وأما قوله- تعالى-: ﴿وأولئك الَّذين هدى الله فبهداهم أقتدة قل لَّا أسئلكم عليه أجرًا إن هو إلَّا ذكرى للعالمين﴾.
سبب نزولها: ما روى أحمد في المسند من حديث ابن عباس﵄-
[ ٥٦ ]
قال بينما رسول الله -ﷺ- بفناء بيته بمكة جالسًا، إذ مر به عثمان بن مظعون فكشر إلى رسول الله -ﷺ- فقال له رسول الله -ﷺ- ألا تجلس؟ قال: بلى. قال: فجلس رسول الله -ﷺ- مستقبله فبينما هو يحدثه إذ شخص رسول الله -ﷺ- ببصره إلى السماء فنظر ساعة إلى السماء وأخذ يضع بصره حتى وضعه على يمينه في الأرض، فتحرف رسول الله -ﷺ- عن جليسه عثمان إلى حيث وضع بصره وأخذ ينفض رأسه كأنه يستفقه ما يقال له وابن مظعون ينظر فلما قضى حاجته واستفقه ما يقال له شخص بصر رسول الله -ﷺ- إلى السماء- كما شخص أول مرة فأتبعه بصره حتى توارى في السماء فأقبل إلى عثمان". بجلسته الأولى قال: يا محمد فيم كنت أجالسك وآتيك ما رأيتك تفعل كفعلك الغداة قال: وما رأيتني فعلت؟ قال: رأيتك تشخص ببصرك إلى السماء ثم وضعته حيث وضعته على يمينك فتحرفت إليه وتركتني وأخذت تنفض رأسك كأنك تستفقه شيئًا يقال لك. قال: وفطنت لذلك؟ قال: "عثمان": نعم قال رسول الله -ﷺ-: "أتأتي رسول الله آنفًا وأنت جالس. قال رسول الله. قال نعم. قال فما قال لك؟ قال: ﴿إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون﴾ قال: عثمان فذلك حين استقر الإيمان في قلبي وأحببت محمدًا -ﷺ-".
ورواه أحمد -أيضًا- بسنده عن عثمان بن أبي العاص -﵁- قال: كنت عند رسول الله -ﷺ- جالسًا إذ شخص ببصره. فذكر نحوه مختصرًا.
قال عبد الله بن مسعود -﵁-: إن أجمع آية في القرآن ﴿إن الله يأمر بالعدل والإحسان ﴾.
وقال جماعة من العلماء: هذه الآية أجمع آية في القرآن للحث على المصالح كلها وللزجر عن المفاسد بأسرها، فإن الألف واللام في العدل والإحسان للعموم والاستغراق فلا يبق من دق العدل وجله شيء إلا اندرج في قوله: ﴿إن الله يأمر بالعدل﴾. ولا يبق من دق الإحسان وجله شيء إلا اندرج في أمره بالإحسان والعدل.
وكذلك الألف واللام -في الفحشاء، والمنكر، والبغي- عامة مستغرقة لأنواع الفواحش ولما ينكر من الأقوال والأعمال وإفراد البغي وهو: ظلم الناس بالنهي عنه مع اندراجه (في الفحشاء والمنكر للاهتمام به كما أفرد إيتاء ذي القربى بالذكر مع اندراجه) في العدل والإحسان اهتمامًا بصلة الأرحام.
[ ٥٧ ]
أمر -﷾- في هذه الآية بثلاث، ونهى عن ثلاث، أمر بالعدل وهو: كل فعل مفروض من عقائد وشرائع وسير مع الناس في (أداء) الأمانات وترك الظلم وإعطاء الحق.
والإحسان وهو: كل فعل مندوب إليه، قاله ابن عطية.
وقال محمود الزمخشري: العدل هو: الواجب، لأن الله -تعالى- عدل فيه على عباده.
والإحسان: الندب.
وإنما علق أمره بهما، لأن الفرض لابد أن يقع فيه تفريط فيجبره الندب، وعن ابن عباس -﵄-: العدل لا إله إلا الله، والإحسان أداء الفرائض.
وعنه: العدل الحق.
وعن سفيان بن عيينة: أنه استواء السريرة والعلانية في العمل وقيل، العدل في الأفعال، والإحسان في الأقوال، فالإحسان لا يخلو من جلب نفع أو دفع ضر أو عنهما وتارة يكون في الدنيا وتارة يكون في العقبى.
أما في العقبى: فتعليم العلم، والفتيا والإعانة على جميع الطاعات وعلى دفع المعاصي والمخالفات، فيدخل فيه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر باليد واللسان. كما قال ابن عبد السلام وغيره: "والله أعلم".
قال بعض العارفين: (أمر العبد بالعدل فيما بينه وبين ربه)، وفيما بينه وبين نفسه، وفيما بينه وبين الخلق.
فالعدل الذي بينه وبين الله إيثار حقه على خطه، وتقديم رضاه -سبحانه- على ما سواه [هواه]، والتجرد عن جميع المزاجر، وملازمة جميع الأوامر.
والعدل الذي بينه وبين نفسه منعها عما فيه هلاكها كما قال الله: ﴿ونهى النفس عن الهوى﴾.
وكمال عدله مع نفسه كي عروق طمعه.
[ ٥٨ ]
والعدل الذي بينه وبين الخلق بذل النصيحة، وترك الخيانة فيما قل أو كثر، والإنصاف لهم بكل وجه، وترك الإساءة إلى كل أحد بقول أو فعل أو هم أو عزم.
وأما الإحسان، فهو أن تقوم بكل حق وجب عليك حتى لو كان لطير في ملكك، فلا تقصر في تعهده.
ويقال: الإحسان أن تقضي ما عليك من الحقوق، وأن لا تقتضي لك حقًا من أحد.
قوله: ﴿وإيتاء ذي القربى﴾ وهو صلة الأرحام. وقد اندرج تحت الإحسان ولكنه نبه عليه اهتمامًا به كما تقدم.
وقيل: إعطاؤهم على ما منعهم من الجود والجفاء والحسد.
و(الفحشاء) الزنا.
وقيل: ما شنعته ظاهرة من المعاصي.
وقيل: ما يوجب الحد في الدنيا والعذاب في الآخرة.
وقيل: المجاوز لحدود الله -﷿-.
(والمنكر) الشرك. قاله مقاتل.
وقيل: ما توعد عليه بالنار- قاله عبد الله بن السائب.
وقيل: ما أنكره الشرع بالنهي عنه. وهو يعمر جميع المعاصي والرذائل والدناءات على اختلاف أنواعها.
وقيل: ما لا يوجب الحد في الدنيا لكن يوجب العذاب في الآخرة.
(والبغي) التطاول بالظلم والسعاية فيه.
وحقيقته تجاوز الحد وهو داخل في المنكر نبه عليه اهتمامًا باجتنابه- كما تقدم.
وجمع سبحانه في المأمور به والمنهي عنه بين ما يجب ويندب وما يحرم ويكره لاشتراك ذلك في قدر مشترك وهو الطلب في الأمر والترك في النهي ولما أمر تعالى بتلك الثلاث ونهى عن تلك الثلاث.
قال: ﴿يعظكم﴾ أي بما ذكر من أمر ونهي.
والمعنى ينبهكم أحسن تنبيه.
﴿لعلكم تذكرون﴾ أي تنتبهون لما أمرتم به ونهيتم عنه.
[ ٥٩ ]
قال المفسرون: فقد تضمنت هذه الآية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وكما أن الله -تعالى- وحزبه يأمرون بالعدل والإحسان فالشيطان وحزبه يأمرون (بالفحشاء والمنكر) كما قال -تعالى-: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تتبعوا خطوات الشيطان ومن يتبع خطوات الشيطان فإنه يأمر بالفحشاء والمنكر ﴾ والله أعلم.