وإن وعظ السلطان سرًا فيما بينه وبينه فهو الأحسن. وقد نقل من عجائب الوقائع وغرائب البدائع. فيما روى ابن أبي الدنيا - بسنده. عن سعيد بن جبير. قال: قال رجل لابن عباس﵄ - أمر أميري بالمعروف؟ قال: فإن خفت أن يقتلك فلا تعتب الإمام إلاّ فيما بينك وبينه معاينة.
وروى محمد بن إسماعيل بن عياش. قال: حدثني أبي. قال: حدثنا ضمضم بن زرعة، عن شريح بن عبيد. قال: قال جبير بن نفير: جلد عياض بن غيم صاحب دارا (حين) فتحت، فوقف هشام بن حكيم بن حزام﵄ - وكان آمرًا بالمعروف فأغلظ له القول حتى غضب، ثم مكث ليالي فأتاه هشام فاعتذر إليه فقال هشام لعياض بن غيم: ألم تسمع رسول الله يقول: (إن أشد الناس عذابًا أشدهم للناس عذابًا في الدنيا ؟) فقال عياض قد سمعنا ما سمعت ورأينا ما رأيت. ألم تسمع رسول اللهﷺ- يقول: "من أراد أن ينصح لذي سلطان فلا يقل له علانية ولكن يأخذ بيده وليخل به، فإن قبل فذاك وإلاّ كان قد أدى (ما عليه) وانك يا هشام لأنت الجريء إذ تجترئ على سلطان الله - فما خشيت أن يقتلك السلطان فتكون قتيل سلطان الله؟ قال أبو بكر بن مندة الحافظ: غريب تفرد به إسماعيل عن ضمضم. وله طريقان آخران.
[ ٢٠٥ ]
ورواه الحاكم - في المستدرك (وقال): صحيح الإسناد.
وعياض، فهري. وقيل: أشعري له صحبة.
قال الزهري: توفي أبو عبيدة بن الجراح، واستعمل خاله، وابن عمه عياض بن غنم فأمره عمرو بن العاص. وقال: لا أغير أمرًا فعله أبو عبيدة.
وحكى ابن منده: أنه ابن امرأة أبي عبيدة.
قوله: (لأنت الجريء) صيغة مبالغة من الجريء وهي الإقدام على الصعب - كما سبق بيانه - في الباب الأول - والله اعلم.
قال أبو الفرج بن الجوزي - ﵀-: الذي أراه في هذا الزمان الإنكار على الملوك سرًا بالكلام اللطيف لا بالقهر والتعنيف، لأن المقصود إزالة المنكر الذي قصد إزالته.
وقال بعض العلماء: فينبغي أن يكون وعظهم بألطف ما يكون من الكلام.
وروي أن واعظًا وعظ عبد الله المأمون بن هارون الرشيد فأغلظ له وعنفه في القول - فقال: يا رجل أرفق، فقد بعث الله - تعالى - من هو خير منك إلى من هو شر مني، وأمره بالرفق. فقال -تعالى-: ﴿فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى﴾.
(فإذا، ينبغي على من أنكر على الأمراء أن يعظهم بكلام لطيف، ويخوفهم ويرجيهم بما يناسب الحال، وما يحصل به المقصود، ولا يطيل، ولكل مقام مقال، ولكل فن رجال).
وقد كان السلف الصالح من الأخيار والعلماء وغيرهم يعبرون لأمراءهم بأحسن العبارات في الوعظ مع أنهم كانوا يقبلون كلامهم ونصحهم.
قال سفيان الثوري - قدس الله روحه -: (وينبغي لمن وّعّظّ أن لا يعنف، ولمن وعظ ألا يأنف).
وكانوا يقرؤن، عليهم الآيات والأخبار الواردة في الترغيب والترهيب، في العدل والإحسان والرفق وغيره من الأخلاق الجميلة، والترهيب من الظلم والجور وغيره من الأخلاق السيئة) مما يضيق هذا المحل من إيراده. وهي معروفة مشهورة.
[ ٢٠٦ ]
كما روي عن أبي الفرج بن الجوزي - ﵀ - (أنه وعظ مرة. بحضرة الخليفة أبي جعفر المستنصر بالله. فمما قال في مجلسه: إن هارون الرشيد (قال) لشيبان: عظني فقال: يا أمير المؤمنين، لأن تصحب من يخوفك حتى تدرك الأمن خير لك من أن تصحب من يؤمنك حتى تدرك الخوف.
ثم قال: يا أمير المؤمنين من يقول لك، أنت مسئول عن الرعية فاتق الله، أنصح لك ممن يقول لك: أنتم أهل بيت مغفور لكم وأنتم قرابة نبيكم. فبكى الرشيد حتى رحمه من حوله).
ثم قال ابن الجوزي: يا أمير المؤمنين، إن تكلمت خفت منك، وإن سكت خفت عليك، وأنا أقدم خوفي عليك على خوفي منك.
وروى أبو بكر البيهقي - في شعب الإيمان بسنده، عن عبد الله بن الضرير. قال: دخل ابن السماك على هارون يعني الرشيد فقال: يا أمير المؤمنين، إن الله﷿ - لم يجعل أحدًا فوقك فلا ينبغي أن يكون أحدًا أطوع لله منك.
وبسنده، عن عبد الله بن صالح. قال: سمعت شبيب بن سعيد. يقول: دخلت على هارون الرشيد. فقال: عظني: فقلت: يا أمير المؤمنين إن الله - ﷿ - لم يرضى أن يجعل أحدًا فوقك فلا ينبغي لأحد أن يكون أطوع لله منك - فقال: لقد بالغت في المواعظ وإن قصرت في الكلام.
وذكر أبو الغرج بن الجوزي: أن عمر بن عبد العزيز لما استخلف دخل عليه سالم بن عبد الله بن كعب القرظي. رحمة الله عليهم - وهو مكتئب حزين فأقبل على أحدهما فقال: عظني فقال: يا أمير المؤمنين، إنّ الله لم يجعل (أحدًا) من خلقه فوقك فلا ترضى لنفسك أن يكون أحد من خلقه أطوع له منك. اجعل الناس اصنافًا ثلاثة: الكبير بمنزلة الأب والوسط بمنزلة الأ خ والصغير بمنزلة الولد فبر والدك، ومل أخاك، واعطف على ولدك. واعلم أنك أول خليفة يموت.
ثم أقبل على الآخر، فقال: عظني فقال: يا أمير المؤمنين، الدنيا عطن مهجور، وأكل
[ ٢٠٧ ]
منزوع وغرض بلاء ومستقر آفات، محيط بها الذل، لكل فرحة منها ترحة، ولكل سرور منها غرور وقد رغب عنها السعداء، وانتزعت من أيدي الأشقياء، فكن يا أمير المؤمنين كالمداوي لجرحه، بصبره على شدة الدواء، لما يرجو من الشقاء فبكى عمر وقال: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
ومن وعظ بعضهم: رب هالك بالثناء لديه، ومغرور بالتستر عليه، ومسترجع بالإحسان إليه.
وذكر الحافظ عبد الغني بن عبد الواحد، عن شبيب التميمي. قال: قال أبو جعفر عبد الله المنصور الخليفة وكنت في سمارة: يا شبيب عظني وأوجز قلت: يا أمير المؤمنين إنّ الله لم يرضى من نفسه أن يجعل فوقك أحدًا من خلقه، فلا ترضى له من نفسك أن يكون له عبد أشكر منك له. فتصدق أمير المؤمنين صدقات، وأطلق محبوسين، وفعل أشياء حسنة بعد ذلك. ورواه البيهقي-في شعب الإيمان- وغيره.
ووعظ أبو حاتم بعض الأمراء - فقال: كل ما تكره الموت من أجله فاتركه، لا يضرك متى مت.
ولما أراد أبو جعفر المنصور خراب المدينة، لإطباق أهلها على حربه مع محمد بن عبد الله بن حسن وعظه جعفر بن محمد فقال: يا أمير المؤمنين، إنه قد مضى ثلاثة أسلاف: سليمان أعطي فشكر، وأيوب ابتلي فصبر، ويوسف قدر فغفر فاقتد بأيهم شئت، وأنت من الذين يعفون ويصفحون، فطفئ غيظه وسكت).
ودخل رجل على معاوية وعنده أرباب الفضل والعلم. فقال: السلام عليك يا أمير المؤمنين أتيناك لا رغبة ولا رهبة، فاستهجن الحاضرون كلامه. فلم يلبث أن قال: أما الرغبة فتأتينا إلى بيوتنا، وأما الرهبة فأمناها بعد ذلك، ثم خرج فلم يبق أحد من الحاضرين إلاّ استحسن كلامه.
وفي- الباب السابع والأربعين- من كتاب سراج الملوك: أن عبد الملك بن مروان أرق ليلة فاستدعى سميرًا يحدثه فكان مما حدثه أن قال: يا أمير المؤمنين كان بالموصل بومة وبالبصرة بومة فخطبت بومة الموصل إلى بومة البصرة ابنتها لابنها، فقالت بومة
[ ٢٠٨ ]
البصرة: لا أفعل إلا أن تجعلي لي صداقها مائة ضيعة خراب. فقالت بومة الموصل. لا اقدر على ذلك الآن ولكن إن دام والينا- سلمه الله - تعالى- علينا سنة واحدة فعلت ذلك. فاستيقظ لها عبد الملك وجلس للمظالم وأنصف الناس بعضهم من بعض.
وذكر الإمام أبو عمرو بن عبد البر- في بهجة المجالس عن أبي بكر الصديق﵁ - قال: (لا يصلح هذا الأمر إلاّ بشدة في غير عنف، ولين في غير ضعف). والسلطان إذا دخل على العبد زائرًا فجوابه السلام لا بد منه والقيام والاحترام، مقابلة له على مجيئه إليه وإكرامه، فإنه بإكرام العلم والدين مستحق للحمد كما أنه بالظلم مستحق للذم. فإنّ قدر أن لا يقوم له، إعزازًا للدين واحتقارًا للظلم، وغضبًا لله من سوء فعله فهو أولى. ولا ينظر إلى وجهه إلا بنية الإنكار. كما قال سفيان الثوري: (النظر إلى وجه الظالم خطيئة).
فلا تنظروا إلى الأئمة المضلين إلاّ بالإنكار عليهم، لئلا يحبط أعمالكم. هذا إذا دخل عليه وحده، فأما إن دخل مع حشمه وأرباب دولته فلا بأس بالقيام، ولا يعلمه بالظلم إذا خلا به ولا الخمر ولا يغير ذلك إلاّ إذا خلا به، وعرف أنه ينتفع بأمره فيخوفه من ركوب المعاصي مطلقًا ويرشده إلى العدل في الرعية والإحسان إليهم. كل ذلك بلطف فيما بينه وبينه-كما تقدم- والله أعلم.