وأما قوله- تعالى-: ﴿وإن تطع أكثر من في الأرض يضلُّوك عن سبيل الله إن يتَّبعون إلَّا الظَّنَّ وإن هم إلَّا يخرصون﴾.
قال المفسرون﵏-: لولا- هنا للتخصيص. كقوله- تعالى- في سورة المائدة: ﴿لولا ينهاهم الربانيون ﴾ صحبها معنى التوبيخ والتأسي الذي ينبغي أن يقع من البشر على هذه الأمم التي لم تهتد. وهذا نحو قوله: "يا حسرة على العباد ".
والقرون قوم نوح، وعاد، وثمود.
والبقية- هنا- يراد بها الخير والنظر والحزم في الدين وسمى الفضل والجود بقية، لأن الرجل يستبقي مما يخرجه أجوده وأفضله.
ويقال فلان من بقية القوم أي خيارهم.
ومنه قولهم: في الزوايا خبايا، وفي الرجال بقايا.
[ ٥٥ ]
وإنما قيل: بقية، لن الشرائع والدول ونحوها قوتها في أولها ثم لا تزال تضعف فمن ثبت في وقت الضعف فهو بقية الصدر الأول. والمعنى: فلولا كان منهم أولو مراقبة (وخشية) من انتقام الله- تعالى-.
وقيل: أولو طاعة، ودين، وعقل، وبصر، ينهون قومهم عن الفساد والفساد- هنا- الكفر وما اقترن به من المعاصي، فبين- سبحانه- أنه أهلك جميعهم إلا قليلًا منهم كانوا ينهون عن الفساد.
وقال بعض العارفين: معنى الآية لم يكن منكم مثل هؤلاء الذين كانوا ينهون عن القبائح إلا قليل.
وقيل: لم يكن فيمن قبلكم من الأمم ممن ينهي عن الفساد إلا ذو بقية من الدين وهم الذين أطاعوا أنبياءهم.
ويحتمل فهلَّا كان من القرون من قبلكم أولو بقية ينهون عن الفساد.
قال الإمام أثير الدين أبو حيان﵀-: وفي ذلك تنبيه لهذه الأمة وحض لها على تغيير المنكر.
والظاهر أن الذين ظلموا هم (تاركوا) النهي عن الفساد.
و(ما أترفوا فيه) أي نعموا فيه من حب الرئاسة، والثروة وطلب أسباب العيش الهنيء ورفضوا ما فيه صلاح دينهم من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.