وترتيب هذه الدرجات التي ذكرها الإمام الغزالي وغيره وجدت لها شاهدًا من قوله - تعالى-: ﴿لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب ..﴾ لأن قوله: ﴿لقد أرسلنا رسلنا بالبينات﴾ أي بالمعجزات والحجج الباهرات، والدلائل القاطعات ﴿وأنزلنا معهم الكتاب﴾ وهو النقل المصدق ببيان شرائع الأحكام و﴿الميزان﴾ هو العدل: قاله ابن عباس، وقتادة. وهو الحق الذي شهدت به العقول الصحيحة المستقيمة المخالفة للآراء السقيمة؛ كما قال تعالى: ﴿أفمن كان على بينة من ربه ويتلوه شاهد منه﴾ وقال: ﴿فطرة الله التي فطر الناس عليها﴾ وقال: ﴿والسماء رفعها ووضع الميزان﴾ ولهذا قال في هذه الآية: ﴿ليقوم الناس بالقسط ﴾ أي بالحق والعدل وهو إتباع الرسل فيما أخبروا به وطاعتهم فيما أمروا به، فان الذي جاؤوا به هو الحق الذي ليس وراءه حق. كما قال تعالى: ﴿وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا ..﴾ أي صدقا في الأخبار وعدلًا في الأوامر والنواهي، ولهذا يقول المؤمنون إذا تبوؤوا غرف الجنات، والمنازل العاليات، والسرر المصفوفات: ﴿وقالوا الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله لقد جاءت رسل ربنا بالحق ﴾.
[ ٢٦٥ ]
قوله - تعالى -: ﴿وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد﴾ يعني السلاح من السيوف والنبال والدروع وغيرها أي وجعلنا لك رادعًا لمن أبى الحق وعانده بعد قيام الحجة عليه، ولهذا أقام رسول الله - ﷺ - بمكة بعد البعثة ثلاث عشرة سنة توحي إليه السور المكية، وكلها جدال مع المشركين وبيان إيضاح للتوحيد، وبينات ودلائل فلما قامت الحجة على من تخلف من المشركين شرع الله الهجرة، وأمرهم بالقتال بالسيوف، وضرب رقاب من خالف أمر رسوله وكذب القرآن وعانده.
قوله: ﴿وليعلم الله من يضره﴾ و(يعني يرى من ينصر دينه. ﴿ورسله بالغيب﴾ أي قام بنصرة الدين ولم ير الله ولا الآخرة).
اللهم أيقظنا للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بترتيب درجاته ووفقنا للقيام به بصدق على اختلاف مراتبه وحالاته، وهب طالحنا للصالح وسامحنا وأنت اللهم مسامح، واغفر ذنوبنا قبل أن تشهد علينا الجوارح، ونبهنا من رقدات الغفلات واستر لنا الفضائح. فمنك الفضل والجود والمنائح ومنا التقصير والخذلان والقبائح.
[ ٢٦٦ ]
الجزء الثالث