في محال فرصة وندبة وحرمته
أما حكمه ففرض متأكد وواجب متعين فلا أحد من المخاطبين إلا وقد تعين عليه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ولو في نفسه وأهله وعياله: قال رسول الله ﷺ: ألا كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته. الحديث في هذا عام الأعيان وكذلك فيما حضر أحد مواقعة أحد المنكر أو علمه فأمكنه القيام مع وجود الشروط وانتفاء الموانع وجب ذلك عليه. قال ﷺ: من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده * فإن لم يستطع فبلسانه * فإن لم يستطع فبقلبه * وذلك أضعف الإيمان. فلا يسقط جرحه من رأى منكرًا وعلمه ولا القيام بتغييره على الفورية بحيث لا يمر عليه زمن تفريط لأن كون القيام بذلك من الإيمان يدل على أن تركه من الضلال والخسران وإذا كان ذلك واجبًا متأكدًا على كل من علمه بحسب وسعه فهو على الأئمة والولاة والقضاة وسائر الحكام أوجب وآكد إنهم متمكنون من التغيير بعلو اليد وامتثال الأمر ووجوب الطاعة وانبساط الولاية. يدل عليه قله سبحانه * ﴿الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا لزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر﴾ * فإن من أنواع القيام بذلك ما يدعو إلى الاستيلاء وإقامة الحدود والعقوبات مما لا يفعله إلا الولاة والحكام. فلا عذر لمن قصر منهم عند الله تعالى لأنه إذا أهمل هؤلاء القيام بذلك فجدير ألا يقدر عليه من هو دونهم من رعيتهم فيشك أن تضيع حرمات الدين ويستباح حمى الشرع والمسلمين. فحكمه على الجمة الفرض المتأكد لكن قد ينقلب إلى الامتناع والحرمة وذلك في حق شخصين أحدهما الجاهل بالمعروف وبالمنكر بحيث لا يميز موضوع أحدهما من الآخر فهذا ايحرم في حقه فإذا كان عالمًا بالمعروف والمنكر وأمن من التسبب بمنكر أعظم وعلم أو غلب على ظنه أن إنكاره المنكر مزيل له وأن أمره بالمعروف مؤثر فيه ونافع وجب عليه التغيير وإذا لم يعلم ذلك ولا غلب على ظنه لم يجب عليه أمر ولا نهي ولهذا قال الشيخ ابن رشد "في مقدماته" وفي بيانه فالشرطان الأولان مشروطان في الجواز والشرط الثالث مشترط في الوجوب فإذا عدم الشرط الأول والثاني
[ ٤ ]
لم يجز أن يأمر ولا ينهى وإذا عدم الشرط الثالث ووجد الشرطان الأولان جاز له أن يأمر وينهى ولم يجب ذلك إلا أنه يستحب له وإن غلب على ظنه أنه لا يطيعه إذ لعله سيطيعه.
تنبيه: قال الإمام أبو حامد الغزالي رضه في كتابه الذي سماه " بالأربعين" كل من شاهد منكرا ولم ينكر" وسكت عنه فهو شريكه: فالمستمع شريك المغتاب: ويجري هذا في جميع العاصي حتى في مجالسة من يلبس الحرير والديباج ويتختم بالذهب ويجلس على الحرير والجلوس في دار أو حمام على حيطانها صور أو فيها صور أو أوان من ذهب أو فضة أو الجلوس في مجلس وعظ يجري فيه ذكر البدعة أو في مجلس مناظرة أو مجادلة يجري فيها الإيذاء والإفحاش بالسفه والشتم. وبالجملة من خالط الناس كثرت معاصيه وإن كان تقيًا في نفسه إلا أن يترك المداهنة ولا يخاف في الله لومة لائم. وإنما يسقط عنه الوجوب في أمرين: أحدهما أن يعلم أنه إذا أنكر لم يلتفت إليه ولم يترك المنكر ونظر إليه بعين الاستهزاء.
قال الغزالي: وهذا هو الغالب في منكرات يرتكبها الفقهاء ومن يزعم أنه من أهل العلم والصلاح فها هنا يجوز السكوت ولكن يستحب الزجر باللسان إظهارا لشعائر الدين مهما لم يصدر على الزجر باللسان ويجب أن يفارق ذلك الموضع فليس يجوز مشاهدة المعصية بالاختيار فمن جلس مجلس الشراب فهو فاسق وإن لم يشرب وإن جالس مغتابًا أو لابس حرير أو آكل ربا أو حرام فهو فاسق إن لم يقم من موضعه وقوله سبحانه: ﴿يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم﴾ معناه في الزمان الذي لا ينتفع فيه بالأمر بالمعروف ولا بالنهي عن المنكر ولا يقوم من ينكره على القيام بالواجب في ذلك فيسقط الفرض فيه ويرجع أمره إلى خاصة نفسه ولا يكون عليه سوى الإنكار ولا يضره مع ذلك من ضل. يبين هذا ما روي عن أنس بن مالك رضه قال: قيل يا رسول الله متى يترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟ قال: إذا ظهر فيكم ما ظهر في بني إسرائيل، قيل: وما إلى ذلك يا رسول الله؟ قال: إذا ظهر الإدمان في خياركم والفاحشة في صغاركم وتحول الملك والفقه في أرذالكم وشراركم. وما روي عن أبي أمية قال: سألت أبا ثعلبة الخشنى: قلت كيف نصنع في هذه الآية؟ قال أية آية؟ قلت: ﴿يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم﴾ فقال لي: أما والله لقد سألت عنها خبيرًا سألت رسول الله ﷺ عنها فقال لي ائتمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر حتى إذا رأيت شحًا مطاعًا وهوى متبعًا ودنيا مؤثرةً وإعجاب كل ذي رأي برأيه ورأيت أمرًا لا بد لك منه فعليك بنفسك وإياك وأمر العوام فإن من ورائكم أيامًا
[ ٥ ]
الصبر فيهن صبر على مثل قبس على الجمر للعامل الواحد منهم كأجر خمسين رجلًا يعملون مثل عمله.
قال الشيخ بن رشد رحه ورضه: وما أشبه زماننا بهذا الزمان تغمدنا الله منه بعفو وغفران وأقول إذا حقق الشبه في زمانه بما أنار به ﵇ الذي كان زمانه المائة الخامسة وهي من خير الأزمنة التي تكاملت فيها مواد العلم ولاحت أنواره بوجود وذويه كالإمام أبي عبد الله محمد المازري وأبي حامد الغزالي ونظرائهما فكيف بزماننا هذا الذي هو على ما هو عليه! قال ابن رشد: ولكن مهما كان الزمان زمانًا يوجد على الحق فيه معين لله فلا يسع أحدًا فيه السكوت على المنكر وترك تغييره. قال عمر بن الخطاب رضه: سمعت رسول الله ﷺ يقول: إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه يوشك أن يعمهم بعقاب من عنده.
الثاني من الأمرين اللذين يسقط بهما الوجوب أن يعلم أنه يقدر على المنع من المنكر بأن يرى زجاجة فيها خمر فيكسرها أو يسلب آلة الملهى من يد صاحبها ويضربها على الأرض ولكن يعلم أنه يضرب أو يصاب بمكروه فهاهنا يستحب له التغيير لقول الله ﷿ ﴿واصبر على أصابك﴾ ولا يجب تركه لأجل ذلك. قلت: والظاهر ممن كلام ابن رشد وجوب الترك مع تيقن الإذاية لا سقوط الوجوب خاصة وبقاء الاستحباب. فتلك طريقة عز الدين بن عبد السلام. وعين ما قاله الإمام أبو حامد الطوسي رضه ولكن ما قاله ابن رشد أظهر من جانب النظر وأرجح من طريق المعنى بعموم قوله تعالى: ﴿ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة﴾ ويكون قوله سبحانه: ﴿واصبر على ما أصابك﴾ مخصوصًا بشأن المخاطب هذا وهو ابن لقمان الحكم بوصية أبيه له بناء على أن شرع من قبلنا شرع لنا وعلى نفسه فلا عموم ولا خصوص هذا إن كانت الوصية منه تقرير شريعة وإنك انت مجرد وصية بالورع فليس مما نحن فيه.
ثم كمل الغزالي هذا الفصل بفائدة قوله: " وعلى الجملة فلا يسقط الوجوب إلا بمكروه في بدنه بالضرب أو في ماله بالاستهلاك أو في جاهه بالاستخفاف به بوجه يقدح في مروءته. فأما خوف استيحاش المنكر عليه وخوف تعرضه له باللسان وعداوته أو توهم سعيه في المستقبل بالسوء أو يحول بينه وبين زيادة في الخيرات بتوقعها فكل ذلك موهومات وأمور ضعيفة لا يسقط بها الوجوب".
[ ٦ ]