السلوك المادي الذي تقوم به جريمة شرب الخمر، هو عبارة عن قيام الجاني بشرب المسكر، ويقصد بذلك وصول المسكر إلى الحلق، ومن باب أولى وصوله إلى الجوف عن الطريق الطبيعي: أي عن طريق الحلق؛ لأن الشرب لا يكون إلا عن هذا الطريق.
فمن لم يصل المسكر إلى حلقه لا يلزمه الحد، كمن تمضمض به ثم مجه، أوكمن تروقه بلسانه، ولم يصل إلى حلقه.
ومن وصل الخمر إلى جوفه عن غير طريق الفم، كأن يكون قد استعط به، أو احتقن، فإن كلمه الفقهاء لم تنفق على إلزامه الحد.
فقد ذهب فقهاء الأحناف، والمالكية إلى أن الحد لا يجب إلا إذا وصلت الخمر إلى الجوف عن طريق الفم، فإن وصلت عن طريق الأنف، أو الشرج أو الحقن، فإن ذلك يورث شبهة لعدم وصولها من الطريق الطبيعي، ويترتب على هذه الشبعة درء الحد، وإن كان درء الحد لا يمنع الإمام من تعزير من فعل ذلك١.
وذهب فقهاء الشعية إلى إيجاب الحد على كل من أدخل خمرًا في جوفه، حتى ولو لم يصدق على فعله عنوان الشرب٢.
_________________
(١) ١ بدائع الصنائع ج٧ ص٤٠، شرح الزرقاني ج٨ ص١١، حاشية الدسوقي ج٤ ص٣٥٢. ٢ مباني المنهاج ج١ ص٢٧٠.
[ ٦٢٢ ]
وقد جاء عن فقهاء الشافعية ثلاثة آراء:
أولها: لا حد بذلك لقيام الشبهة التي تدرأ الحد.
وثانيها: يجب الحد مطلقًا بوصول الخمر إلى الجوف.
وثالثها: يجب الحد على من استعط المسكر، أما من احتقن به، فلا حد عليه١.
ووافق جمهور فقهاء الحنابلة ما ذهب إليه الشافعية، وإن كان الإمام أحمد قد رأى الحد على من احتقن بالخمر لوصولها لجوفه٢.
وما ذهب إليه الأحناف، والمالكية هو ما أرجحه إلا إذا تعمد متعاطي المسكر التحايل، وسكر مما أدخله إلى جوفه، لتحقق علة إيجاب الحد من كونه قد يصل الافتراء، وسدا لباب التحايل.
_________________
(١) ١ نهاية المحتاج ج٨ ص١١، مغني المحتاج ج٤ ص١٨٨. ٢ المغني ج٨ ص٣٠٦، ٣٠٧، الإقناع ج٤ ص٢٦٧.
[ ٦٢٣ ]