قال ابن القيم: ولا ضمان في تحريق الكتب المضلة وإتلافها. قال أبو بكر المروذي: قلت لأحمد: استعرت من صاحب الحديث كتابًا يعني فيه أحاديث رديئة ترى أن أخرقه أو أحرقه؟ قال: نعم وذكر أبو عبد الله ابن مفلح، عن ابن عقيل أنه قال- في الفنون -: لا يصح ابتياع الخمر ليريقها، ويصح ابتياع كتب الزندقة لتحريقها، لأن في الكتب مالية الورق.
ثم قال ابن مفلح: ومتوجه قول أنه لا يجوز، لأنه استنقاذ كشراء الأسير. وكأن ابن عقيل إنما حكى ذلك عن غيره، فإن لفظه قيل لحنبل: أيجوز شراء الخمر للإراقة؟ قال: لا. قلت: فكتب الزندقة للتمزيق؟ قال: نعم. قيل فما الفرق؟ قال: في الكتب مالية الورق. قال حنبلي جيد الفهم: هذا باطله بآلة اللهو؛ فإن فيها أخشابًا ووترًا ولا يصح بيعها بما فيها من التأليف الذي أسقط حكم مالية الآلة حتى لو أحرقت لم يضمن فهلا أسقطت حكم مالية التأليف الورق كما سقطت مالية الخشب.
وقال - في الرعاية-: ويصح أن يشتري كتب الزندقة ونحوها ليتلفها فقط. انتهى.
(وقد رأى النبي - ﷺ - بيد عمر بن الخطاب كتابًا اكتتبه من التوراة وأعجبه موافقته للقرآن فتمعر وجه النبي - ﷺ- حتى ذهب به عمر إلى التنور في فألقاه فيه.
[ ٢٥٩ ]
قال ابن القيم: فكيف لو رأى النبي -ﷺ- ما صنف بعده من الكتب التي يعارض بها ما في القرآن والسنة؟ فالله المستعان.
وقد أمر النبي - ﷺ -: (من كتب عنه شيئًا غير القرآن أن يمحوه) ثم: (أذن في كتابة سنته) ولم يأذن في غير ذلك.
وكل هذه الكتب المتضمنة لمخالفة السنة: غير مأذون فيها، بل مأذون في محقها وإتلافها وما على الأمة أضرمنها. وقد حرق الصحابة جميع المصاحف المخالفة لمصحف عثمان لما خافوا على الأمة من الاختلاف فكيف لو رأوا هذه الكتب التي أوقعت الخلاف والتفرق؟ .
وقال: والمقصود أن هذه الكتب المشتملة على الكذب والبدعة يجب إتلافها وإعدامها، وهي أولى بذلك من إتلاف آلات اللهو والمعازف وإتلاف آنية الخمر، فإذ ضررها أعظم من ضرر هذه. انتهى وقد سبق معنى هذا قريبًا في قول صاحب النظم، والله أعلم.