وأما قوله- تعالى-: ﴿كنتم خير أمَّةٍ أخرجت للنَّاس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله﴾.
(فقال عكرمة، ومقاتل: نزلت في ابن مسعود، وأبي بن كعب، ومعاذ بن جبل وسالم مولى أبي حذيفة.
وذلك أن مالك بن الصيف، ووهب بن يهوذا اليهوديين.
قالا: نحن أفضل منكم، وديننا خير مما تدعونا إليه فأنزل الله هذه الآية).
[وقال ابن عباس: هم الذين هاجروا مع النبيﷺ- إلى المدينة وقال الضحاك: هم أصحاب محمدﷺ- خاصة الرواة الدعاة، الذين أمر الله المسلمين بطاعتهم.
وقال الحسن البصري، ومجاهد، وجماعةٌ: الخطاب لجميع الأمة بأنهم خير الأمم- ويؤيد ذلك كونهم شهداء على الناس. وقولهﷺ-: (نحن الآخرون السابقون ) الحديث].
[ ٣٤ ]
وقال قتادة: أمة محمدﷺ- لم يؤمر نبي قبلهم بالقتال. فهم يقاتلون الكفار، ويدخلونهم في دينهم وهم خير أمة أخرجت للناس.
وفي جامع الترمذي وغيره من حديث بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده (معاوية بن حيدة) - ﵁- أنه سمع النبيﷺ- يقول في قوله- تعالى-: ﴿كنتم خير أمَّةٍ أخرجت للنَّاس﴾ قال: (أنتم تتمون سبعين أمة أنتم خيرها وأكرمها على الله- تعالى-)
قال الترمذي: حديث حسن.
ورواه الإمام أحمد، وابن ماجه، والحاكم بغير ذكر الآية. وقال: (موفون فهم خير الأمم) والله أعلم.
قوله- تعالى-: ﴿كنتم خير أمَّةٍ﴾ هو الخير، ولا يراد بها هنا الدالة على مضي الزمان.
وقال مجاهد: كنتم خير أمة أخرجت للناس على الشرائط المذكورة.
فعلى هذا يكون المعنى: كنتم خير أمة إذ كنتم تأمرون بالمعروف، وتنهون عن المنكر، وتؤمنون بالله. فبدأ سبحانه- بذكر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قبل ذكر الإيمان تأكيدًا على المؤمنين فلا يتم المؤمنين إلا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في وقته معاينته لا يسعهم التخلف عنه.
وقال قوم: قوله (للناس) من صلة قوله: خير أمة، أي أنتم خير الناس للناس.
وفي صحيح أبي عبد الله البخاري من حديث أبي هريرة﵁- موقوفًا في قوله- تعالى-: ﴿كنتم خير أمةٍ أخرجت للناس﴾ قال: "خير الناس للناس يأتون بهم في السلاسل في أعناقهم حتى يدخلوا في الإسلام". وهكذا.
قال ابن عباس، ومجاهد، وعكرمة، وعطاء، والربيع بن أنس، وعطية العوفي: ﴿كنتم خير أمةٍ أخرجت للناس﴾ يعني: خير الناس للناس والمعنى. أنهم خير الأمم وأنفع الناس للناس.
[ ٣٥ ]
وروى البخاري من حديث أبي هريرة﵁- أيضًا- قال: سمعت رسول اللهﷺ- يقول: (عجب الله﷿- من قوم يدخلون الجنة في السلاسل) ورواه أحمد، وأبو داود ولفظهما: "عجب ربنا من قومٍ يقادون إلى الجنة في السلاسل".
"رواه البخاري- أيضًا ".
وروى الإمام أحمد نحوه من حديث أبي أمامة﵁- قال: استضحك رسول اللهﷺ- فقيل: ما يضحك؟ قال: "قوم يساقون إلى الجنة مقرنين في السلاسل".
وفي مسند الإمام أحمد وغيره من حديث سهل بن سعد الساعدي﵁- قال: كنت مع النبيﷺ- بالخندق فأخذ الكرز مني فحفر به فصادف حجرًا فضحك قيل: ما يضحك يا رسول الله؟ قال: (ضحكت من ناس يؤتي بهم من قبل المشرق في الكبول يساقون إلى الجنة).
(الكرز) بفتح الكاف وهو الفأس و(الكبول) بالضم القيود. واحدها كبل بفتح أوله وإسكان الموحدة. قاله أهل اللغة.
قال جماعة من المفسرين: كان- في الآية- هي التامة فيكون المعنى: خلقتم ووجدتم خير أمة وقيل كان هنا زائدة فيكون المعنى: أنتم خير أمة وقيل المعنى كنتم في علم الله- تعالى- وقيل: في اللوح المحفوظ. وقيل: فيما أخبرت به الأمم قديمًا عنكم فالأمم إذا فضلوا أمة أية أمة كانت هذه الأمة خيرها وأخرجت أبرزت. والله أعلم.
قوله: ﴿تأمرون بالمعروف﴾ وهو كل ما يؤمر به شرعًا ﴿وتنهون عن المنكر﴾ وهو كل ما ينهى عنه شرعًا.
قال المفسرون: هذا كلام أخرج مخرج الثناء من الله- تعالى-.
والمدح لهذه الأمة ما أقاموا ذلك، واتصفوا به، فإذا تركوا الأمر بالمعروف وتواطئوا على المنكر، زال عنهم اسم المدح، ولحقهم اسم الذم وكان سببًا لهلاكهم.
قال المفسرون: فهذا يدل على أن فضيلة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إذ بين
[ ٣٦ ]
أنهم كانوا خير أمة فكذلك إن لم يأمروا بالمعروف ولم ينهوا عن المنكر كانوا شر أمة وقيل إنما صارت أمة محمد ﷺ خير أمة لأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فيهم أفشى.
وقال بعض العلماء: قدم سبحانه في هذه الآية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على الإيمان، لأن الإيمان مشترك بين جميع الأمم، فليس هذا هو المؤثر لحصول هذه الزيادة، بل المؤثر كونهم أقوى حالًا في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإنما الإيمان شرط. والله أعلم.