وأما الدرجة السادسة: فهي بالتهديد والتخويف كقوله: دع عنك هذا، أو لأكسرن رأسك أو لأضربن رقبتك، أو لأفعلن بك كذا وكذا مما يشابه ذلك.
قال الغزالي: وهذا ينبغي أن يقدم على تحقيق الضرب إذا أمكن تقديمه، والأدب في هذه الدرجة أن لا يهدده بوعيد لا يجوز تحقيقه كقوله: لأنهبن دارك أر لأضربن ولدك أو لأسبين زوجتك، وما يجري مجراه، بل إن قال ذلك عن عزم فهر حرام، وإن قاله عن غير عزم فهو كذب.
كما روي عن أبي بكر الصديق - ﵁- أنه كتب إلى عكرمة وهو عامله "بعمان" يقول: إياك وأن تتوعد في معصيبة بأكثر من عقوبته، فإنك إن فعلت أثمت وإن لم تفعل كذبت وكلا الأمرين ذميم.
[ ٢٦١ ]
قال أبو حامد: نعم إذا تعرض لوعيده بالضرب والاستحقاق فله العزم عليه إلى حد معلوم يقتضيه الحال، وله أن يزيد في الوعيد على ما هو في عزمه الباطن إذا علم أن ذلك مما يقمعه ويردعه وليس ذلك من الكذب المحذور، بل المبالغة في مثل ذلك معتادة، وهي في معنى مبالغة الرجل في إصلاحه بين شخصين، وتأليفه بين الضرتين، وذلك مما قد رخص فيه للحاجة، وهذا في معناه، وإلى هذا المعنى أشار بعض العلماء إلى أنه لا يقبح من الله -تعالى- أن يتوعد بما لا يفعل، لأن الخلف في الوعيد كرم وإنما يقبح أن يعد بما لا يفعل، وهذا غير مرض عندنا؛ فإن الكلام القديم لا يتطرق إليه الخلف، وعدًا كان أو وعيدًا، وإنما يتصور هذا في حق العباد وهو كذلك إذ الخلف في الوعيد ليس بحرام. انتهى والله أعلم.