبقه، وعقوبات الشجاج والجراح في حالة العمد مع سبق الإصرار والترصد هي نفس عقوباتها في حالة التعمد الخالي من سبق الإصرار والترصد.
والقوانين الوضعية لا تعاقب على النية مستقلة عن الفعل أو القول كقاعدة عامة، ولكنها مع ذلك تفرق بين عقوبة العمد المصحوب بسبق الإصرار أو الترصد وبين عقوبة العمد الذي لم يصحبه سبق إصرار أو ترصد، وقد جرى القانون المصري على هذه التفرقة في جرائم القتل والضرب والجرح المتعمدة.
٢٨٨ - الفرق بين القد والباعث: وقد فرقت الشريعة من يوم وجودها بين القصد والباعث؛ أي بين قصد العصيان وبين الدوافع التي دفعت الجاني للعصيان، ولم تجد الشريعة الباعث على ارتكاب الجريمة أي تأثير على تكوين الجريمة أو على العقوبة المقررة لها، فيستوي لدى الشريعة أن يكون الباعث على الجريمة شريفًا كالقتل للثأر، أو الانتقام للعرض، أو أن يكون الباعث على الجريمة وضيعًا كالقتل بأجر أو القتل للسرقة، فالباعث على الجريمة ليس له علاقة بتعمد الجاني ارتكاب الجريمة، ولا يؤثر على تكوينها ولا عقوبتها شيئًا ما.
وإذا كان من الممكن عملًا أن لا يكون للباعث أثر على تكوين الجريمة، وأن لا يكون له أثر على عقوبات جرائم الحدود وجرائم القصاص والدية، فإن هذا لا يمكن عملًا في عقوبات التعازير؛ ذلك أن الباعث أيًا كان لن يؤثر في طبيعة الفعل المكون للجريمة؛ لأن الشارع ضيق سلطان القاضي في عقوبات الحدود والقصاص، بحيث لا يستطيع أن يجعل للبواعث أي اعتبار.
أما في التعازير فقد ترك الشارع للقاضي من الحرية في اختيار العقوبة وتقديرها ما يمكنه عملًا من أن يحل البواعث في تقدير العقوبة محل الاعتبار.
فللباعث أثر من الوجهة العملية على عقوبات التعازير دون غيرها من العقوبات.
[ ١ / ٤١١ ]
وعلة ذلك أن عقوبات الجرائم التعزيرية غير مقدرة، وللقاضي حرية واسعة فيها؛ فله أن يختار نوع العقوبة ويعين كمها، فإذا راعى القاضي البواعث فخفف العقوبة أو شددها فإنه يفعل ذلك في نطاق حقه، ولا يخرج عن حدود سلطانه. أما جرائم الحدود والقصاص فعقوبتها مقدرة أي محددة، وليس للقاضي أن ينقص منها أو يزيد فيها، ومن الواجب عليه أن يحكم بها مهما كان الباعث على الجريمة، فسواء كان الباعث شريفًا أو وضيعًا فالعقوبة لن تتغير.
وأكثر القوانين الوضعية تتفق في هذه المسألة مع الشريعة، فهي لا تخلط أيضًا بين الباعث على الجريمة والقصد الجنائي، ولا تجعل للباعث أثرًا على تكوين الجريمة أو عقوبتها كقاعدة عامة، ولكن بالرغم من ذلك فإن للباعث من الوجهة العملية أثره على تقدير العقوبة، إذ للقاضي أن يقدر العقوبة الملائمة من بين الحدين الأدنى والأعلى للعقوبة، وله في كثير من الأحوال أن يختار إحدى عقوبتين، وهو يختار العقوبة ويقدر كمها طبقًا لما يرى أن الجاني يستحقه، وهو يدخل في تقديره ظروف الجريمة والمجرم، والبواعث التي دفعت لارتكاب الجريمة، فيخفف العقوبة إن رأى الجاني مستحقًا التخفيف، ويغلظها إن رآه مستحقًا التغليظ، وبهذا يكون للباعث أثره العملي على العقوبة. وهذه هي طريقة القانون الفرنسي والقانون المصري.
على أن هناك بعض القوانين كالقانون الإيطالي والبولوني (١) تجعل من الباعث ظرفًا مخففًا أو مشددًا للعقوبة، وتلزم القاضي بمراعاة هذا الباعث عند تقدير العقوبة، وهذه القوانين وإن كانت تعترف بأن للباعث أثرًا قانونيًا على العقوبة إلا أنها من الوجهة العملية لا تصل إلى أكثر من النتائج التي تصل إليها القوانين التي لا تعترف بالباعث من الوجهة النظرية، لأن القاضي لا يستطيع عملًا
_________________
(١) القانون الجنائي لعلي بدوي ص٣٤٠ وما بعدها، الموسوعة الجنائية ج٣ ص٦٨.
[ ١ / ٤١٢ ]
أن يتخلى دائمًا عن اعتبار البواعث عند تقدير العقوبة، سواء اعتبر الشارع البواعث أو لم يعتبرها.
فالفرق بين الشريعة والقوانين الوضعية أن الشريعة لا تعترف بالباعث ولا تجعل له أثرًا في الجرائم الخطيرة التي تمس الجماعة ونظامها، وهي جرائم الحدود والقصاص، أما فيما عدا هذه الجرائم، فإن الشريعة وإن لم تعترف بالباعث من الوجهة النظرية، إلا أنه ليس فيها ما يمنع القاضي من تقدير الباعث من الوجهة العملية، وأكثر القوانين تهمل الكلام على الباعث ولا تعترف به من الوجهة النظرية، ولكن هذا لا يمنع القاضي من تقدير البواعث عملًا في كل الجرائم البسيطة والخطيرة على السواء.
ولا شك أن طريقة الشريعة أسلم وأفضل، لأنها تضع مصلحة الجماعة في الجرائم الخطيرة فوق كل اعتبار، ولا تسمح للقاضي بأن يفاضل بين هذه المصلحة ومصلحة الجاني؛ لأن معنى ذلك هو إخضاع المصلحة العامة للعواطف والأهواء.
٢٨٩ - صور القصد: وليس للقصد صورة معينة فهو يظهر في صور متنوعة تختلف باختلاف الجرائم ونية المجرم، فقد يكون القصد عامًا، وقد يكون خاصًا، وقد يكون القصد معينًا أو غير معين، وقد يكون القصد مباشرًا أو غير مباشر.
٢٩٠ - القصد العام والقصد الخاص: يتوفر القصد العام كلما تعمد الجاني ارتكاب الجريمة مع علمه بأنه يرتكب محظورًا، وأكثر الجرائم يكتفي فيها بتوفر القصد الجنائي العام، كجريمة الجرح والضرب البسيط فإنه يكفي فيها أن يتعمد الجاني إتيان الفعل المادي مع علمه بأنه يأتي فعلًا محرمًا.
وفي بعض الجرائم لا يكتفي الشارع بالقصد العام، بل يشترط أن يتوفر معه قصد خاص كتعمد نتيجة معينة أو ضرر خاص، كما هو الحال في جريمة القتل العمد أو جريمة السرقة، ففي جريمة القتل العمد لا يكفي أن يضرب الجاني المجني عليه أو يجرحه وهو عالم بأن الضرب والجرح محرم، بل يجب أن يتعمد مع الضرب
[ ١ / ٤١٣ ]
أو الجرح إرهاق روح المجني عليه، فالشارع يوجب لمحاسبة الجاني على القتل العمد أن يتعمد بعد توفر القصد العام نتيجة معينة أو قصدًا خاصًا، فإذا توفر القصد العام فقط ومات المجني عليه كان الفعل قتلًا شبه عمد لا قتلًا عمدًا (١) . وفي جريمة السرقة لا يكفي أن يأخذ الجاني مال الغير خفية وهو عالم بأن هذا الفعل محرم، بل يجب أن يتعمد مع ذلك تملك المال، فإذا أخذه وهو لا يقصد تملكه لم تتكون جريمة السرقة.
وفي الحالات التي يشترط فيها قصد خاص يختلط القصد الجنائي بالباعث كلما كان القصد الخاص هو الباعث على الجريمة، فمن يقتل شخصًا بقصد إزالته من طريقه يختلط قصده الخاص بالباعث على الجريمة، ولكن لا يمكن أن يقال: إن الباعث يؤثر على الجريمة أو العقوبة؛ لأننا لا ننظر إلى الباعث في حالة الاختلاط باعتباره باعثًا وإنما باعتباره قصدًا خاصًا.
٢٩١ - القصد المعين والقصد غير المعين: يكون القصد معينًا إذا قصد الجاني ارتكاب فعل معين على شخص أو أشخاص معينين (٢) .
ويعتبر الفعل معنيًا سواء كان بطبيعته ذا نتائج محدودة كمن يذبح شخصًا أو أكثر بسكين، أو كان بطبيعته ذا نتائج غير محدودة كمن يلقي قنبلة على جماعة، فهو يعرف دون شك أن فعله سيؤدي إلى قتل وجرح الكثيرين، ولكنه لا يستطيع تحديدهم من قبل كما يستطيع من يستعمل السكين.
ويعتبر الفعل معينًا ولو كانت نتائجه غير محدودة كلما أتاه الجاني وهو عالم
_________________
(١) لا يشترط مالك القصد الخاص في جريمة القتل؛ لأنه لا يعترف بالقتل شبه العمد، والقتل عنده نوعان لا ثالث لهما: قتل عمد وقتل خطأ، فيعتبر قاتلًا عمدًا عنده كل من أتى الفعل بقصد العدوان ولو لم يقصد إزهاق روح المجني عليه، فالقصد العام كاف وحده عند مالك لتكوين جريمة القتل العمد.
(٢) نهاية المحتاج ج٧ ص٢٣٥، البجيرمي على شرح المنهج ج٤ ص١٣٠.
[ ١ / ٤١٤ ]
بنتائجه قاصدًا تحقيق هذه النتائج كلها أو بعضها، لا يبالي أيها تحقق وأيها تخلف.
ويعتبر المجني عليه معنيًا كلما أمكن تعيينه، ولو لم يعين باسمه أو شخصه أو وصفه، فمن قصد أن يصيب أي شخص من جماعة معينة يعرف أفرادها وأطلق عليهم النار فأصاب أحدهم فقد أصاب شخصًا معينًا، ومن أطلق النار بقصد إصابة أي شخص من جماعة معينة لا يعرف أفرادها فقد أصاب شخصًا معينًا؛ لأن الجماعة معينة، ولأنها تصبح مقصودة فتعتبر جماعة وأفرادًا (١) .
ويكون القصد غير معين إذا قصد الجاني ارتكاب فعل معين على شخص غير معين، ويعتبر الشخص غير معين إذا لم يكن في الإمكان تعيينه قبل الجريمة، فإذا أطلق الجاني كلبًا عقورًا ليعقر من يقابله، أو حفر بئرًا في الطريق ليسقط فيها من يمر في الطريق، كان المجني عليه غير معين، ويشترط ليكون القصد غير معين أن لا يقصد الجاني من فعله هلاك شخص معين، فإن قصده فالقصد معين بالنسبة لهذا الشخص، وإن هلك الشخص المعين وهلك معه غير معين فالقصد معين بالنسبة للأول وغير معين بالنسبة للثاني (٢) .
ويستوي عند الفقهاء الإسلاميين بصفة عامة أن يكون القصد معينًا أو غير معين، فحكمهما واحد من حيث مسئولية الجاني وتكييف فعله، إلا أنهم اختلفوا في مسئولية الجاني وتكييف فعله إذا كان الفعل قتلًا وكان القصد غير معين، فيرى بعض الشافعية أن الجاني لا يسأل باعتباره قاتلًا متعمدًا إذا قصد قتل غير معين، وإنما يسأل عن الفعل باعتباره قتلًا شبه عمد ما دام الشخص الذي قصد بالجريمة منهما غير معين (٣) .
ويفرق المالكيون بين القتل المباشر والقتل بالتسبب، ويسوون في حالة القتل المباشر بين القصد المعين والقصد غير المعين، ويجعلون
_________________
(١) تحفه المحتاج ج٤ ص٢، ٣.
(٢) تحفه المحتاج ج٤ ص٢، ٣، شرح الخرشي ج٨ ص٨.
(٣) تحفه المحتاج ج٤ ص٣.
[ ١ / ٤١٥ ]
القاتل مسئولًا عن القتل العمد، أما في حالة القتل بالتسبب فلا يسأل القاتل باعتباره قاتلًا عمدًا إلا إذا قصد شخصًا معينًا يفعله وهلك هذا المعين، فإن قصد غير معين فلا يسأل باعتباره قاتلًا متعمدًا، وإنما يسأل عن القتل الخطأ (١) .
ويمكن تعليل رأي الشافعيين بأن القتل العمد يشترط فيه قصد إزهاق روح المجني عليه، وهذا الشرط لا يتحقق إلا إذا قصد الإنسان فعلًا يؤدي للقتل، وقصد به شخصًا معينًا، فإن قصد غير معين فقد قصد الفعل دون شك ولكنه لم يقصد إزهاق روح المجني عليه الذي لا يعرفه ولا يدري من يكون، والذي قد يتضح فيما بعد أنه أعز الناس على الجاني وأحبهم إليه، فالجاني لا يمكن أن يقصد قصدًا صحيحًا أو جديًا إزهاق روح إنسان قبل أن يتعين لديه هذا الإنسان، والجاني يؤخذ في القتل العمد بأنه قصد إزهاق روح القتيل مع أنه لا يمكن أن يقال في حالة القصد غير المعين إن الجاني قصد إزهاق روح القتيل بالذات، وإذا انعدم قصد إزهاق روح القتيل فقد بقى قصد الفعل الذي أدى للموت، وهذا الفعل يكيف شرعًا بأنه قتل شبه عمد (٢) .
ويمكننا أن نعلل رأي المالكيين بنفس التعليل السابق، كما يمكننا أن نعلل تفرقتهم بين القتل المباشر والقتل بالتسبب بأن المجني عليه في حالة القتل المباشر يكون في الغالب معينًا؛ لأن القاتل يباشر القتل بنفسه دون واسطة، فهو لا يباشر الفعل القاتل قبل أن يتمكن من المجني عليه، وإذا تمكن منه فقد أصبح معينًا لديه، بعكس الحال في القتل بالتسبب، فإن الجاني يباشر القتل بواسطة، وهو في أغلب الأحوال يستطيع أن يباشر الفعل القاتل قبل أن يتمكن من المجني عليه وقبل أن يصبح معينًا لديه.
_________________
(١) مواهب الجليل ج٦ ص٢٤٠، شرح الدردير ج٤ ص٢١٦.
(٢) يمكن الوصول للنتيجة نفسها مع اعتبار الفعل قتلًا عمدًا إذا قلنا: إن هناك شبهة في صحة القصد أو في جديته، لأن الحدود تدرأ بالشبهات، ويترتب على درء عقوبة القصاص أن يعاقب على الفعل بعقوبة القتل شبه العمد مع وصفه بأنه قتل عمد.
[ ١ / ٤١٦ ]
أما فقهاء الحنفية والحنابلة ومعهم بعض الشافعية فإنهم لا يفرقون بين القصد المعين وبين القصد غير المعين في القتل وغير القتل، فالجاني سواء قصد بالفعل شخصًا معينًا أو قصد شخصًا غير معين قهو قاتل متعمد إذا أدى فعله إلى النتيجة التي قصدها (١) .
ويلاحظ أن تقسيم القصد في الشريعة إلى معين وغير معين مقابل تقسيم القصد في القانون إلى محدود وغير محدود، وأن رأى الفقهاء القائلين بعدم التفرقة بين القصد المعين وغير المعين في القتل يتفق تمام الاتفاق مع رأي شارح القانون الفرنسي والمصري، حيث لا يفرق هؤلاء أيضًا بين القصد المحدود وغير المحدود؛ لأن الجاني في الحالين يقصد النتيجة التي حدثت أو يقبل وقوعها عند ارتكاب الجريمة.
ونصوص القانون المصري والفرنسي لا تفرق بين القصد المحدود والقصد غير المحدود أيضًا، فهي بهذا تتفق مع رأي الفقهاء القائلين بعدم التفرقة بين القصد المعين والقصد غير المعين، فالمادة ٢٣١ من قانون العقوبات المصري المماثلة للمادة ٢٩٧ من قانون العقوبات الفرنسي تعرف سبق الإصرار بأنه: "هو القصد المصمم عليه قبل الفعل لارتكاب جنحة أو جريمة، غرض المصر منها إيذاء شخص معين أو أي شخص غير معين وجده أو صادفه، سواء كان هذا القصد معقبًا على حدوث أمر أو موقوفًا على شرط".
أما الفقهاء القائلون بالتفرقة بين القصد المعين والقصد غير المعين، فرأيهم يطابق أو يقترب من النظرية الألمانية، التي تعتبر الجاني مخطئًا لا عامدًا كلما أدى فعله إلى نتائج لم يتمثلها أو لم يقصدها قصدًا صحيحًا.
_________________
(١) بدائع الصنائع ج٧ ص٢٣٣، ٢٣٤، المهذب ج٢ ص١٨٤، أسنى المطالب ج٤ ص٣، الإقناع ج٤ ص١٦٣، المغني ج٩ ص٣٢٠ وما بعدها.
[ ١ / ٤١٧ ]
٢٩٢ - القصد المباشر والقصد غير المباشر: يعتبر القصد مباشرًا يواء كان معينًا أو غير معين كلما ارتكب الجاني الفعل وهو يعلم نتائجه ويقصدها، بغض النظر عما إذا كان يقصد شخصًا معينًا أو لا يقصد شخصًا معينًا.
ويعتبر القصد غير مباشر إذا قصد الجاني فعلًا معينًا فترتب على فعله نتائج لم يقصدها أصلًا أو لم يقدر وقوعها، ويسمى القصد غير المباشر بالقصد المحتمل أو القصد الاحتمالي.
ولم يتعرض الفقهاء للقصد المباشر أو غير المباشر كما أنهم لم يعرفوا تعبير القصد الاحتمالي، ولكن ليس معنى هذا أن الشريعة الإسلامية لم تعرف القصد الاحتمالي، وأنها لا تفرق بين القصد المباشر وغير المباشر، فقد عرفت الشريعة حق المعرفة القصد الاحتمالي وفرقت بين القصد المباشر وغير المباشر من يوم نزولها، وليس أدل على ذلك من جرائم الجراح والضرب، فالضارب والجارح يضرب أو يجرح وهو لا يقصد إلا مجرد الإيذاء أو التأديب، ولا يتوقع أن يصيب المجني عليه إلا بجرح بسيط أو كدمات خفيفة، أو لا يتوقع أن يصيبه إلا بمجرد الإيلام، ولكن الجاني مع هذا لا يسأل جنائيًا عن النتائج التي قصدها فقط أو التي توقعها وإنما يسأل أيضًا عن النتائج التي لم يقصدها ولم يتوقعها، فإذا أدى الضرب أو الجرح إلى قطع طرف أو فقد منفعته فهو مسئول عن ذلك مأخوذ به، وإذا أدى الضرب أو الجرح إلى قطع طرف أو فقد منفعته فهو مسئول عن ذلك مأخوذ به، وإذا أدى الضرب أو الجرح إلى الموت فهو مسئول عن موت المجني عليه باعتبار الفعل قتلًا شبه عمد لا ضربًا ولا جرحًا. فالشريعة تحمل الجاني في جرائم الضرب والجرح نتائج فعله ولو لم يقصدها أو يتوقعها، وتحمل الجاني هذه النتائج معناه أن الجاني يؤخذ بقصده غير المباشر أو بقصده غير المحتمل.
وإذا كانت الشريعة قد عرفت القصد غير المباشر على الوجه السابق ورتبت عليه حكمه فلا عبرة بعد ذلك بما يكتبه الفقهاء عنه، وسواء استخلصوا من أحكام
[ ١ / ٤١٨ ]
الشريعة نظرية عامة في القصد الاحتمالي أو لم يستخلصوا نظرية عامة واكتفوا بتطبيق نصوص الشريعة، فإن هذه مسألة ثانوية ترجع إلى تقدير الفقهاء أنفسهم وإلى طريقتهم في الكتابة. على أننا مع هذا نستطيع مع تتبع أقوال الفقهاء في جرائم القتل والضرب والجرح أن نتبين بسهولة رأي كل منهم فيما نسميه اليوم بالقصد الاحتمالي وحكم هذا القصد، وسنرى فيما يأتي أن آراء الفقهاء في هذه المسألة لا تخرج عن ثلاثة آراء يختلف كل منها عن الآخر اختلافًا ظاهرًا:
٢٩٣ - الرأي الأول: هذا الرأي لمالك وهو يفرق عندما يتعرض لجرائم القتل والجرح والضرب بين الجرائم المتعمدة والجرائم غير المتعمدة، ويجعل الجاني في الحالين مسئولًا عن النتيجة التي انتهى إليها فعله، فمن أدى فعله إلى الموت فهو مسئول عن القتل، ومن أدى فعله إلى قطع عضو أو فقد منفعته فهو مسئول عن ذلك، ومن شفى جرحه دون عاهة أو لم يترك ضربه أثرًا كانت مسئوليته بقدر ما انتهى إليه فعله. والفرق بين الجرائم المتعمدة وغير المتعمدة ليس في ذات الفعل المادي الذي أتاه الجاني وإنما في قصد الجاني وقت إتيان الفعل، فمن أتى الفعل بقصد العصيان كان متعمدًا، ومن أتاه دون أن يقصد العصيان كان غير متعمد.
ويكتفي مالك في جرائم القتل والجرح والضرب المتعمد بالقصد العام وهو قصد العدوان، ولا يشترط في القتل العمد أن يقصد الجاني إزهاق روح المجني عليه (١)، ولا يشترط في قطع العضو أو في فقد منفعته أن يقصد الجاني هذه النتيجة، ومن ثم يعتبر الجاني قاتلًا عمدًا عند مالك إذا لطم شخصًا أو لكزه بقصد العدوان فأدى ذلك إلى موته، وكذلك يعتبر قاتلًا عمدًا لو رماه
_________________
(١) كان القضاء الفرنسي إلى سنة ١٨٣٢ يكتفي في جرائم القتل العمد بالقصد العام حتى صدر قانون يعاقب على الضرب المفضي للموت بعقوبة خاصة.
[ ١ / ٤١٩ ]
بحجر صغير أو بقضيب أو ضربه بعصًا خفيفة ولو لم يوال الضربات، ما دام أنه قد فعل ذلك بقصد العدوان وأدى الفعل للموت، ويعتبر قاتلًا عمدًا من يدفع شخصًا بقصد العدوان أو يأخذ برجله فيسقط فتؤدي السقطة لموته، ولا يشترط في كل هذه الأحوال أن تكون الأداة قاتلة، ولا أن يقصد الجاني إزهاق روح المجني عليه (١) . ومن لطم شخصًا بقصد العدوان ففقأ عينه أو أذهب بصره فهو مسئول عن نتيجة فعله ولو لم يقصدها أو يتوقعها (٢) .
وإذا كان الجارح أو الضارب الذي لم يقصد إلا مجرد العدوان مسئولًا عن كل نتائج فعله فمعنى ذلك أنه لا يؤخذ بقصده المعين المحدد، وإنما يؤخذ بما يحتمل أن يترتب على هذا القصد، أو بتعبيرنا العصري: يؤخذ بقصده المحتمل.
فخلاصة رأي مالك أن الجاني مسئول عن كل نتائج فعله المقصود، سواء قصد هذه النتائج بالذات أو لم يقصدها، توقعها أو لم يتوقعها، وسواء كانت هذه النتائج قريبة يكثر حدوثها أو بعيدة يندر وقوعها.
وقد كان مالك في رأيه هذا منطقيًا مع نفسه؛ لأنه لا يعترف بالقتل شبه العمد، ولأنه جعل القتل نوعين لا ثالث لهما ولا وسط بينهما: هما القتل العمد والقتل الخطأ، فلم يكن لديه بعد هذا ما يدعوه لاشتراط نية خاصة في القتل العمد ليميزه عن غيره.
٢٩٤ - الرأي الثاني: وهو رأي فقهاء مذهب أبي حنيفة والرأي المرجوح في مذهب أحمد. ويفرق أصحاب هذا الرأي أيضًا بين جرائم القتل والجرح والضرب المتعمدة وبين الجرائم غير المتعمدة، ويجعلون الجاني في الحالين مسئولًا عن النتيجة التي انتهى إليها فعله، وأساس الفرق بين الجرائم
_________________
(١) المدونة ج١٦ ص١٠٨، مواهب الجليل ج٦ ص٢٤٠.
(٢) مواهب الجليل ج٦ ص٢٤٦، ٢٤٩.
[ ١ / ٤٢٠ ]
المتعمدة وغير المتعمدة هو قصد الجاني، فإن أتى الفعل بقصد العصيان فهو متعمد، وإن لم يصطحب الفعل بقصد العصيان فهو غير متعمد.
ويفرق هؤلاء الفقهاء بين القصد في القتل العمد والقصد فيما عداه من جرائم الاعتداء على النفس أو ما دون النفس (١)، فيشترطون في القتل العمد أن يقصد الجاني الفعل القاتل ويقصد معه إزهاق روح المجني عليه، فإن توفر هذان القصدان فالجاني قاتل متعمد، وإن توفر الأول دون الثاني فالفعل قتل شبه عمد.
وفيما عدا القتل العمد لا يشترطون إلا القصد العام أو قصد العصيان؛ أي تعمد إتيان الفعل مع العلم بأنه محظور، فإذا توفر هذا القصد فالجاني مسئول عن نتائج فعله سواء قصدها كلها أو لم يقصدها، توقعها أو لم يتوقعها، وسواء كانت هذه النتائج قريبة يكثر حدوثها، أو بعيدة يندر وقوعها، فمن ضرب شخصًا بقصد ضربه فقط فأدى الضرب لموته كان مسئولًا عن جريمة القتل شبه العمد لا الضرب، ومن لطم شخصًا ففقأ عينه أو أذهب بصره، فهو مسئول عن نتيجة الفعل لا عما قصده من الفعل (٢)، وهكذا.
وأصحاب هذا الرأي يتفقون مع مالك ويخالفونه، فيتفقون معه تمام الاتفاق فيما دون القتل حيث يأخذون الجاني بقصده المحتمل، ويجعلونه مسئولًا عن نتائج فعله المتعمد، ولو لم يقصد هذه النتائج أو لم يتوقعها. ويخالفون مالكًا في القتل العمد، حيث لايرون أخذ الجاني بقصده المحتمل في القتل العمد، ويشترطون
_________________
(١) يفرق الفقهاء بين الجناية على النفس والجناية على ما دون النفس، فالجناية على النفس هي الجريمة التي تؤدي للموت سواء كانت الجريمة متعمدة أو غير متعمدة، والجناية على ما دون النفس يعبر بها عن كل أذى يقع على جسم الإنسان فلا يودي بحياته، وهو تعبير دقيق يتسع لكل أنواع الاعتداء والإيذاء التي يمكن تصورها، فيدخل تحته الجرح والضرب والدفع والجذب والعصر والضغط وقص الشعر ونتفه وغير ذلك، ويعبر القانون المصري عن نفس المعنى بلفظ الجرح والضرب فقط، وهو تعبير ناقص لا يتسع لغير الضرب والجرح من أنواع الإيذاء والاعتداء.
(٢) البحر الرائق ج٨ ص٢٨٧، بدائع الصنائع ج٧ ص٢٣٣، المغني ج٩ ص٤١٠، الشرح الكبير ج٩ ص٤٢٨.
[ ١ / ٤٢١ ]
لاعتباره قاتلًا عمدًا أن يقصد إزهاق روح القتيل، بينما يؤخذ الجاني عند مالك بقصده المحتمل في القتل العمد وغيره. وعلة هذا الاختلاف أن من عدا مالك من الفقهاء يجعلون القتل ثلاثة أنواع: عمد، وشبه عمد، وخطأ. وقد اقتضى هذا التقسيم منهم أن يجعلوا لكل نوع من هذه الأنواع حدًا يميزه عن غيره، فاشترطوا في القتل العمد أن يقصد الجاني إزهاق روح القتيل، ليميزوا بين القتل العمد وبين القتل شبه العمد الذي يكفي فيه أن يقصد الجاني الفعل القاتل، فإذا قصد الجاني الفعل القاتل وقصد إزهاق روح القتيل فهو قاتل متعمد، وإذا قصد الفعل القاتل فقط فهو قاتل شبه متعمد، بينما هو في الحالين قاتل متعمد في رأي مالك.
٢٩٥ - الرأي الثالث: وهو رأي الشافعي والرأي الراجح في مذهب أحمد. ويفرق أصحاب هذا الرأي أيضًا بين الجرائم المتعمدة وغير المتعمدة، ويجعلون الجاني مسئولًا في الحالين عن نتائج فعله، كما يجعلون أساس التفرقة قصد الجاني، فإن أتى الفعل بقصد العصيان فهو متعمد، وإن لم يقصد العصيان فهو غير متعمد.
ويفرقون في جرائم الاعتداء على النفس بين القتل العمد والقتل شبه العمد، ويجعلون القاتل مسئولًا عن القتل العمد كلما قصد الفعل وقصد إزهاق روح المجني عليه، ويجعلونه مسئولًا عن القتل شبه العمد إذا قصد الفعل ولم يقصد إزهاق روح المجني عليه، ولو كان لا يؤدي غالبًا للموت. فلا مجال للقصد المحتمل في دائرة القتل العمد، وفي هذا يتفق أصحاب هذا الرأي مع أصحاب الرأي السابق.
أما في جرائم الاعتداء على ما دون النفس فيرى أصحاب هذا الرأي مسئولية الجاني باعتباره متعمدًا عن كل نتائج فعله التي قصدها، ومسئوليته عن كل النتائج التي يؤدي إليها فعله غالبًا ولو لم يقصدها أو يتوقعها؛ لأن تأدية الفعل غالبًا لهذه النتائج يجعلها في حكم النتائج المقصودة، فإذا أدى الفعل إلى نتائج لم يقصدها
[ ١ / ٤٢٢ ]
الجاني، ولا يؤدي إليها فعله غالبًا، فلا يسأل الجاني عن هذه النتائج باعتباره متعمدًا لها؛ لأنه لم يقصد هذه النتائج ولا يؤدي فعله غالبًا إليها، كذلك لا يسأل الجاني عن هذه النتائج باعتباره مخطئًا؛ لأنه قصد الفعل وإن لم يقصد نتائجه، وإنما يسأل الجاني عن نتائج الفعل باعتباره شبه عامد، وشبه العمد درجة بين العمد والخطأ، والأصل أن شبه العمد مزيج من العمد والخطأ؛ لأن الجاني يتعمد الفعل ولا يقصد نتائجه، ولأن نتائج الفعل في شبه العمد ليست مما يؤدي لها الفعل غالبًا، فالجاني يتعمد الفعل ويخطئ في نتائجه، فوجب أن يعاقب بعقوبة العمد وعقوبة الخطأ. فمن صفع شخصًا على وجهه ففقأ عينه أو أذهب بصره دون أن يقصد هذه النتيجة، لا يسأل عن فعله باعتباره متعمدًا؛ لأنه وإن قصد الفعل لم يقصد نتيجته، ولأن الصفع لا يؤدي غالبًا لهذه النتيجة. كذلك لا يسأل الجاني باعتباره مخطئًا لأنه تعمد الفعل، وإنما يسأل الجاني باعتباره شبه عامد ويعاقب على فعله بعقوبة أخف من عقوبة العامد وأغلظ من عقوبة المخطئ. ومن أدخل إصبعه في عين إنسان ففقأها أو أذهب بصرها، يسأل عن نتيجة فعله باعتباره متعمدًا؛ لأنه قصد الفعل وقصد نتيجته، أو لأن الفعل يؤدي غالبًا لهذه النتيجة. ومن رمى إنسانًا بحجر فأوضحه أو هَشَمَه (١) يسأل عن نتيجة فعله باعتباره متعمدًا؛ لأنه قصد الفعل، ولأن فعله يؤدي غالبًا لهذه النتيجة.
ومن رمى غيره بحصاة صغيرة في جبهته فورمت ثم أوضحت لا يسأل عن هذه النتيجة باعتباره متعمدًا إذا لم يكن يقصدها؛ لأن الفعل لا يؤدي غالبًا لها، وإنما يسأل عن هذه النتيجة باعتباره شبه عامد (٢) .
_________________
(١) الإيضاح والهَشم اسمان لنوعين من الشجاج. والشجاج هي الجراح التي تصيب الرأس والوجه.
(٢) نهاية المحتاج ج٧ ص٢٦٧، الأم ج٦ ص٤٥، الإقناع ج٤ ص١٨٦، المغني ج٩ ص٤١٠، الشرح الكبير ج٩ ص٤٢٨.
[ ١ / ٤٢٣ ]
٢٩٦ - مقارنة بين الآراء الثلاثة: القصد الاحتمالي لا وجود له في جريمة القتل العمد عند أبي حنيفة والشافعي وأحمد، بينما يسلم مالك بوجود المحتمل في القتل العمد ويؤخذ الجاني في كل الأحوال بقصده المحتمل.
والأصل في هذا الخلاف أن مالكًا يقسم القتل إلى عمد وخطأ فقط، فكل ما ليس خطأ فهو عمد عند مالك، وكل عمد يكفي فيه قصد العدوان، ذلك القصد الذي يميز العمد عن الخطأ. أما بقية الأئمة فيقسمون القتل إلى عمد وشبه عمد وخطأ،
ويشترطون في العمد قصد الفعل وقصد إزهاق روح المجني عليهن فإذا قصد الجاني الفعل ولم يقصد القتل فهو شبه عامد لا متعمد، وعليه عقوبة تقل عن عقوبة العمد وتزيد عن عقوبة الخطأ. وهكذا كان اشتراط قصد إزهاق روح المجني عليه عند من يشترطون هذا الشرط سببًا في امتناع القصد الاحتمالي في دائرة القتل العمد.
ويسلم الفقهاء جميعًا بوجود القصد الاحتمالي فيما دون النفس؛ أي في الجرح والضرب وما أشبه، ويتفق مالك وأبو حنيفة في أخذ الجاني بقصده المحتمل في كل الأحوال ما دام قد تعمد الفعل، ويظاهرهما على ذلك الرأي المرجوح في مذهب أحمد. ويتفق الشافعي مع الرأي الراجح في مذهب أحمد على أن الجاني مسئول عن النتائج التي قصدها باعتباره عامدًان وأنه يؤخذ بقصده الاحتمالي فيسأل باعتباره عامدًا كلما كانت النتائج في حكم المقصودة، وتعتبر النتائج كذلك إذا كانت غالبة الوقوع، فإذا لم تكن نتائج الفعل مقصودة ولا غالبة الوقوع فهي نتائج غير مقصودة أو في حكم النتائج غير المقصودة، ولكن لا يسأل عنها الجاني باعتباره مخطئًا؛ لأنه تعمد الفعل، وإنما يسأل عنها باعتباره شبه عامد، ويعاقب عليها بعقوبة بين عقوبة العمد وعقوبة الخطأ.
٢٩٧ - بين الشريعة والقانون: الأساس الأول الذي قامت عليه نظرية القصد الاحتمالي هو جرائم القتل والجرح والضرب، والأحكام التي
[ ١ / ٤٢٤ ]
وضعت لهذه الجرائم هي التي بعثت فكرة القصد الاحتمالي إلى الوجود وجعلت منها نظرية خاصة.
وأكثر القوانين الوضعية لا تضع قواعد عامة للقصد الاحتمالي وتكتفي بالنص عليه في جرائم خاصة هي جرائم الضرب والجرح والجرائم الأخرى التي تؤدي إلى قتل أو جرح، فقانون العقوبات المصري مثلًا يأخذ الجاني بقصده المحتمل في جرائم الجرح والضرب (المواد من ٢٤٠ إلى ٢٤٣ عقوبات)، وفي جرائم تعذيب متهم لحمله على الاعتراف (المادة ١٢٦ عقوبات)، وفي جريمة تعطيل المواصلات أو تعريضها للخطر إذا أدى ذلك إلى جرح إنسان أو موته (المادتان ١٦٧، ١٦٨ عقوبات)، في جريمة الحرق المتعمد إذا أدى إلى موت شخص كان موجودًا في الأماكن المحرقة (المادة ٢٥٧ عقوبات)، وفي جريمة تعريض الأطفال للخطر إذا نشأ عن ذلك انفصال عضو من أعضاء الطفل أو فقد منعته أو نشأ عن ذلك موت الطفل (المادتان ٢٨٥، ٢٨٦ عقوبات) . ولم يضع القانون المصري قواعد عامة للقصد الاحتمالي إلا عندما تعرض لعقوبة الشركاء، حيث نصت المادة ٤٣ عقوبات على أن: "من اشترك في جريمة فعليه عقوبتها، ولو كانت غير التي تعمد ارتكابها، متى كانت الجريمة التي وقعت بالفعل نتيجة محتملة للتحريض أو الاتفاق أو المساعدة التي حصلت".
ونظرية القصد الاحتمالي لن تعرف في القوانين الوضعية إلا أخيرًا، وهي من النظريات المسلم بها علميًا المختلف في شأنها عمليًا، فالقوانين تختلف في مدى تطبيقها، والشراح يختلفون في تصويرها وتحديدها، ولكن ما أخذت به القوانين وما يراه الشراح على اختلافهم لا يخرج في مجموعه عن النظريات الثلاث التي عرفها الفقه الإسلامي.
فالقانون المصري يأخذ في جرائم القتل والضرب والجرح بنظرية أبي حنيفة، وإن كان لا يشترط صراحة في جريمة القتل العمد توفر قصد إزهاق روح القتيل؛
[ ١ / ٤٢٥ ]
لأن هذا الشرط تقتضيه التفرقة بين القتل العمد والضرب المفضي للموت، وقيام هذا الشرط يؤدي إلى استبعاد القصد الاحتمالي من دائرة جريمة القتل العمد، ويجعل القانون المصري الجارح والضارب مسئولًا عن نتائج فعله سواء قصدها أو لم يقصدها، توقعها أو لم يتوقعها، وسواء كانت النتائج قريبة الوقوع أو بعيدة الوقوع.
والقانون الفرنسي يأخذ في جرائم القتل والضرب والجرح بمثل ما أخذ به القانون المصري، فمن ضرب إنسانًا بعصًا فأحدث به جرحًا أدى لموته فهو مسئول عن جريمة الضرب المفضي إلى الموت، وإذا أدى الضرب إلى عاهة فالجاني مسئول عن إحداث عاهة، وإذا أعجز الضرب المجني عليه مدة تزيد على العشرين يومًا كان الجاني مسئولًا عن هذه النتيجة، فإن قلت مدة العجز عن ذلك كان الجاني مسئولًا عن قدر نتيجة فعله، والجاني يسأل في كل هذه الأحوال المختلفة باعتباره عامدًا لا مخطئًا.
والشراح المصريون والفرنسيون يسلمون بما سبق، باعتباره مما نص عليه القانون، ولا يرون الأخذ بالقصد الاحتمالي في جريمة القتل العمد؛ لأن الأخذ بنظرية القصد الاحتمالي في القتل العمد يؤدي إلى اختلاط القتل العمد بالضرب المفضي للموت، ويجعل التمييز بين هاتين الجريمتين متعذرًا، ولكنهم فيما عدا هذا يصوغون نظريتهم في القصد الاحتمالي على أساس آخر، ويجعلون الجاني مسئولًا كلما كانت النتائج قريبة ومحتملة الوقوع وفي الإمكان توقعها، سواء توقعها الجاني بالفعل أو لم يتوقعها.
ويرى بعض الشراح أن يؤاخذ الجاني على أساس أنه متعمد في حالتين:
الأولى: إذا نص القانون على ذلك. والثانية: إذا كانت النتائج من النتائج الملازمة للفعل، بحيث لا يتصور أن الجاني قصد الفعل دون أن يقصد نتائجه، وفيما عدا هاتين الحالتين يسأل الجاني باعتباره مخطئًا (١) .
_________________
(١) شرح قانون العقوبات للدكتورين كامل مرسي والسعيد مصطفى ص٣٧٥، مجلة القانون والاقتصاد السنة الأولى ص٨٧٧.
[ ١ / ٤٢٦ ]
ويستخلص مما سبق أن القانونين المصري والفرنسي يأخذان بنظرية أبي حنيفة كاملة في القتل والضرب والجرح، كما يأخذان بنظرية مالك في الضرب والجرح فقط، ويأخذان بنظرية الشافعي فيما يتعلق بالقتل فقط.
أما نظرية الشراح المصريين والفرنسيين فهي أقرب ما تكون لنظرية الشافعي وأصحاب الرأي الراجح في مذهب أحمد، ولكن نظرية الفقهاء الإسلاميين أدق منطقًا ومقياسًا؛ لأنها تعطي النتائج الغالبة الوقوع حكم النتائج المقصودة، وتجعل الجاني في حكم العامد، كما أنها تجعل للنتائج التي لا يغلب وقوعها حكمًا خاصًا، وتجعل الجاني مسئولًا عنها باعتباره شبه عامد.
وهذا منطق دقيق واضح ليس فيه تعقيد ولا التواء، فالمقياس الذي تقاس به مسئولية الجاني عما لم يقصده من نتائج هو غلبة وقوع هذه النتائج، وهو مقياس عادل؛ لأن نتائج الفعل الغلبة الوقوع تكون دائمة في ذهن الجاني، ولا تكاد تنفصل ذهنيًا عن الفعل المادي، فإذا قصد الجاني الفعل فقد قصدها، وهو مقياس ثابت؛ لأنه يقوم على أساس مادي ثابت هو غلبة وقوع النتائج، ولا يقوم على أساس اعتباري يختلف باختلاف الأشخاص وقدرتهم على التفكير والاستنتاج.
أما الشراح فيقيمون نظريتهم على أسس غير ثابتة، ويقيسون المسئولية بمقاييس ليست دقيقة، إذ يجعلون الجاني مسئولًا عن النتائج كلما كانت قريبة ومحتملة الوقوع وفي الإمكان توقعها، واشترط قرب النتائج ليس مقياسًا صحيحًا ولا أساسًا ثابتًا ما دامت درجة القرب لم تحدد بحد ثابت، واحتمال وقوع النتائج ليس أساسًا ثابتًا ولا مقياسًا صحيحًا، ومثل ذلك يقال عن إمكان توقع النتائج، فالنتائج المحتملة قد تكون قريبة وقد تكون بعيدة، وما يمكن أن يتوقعه شخص قد لا يتوقعه آخر، وما يراه شخص محتملًا قد يراه الآخر غير محتمل.
ولعل هذه العيوب هي التي دعت بعض الشراح إلى القول بمسئولية الجاني باعتباره عامدًا كلما كانت النتائج من النتائج الملازمة للفعل، بحيث لا يتصور أن الجاني قصد الفعل دون أن يقصد نتيجته. وهؤلاء الشراح
[ ١ / ٤٢٧ ]
وإن جاءوا بمقياس مادي ثابت إلا أنهم قضوا على نظرية القصد الاحتمالي؛ لأن النتائج الملازمة للفعل هي نتائجه الطبيعية التي يسأل عنها الجاني على أساس قصده العام دون الحاجة إلى اللجوء لنظرية القصد الاحتمالي.
والقانون الإنجليزي لا يشترط في القتل العمد توفر إرادة القتل عند القاتل، بل يعتبر محدث القتل قاتلًا عمدًا متى كان يعلم أو كان في استطاعته أن يعلم أن فعله يمكن يمكن أن يترتب عليه الموت، بغض النظر عما إذا كان قد أراد هذه النتيجة أو لم يردها، وبهذا الرأي أخذ القانون السوداني، إذ يعتبر القتل عمدًا إذا حصل الفعل بقصد تسبيب الموت، أو إذا علم الفاعل أو كان له داع أن يعلم أن الموت ربما يكون النتيجة المحتملة للفعل، أو لأي ضرر جسدي كان القصد أن يسببه الفعل (١) .
فالقانون الإنجليزي والقانون السوداني يأخذان في القتل العمد بقصده المحتمل، وهذا يتفق مع النظرية الألمانية التي تأخذ الجاني بقصده الاحتمالي في القتل العمد وغيره، كلما تمثل الجاني أو توقع النتيجة أو النتائج التي وقعت ولو لم يقصدها بالذات.
وتتفق النظرية الألمانية والقانون الإنجليزي والقانون السوداني مع مذهب مالك في مؤاخذة الجاني بقصده الاحتمالي في القتل العمد، ولكن مذهب مالك بالرغم من هذا الاتفاق الظاهر يتسع لما تضيق عنه النظرية الألمانية، ولا تمتد إليه نصوص القانون الإنجليزي أو السوداني؛ إذ الجاني لا يؤخذ بقصده الاحتمالي عند الألمان، ولا طبقًا للقانونين الإنجليزي والسوداني، إلا إذا توقع أن فعله قد يؤدي للموت، وأما في مذهب مالك فالجاني يسأل عن القتل ولو لم يقصده أو لم يتوقعه، فمثلًا إذا لطم الجاني شخصًا صحيح الجسم بقصد العدوان
_________________
(١) أحمد بك أمين ص٣١٩، مجلة القانون والاقتصاد السنة الأولى ص٨٧٦.
[ ١ / ٤٢٨ ]
ودون أن يقصد الجاني القتل أو يخطر في باله أن فعله قد يؤدي إلى الموت، فمات المجني عليه من اللطمة، فالجاني قاتل متعمد عند مالك (١)، وليس قاتلًا متعمدًا طبقًا للنظرية الألمانية أو طبقًا للقانونين الإنجليزي والسوداني.
ولا يفوتنا أن نلاحظ أن المقاييس التي وضعتها النظرية الألمانية والقانونان الإنجليزي والسوداني هي مقاييس شخصية غير ثابتة، فالجاني طبقًا للنظرية الألمانية يجب أن يتمثل أو يتوقع النتيجة، والتمثل مسألة داخلية يصعب إثباتها إلا إذا اعترف بها الجاني، وما قد يتمثله شخص لا يتفق مع ما قد يتمثله آخر مما يصعب معه وضع قاعدة للتمثل والتوقع، والجاني طبقًا للقانونين الإنجليزي والسوداني يجب أن يعلم أو أن يكون في استطاعته أن يعلم أن الفعل قد يؤدي للموت، والعلم أيضًا مسألة داخلية، ومن الصعب إثباته إلا إذا اعترف به الجاني، وما قد يعلمه شخص أو يستطيع أن يعلمه ولا يستطيع أن يعلمه شخص آخر، ومن ثم فليس في الإمكان وضع قاعدة للعلم واستطاعة العلم.
وقد حاولت التشريعات الوضعية الحديثة أن تضع نصوصًا عامة للقصد الاحتمالي، ولكن هذه النصوص على اختلافها لا تخرج عما قال به الفقهاء الإسلاميون، فالقانون المكسيكي الصادر في سنة ١٩٣١ يجعل الجاني مسئولًا باعتباره عامدًا عن كل النتائج التي لم يقصدها، إذا كانت من نتائج الفعل الضرورية أو العادية، أو كان الجاني قد توقع حدوثها، أو عزم على مخالفة القانون مهما كانت النتيجة، وهذا الذي أخذ به القانون المكسيكي إنما هو مزيج من النظريات الإسلامية. والقانون الإيطالي الصادر في سنة ١٩٣٠ يجعل الجاني مسئولًا عن النتائج التي لم يقصدها ويعاقبه بعقوبة أقل من عقوبة العامد
_________________
(١) كان القضاء الفرنسي يطبق مذهب مالك في القتل حتى سنة ١٨٣٢ حيث صدر قانون يعاقب على الضرب المؤدي للموت بعقوبة أقل من عقوبة القتل.
[ ١ / ٤٢٩ ]
وأكثر من عقوبة المخطئ، ونظرية القانون الإيطالي تقوم على نفس الأسس التي تقوم عليها نظرية الشافعي والرأي الراجح في مذهب أحمد.
تلكم هي نظريات الفقهاء الإسلاميين في القصد الاحتمالي، وهذه هي نظريات شراح القوانين، وظاهر بجلاء مما قدمنا أن القوانين الوضعية لم تأت بجديد على الشريعة، وأن الشراح لم يعرفوا في عهدنا أكثر مما عرفه الفقهاء في العهود القديمة، فالشريعة قد أخذت بالقصد الاحتمالي في دائرة الجرائم التي تصيب النفس وما دون النفس، والقوانين الوضعية لم تخرج عن هذه الدائرة، ونظريات الفقهاء الإسلاميين لا تزال كما رأينا أدق منطقًا وأكثر سعة وأفضل صياغة من كل النظريات التي يقول بها شراح القوانين.
* * *