خُلَاصَة اجتماعية تاريخية، فِي الْخلَافَة والدول الإسلامية
﴿وَكَذَلِكَ فتنا بَعضهم بِبَعْض لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ من الله عَلَيْهِم من بَيْننَا أَلَيْسَ الله بِأَعْلَم بِالشَّاكِرِينَ﴾ . .؟
(تمهيد): لقد كَانَ فِيمَن قبلنَا من الْبشر منذرون ورسل بعثوا لهدايتهم، وملوك وحكام يتولون الْأَحْكَام والسياسة فيهم، وَكَانَ بعض الْأَنْبِيَاء ملوكًا، وَكَانَ بعض الْمُلُوك تابعين للأنبياء، وَكَانَ الْملك والرياسة فتْنَة للملوك والرعايا، وللرؤساء والمرءوسين، ﴿وَجَعَلنَا بَعْضكُم لبَعض فتْنَة أَتَصْبِرُونَ﴾ وَكَانَ رُؤَسَاء الدّين من غير الْأَنْبِيَاء كثيرا مَا يشتركون مَعَ رُؤَسَاء الدُّنْيَا من الْمُلُوك والأمراء فِي فتْنَة المَال والجاه، فَيكون بَعضهم أَوْلِيَاء بعض فِي استعباد مرءوسيهم، والتمتع بِأَمْوَالِهِمْ وأعراضهم، وَكَانَت الشعوب، تنقاد لأولئك الرؤساء إِمَّا بوازع الِاعْتِقَاد الديني، وَإِمَّا بقهر الْقُوَّة وَالسُّلْطَان، وَإِمَّا بالأمرين جَمِيعًا، وَرُبمَا كَانَ بَعْضهَا ويضيق ذرعًا بِبَعْض الْمُلُوك الجائرين فينزع يَده من طاعتهم، ويثل عروشهم، ويولي أمره جمَاعَة من الزعماء الَّذين نهضوا لمقاومة الْجور والقهر بقوتهم، حَتَّى إِذا مَا صَار الْأَمر إِلَيْهِم كَانُوا وهم عصبَة أَشد جورًا وبغيًا من الْملك الْوَاحِد الَّذِي لَا يَسْتَطِيع ظلما وَلَا هضما إِلَّا بأعوانه من أمثالهم، وَمَا زَالَ النَّاس مرهقين بسيطرة رُؤَسَاء الدّين الروحية فِي سرائرهم، ورؤساء الدّين وَالدُّنْيَا مَعًا فِي ظواهرهم.
(إِذا أَوَوْا إِلَى ظلّ الْعدْل يَوْمًا لفحهم هجير الْجور أَيَّامًا)
(وَإِذا تذوقوا من حلاوة الرَّحْمَة جرعة رَاحَة تجرعوا من علقم الْقَسْوَة)
[ ١٤٣ ]
يشقي الأولوف مِنْهُم ليتمتع باللذة أَفْرَاد من المترفين، وَيحرم الألوف من بلغَة الْعَيْش ويتمتع بثمرات كسبهم نفر من المسرفين، وَمَا زَالَ النَّاس كَذَلِك حَتَّى بعث الله خَاتم رسله رَحْمَة للْعَالمين، فَجَاءَهُمْ عَنهُ بِمَا فِيهِ صَلَاح الدُّنْيَا وهداية الدّين.
فَكَانَ من أصُول هدايته للبشر أَن أسس لَهُم دينا وسطا، وَشرعا عادلًا، ومملكة شورية: جعل أَمرهم شُورَى بَينهم، وأزال جبرية الْملك وأثرته وكبرياءه من حكومتهم، وَجعل أَمر الرئيس الَّذِي يمثل الْوحدَة ويوحد النظام وَالْعدْل فِي المملكة للْأمة، ينتخبه أهل الرَّأْي وَالْعَدَالَة وَالْعلم من زعمائها، الموثوق بهم عِنْدهَا، وَجعله مسئولًا عَنْهُم لديهم، ومساويًا فِي جَمِيع أَحْكَام الشَّرِيعَة لأدنى رجل مِنْهُم، وَفرض عَلَيْهِم طَاعَته فِي الْمَعْرُوف من الْحق وَالْعدْل، وَحرم عَلَيْهِم طَاعَته فِي الْمعْصِيَة وَالْبَغي والجور، وَجعل الْوَازِع فِي ذَلِك دينيًا لينفذ فِي السِّرّ والجهر، لِأَن الطَّاعَة الْحَقِيقِيَّة لله وَحده، والسيطرة لجَماعَة الْأمة، وَإِنَّمَا الرئيس ممثل للوحدة، وَلذَلِك خَاطب الْكتاب الْمنزل، نَبِي هَذَا الدّين الْمُرْسل، بقوله فِي آيَة الْمُبَايعَة ﴿وَلَا يَعْصِينَك فِي مَعْرُوف﴾ وَأمره بمشاروتهم فِي الْأَمر، وَقد أَقَامَ هَذِه الْأُصُول صلوَات الله وَسَلَامه عَلَيْهِ بِالْعَمَلِ على أكمل وَجه، فَكَانَ يستشيرهم، وَيرجع عَن رَأْيه إِلَى رَأْيهمْ، ودعا فِي مرض مَوته مَن عساه ظلمه بشئ إِلَى الاقتصاص مِنْهُ، وَسَار على سنته هَذِه خلفاؤه الراشدون من بعده، فَكَانَ هَذَا من أفعل أَسبَاب قبُول دين الْإِسْلَام، وسيادته على جَمِيع الْملَل والأديان، واستعلاء حكمه ولغته فِي الشرق والغرب، وخضوع الْأُمَم الْكَثِيرَة لَهُ بِالرِّضَا والطوع، وانتشاره فِي قرن وَاحِد من الْحجاز إِلَى أقْصَى أفريقية وأوربة من جَانب الْمغرب، وَإِلَى بِلَاد الْهِنْد من جِهَة الْمشرق. .
وَلَو سَار من جَاءَ بعد الرَّاشِدين على سُنَنهمْ فِي اتِّبَاع هدى الْكتاب وَالسّنة، لعمت هِدَايَة الْإِسْلَام الْعَالم كُله، وَلما تهافت عبيد الشُّهْرَة والشهوة، على رياسته الَّتِي هِيَ خلَافَة للنبوة، والنزوات عَلَيْهَا بِقُوَّة العصبية، إِذْ لَيْسَ فِيهَا تمتّع باللذات الجسدية، وَلَا بعظمة السيطرة الجبروتية. . فقد فرض الصَّحَابَة للخليفة الأول نَفَقَة نَفسه وَعِيَاله كَرجل من أوساط الْمُهَاجِرين لَا أعلاهم وَلَا أَدْنَاهُم، وَلكنه، هُوَ وَمن بعده من الرَّاشِدين اخْتَارُوا أَن يَكُونُوا فِي معيشتهم دون الْوسط من أمتهم. .
[ ١٤٤ ]
أما الاعتداء على عمر وَقَتله فَلم يكن من حسد الْمُسلمين وَلَا من كراهتهم لَهُ، وَلَا من طمع أحد فِي أَن يخلفه، بل كَانَ من جمَاعَة الْمَجُوس السّريَّة انتقامًا مِنْهُ لفتحه لبلادهم، وإسقاطه لملكهم، وَأما التَّعَدِّي على عُثْمَان وَقَتله فقد كَانَ بدسائس الْفرس وَعبد الله بن سبأ الْيَهُودِيّ، وَلَوْلَا هَاتَانِ الفتنتان لما وصل الشقاق بَين عَليّ وَمُعَاوِيَة إِلَى مَا وصل إِلَيْهِ، كَمَا يعلم ذَلِك كل مدقق فِي التَّارِيخ. .
اتَّسع ملك الْإِسْلَام وَكثر خصومه من زعماء الْملَل والشعوب الَّذين أَزَال عظمتهم واستمتاعهم بِملك بِلَادهمْ، وساوي بَينهم وَبَين عبيدهم فِي الْحُقُوق وكل أقوامهم كَانُوا عبيدا لَهُم، وَلم يكن الْوَازِع الديني فِيمَن دخلُوا فِيهِ من هَذِه الشعوب مثله فِيمَن فهموه حق الْفَهم من الْعَرَب، وَلم تكن كل بطُون الْعَرَب كالسابقين الْأَوَّلين من الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار، وَلم يكن من السهل إِيجَاد نظام لقُوَّة الْخلَافَة تخضع لَهُ كل هَذِه الْأُمَم والشعوب فِي الْخَافِقين مَعَ بعد الشقة وصعوبة المواصلات، فَلهَذَا سهل على السبئيين وَالْمَجُوس بَث الْفِتَن لِلْإِسْلَامِ وللعرب، وعَلى مُعَاوِيَة تأليف جَيش فِي الشَّام يُقَاتل بِهِ الإِمَام الْحق أَمِير الْمُؤمنِينَ، ثمَّ جعل خلَافَة النُّبُوَّة ملكا عَضُوضًا كملك الغابرين. .