فصل
وهذا كله إذا قُدِر عليهم، فأما إذا طلبهم السلطان أو نُوَّابه لإقامة الحدِّ (^١) بلا عدوان فامتنعوا عليه، فإنه يجب على المسلمين قتالهم باتفاق العلماء حتى يُقْدَر عليهم كلهم، ومتى لم ينقادوا إلا بقتالٍ يفضي إلى قتلهم كلهم قوتلوا وإن أفضى إلى ذلك (^٢)، سواء كانوا قد قَتَلوا أو لم يَقْتلوا، ويُقتلون في القتال كيفما أمكن في العُنُق وغير العنق.
ويقاتَل مَن قاتل معهم ممن يحميهم ويُعينهم، وهذا قتال وذاك إقامة حد. وقتال هؤلاء من آكد (^٣) قتال الطوائف الممتنعة عن شرائع الإسلام، فإن هؤلاء قد تحزَّبوا لفساد النفوس والأموال، وهلاك الحرث والنسل، ليس مقصودهم إقامة (^٤) دين ولا مُلك، وهؤلاء كالمحاربين الذين يأوون إلى حصن، أو مغارة، أو رأس جبل، أو بطن واد، ونحو ذلك؛ يقطعون الطريق على من مرَّ بهم، وإذا جاءهم جندُ ولي الأمر يطلبهم للدخول في جماعة المسلمين والطاعة لإقامة الحدود= قاتلوهم ودفعوهم، مثل الأعراب الذين يقطعون الطريق على الحاج (^٥) أو غيره من الطرقات، وكالجبليّة الذين يعتصمون برؤوس الجبال أو المغارات لقطع الطريق، وكالأحلاف الذين تحالفوا لقطع الطريق بين الشام والعراق ويسمون ذلك: النهيضة= فإنهم
_________________
(١) (ف): «الحدود».
(٢) (ي): «أفضى ذلك إلى» ثم كتب في الهامش: (ظ: قتلهم).
(٣) (ز، ظ، ب، ل): «أوكد من»، وسقطت «من» في (ي).
(٤) (ي، ز، ظ، ب): «لا إقامة ».
(٥) بقية النسخ: «طريق الحاج».
[ ١١٢ ]
يُقاتلون كما ذكرنا؛ لكنَّ قتالهم ليس بمنزلة قتال الكفار إذ لم يكونوا كفارًا، فلا تُؤخذ أموالُهم (^١) إلا أن يكونوا أخذوا أموال الناس بغير حق، فإنَّ عليهم ضمانها، فيؤخذ منهم بقدر ما أخذوا وإن لم يُعْلَم عين الآخذ، وكذلك لو عُلم (^٢)، فإن الرِّدْء والمباشِر سواء كما قلناه (^٣)، لكن إذا عُرف عينُه كان قرار الضمان عليه.
ويُرَدُّ ما أُخِذَ منه (^٤) على أرباب الأموال، فإن تعذَّر الردُّ إليهم كان لمصالح المسلمين من رزق الطائفة المقاتلة لهم، وغير ذلك.
بل المقصود من قتالهم التمكُّن منهم لإقامة الحدود، ومنعهم من الفساد، فإذا جُرِح الرجل منهم جرحًا مُثْخنًا لم يُجْهز عليه حتى يموت إلا أن يكون [أ/ق ٣٥] قد وجب عليه القتل، فإذا هو هرب (^٥) وكفانا شرَّه لم نَتْبَعه إلا أن يكون عليه حدٌّ أو نخاف عاقبته.
ومن أُسِر منهم أُقِيم عليه الحدُّ الذي يُقام على غيره، ومن الفقهاء من يشدِّد فيهم حتى يرى غنيمة أموالهم وتخميسها، وأكثرهم يأبون (^٦) ذلك (^٧).
_________________
(١) «فلا تؤخذ أموالهم» سقطت من (ف، ي، ز).
(٢) (ف، ي، ظ، ل): «علم عينه»، (ز، ب): «علم عين الآخذ».
(٣) فيما تقدم (ص ١٠١).
(٤) (ف): «يؤخذ منهم».
(٥) (ف): «وإذا هرب».
(٦) رسمها في الأصل و(ز): «يأتون»!
(٧) بعده في الأصل: «إلا أن يكونوا أخذوا أموال الناس بغير حق فإن عليهم ضمانها، فتؤخذ منهم بقدر ما أخذوا وإن لم يعلم عين الآخذ، وكذلك لو عرف عينه فإن الردء والمباشر سواء كما قدمنا، لكن إذا عرف عينه كان قرار الضمان عليه» وهذا المقطع تقدم قريبًا بكامله، فلعل ناسخ الأصل سبق قلمه بتكراره.
[ ١١٣ ]
فأما إذا تحيَّزوا إلى مملكةِ طائفةٍ خارجةٍ على شريعة الإسلام وأعانوهم على المسلمين= قُوتِلوا كقتالهم.
وأما من كان لا يقطع الطريق لكنه يأخذ خفارة أو ضريبة من أبناء السبيل على الرؤوس والدواب والأحمال ونحو ذلك؛ فهذا نخَّاس (^١) مكَّاس عليه عقوبة المكاسين.
وقد اختلف الفقهاء في جواز قتله، وليس هو من قُطَّاع الطريق، فإن الطريق لا تنقطع به، مع أنه من أشدِّ الناس عذابًا يوم القيامة، حتى قال النبي - ﷺ - في الغامدية: «لقد تابت توبةً لو تابها صاحب مكس لغُفِر له» (^٢).
ويجوز للمظلومين (^٣) الذين تُراد أموالهم قتال المحاربين بإجماع المسلمين، ولا يجب أن يُبْذل لهم من المال شيءٌ (^٤) إذا أمكن قتالُهم، قال النبي - ﷺ -: «من قُتِل دون ماله فهو شهيد، ومَن قتل دون دمه فهو شهيد، ومَن قتل دون دينه فهو شهيد، ومَن قتل دون حرمته فهو شهيد» (^٥).
_________________
(١) (ز، ل): «بخاس».
(٢) أخرجه مسلم (١٦٩٥) من حديث بريدة بن الحصيب - ﵁ -.
(٣) (ف، ز، ب): «للمطلوبين».
(٤) بقية النسخ بدلا من «شيء»: «لا قليل ولا كثير».
(٥) أخرجه أحمد (١٦٥٢)، وأبو داود (٤٧٧٢)، والترمذي (١٤٢١)، والنَّسَائي (٤٠٩٤)، وابن ماجه (٢٥٨٠) مختصرًا من حديث سعيد بن زيد - ﵁ -. قال الترمذي: حديث حسن صحيح. والجملة الأولى في البخاري (٢٤٨٠)، ومسلم (١٤١) من حديث عبد الله بن عمرو - ﵄ -.
[ ١١٤ ]
وهذا الذي تسميه الفقهاء: الصائل، وهو الظالم بلا تأويل ولا ولاية، فإن كان مطلوبه المال جاز دفعُه (^١) بما يمكن، فإذا لم يندفع إلا بالقتال قُوتِل (^٢)، وإن ترك القتال وأعطاهم شيئًا من المال جاز.
وأما إذا كان مطلوبُه الحُرْمة: مثل أن يطلب الزنا بمحارم الإنسان، أو يطلب من المرأة أو الصبي المملوك أو غيره الفجور به، فإنه يجب عليه أن يدفَع عن نفسه بما يمكن ولو بالقتل (^٣)، ولا يجوز التمكينُ بحال، بخلاف المال فإنه يجوز التمكين منه؛ لأن بذل المال جائز، وبذل الفجور بالنفس أو الحُرْمة غير جائز (^٤).
وأما إذا كان مقصودُه قتل الإنسان جاز له الدفع عن نفسه، وهل يجب عليه؟ على قولين للعلماء في مذهب أحمد وغيره (^٥).
وهذا إذا كان للناس سلطان، وأما إذا كان ــ والعياذ بالله ــ فتنة مثل أن يختلف سلطانان للمسلمين ويقتتلان على الملك؛ فهل يجوز للإنسان إذا دخلَ أحدُهما بلدَ الآخر وجرى السيفُ أن يدفَع عن نفسه في الفتنة أو يستسلم ولا يقاتل فيها (^٦)؟ على قولين لأهل العلم في مذهب أحمد
_________________
(١) الأصل: «دفعها».
(٢) الأصل و(ي، ز): «قوتلوا».
(٣) (ي): «بالقتال».
(٤) «وبذل الفجور بالنفس أو الحرمة غير جائز» سقطت من (ي).
(٥) انظر «المغني»: (١٢/ ٥٣٣ - ٥٣٤).
(٦) الأصل: «فيهما».
[ ١١٥ ]