وأما الدرجة الثانية: فهي التعريف، فإن المنكر قد يقدم عليه المقدم بجهله، وإذا عرف أنه منكر تركه، كالسوادي يصلي ولا يحسن الركوع والسجود فيعلم - أن ذلك لجهله - بأن هذه ليست بصلاة ولو رضي بأن لا يكون مصليًا لترك أصل الصلاة، فيجب تعريفه باللطف من غير عنف؛ وذلك لأن في ضمن التعريف نسبة إلى الجهل، والحمق والتجهيل إيذاء وقل أن يرضي الإنسان (بأن ينسب إلى الجهل) بالأمور لا ميما بالشرع، ولذلك ترى الذي يغلب عليه الغضب كيف يغضب إذا نبه على الخط والجهل؟ وكيف يجتهد في مجاهدة الحق بعد معرفته، خيفة من أن ينكشف عورة جهله؟ والطباع أحرص على ستر عورة الجهل منها على ستر العورة الحقيقية؛ لان الجهل قبح في صورة النفس وسواد في وجهها وصاحبها
[ ٢٣٦ ]
ملوم عليه- لأن قبح النفس أشد من قبح البدن وهو غير ملوم على قبح البدن، لأن خلقه لم يدخل تحت إختياره حصوله ولا في اختياره إزالته وتحسينه، والجهل قبح يمكن إزالته وتبديله بحسن العلم فلذلك يعظم تألم الإنسان بظهور جهله، ويعظم ابتهاجه في نفسه - بعلمه ثم لذته عند ظهور جمال علمه لغيره. وإذا كان التعريف كاشفًا للعورة مؤذيًا للقلب فلا بد أن يعالج دفع أذاه بلطف الرفق. فنقول له: إن الإنسان لا يولد عالمًا. ولقد كنا - أيضًا - جاهلين بأمور الصلاة فعلمنا العلماء. ولعل قريتك خالية من العلماء أو عالمها مقصر في شرح أمور الصلاة وإيضاحها، إنما شرط الصلاة الطمأنينة في الركوع والسجود، وهكذا يتلطف به؛ ليحصل التعريف من غير إيذاء، فإن إيذاء المسلم حرام محظور كما أن تقريره على المنكر محظور، وليسر من العقلاء من يغسل الدم بالدم أو بالبول ومن اجتنب محظور السكوت على المنكر واستبدل عنه محظور الإيذاء للمسلم مع الاستغناء عنه فقد غسل الدم بالبول وأما إذا وقفت على خطأ في غير أمر الدين فلا ينبغي أن يرده عليه، فإنه يستفيد منك علمًا ويصير لك عدوًا إلاّ إذا علمت أنه قابل مغتنم العلم. وذلك عزيز جدًا). قال بعضهم: يجب على المعلم أن لا يعنف، وعلى المتعلم أن لا يأنف. وسيأتي فصل في استحباب الرفق في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من الباب الرابع - إن شاء الله - تعالى - والله أعلم.
ثم ليكن وعظه في هذه الدرجة تعريضًا وإرشادًا من غير تنصيص على شخص.
وقد روى أبو داود - في سننه - من حديث عائشة - ﵂ - قالت: كان رسول الله -ﷺ- إذا كره من إنسان شيئًا قال: (ما بال أقوام يفعلون كذا وكذا).
قال الحافظ عبد العظيم المنذري: رجاله رجال الصحيح قوله: (ما بال) أي ما حال. ففي الحديث عدم مواجهة صاحب المعصية بمعصيته، لأن المقصود يحصل له ولغيره بدون فضيحة وشناعة عليه. وفيه المبالغة بإزالة المنكر والتغليظ في تقبيحه، والله أعلم.
وروى أبو بكر الخلال - بإسناده - أنه قيل لإبراهيم بن أدهم: الرجل يرى من الرجل شيئًا ويبلغه عنه، يقول له؟ قال: هذا تبكيت ولكن يعرض ويسأل.
[ ٢٣٧ ]
وسأل الإمام أحمد رجل. قال: أكون في المجلس تذكر فيه السنة ولا يعرفها غيري: افأتكلم بها؟ فقال: أخبر بالسنة ولا تخاصم عليها. فأعاد عليه القول: فقال: ما أراك إلاّ رجلًا مخاصمًا.
وهذا المعنى روي عن مالك فإنه أمر بالإخبار بالنسبة وقال: فإن لم يقبل منك فاسكت.
قال أبو حامد: (ومن اجتنب محظور السكوت عن المنكر، واستبدل عنه محظور الإيذاء للمسلم مع الاستغناء عنه فقد غسل الدم بالبول.
قال سالم بن عبد الله بن عمر﵃-: نظر عمر إلى رجل أذنب ذنبًا فتناوله بالدرة. فقال الرجل: والله يا عمر: لئن كنت أحسنت فلقد ظلمتني، ولئن كنت أسأت فما علمتني؟ قال: صدقت فاستغفر الله، دونك فاقتد من عمر. فقال: فلأهبها لله وغفر الله لي ولك، رواه أبن أبي الدنيا، وأما إذا وقعت على خطأ في غير أمر الدين فلا ينبغي ان ترده عليه فإنه يستفيد منك علمًا ويصير لك عدوًا إلاّ إذا علمت أنه يغتنم العلم. وذلك عزيز جدًا والله أعلم.