الشرط الثالث: أن يكون المنكر ظاهر للمنكر من غير تجسس. فقد أمرنا أن نجري أحكام الناس على الظواهر من غير استكشاف عن الأمور الباطنة. قال الله - تعالى -: ﴿فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم إن الله غفور رحيم﴾.
وفي الصحيحين، وسنن الدارقطني من حديث عبد الله بن عمر - ﵄أن رسول الله - ﷺ- قال: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا اله إلاّ الله وأن محمدًا رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوا ذلك فقد عصموا مني دماءهم وأموا لهم إلاّ بحق الإسلام وحسابهم على الله تعالى).
وفي الصحيحين- أيضًا - وسنن النسائي، وابن ماجه من حديث أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا اله إلاّ الله فمن قال: لا اله إلاّ الله فقد عصم مني نفسه وماله إلا بحقه وحسابه على الله).
وفي سنن النسائي من حديث النعمان بن بشير - ﵁ - قال: (كنا مع النبي - ﷺ - فجاءه رجل ذات يوم فساره) فقال: اقتلوه. ثم قال: أشهد أن لا إله إلاّ الله. قالوا: نعم لكنه يقولها تعوذًا. فقال رسول الله: (لا تقتلوه، فإني إنما أمرت أن أقاتل الناس
[ ٢٢٠ ]
حتى يقولوا: لا إله إلاّ الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلاّ بحقها وحسابهم على الله).
وروى مالك - في الموطأ - من حديث (عبيد) الله بن عدي بن الخيار مرسلًا بينما رسول الله -ﷺ- جالس بين ظهري الناس إذ جاءه رجل فساره فلم يدر ما ساره حتى جهر رسول الله - ﷺ - حين جهر: أليس يشهد أن لا إله إلاّ الله، وأن محمدًا رسول الله؟ .. قال: بلى، ولا شهادة له قال: أليس يصلي؟ قال: بلى ولا صلاة له. قال رسول الله - ﷺ -: (أولئك الذين نهاني الله عن قتلهم).
وفي صحيح البخاري من حديث عبد الله بن عتبة بن مسعود قال: سمعت عمر بن الخطاب - ﵁ - يقول: "إنّ ناسًا كانوا يؤخذون بالوحي في عهد رسول الله - ﷺ- وانّ الوحي قد انقطع. وإنما نؤاخذكم الآن بما ظهر لنا من أعمالكم. فمن أظهر لنا خيرًا أمناه وقربناه وليس لنا في سريرته شيء. الله يحاسبه في سريرته ومن أظهر لنا شرًا لم نأمنه ولم نصدقه وإن قال: إنّ سريرته حسنة.
وفي الصحيحين وغيرهما من حديث أبي سعيد الخدري أن خالد بن الوليد ﵁ - استأذن النبي -ﷺ- في قتل رجل فقال: (لعله أن يكون يصلي) فقال خالد: وكم من مصلَّ يقول بلسانه ما ليس في قلبه. فقال - ﷺ: (إني لم أومر أن أنقب عن قلوب الناس ولا أشق بطونهم).
وفي صحيح مسلم وغيره من حديث أسامة بن زيد - ﵁ - قال: بعثنا رسول الله -ﷺ- في سرية فصبحنا الحرقات من جهينة. فأدركت رجلًا فقال: لا إله إلاّ الله، فطعنته فوقع في نفسي من ذلك. فذكرته للنبي ﷺ، فقال رسول الله - ﷺ-: (أقال: لا اله إلاّ الله وقتلته)؟ قلت: يا رسول الله إنما قالها خوفًا من السلاح. قال: (أفلا شققت عن قلبه حتى تعلم أقالها أم لا)؟ فما زال يكررها حتى تمنيت أني لم أكن. سلمت قبل ذلك اليوم.
[ ٢٢١ ]
قال أبو الفرج بن الجوزي: (من تستر بمعصيته في داره، وأغلق بابه، لم يجز أن يتجسس عليه، إلاّ إن ظهر ما نعرفه كأصوات المزامير والعيدان، فلمن سمع ذلك أن يدخل ويكسر الملاهي. وإن ظهرت روائح الخمر، فالأظهر جواز الإنكار.
وقال محمد بن أبي حرب: سألت أبا عبد الله عن الرجل يسمع المنكر في دار بعض جيرانه؟ قال: يأمره: فإن لم يقبل يجمع عليه الجيران ويهول عليه. ونقل جعفر عن الإمام أحمد فيمن يسع صوت الغناء في طريق.
قال: هذا قد ظهر عليه فله أن ينهاهم، ورأى أن ينكر الطبل، يعني إذا سمح صوته.
قيل له: مررنا بقوم أشرفوا من علية لهم يغنون فجئنا صاحب الخبر فأخبرناه فقال: لم تتكلموا في الموضع الذي سمعتم؟ فقيل: لا قال: كان يعجبني أن تتكلموا.
قال ابن مفلح: (وهذا يعني ما ذكره الأصحاب - في باب الوليمة - أنه يلزم القادر الحضور والإنكار وإلاّ لم يحضر وانصرف). انتهى.
والمقصود أن يكون المنكر برؤية عين المنكر أو شهادة عدلين وقد روي أن عمر - ﵁ - كان يعس بالمدينة ذات ليلة فرأى رجلًا وامرأة على فاحشة فأقام عليهما الحد، فلما أصبح قال للناس: (أرأيتم لو أن إمامًا رأى رجلًا وامرأة على فاحشة فأقام عليهما الحد، فلما أصبح قال للناس: (أرايتم لو أن إمامًا رأى رجلًا وامرأة على فاحشة فأقام عليهما الحد، ما كنتم فاعلين)؟ فقالوا: إنما أنت إمام. فقال علي: ليس ذلك لك، إذًا يقام عليك الحد، إن الله لم يأمن على هذا الأمر أهل من أربعة شهداء ثم تركهم ما شاء الله أن يتركهم ثم سألهم فقال القوم مثل مقالتهم الأولى وقال مثل مقالته.
قال هذا الغزالي وهذا يشير إلى أن عمر كان مترددًا في أن الوالي هل له أن يقضي بعلمه في حدود الله؟ فلذلك راجعهم في معرض الفتوى لا في معرض الإخبار خفية من أن (لا) يكون له ذلك.
فمال رأي علي إلى أنه ليس له ذلك. وهذا من أعظم الأدلة على ستر عورات المسلمين كما سيأتي في مكانه من الباب الرابع-.
(وقد شاور عمر الصحابة - ﵃ - وهو على المنبر وسألهم عن الإمام إذا
[ ٢٢٢ ]
شهد بنفسه منكرًا فهل له إقامة الحد فأشار (علي) إلى أن ذلك منوط بعدلين فلا يكفي فيه واحد).
وسيأتي في بيان حد الظهور والاستتار في مكانه - من الباب الخامس - (فكل من ستر معصيًة في داره وأغلق بابه فإنه لا يجوز التجسس عليه) كما سيأتي الكلام على ذلك والخلاف فيه في الباب المذكور إن شاء الله تعالى.