وأما قوله -﷿-: ﴿والعصر إن الإنسان لفي خسر. إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر﴾.
فهو قسم منه -سبحانه- بالعصر.
قيل: هو الدهر. وقيل صلاة العصر. وقيل آخر النهار. وقيل غير ذلك.
﴿إن الإنسان لفي خسر﴾ أي في خسارة وهلاك.
﴿إلا الذين آمنوا﴾ بقلوبهم وعملوا الصالحات بجوارحهم.
﴿وتواصوا﴾ أي أوصى بعضكم لبعض بالحق أي بأداء الطاعات وترك المحرمات.
﴿وتواصوا بالصبر﴾ أي على المصائب وأذى من يؤذي ممن يأمرونه بالمعروف وينهونه عن المنكر.
ويحتمل أن يراد به الصبر على الطاعات فيدخل فيه الصبر عن المعصية وعلى الطاعة قاله ابن عباس -﵄-: (فأقسم الله -تعالى- أن كل إنسان في خسر إلا من جمع هذه الأربعة أوصاف).
وروى أبو بكر بن مردويه -في مسنده- عن يزيد بن خنيس (قال): دخلنا على سفيان الثوري نعوده وأومأ إلى دار العطارين فدخل عليه- سعيد بن حسان المخزومي فقال له سفيان الثوري: الحديث الذي كنت حدثتني، عن أم صالح، أردده عليّ فقال: حدثتني أم صالح عن صفية بنت شيبة عن أم حبيبة رملة قالت: قال رسول الله -ﷺ-: (كلام ابن آدم عليه لا له ما خلا أمرًا بمعروف أو نهيًا عن منكر أو ذكر الله -تعالى-).
قال سفيان: وناشدته أو ما سمعت الله يقول في كتابه: ﴿والعصر إن الإنسان لفي خسر. إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر﴾ فهو هذا بعينه.
وروى الحديث الترمذي، وابن ماجه ولم يذكروا قول سفيان الثوري إلى آخره والله أعلم.
[ ٦٥ ]
فلا تخف في الله لومة لائم، لعلك أن تظفر بالغنائم استعمل الشجاعة في النهي عن المنكر، تنل المطلب الأعلى من الكنز الأكبر، فللَّه در أقوام فهموا معنى الوجود، وتأملوا عين المقصود، واشتغلوا بطاعة الملك المعبود، فقاموا بالأمر بالمعروف من غير قيود.
متنبهين للنهي عن المنكر والخلق رقود، متيقنين للصبر على ما ينالون من الأقوال والأفعال، ملازمين الرضا عن الله في كل الأحوال، قد شمروا لذلك عن سوق العزائم، فسبقوك وأنت في الغفلة نائم.