وأما قوله -تعالى- حكاية عن عبده لقمان الحكيم حين وصى لابنه: ﴿يا بنيَّ أقم الصلاة وأمر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على ما أصابك إنَّ ذلك من عزم الأمور﴾.
قال المفسرون: لما نهى لقمان -﵇- ابنه عن الشرك وأخبره -ثانيًا- بعلمه تعالى وباهر قدرته، أمره بما يتوسل به إلى الله -تعالى- من الطاعات، فبدأ بأشرفها وهو الصلاة، حيث يتوجه إليه بها، ثم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ثم بالصبر على ما يصيبه من المحن بسبب الأمر والنهي.
و(ما) بمعنى مهما، وأضاف الصبر- بالعطف على الأمر بالمعروف إعلامًا بأذى الناس لمن يأمرهم وينهاهم.
قال بعض المفسرين: أي أمر بطاعة الله واتباع أمره.
وقال الكلبي في قوله: وانه عن المنكر أي أنكر الظلم وأظهر العدل. وقال غيره: المنكر معاصي الله ومخالفة أمره.
وقال بعض العارفين: المعروف الذي يجب الأمر به وهو ما يوصل العبد إلى الله. والمنكر الذي يجب النهي عنه وهو ما يشغل العبد عن الله.
﴿واصبر على ما أصابك﴾ يعني اصبر على ما أصابك من الأذى في طاعة الله من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
[ ٦٣ ]
وهذا قول ابن عباس ومقاتل.
ففي قوله: ﴿واصبر على ما أصابك﴾ تنبيه على (أن) من قام لله بحق امتحن في الله فسبيله أن يصبر لله فإن من صبر لله لم يحسَّر على الله.
وسيأتي الكلام على الصبر في آخر الباب الرابع -إن شاء الله -تعالى-.
﴿إن ذلك من عزم الأمور﴾.
قال ابن عباس: يريد من حقيقة الإيمان.
وقال مقاتل: إن ذلك الصبر على الأذى فيهما من حق الأمور التي أمر الله بها.
وقال الكلبي: إن ذلك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من عزم الأمور.
قال الواحدي: وهذه الآية دليل على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والصبر على المكروه، إن أصابه فيهما. وفي هذا دليل على أن خوف المكروه لا ينبغي أن يمنع من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلا أن يخاف مكروهًا لا يطيقه- والله أعلم.
يا أخي من ذكر الله -تعالى- حظي بالخيرات لديه ومن أمر بالمعروف قربه زلفى إليه، ومن نهى عن المنكر أقبل بالمعونة عليه، ومن صبر على ابتلائه ورضي فله البشارة، ومن سخط وجزع فيا لها من خسارة.