فإنّ مدار الشريعة على قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]، المفسر لقوله: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ [آل عمران: ١٠٢] وعلى قول النبي - ﷺ -: «إذا أمرتكم بأمر فاتوا منه ما استطعتم» أخرجاه في «الصحيحين» (^١).
وعلى أن الواجب تحصيل المصالح وتكميلها، وتبطيل (^٢) المفاسد وتقليلها. فإذا تعارضت كان تحصيل أعظم المصلحتين بتفويت أدناهما، ودفع أعظم المفسدتين مع احتمال أدناهما هو المشروع.
والمُعِين على الإثم والعدوان: من أعان الظالم على ظلمه، أما من أعان المظلوم على تخفيف الظلم عنه، أو على أداء المظلمة، فهو وكيلُ المظلوم لا (^٣) وكيلُ الظالم (^٤)، بمنزلة الذي يُقرضه أو الذي يتوكّل في حمل المال له إلى الظالم.
_________________
(١) البخاري (٧٢٨٨)، ومسلم (١٣٣٧) من حديث أبي هريرة - ﵁ -.
(٢) (ط): «وتعطيل».
(٣) (ظ): «لأن».
(٤) (ي): «وكيل للمظلوم لا وكيل للظالم».
[ ٧٠ ]
مثال ذلك: ولي اليتيم والوقف إذا طلب ظالمٌ منه مالًا فاجتهد في دفع ذلك بما هو (^١) أقل منه إليه أو إلى غيره، بعد الاجتهاد التام في الدفع فهو محسن، وما على المحسنين من سبيل.
وكذلك وكيل المالك من المنادين (^٢) والكُتَّاب (^٣) وغيرهم، الذي يتوكل لهم في العقد والقبض ودفع ما يُطْلَب منهم، لا يتوكَّل للظالمين في الأخذ.
وكذلك لو وُضِعَت مظلمة على أهل قرية أو دَرْب أو سوق أو مدينة، فتوسَّط رجل محسن في الدفع عنهم بغاية الإمكان، وقَسَّطها عليهم (^٤) قدر طاقتهم من غير محاباة لنفسه ولا لغيره ولا ارتشاء، بل توكَّل لهم في الدفع عنهم والإعطاء= كان محسنًا.
لكنَّ الغالب أن من يدخل في ذلك يكون وكيل الظالمين، محابيًا مرتشيًا مُخْفِرًا لمن يريد، وآخذًا ممن يريد، وهذا من أكبر الظلمة الذين يُحْشرون في توابيت من نار، هم وأعوانهم وأشباههم، ثم يُقذَفون في النار (^٥).
_________________
(١) (ظ): «بدفع ما هو» و(ي): «بما هو، ثم كتب: ظ: بدفع ما».
(٢) كذا في الأصل و(ز، ل، ظ) وهم الدلالون، و(ف، ي، ب): «الشادين». وزاد بعده في (ظ): (والدلالين).
(٣) علق في هامش (ي) ما نصه: (أظن هذا مثل كبراء القرى والعُرفاء، وكبراء القوافل وأشباههم، فهو كالوكلاء للملاك، مفاصلون عنهم ويتاقون (كذا) عليه، ويوزعون ويقسطون ما يضرب عليهم، والله أعلم) اهـ.
(٤) (ف، ل، ب، ط): «بينهم على».
(٥) وانظر للمزيد عن هذه الموازنات «مجموع الفتاوى»: (٣٠/ ٣٥٦ - ٣٦٠).
[ ٧١ ]