في الترهيب من ترك ما أوجب الله تعالى من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
وذكر بعض ما ورد في تلك من التغليظ والتشديد وذكر الأحوال التي يسقط فيها الوجوب ويبقى الاستحباب
قال الله تعالى: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [المائدة: ٧٨ - ٧٩].
وهذا غاية التشديد ونهاية التهديد لمن ترك الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر إذ بين سبحانه أن السبب في لعنهم هو ترك التناهي عن المنكر، وبين أن ذلك عصيان منهم واعتداء، وأن ذلك بئس الفعل فاعتبروا يا أولي الباب.
وقال الله تعالى ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ [الأنفال: ٢٥].
وقد ذهب بعض أئمة التفسير إلى أن هذا التحذير يختص بالصحابة - ﵃ - والصحيح أن التحذير يعم الصحابة وغيرهم، وإن كان الخطاب معهم كذا قال الحافظ ابن كثير وغيره.
وقال تعالى ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢].
[ ٨٣ ]
ولا شك أن من رأى أخاه على منكر ولم ينهه، فقد أعانه عليه بالتخلية بينه وبين ذلك المنكر وعدم الاعتراض عليه، وليس هذا من الدين في شيء. إذ لا يؤمن الرجل حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه، وإنما الدين النصيحة، ومن رأى إنسانًا يهوي في النار ولم ينصحه فإن إثمه عليه.
وفي الصحيحين عن جرير – ﵁ – قال: بايعت النبي ﷺ على السمع والطاعة فلقنني / فيما استطعت والنصح لكل مسلم.
وقد جاء عن أبي هريرة – ﵁ – قال: كنا نسمع أن الرجل يتعلق بالرجل يوم القيامة وهو لا يعرفه فيقول له: مالك إلي بيني وبينك معرفة؟ فيقول: كنت تراني على الخطأ وعلى المنكر ولا تنهاني.
فإذا الواجب على كل مسلم أن ينصح أخاه المسلم، ويهديه إلى مصالح آخرته وينقذه من مضارها، لأن صديق الإنسان حقيقة من أرشد صديقه إلى عمارة آخرته، وإن كان فيها خراب دنياه، وعدوه من أرشده إلى تقصيره في آخرته وإن كان فيها زيادة دنياه.
وقال تعالى ﴿لَوْلا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ [المائدة: ٦٣].
ومعنى لولا ينهاهم: أفلا ينهاهم، والربانيون: هم علماء النصارى، والأحبار: علماء اليهود – قاله الحسن.
وقيل: هما جميعًا علماء اليهود.
وقال القرطبي: وبخ الله ﷾ علماءهم في تركهم نهيهم فقال: لبئس ما كانوا يصنعون، كما وبخ من يسارع في الإثم بقوله: لبئس ما كانوا يعملون.
[ ٨٤ ]
قال: ودلت الآية على أن تارك النهي عن المنكر كمرتكب المنكر، فالآية توبيخ للعلماء في ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، انتهى.
وتالله إنهم لأهل لكل توبيخ، ومحل كل تهديد، لأن علماء السوء سبب كل فساد ومنع كل شر وأوصل كل بلاء وفتنة.
فأني يصلح الناس والعلماء فاسدون؟ أم كيف ينزجر الناس والعلماء مرتكبون؟ أم كيف تعظم المعصية في قلوب الجاهلين والعلماء بأفعالهم وأقوالهم يهونونها؟ أم كيف يرغبون في الطاعة والعلماء لا يأتونها؟ أم كيف يقفون عند الحدود والعلماء يتعدومها؟ أم كيف يتركون البدع والعلماء يرونها فلا ينكرونها؟ أم كيف يتورعون عن الشبهات وهي أطيب طيبات العلماء التي يأكلونها؟ بل أنواع الحرام لا يأبونها، وأبواب الورع لا يأنونها.
وما أحسن قول بعضهم:
(يا معشر ويا ملح البلد ما يصلح إذا الملح فسد)
/ ضلوا تبعًا للعالم، كظل العود القائم إن استقام استقاموا، وإن مال مالوا في المآثم.
ولهذا كان العالم الذي لم يعمل بعلمه أشد الناس عذابًا يوم القيامة لأنه ضل بعد علمه، وأضل الناس فكان شرهم مآبًا.
اللهم أصلح علماءنا لتصلح أحوالنا بصلاحهم، ووفقهم للعمل بما يعلمون ليفلح الناس بفلاحهم، وخذ بنواصيهم واهد بهم الخلق، ووفقهم للطاعة وبصرهم بالحق، فإن الهداية والغواية إليك، وأنت المسئول في كل خير، والاتكال عليك يا أرحم الراحمين.
وقال تعالى ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ
[ ٨٥ ]
وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾ [المجادلة: ٢٢].
وفيه وجوب الهجر في الله وقطع المودة في ذات الله، وقد هجر ابن عمر ابنًا له إلى أن مات.
وفي صحيح مسلم عن النبي ﷺ قال: «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين».
وفي الصحيحين عن النبي ﷺ قال: «ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان وطعمه، أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يقذف في النار».
ومقتضى هذا الحديث: أنّ من لم يؤثر رضي الله ورسوله على رضي الخلق أجمعين، ولم يحب في الله ويبغض في الله لا يجد حلاوة الإيمان ولا طعمه.
فمن رأى ولده أو أخاه المسلم على معصية وجب لله عليه أن ينهاهما عنها وينكر عليهما بقدر استطاعته، فمن ترك الإنكار وأقدم على سخط الله سبحانه بترك ما أوجب عليه وأرضاهما بسكوته عنهما كيف يجد طعم الإيمان.
- وفي مسند الإمام أحمد عن معاذ بن أنس أنه سأل رسول ﷺ عن أفضل الإيمان، قال: "أن تحب لله وتبغض لله وتعمل لسانك في ذكر الله".
[ ٨٦ ]
وفيه أيضًا عن عمرو بن الجموح/ ﵁- أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «لا يجد العبد صريح الإيمان حتى يحب لله ويبغض لله فإذا أحب لله وأبغض لله ﵎ فقد استحق الولاية لله تعالى».
وفي المسند وشعب الإيمان للبيهقي عن البراء بن عازب ﵁ قال كنا جلوسًا عند النبي ﷺ فقال: «أي عُري الإيمان أوثق؟ قالوا: الصلاة. قال حسنة والله وما هي به، قالوا: صيام رمضان. قال: حسن وما هو ربه، قالوا: الجهاد، قال: حسن وما هو به، قال: إن أوثق عري الإيمان أن تحبَّ في الله وتبغض في الله».
والأحاديث في هذا كثيرة جدًا، والمقصود من هذه الأحاديث أن تعلم أن الحب في الله والبغض في الله مما لا يكمل إيمان المرء إلا به، بل هو أوثق عرى الإسلام وأحد دعائم الإيمان، وأنَّ المداهنة ليست من الدين في شيء بل المداهن يهلك نفسه ويهلك من داهنه.
كما جاء في صحيح البخاري عن النعمان بن بشير ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «مثل المداهن في حدود الله والواقع فيها مثل قوم استهموا سفينة فصار بعضهم في أسلفها، وصار بعضهم في أعلاها، فكان الذين في أسفلها يمرون بالماء على الذين في أعلاها فتأذوا به، فأخذ فأسًا فجعل ينقر أسفل السفينة فأتوه فقالوا: ما لك؟ قال: قد تأذيتم بيِّ ولا بد لي من الماء فإن أخذوه على يديه أنجوه وأنجوا أنفسهم، وإن تركوه أهلكوه وأهلكوا أنفسهم».
وتقدم هذا الحديث بنحو هذا اللفظ وبهذا اللفظ ذكره البخاري في كتاب الشهادات.
[ ٨٧ ]
وأعلم أنَّ في تمثيل النبي ﷺ هذا جملة من الفوائد منها:
- أنَّ المسلمين مشتركون في الدين الذي هو آلة النجاة في الآخرة، كاشتراك أهل الدنيا في السفينة التي هي آلة النجاة في الدنيا.
- وكما أن سكوت شركاء السفينة عن الشريك الذي أراد فسادها سبب هلاكهم في الدنيا، كذلك سكوت المسلمين عن الفاسق وترك الإنكار عليه سبب هلاكهم في الآخرة بل وفي الدنيا، كما سيأتي في الأحاديث الآتية إن شاء الله تعالى.
- ومنها أن كما/ لا ينجي الشركاء من الهلاك قول المفسد إنما فسد فيما يخصني، كذلك لا ينجي المسلمين من الإثم والعقوبة قول مرتكب المنكر إنما أجني على ديني لا على دينكم، وعليكم أنفسكم، ولي عملي ولكم عملكم، وكل شاة معلقة بعرقوبها، ونحو هذا الكلام مما يجري على ألسن الجاهلين، لأن شؤم فعله وسوء عاقبة فشاده يشملهم أجمعين.
- ومنها أن أحد الشركاء في السفينة إذا منع المفسد من خرقها كان سببًا في نجاة أهل السفينة كلهم، كذلك من قام من المسلمين بإنكار المنكر كان قائمًا بفرض الكفاية عنهم، وكان سببًا لنجاة المسلمين جميعًا من الإثم وله عند الله الأجر الجزيل على ذلك.
- ومنها أنه إذا أنكر منكر أهل السفينة على الشريك الذي أراد خرقها فاعترض عليه معترض منهم نسب ذلك المعترض إلى الحمق وقلة العقل والجهل بعواقب هذا الفعل إذا المنكر ساع في نجاة المعترض وغيره، كذلك لا يعترض على من ينكر المنكر إلا من عظُم حمقُه وقلَّ عقلُه وجهل عواقب المعصية وشؤمها، إذا المنكر قائم بإسقاط الفرض الواجب على المعترض وغيره وساع في نجاتهم وخلاصهم من الإثم والحرج.
- ومنها أنَّ من سكت عن خرق الشريك السفينة مع استطاعته حتى غرق آثم
-
[ ٨٨ ]
فيما نزل به وعاص بقتل نفسه، كذلك الساكت عن إنكار المنكر آثم بسكوته عاص بإهلاك نفسه.
- ومنها أنَّ شركاء السفينة إذا سكتوا عمن أراد خرقها كانوا هم وإياه في الهلاك سواء، ولم يتميز المفسد في الهلاك من غيره، ولا الصالح منهم من الطالح، كذلك إذا سكت الناس عن تغيير المنكر عمهم العذاب، ولم يميز بين مرتكب الإثم وغيره، ولا بين الصالح منهم وغيره كما سيأتي.
- ومنها أنه لا يقدم من الشركاء على خرق السفينة إلا من هو أحمق يستحسن ما هو في الحقيقة قبيح، ويجهل عاقبة فعله الشنيع، كذلك لا يقدم على المعصية إلا من استحسنها لنفسه، وجهل ما فيها من عظيم الإثم وأليم العاقبة/ إذا لو علم حق العلم أنه يفعل في دينه بمعصية من الفساد ما يفعله خارق السفينة لما أقدم على المعصية أبدًا.
- ومنها أنه لا يقدم على خرق السفينة من أيقن بما في خرقها من إهلاكه إذ لا يقدم على إهلاك نفسه إلا من جهل أو شك فيه، كذلك لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن بوعيد الله تعالى، وأليم عذابه على الزنا ولا يسرق السارق حيث يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن وهذه قريبة من التي قبلها.
وفوائد كلام من أوتي جوامع الكلم لا تنحصر أبدًا، والله أعلم.
وفي الصحيحين عن زينب بنت جحش﵂- أن النبي ﷺ دخل عليها فزعًا يقول: «لا إله إلا الله ويل للعرب من شر قد اقترب فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه وحلَّق بإصبعه الإبهام والتي تليها فقلت: يا رسول الله أنهلكُ وفينا الصَّالحون؟ قال: نعم إذا كثُر الخبث».
- قلت: هذه سنة الله الماضية في خلقه أن العذاب إذا نزل يعم ولا يميز،
-
[ ٨٩ ]
ولهذا أمر الله سبحانه الأنبياء –﵈- بالخروج من بين قومهم قبل نزول العذاب مع صلاح القدرة لنجاتهم وإن قعدوا، ولكن لا تبديل لسنة الله.
ولهذا جاء في الصحيح أن النبي ﷺ لما مرَّ بالحجر قال: «لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم أن يصيبكم مثل ما أصابهم إلا أن تكونوا باكين».
ثم قنَّع رأسه وأسرع السَّير حتى أجاز الوادي.
وخرج الإمام أحمد والطبراني عن خرشه بن الحر عن النبي ﷺ قال: «لا يشهد أحدكم قتيلًا لعله أن يكون مظلومًا فتصيبه السخطة «.
لفظ أحمد وقال الطبراني: «فعسى أن يكون مظلومًا فتنزل السخطة عليهم فتصيبه معهم».
وفي الصحيحين عن عائشة –﵂- قال: قال ﷺ «يغزو جيش الكعبة فإذا كانوا بيداء من الأرض يخسفُ بأوَّلهم وآخرهم قال قلت: يا رسول الله كيف يخسف بأولهم وآخرهم وفيهم أسواقُهُم ومن ليس منهم؟ قال: يخسف بأولهم وآخرهم ثم يبعثون على نيَّاتهم».
فهذه الأحاديث/ تدلك على أن العذاب إذا نزل عمَّ الصالح والطالح.
اللهم قنا عذابك، فإنه لا طاقة لنا به، وأنت أرحم الراحمين.
[ ٩٠ ]
- وخرج البزار والطبراني عن ابن عباس –﵄- قال: قيل يا رسول الله: أتهلك القرية وفيها الصالحون؟ قال: نعم. قيل: بم يا رسول الله؟ قال بتهاونهم وسكوتهم عن معاصي الله تعالى.
- وفي صحيح بن حبان عن عائشة –﵂- قال: قلت يا رسول الله إن الله تعالى إذا أنزل سطوته بأهل الأرض وفيهم الصالحون فيهلكون بهلاكهم فقال: «يا عائشة إن الله –تعالى- إذا أنزل سطوته بأهل نقمته وفيهم الصالحون فيصابون معهم ثم يبعثون على نياتهم».
وخرج الإمام أحمد من حديث ليث عن علقمة بن مرثد عن المعرور بن سويد عن أم سلمة –﵂- قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «غذا ظهرت المعاصي في أمتي عمهم الله تعالى بعذاب من عنده فقلت: يا رسول الله أما فيهم أناس صالحون قال: بلى. قالت: فكيف يصنع أولئك؟ قال: يصيبهم ما أصاب الناس ثم يصيرون إلى مغفرة من الله ورضوان».
وعن حذيفة –﵁- عن النبي ﷺ قال: «والذي نفسي بيده لتأمرون بالمعروف ولتنهون عن المنكر، أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقابًا منه ثم تدعون فلا يستجيب لكم».
رواه الترمذي وقال: حديث حسن.
[ ٩١ ]
وخرج الإمام أحمد وغيره عن عدي بن عمير –﵁- قال: قال رسول الله ﷺ: «إن الله لا يعذب العامة بذنوب الخاصة حتى يروا المنكر بين أظهرهم وهم قادرون على أن ينكروه فلا ينكروه، فإذا فعلوا ذلك عذب الله الخاصة والعامة».
ورواه الطبراني من حديث العرس بن عميرة أخي عدي.
وخرج أبو داود وابن ماجة وابن حبان في صحيحه عن جرير بن عبد الله –﵁- قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ما من رجل يكون في قوم يعمل فيهم بالمعاصي يقدرون على أن يغيروا عليه ولا يغيرون إلا أصابهم الله منه بعقاب قبل أن يموتوا».
- وعن أبي بكر الصديق –﵁- أنه قال: يا أيها الناس إنكم تقرؤون هذه الآية وتتأولونها على غير تأويلها ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ [سورة المائدة: ١٠٥]. وإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعميهم الله بعقاب من عنده».
[ ٩٢ ]
رواه أبو داود والترمذي وصححه وابن ماجة وابن حبان في صحيحه.
- وفي رواية لأبي داود سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ما من قوم يعمل فيهم بالمعاصي ثم يقررون على أن يغيروا ثم لا يغيروا إلا يوشك أن يعمهم الله بعقاب».
- وعند النسائي سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن القوم إذا رأوا المنكر فلم يغيروه عمهم الله بعقاب».
قوله أوشك يوشك بمعنى: أسرع يسرع.
ومعنى قوله تعالى ﴿لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ [سورة المائدة: ١٠٥] أي بعد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر –قاله سعيد بن المسيب.
وقد جاء عن أبي عبيد أنه قال: ليس في كتاب الله آية جمعت بين الناسخ والمنسوخ غير هذه الآية.
قال بعض أهل العلم الناسخ منها إذا اهتديتم، والهدى هنا: هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
وقال ابن المبارك قوله تعالى ﴿عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ﴾ [سورة المائدة: ١٠٥] هو خطاب لجميع المؤمنين أي عليكم أهل دينكم كقوله تعالى ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [سورة النساء: ٢٩]. فكأنه قال:
[ ٩٣ ]
فليأمر بعضكم بعضًا ولينه بعضكم بعضًا، فهو دليل على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولا يضركم ضلال المشركين والمنافقين وأهل الكتاب.
وقد روي معنى هذا عن سعيد بن جبير وقال جابر بن زيد معنى الآية يا أيها الذين آمنوا من أبناء أولئك الذين بحروا البحيرة وسيبوا السوائب عليكم أنفسكم في الاستقامة على الدين، لا يضركم ضلال الأسلاف إذا اهتديتم.
قال: وكان الرجل إذا أسلم قال له الكفار: سفهت آبائك وفعلت وفعلت فأنزل الله تعالى هذه الآية بسبب ذلك.
وقال سعيد بن جبير: هي في أهل الكتاب.
وقال مجاهد: هي في اليهود والنصارى، ومن كان مثلهم يذهبان إلى أن المعنى لا يضركم كفر أهل الكتاب إذا أدوا الجزية.
وقال المهدي: وهي منسوخة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وضعفه/ ابن عطية.
والأقوال في ذلك كثيرة ترجع إلى ما ذكرنا، ولا نعلم أحدًا من العلماء ذهب إلى أن معنى عليكم أنفسكم أنه لا يلزمكم أن تأمروا بالمعروف وتنهوا عن المنكر لأن ضلال غيركم لا يضركم، معاذ الله أن يذهب إلى هذا أحد غير الجهلة والعوام والهمج الرعاع أتباع كل ناعق، إذا أمرت أحدهم بمعروف أو نهيته عن منكر قال: قال الله تعالى ﴿عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ [سورة المائدة: ١٠٥] فيتأول الآية على غير تأويلها، كما قال سيدنا أبو بكر الصديق ﵁ ويروق إثم المعصية بإثم تفسير القرآن برأيه وهو من الكبائر كما سيأتي إن شاء الله تعالى.
وما علم المسكين أن شؤم المعاصي عقوبة في الدنيا والآخرة تعم المداهن الذي لم ينكر المنكر قطعًا.
[ ٩٤ ]
وأما المنكر الذي أنكر بقدر استطاعته ولم يغير المنكر فالظاهر أن العذاب يعمه في الدنيا دون الآخرة لما تقدم في حديث عائشة (إن الله تعالى إذا أنزل سطوته بأهل نقمته، وفيهم الصالحون فيصابون معهم ثم يبعثون على نياتهم).
ولا يسمى المرء صالحًا إلا إذا أنكر بحسب وسعه.
وأما من داهن ولم ينكر مع استطاعته فإنه يصير من الفاسقين لا من الصالحين.
وقد لعن رسول الله ﷺ آكل الربا ومؤكله وكاتبه وشاهديه وقال هم سواء. رواه مسلم.
فأخبر رسول الله ﷺ أن هؤلاء الأربعة سواء في الإثم لأن الشاهد والكاتب اطلعا على هذا المنكر، ولم ينكراه بل ساعدا فيه، فكان إثمهم كإثم الآكل، وفسقهم كفسقه، فلا جرم أن يعمهم العذاب في الدارين، ولعذاب الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون.
- وخرج الأصبهاني في (الترغيب والترهيب) عن ابن عمر –﵄- قال: قال رسول الله ﷺ: «يا أيها الناس مروا بالمعروف، وانهوا عن المنكر قبل أن تدعوا الله فلا يستجيب لكم، وقبل أن تستغفروه فلا يغفر لكم».
إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يدفع رزقًا ولا يقرب أجلًا، وإن الأحبار من اليهود والرهبان من النصارى لما تركوا الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر لعنهم الله على لسان أنبيائهم/ ثم عمهم بالبلاء.
قلت: أرشد النبي ﷺ بهذا الحديث الناس أجمعين، وأمرهم أن يقدموا على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولا يلتفت أحد منهم إلى ما يلقيه الشيطان عنده من الخوف والجزع وتقدير وقوع المحذور من الضرب والقتل، وأنه أيضًا
[ ٩٥ ]
لا يلتفت إلى ما يوسوس له من قوله: إنك إذا اعترضت على هذا الظالم وأنكرت عليه قطع رزقك وعزلك عن منصبك وأخذ مالك، ونحو هذا فإن هذه التقديرات كلها في الحقيقة وساوس من الشيطان ليضله عن سبيل النجاة ويحشره يوم القيامة مع العصاة.
فالواجب على المرء إذا وقع له شيء من ذلك أن يقابله بصريح الإيمان، سبق القضاء والقدر بكل حركة وسكون، وأن الرزق مقسوم كما أن الأجل محتوم.
- وقد قال ﷺ لابن عباس: «واعلم أن ما أخطأك لم يكن ليصيبك، وما أصابك لم يكن ليخطئك، وأن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك بشئ لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف».
فإذا آمن بهذا وصدق به التصديق الحقيقي، ترك تقدير الحساب، وأقبل على ما أمر به رب الأرباب، فحاز من الله جزيل الثواب، وفاز عنده بحسن المآب، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.
- وقد خرج ابن ماجة بإسناد جيد عن أبي سعيد الخدري –﵁- قال قال رسو الله ﷺ: «لا يحقرن أحدكم نفسه قالوا: يا رسول الله وكيف يحقر أحدنا نفسه؟ قال: يرى أمرًا لله عليه فيه فقال ثم لا يقول فيه فيقول الله ﷿ له يوم القيامة: ما منعك أن تقول في كذا وكذا؟ فيقول: خشية الناس فيقول فإياي كنت أحق أن تخشى».
-
[ ٩٦ ]
فينبغي لك أيها الأخ المسلم أن تقول الحق، ولا تخشى إلى الله، فعسى أن تكون من المهتدين، واحذر أن تخشى الناس فتكون كمن قال الله فيهم ﴿يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً﴾ [سورة النساء: ٧].
ورد الله تعالى عليهم بقوله/ ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِّمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا * أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِككُّمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ﴾ [سورة النساء: ٧٧، ٧٨].
فما فائدة الجبن والخوف بعد هذه الآية الشريفة، تالله إن الخوف لا يؤخر أجلًا، وإن الشجاعة لا تقدم أجلًا.
وقد أحسن المتنبي في قوله:
(وإذا لم يكن من الموت بد فمن العجز أن تموت جبانًا)
ولا تأخذك أيها الأخ في الله لومة لائم، فعسى أن تكون من القوم الذين وعد الله بالإتيان بهم في قوله ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [سورة المائدة: ٥٤].
وقد قال عبادة بن الصامت: (بايعنا رسول الله ﷺ على السمع والطاعة في العسر واليسر، والمنشط والمكره، وعلى أن نقول الحق أينما كنا، ولا نخاف من الله لائم).
- وفي صحيح ابن حبان عن أبي ذر –﵁- قال: (أوصاني
-
[ ٩٧ ]
خليلي ﷺ بخصال من الخير، أوصاني ألا أخاف في الله لومة لائم، وأوصاني أن اقول الحق ولو كان مُرَّا).
- وفي المستدرك عن عبد الله بن عمرو ﵄ عن النبي ﷺ قال: «إذا رأيت أمتي تهاب أن تقول للظالم يا ظالم فقد تودع منهم».
وقال الحاكم: حديث صحيح الإسناد.
ومعنى هذا الحديث –والله أعلم- أنَّ الأمة إذا خلت عن قائم بكلمة الحق للظالم وغيره، فقد عطلوا فرضًا أوجبه الله عليهم، واشتركوا في الإثم فاستحقوا ما ذكره النبي ﷺ في الأحاديث المتقدمة من عظيم العقاب وأليم العذاب في الدنيا والآخرة، ولا يدفع ذلك عنهم مجرد الإيمان باللسان.
لما أخرجه الأصبهاني في (الترغيب والترهيب) عن أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ قال:
«لا تزال لا إله إلا الله تنفع من قالها، وترد عنهم العذاب والنقمة ما لم يستخفوا بحقها، قالوا: يا رسول الله: وما الاستخفاف بحقها؟ قال: يظهر العمل بمعاصي الله فلا تنكر ولا تغير».
فإن قلت: لم كان ترك الإنكار والتغيير/ استخفافًا بحق لا إله إلا الله؟ قلت: لأن سبب تركهما وإن اختلفت المقاصد فيه يرجع إلى خوف أو رجاء ومن تحقق أن لا إله إلا الله لم يرج أحدًا غير الله، ولم يخف سواه ولم يخش إلا إياه، لأنه لم يشهد فاعلًا في الكون غير مشيئته، ولا محركًا في الوجود غير يد قدرته، ولا فعلًا –وإن دق- خارجًا عن إرادته، فيتكلم بالحق أينما كان، ولم يخف في الله لومة لائم.
ومن كان توحيده مشوبًا برؤية الأغيار وشهود أفعالهم في الوجود، وتأثير
[ ٩٨ ]
إرادتهم من الكون ألقى الشيطان عنده أنواع الوسواس، وعظم في عينه أقل الناس، ورجاه من هو جدير في الدنيا والآخرة بالإفلاس، فترك التغيير وأعرض عن المنكر، وداهن في دين الله فأسلمه ذلك إلى سوء المصير، ولم يمنعه من عذاب الله لقلقلة لسانه بلا إله إلا الله لأنه استخف بحقها ومقتضاها، وأشرك في التصريف مع الله إلهًا، فوحد بلسانه وأشرك بقلبه، ولو أوفى الكلمة حقها لأنكر المنكر ولم يخف غير ربه.
وتقدم حديث حذيفة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «الإسلام ثمانية أسهم، الإسلام سهم، والصلاة سهم، والزكاة سهم والصوم سهم وحج البيت سهم والأمر بالمعروف سهم، والنهي عن المنكر سهم والجهاد في سبيل الله سهم، وقد خاب من لا سهم له».
رواه الحاكم من حديث أبي هريرة، ولفظه قال: «الإسلام أن تعبد الله ولا تشرك به شيئًا، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، والحج، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وتسليمك على أهلك، فمن انتقض شيئًا منهن فهو سهم من الإسلام يدعه، ومن تركهن فقد ولي الإسلام ظهره».
وخرج ابن ماجه وابن حبان في صحيحه عن عائشة ﵂ قالت: «دخل علي النبي ﷺ فعرفت في وجهه أن قد حفزه شيء فتوضأ وما كلم أحدًا، فلصقت بالحجرة أسمع ما يقول، فقعد على المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، وقال: يا أيها الناس: إن الله يقول لكم (مروا بالمعروف، وانهوا عن
[ ٩٩ ]
المنكر قبل أن تدعوا فلا أجيب لكم، وتسألوا فلا أعطيكم وتستنصروني فلا أنصركم، فما زاد عليهن حتى جلس».
قوله/ حفزه شيء: أي أعجله، والاحتفاز الاستيفاذ.
وخرج أحمد والترمذي وابن حبان في صحيحه عن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ قال: «ليس منا من لم يرحم صغيرنا، ويوقر كبيرنا ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر».
وخرج أبو الشيخ ابن حبان من حديث جابر –﵄- قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «بئس القوم، قوم لا يأمرون بالمعروف ولا ينهون عن المنكر».
وخرج ابن أبي الدنيا بإسناده عن أبي أمامة عن النبي ﷺ قال: «كيف بكم إذا طغى نساؤكم، وفسق شبابكم، وتركتم جهادكم؟ قالوا: وإن ذلك لكائن يا رسول الله؟ قال: نعم، والذي نفسي بيده وأشد منه سيكون، قالوا: وما أشد منه؟، قال: كيف أنتم إذا رأيتم المعروف منكرًا، والمنكر معروفًا؟ قالوا: أو كائن ذلك يا رسول الله قال: نعم والذي نفسي بيده وأشد منه سيكون، يقول الله: إني حلفت لأبعثن عليهم فتنة يصير الحليم فيهم حيرانًا».
وخرجه أبو يعلى الموصلي في مسنده من حديث أبي هريرة باختصار.
[ ١٠٠ ]
وخرج أبو داود عن ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ: «إن أول ما دخل النقص على بني إسرائيل أنه كان الرجل يلقي الرجل فيقول: يا هذا اتق الله ودع ما تصنع فإنه لا يحل لك، ثم يلقاه من الغد وهو على حاله، فلا يمنعه ذلك أن يكون أكيله وشربيه وقعيده، فلما فعلوا ذلك ضرب الله قلوب بعضهم ببعض ثم قال: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُوا يَعْتَدُونَ (٧٨ (كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (٧٩ (تَرَى كَثِيرًا مِّنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنفُسُهُمْ أَن سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ (٨٠)﴾ [سورة المائدة: ٧٨: ٨٠] إلى قوله ﴿فَاسِقُونَ﴾ ثم قال: كلا والله،، لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر ولتأخذن على يد الظالم، ولتأطرنه على الحق أطرأ).
ورواه أيضًا الترمذي وحسنه، ولفظه قال: قال رسول الله ﷺ: «لما وقعت بنو إسرائيل في المعاصي نهاهم علماؤهم، فلم ينتهوا، فجالسوهم في مجالسهم، وواكلوهم، وشاربوهم، فضرب الله قلوب/ بعضهم ببعض ولعنهم على لسان دواد وعيسى بن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون فجلس رسول الله ﷺ وكان متكئًا فقال: لا والذي نفسي بيده حتى تأطروهم على الحق أطرًا».
قوله: تأطروهم بالهمز معناه تعطفوهم وتقهروهم، وتلزموهم بإتباع الحق.
وخرج ابن أبي الدنيا في كتاب (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) عن إبراهيم بن عمرو الصنعاني قال: أوحي الله إلى يوشع بن نون أني مهلك من قومك أربعين ألفًا من خيارهم وستين ألفًا من شرارهم، قال: يا رب: هؤلاء
[ ١٠١ ]
الأشرار، فما بال الأخيار؟ قال: إنهم لم يغضبوا لغضبي، فكانوا يواكلونهم ويشاربونهم.
قلت: وفي هذا الأثر، وحديث ابن مسعود الذي قبله دليل على أن من لم يستطع غير لسانه إذا أمر أحدًا بمعروف أو نهاه عن منكر ولم يرجع إليه وجب عليه أن يهجره في الله تعالى، ولا يواكله ولا يشاربه، فإذا فعل ذلك فقد وفى ما عليه، وبراء من الإثم.
وأما من استطاع التغيير باليد فلا يخرج عن عهده الوجوب بالهجر، والله أعلم.
وقال مالك بن دينار: أوحى الله إلى ملك من الملائكة أن اقلب مدينة كذا وكذا على أهلها، قال: يا رب: إن فيهم عبدك فلانًا، ولم يعصك طرفة عين، فقال: اقلبها عليه وعليهم فإن وجهه لم يتمعر ساعة في قط.
وقد رواه الطبراني وغيره من حديث جابر مرفوعًا إلى النبي ﷺ.
والمحفوظ ما ذكرنا، كذا قاله البيهقي وغيره.
وقوله: فإن وجهه لم يتمعر في: أي لم يتغير في طلب مرضاتي عند انتهاك محارمي وعصيان أمري.
وفي هذا دليل لما تقدم من أن من لم يستطع الإنكار باللسان وأمكنه إظهار الإنكار بالتعبيس وتقطيب الوجه وجب عليه ذلك، والله أعلم.
وقال أبو الدرداء –﵁-: «لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليسلطن الله عليكم سلطانًا ظالمًا، لا يجل كبيركم ولا يرحم صغيركم ويدعو عليه خياركم فلا يستجاب لهم، ويستنصرون ولا ينصرون، ويستغفرون، فلا يغفر لهم».
[ ١٠٢ ]
قلت: لما لم يجلوا معاصي الله عند انتهاكها واستخفوا بها، فلم يهتموا بإنكارها، ولم يرحموا من هلك بمواقعة الحدود فينقذوه من الهلاك/ ببذل النصيحة كان جزاؤهم أن سلط الله عليهم من لا يجل كبيرهم لكبره، ولا يرحم صغيرهم لصغره، والجزاء من جنس العمل.
وسئل حذيفة –﵁- عن ميت الأحياء فقال: الذي لا ينكر المنكر بيده، ولا بلسانه ولا بقلبه.
قلت: وإنما سمَّاه ميتًا لأنَّ هذه الأعضاء الثلاثة اليد واللسان والقلب إذا لم يصرف الإنسان قوتها في هذه الطاعة العظيمة التي فرضها الله عليه كانت كأنَّها معدومة، ومن عدمت منه هذه الأعضاء كان ميتًا، ومن هذا قوله تعالى ﴿لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ﴾ [سورة الأعراف: ١٧٩].
وقال تعالى ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ﴾ [سورة الأنعام: ١٢٢].
وقال علي بن أبي طالب –﵁-: «أول ما تغلبون عليه من الجهاد الجهاد بأيديكم ثم الجهاد بألسنتكم، ثم الجهاد بقلوبكم، فإذا لم يعرف القلب المعروف، ولم ينكر المنكر نكس فجعل أعلاه أسفله».
ويؤيد قول علي –﵁- ما جاء في صحيح مسلم عن حذيفة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «تعرض الفتن على القلوب كالحصير عودًا عودًا، فأي قلب أشربها نكتت فيه نكتة سوداء، وأي قلب أنكرها نكتت فيه نكتة بيضاء حتى تصير على قلبين، على أبيض مثل الصفا فلا تضره فتنة ما دامت السماوات والأرض، والآخر أسود مربادًا كالكوز مجخيًا لا يعرف معروفًا ولا ينكر منكرًا إلا ما أشرب منه هواه».
[ ١٠٣ ]
قوله: «مجخيًا: هو بميم مضمومة ثم جيم مفتوحة، ثم خاء معجمة مكسورة يعني مائلًا، وقال بعض رواته يعني منكوسًا.
وقوله: أشربها: بضم الهمزة: أي دخلت فيه دخولًا تامًا فخالطها وأمزح بها، ومنه قوله تعالى ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ﴾ [سورة البقرة: ٩٣] أي: حب العجل بكفرهم، ومنه قولهم بياض مشرب بحمرة أي خالطته مخالطة لا انفكاك لها.
وقوله نكتت فيه نكتة سوداء: أي نقط فيه نقطة سوداء.
وقوله: وأنكروها: أي ردها ولم يقبلها.
وقوله: مربادًا: أي لونه بين السواد والغبرة.
وقال ابن دريد: هو/ اللون الأكدر.
وقال الحربي: كلون النعام بعضه أسود وبعضه أبيض.
ومعنى الحديث أن الفتن تعرض على القلوب واحدة واحدة كما تعرض أعواد الحصير على ناسجها عودًا عودًا.
فمنها ما يقبله، ومنها ما يرده، فأي قلب أحبها وقبلها ولم ينكرها نقط فيه نقطة سوداء، إن كانت الفتنة كبيرة فكبيرة، وإن كانت صغيرة فصغيرة، وأي قلب ردَّها، ولم يقبلها، وقابلها بالإنكار نقط فيه نقطة بيضاء حتى تنقسم القلوب على قسمين:
[ ١٠٤ ]
قسم منها أبيض شديد في الدين كشدَّة الصفاء لا تأخذه في الله لومة لائم ولا تضره فتنة في دينه أبدًا ما دامت السماوات والأرض، إذا صار لشدة صفائه وإشراق نوره لا تؤثر فيه ظلم المعاصي، ولا كدرات المنكرات، وصار له فرقًا يفرق به عين الحق والباطل، فلا يلتبس عليه شيء إذا الفرقان نتيجة التقوى، كما قال تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا﴾ [سورة الأنفال: ٢٩].
وأما القسم الآخر، فإنه يصير لكثرة النكت فيه أسود منكوسًا قد خرج منه نور الإيمان، كما يخرج الماء من الكوز المنكوس فلم يبق فيه شيء من نور الإيمان يفرق به بين المعروف والمنكر، كالأعمى الذي فقد نور بصره فليس له ما يميز به سوى ما تميل إليه نفسه، ويرجحه هواه.
ومن هذا قوله ﷺ: «إن العبد إذا أذنب ذنبًا نكت في قلبه نكتة سوداء، فإن تاب ونزع صقل قلبه، وإن عاد زيد فيها حتى تعلو قلبه».
وفي رواية حتى تغلف قلبه.
فذلك الران الذي قال الله تعالى ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [سورة المطففين: ١٤].
رواه الترمذي وصححه ابن حبان وغيرهما.
تنبيه:
قد تقوم كثرة رؤية المنكرات مقام ارتكابها في سلب القلب نور التمييز والإنكار، لأن المنكرات إذا كثر على القلب ورودها وتكرر في العين شهودها ذهبت عظمتها من القلوب شيئًا فشيئًا، إلى أن يراها الإنسان فلا يخطر بباله أنها
[ ١٠٥ ]
منكرات، ولا يميز بفكره أنها معاصي لما أحدث تكرارها من تأليف القلب لها.
ولقد حكى أبو طالب المكيّ عن بعضهم أنَّه مرَّ يومًا في السوق فرأى بدعة فبال الدم من شدة إنكاره لها بقلبه، وتغير مزاجه لرؤيتها، فلما كان اليوم الثاني مر فرآها، / فبال دمًا صافيًا، فلما كان اليوم الثالث مرَّ بها فرآها فبال بوله المعتاد. لأن حدة الإنكار التي أثرت في البدن ذلك الأثر ذهبت، فعاد المزاج إلى حالة الأولى، وصارت البدعة كأنه مألوفة عنده معروفة، وهذا أمر مستقر، لا يمكن جحوده، والله أعلم.
ولهذا كان الإمام العارف أبو الحسن الزيات –﵀- يقول: والله لا أبالي بكثرة المنكرات والبدع، وإنما أخاف من تأنيس القلب بها، لأن الأشياء إذا توالت مباشرتها أنست بها النفوس، وإذا أنست النفوس بشيء قلَّ أن تتأثر به.
قال مالك بن دينار –﵀-: كان حبر من أحبار بني إسرائيل يغشى منزله الرجال والنساء يعظهم ويذكرهم بأيام الله ﷿، فرأى بعض بنيه يومًا وقد غمر بعض النساء فقال مهلًا يا بني، قال: فسقط من سريره وانقطع نخاعه، وأسقطت امرأته، وقتل بنوه في الحين، فأوحى الله إلى نبي زمانه أن أخبر فلانًا الحبر أني لا أخرج منن صلبك صدِّيقًا أبدًا ما كان غضبك لي إلا أن قلت مهلًا يا بني!
فانظر –رحمك الله- كيف عوقب هذا الحبر في نفسه وأهله وبنيه، لأنه كان قادرًا على الإنكار باليد، وإظهار الغضب والغيرة لدين الله تعالى، فلما عدل عن ذلك إلى الإنكار باللين باللسان، عوقب بما تقدم، وتعجيل العقوبة بالذنب كان سنة الله في بني إسرائيل غالبًا.
[ ١٠٦ ]
١ - فصل
وخرج الترمذي وحسنه، عن أبي سعيد الخدري -﵁- قال: قال رسول الله ﷺ: «لا يمنعن رجلًا هيبة الناس أن يقول بحق إذا علمه».
وخرج البيهقي في الشعب بإسناد حسن عن ابن عباس -﵄- قال: قال رسول الله ﷺ: «لا ينبغي لامراء شهد به مقامًا فيه حق إلا تكلم به، فإنه لن يقدم أجله ولم يحرمه رزقًا هو له».
قلت: وهذا الحديث فيه الحض على الإقدام والشجاعة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأن يعلم الإنسان يقينًا أن الأمر والنهي لن يقدما أجلًا أخره الله، ولن يمنعا رزقًا قدره الله، فلا يلتفت إلى ما يلقيه الشيطان من تخذيله، وقوله لا تتعرض لهذا يضربوك ويقتلوك، ونحو ذلك، فإن الضرر وإن قلَّ، والنفع وإن جلَّ مقدران، إذ لا يزيدان فتيلًا/ ولا ينقصان نقيرًا.
وقد تقدم حديث «أفضل الشهداء حمزة بن عبد المطلب، ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله «وفيه الترغيب في الإقدام على القتل والعرض له، وهو أمر مندوب إليه، كما تقدم، لكنه إذا خاف شيئًا من ذلك وغلب على ظنه وقوعه سقط عنه الوجوب وبقى الاستحباب، وهي رتبة لا يلقاها إلا ذو حظ عظيم، ولا ينالها إلا من جاد بنفسه لله الكريم».
وقد اختار جماعة من السلف العزلة والانفراد خوفًا من عجزهم عن تغيير ما يشاهدونه من المنكرات في الخلطة.
[ ١٠٧ ]
وقد قال السيد الجليل الزاهد أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز –رحمه الله تعالى- ما ساح السياح وخلوا ديارهم وأولادهم إلا لمثل ما نزل بنا حين رأوا الشرَّ قد ظهر والخير اندرس، ورأوا الفتن ولم يأمنوا أن تغيرهم، وأن ينزل العذاب بأولئك القوم، فلا يسلمون منه، فرأوا أنَّ مجاورة السباع وأكل البقول خير من مجاورة هؤلاء في نعيمهم. ثم قرأ ﴿فِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ [سورة الذاريات: ٥٠]. قال: ففرَّ قوم، فلولا ما جعل الله جلَّ ثناؤه في النبوة ما جعل لقلنا ما هم بأفضل من هؤلاء، فمما بلغنا أن الملائكة لتلقاهم وتصافحهم، والسحاب والسباع نمر بأحدهم فيناديهم فتجيبه، ويسألها أين أمرت؟ فتجيبه، وليس بنبي.
وقال حذيفة ﵁: يأتي على الناس زمان لأن تكون فيه جيفة حما أحب إليهم من مؤمن يأمرهم وينهاهم.
ووالله إن هذا الزمان الذي ذكره حذيفة، لأن من تصدى في هذا الزمان للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ثقل على القلوب وإن كان خفيفًا، وسمج في العيون وإن كان لطيفًا، ورمي بالكذب وساءت فيه الظنون، وقصد بالأذى، وكثر أعداؤه، وقلَّ أصدقاؤه، ورمي وألقي في مهاوي الردى، وأعملت الفكر في كيفية الخلاص منه، والراحة من مشاهدته، بل في قتله واستئصال شأفته.
وقد خرج الترمذي من حديث علي –﵁- عن النبي ﷺ قال: «رحم الله عمر: يقول الحق وإن كان مرًَّا، تركه الحق وما له من صديق».
وقال كعب الأحبار لأبي مسلم الخولاني: كيف منزلتك من قومك؟ قال: حسنة. قال كعب: إن التوراة/ لتقول غير ذلك، قال: وما تقول؟ قال تقول:
[ ١٠٨ ]
إن الرجل إذا أمر بالمعروف ونهى عن المنكر ساءت منزلته عند قومه فقال: صدقت التوراة وكذب أبو مسلم.
وفي الحديث بدأ الإسلام غريبًا وسيعود غريبًا كما بدأ، فطوبى للغرباء.
وقيل: ومن الغرباء؟ قال: (ناس قليل صالحون بين أناس كثير، من يبغضهم أكثر ممن يحبهم).
وقال الثوري -﵀-: إذا رأيتم العالم كثير الأصدقاء، فاعلموا أنه مخلط لأنه إذا نطق بالحق أبغضوه.
وانظر إلى قوله تعالى: حكاية عن وصية لقمان لابنه ﴿وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ﴾ [سورة لقمان: ١٧ ي تعلم أن الآمر والناهي لا بد وأن يجعل له من الصبر حصنًا حصينًا، ومن الاحتمال خلًّا أمينًا وأن يوطن نفسه على تجرع كؤوس المرارات، وتجنب حلاوة المداهنة والمرارة، وأن يمرن نفسه على هجر الخلق في جنب الله، ويقنع في كل أحواله بنظر الله، وألا يأسف على من قلاه لذلك، ولا يحزن على من فارقه وخذله في هذه المهالك، وليقطع أطماعه من الخلق، ويثق بكفالة الحق، ويتوكل على الله فهو حسب من توكل عليه، ويفوض إليه في جميع أحواله، فمرجع الأمور كلها إليه، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم
٢ - فصل
من علم أنه إذا أنكر المنكر بطل بإنكاره، ولكن يضرب ضربًا مؤلمًا كمن قدر على أن يرمي زجاجة الفاسق فيكسرها ويريق ما فيها من الخمر، ويطعن
[ ١٠٩ ]
الزق طعنة مختطفة فيهراق ما فيه ويبطل هذا المنكر، ولكنه يعلم أنه يرجع إليه فيضربه، فمثل هذا يسقط عنه الوجوب، ولكنه يستحب له أن يفعل ويحتسب ما نزل به عند الله، فإن الأجر على قدر النَّصب، وقد يعالجه قهر القضاء والقدر فيحول بين الفاسق وبين ما يريد، ويقع أجر المنكر على الله، والله لا يضيع أجر المحسنين.
وكذلك إذا علم أنه تنهب داره أو يخرب بيته أو تسلب ثيابه، فإنه يسقط عنه وجوب الإنكار أيضًا، ويبقي الاستحباب، إذ لا بأس به بأن يفدي دينه بدنياه، ولكل واحد من الضرب والنهب حد في القلة، لا يلتفت/ إليه كالحبة من المال، والضربة الخفيف ألمها عند كثير من الناس، وحد في الكثرة يتيقن اعتباره مسقطًا ووسط يقع في محل الاشتباه والاجتهاد، وعلى المتدين أن يجتهد فيه، ويسلك طريق الورع والآخذ بالأحوط ويرجع جانب الدين ما أمكن.
٣ - فصل
فإن علم انه لا يضرب ولا ينهب ماله، ولكن يوضع منديله أو عمامته في رقبته ويدار به في البلد أو يسود وجهه ويكشف رأسه ويطاف به حافيًا ونحو ذلك، فهذا أيضاَ مما يرخص في السكوت ويسقط الوجوب لأن المروءة مأمور بحفظها في الشرع، وهذا مؤلم للقلب عند أكثر الناس يزيد على ألم ضربات معدودة ودارهم يسيرة، فإن علم أن لا يعفل به ذلك ولكن يتكلف المشي راجلًا وعادته الركوب، أو منفردًا وعادته المشي في جماعته وغلمانه، أو في ثياب دون ثيابه التي يخرج بها إلي الناس ونحو ذلك، فلا ينبغي أن يكون مثل هذا عذرًا في سقوط الوجوب.
قال الغزالي: وكذلك لو خاف أن يتعرض له بالسب إما في حضرته بأن يقال له يا أحمق يا جاهل، يا مرائي، يا منافق ونحو ذلك، أو في غيبته بأنواع
[ ١١٠ ]
الغيبة إذ ليس في مثل هذا إلا زوال فضلات الجاه التي ليس إليها كبير حاجة، ولا ينفك الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر غالبًا عن مثل هذا في غيبته أو حضوره، فلو اعتبرنا ذلك عذرًا لانسد باب الوجوب، اللهم إلا أن يكون ذلك المنكر هو الغيبة.
واعلم أنه إذا أنكر عليه إضافة إليه في الغيبة ولم يسكت فإذًا لا يجوز الإنكار، لأن إنكاره إذ ذاك يكون سببًا لزيادة الغيبة، فإن علم أنه يسكت عن غيبته ذاك، ويشرع في غيبة المنكر سقط عنه الوجوب، لأنه إبطال معصية بمعصية مثلها، ولكن يستحب له ذلك ليفدي عرض ذلك المغتاب بعرض نفسه.
وقد دلت عموم الآيات والأخبار على تأكيد وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعلى عظم الخطر في السكوت عنهما، فلا يسقط ذلك إلا بفوات ما عظم في الدين خطره، والمال والنفس والمروءة، وقد ظهر في الشرع خطرها فأما مزايا الجاه والحشمة ودرجات التجميل وطلب ثناء الخلق، فكل ذلك لا خطر له ولا يسقط / به الوجوب، انتهى ملخصًا.
تنبيه:
إنما يستحب له الإقدام على ما يعلم أن فيه القتل والضرب وأخذ المال، إذا علم أن ذلك لا يتعدى إلى غيره، فإن علم أنه يضرب معه أحد من أصحابه الذين لا يحملهم على الإنكار معه إلا مجرد الطاعة له، أو الموافقة أو علم أنه يضرب معه أحد من أقاربه وجيرانه أو يؤخذ ماله، إذ ليس للمنكر مال يؤخذ منه، كالزاهد الذي له أقارب أغنياء، فإنه ليس له مال يخاف عليه إن أنكر على السلطان، ولا إن كسر شيئًا من الملاهي، أو أراق خمرًا لظالم وهرب ولكن علم أنه يمسك قريبه الغني، فيغرم، ويؤخذ ماله، ويعرض للانتقام بسبب إنكاره.
ففي هذه الصور كلها لا يجوز الإنكار، بل يحرم عليه، لأنه عجز عن دفع منكر إلا بأن يفضي إلي منكر آخر الثاني أن يكون مثل المنكر الأول وأعظم منه، فإن كان أقل منه وجب الإنكار، مثال ذلك لو رأى إنسانًا يريد ذبح دجاجة
[ ١١١ ]
لرجل، وعلم إنه إن منعه ذبح شاه له لم يجز الإنكار فإن كان الأمر بالعكس وجب الإنكار، وكذلك لو رأى مع إنسان شرابًا حلالًا متنجسًا وخمرًا وعلم أنه إن منعه من شرب الماء المتنجس شرب الخمر ولم يمكنه منعه منه فلا معنى لإراقة ذلك.
قال الغزالي: ويحتمل أن يقال إنه يريق ذلك فيكون بذلك مبطلًا المنكر، وأما من شرب الخمر فهو الملوم فيه، والمنكر غير قادر على منعه، وقد ذهب إلى هذا ذاهبون وليس ببعيد، انتهى.
مسألة:
من هذا النوع لو وجدنا رجلًا يرقب امرأة ليفسق بها إذا مرت، فرأى خمرًا فاشتغل بشربه، ولو منعناه منه لامتنع، ولكن يتنبه للمرأة ولا نقدر على دفعه عنها، فإنا لا نمنعه من شرب الخمر إذا كان شربه يشغله عن منكر أعظم منه، وفي عكس هذه المسألة نمنعه قطعًا.
مسألة:
منه لو رأى رجلًا على ساحل البحر بغصب دجاجة لرجل، ولو دفعه عنها لا ندفع، ولكن يعلم أنه يقطع البحر، إلى الساحل/ الآخر، ويأخذ شارة لرجل آخر.
فهذه المسألة لم أقف الآن من مثلها على نقل.
ولكن إن نظرنا إلى المعصية من حيث هي فإنا لا ندفعه عن الدجاجة، لأن دفعه عن هذه المعصية سبب لمعصية أعظم منها.
وإن نظرنا إلى أن الإنكار منوط بالاستطاعة قلنا: ندفع عن الدجاجة وأما الشاة فليس في الاستطاعة الدفع عنها، وقد يحول القدر بينه وبينها.
والأول أقرب إلى القواعد، والله أعلم.
[ ١١٢ ]
وقد تكون الضرورة في الأقل أعظم من الأكثر كما لو وجد رجلًا يغصب في مفازة قربة ماء لرجل معه عدة قرب تزيد على حاجته ولو دفعه عنها لغصب كوزًا لرجل ليس معه غيره فيهلك بذلك عطشًا.
ففي هذه المسألة يترجح بل يتعين عدم الدفع عن القربة، والله أعلم.
وهذه كلها دقائق واقعة في محل اجتهاد المنكر فليتفطن لها، ولا يقدم على هذه الأحوال إلا من كان عالمًا بأحكامها، فإن العامي لا ينبغي له أن ينكر إلا الجليات المعلومات كشراب الخمر والزنا وترك الصلاة ونحو ذلك على الوجه المشروع، ومتى خاض في مثل هذه الدقائق كان ما يفسده أعظم مما يصلح.
قال النووي –﵀- في الروضة قال أصحابنا: وإنما يأمر وينهي من كان عالمًا بما يأمر به وينهي عنه، وذلك يختلف بحسب الأشياء، فإن كان من الواجبات الظاهرة والمحرمات المشهورة فكل الناس عالمون بها، وإن كان من دقائق الأقوال والأفعال لم يتمكن الإنكار إلا للعلماء، ويلتحق بهم من أعلمته العلماء بأن ذلك مجمع عليه، ثم العلماء إنما ينكرون ما أجمع علي إنكاره وأما المختلف فيه في إنكار فيه، لأن كل مجتهد مصيب أو المصيب واحد ولا نعلمه، ولم يزل الخلاف بين الصحابة والتابعين في الفروع ولا ينكر أحد على غيره وإنما ينكرون ما خالف نصًا أو إجماعًا أو قياسًا جليًا، انتهى.
تنبيه:
قال الغزالي: فإن قيل فالمكروه الذي يتوقع المنكر إصابته وإن لم يكن متيقنًا ولا معلومًا بغالب الظن، / ولكن كان مشكوكًا فيه وكان غالب ظنه أنه لا يصاب بمكروه، ولكن احتمل أن يصاب بمكروه، فهذا الاحتمال هل يسقط الوجوب حتى لا يجب إلا عند تيقن السلامة أم يجب في كل حال إلا إذا غلب على ظنه أنه يصاب بمكروه ولم يجب الإنكار؟
لأن الظن الغالب في هذه الأبواب في معنى العلم وإن غلب على ظنه أنه لا
[ ١١٣ ]
يصاب وجب، ومجرد التجويز لا يسقط الوجوب، فإن ذلك ممكن في كل بحسبه، وإن شك فيه من غير رجحان فهذا محل النظر، فيحتمل أن يقال الأصل الوجوب بحكم العمومات، وإنما يسقط بمكروه والمكروه هو الذي يظن أو يعلم حتى يكون متوقعًا، وهذا هو الأظهر، ويحتمل أن يقال إنما يجب عليه إذا علم أنه لا ضرر فيه أو ظن أنه لا ضرر فيه عليه والأول أصح نظرًا إلى أقضية العمومات الموجبة للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
فإن قيل: فالتوقع للمكروه يختلف بالجبن والجراءة، والجبان الضعيف القلب يرى البعيد قريبًا، حتى كأنه يشاهده ويرتاع منه والمتهور الشجاع يستبعد وقوع المكروه بحكم ما جبل عليه من حسن الأمل حتى إنه لا يصدق به إلا بعد وقوعه، فعلام التعويل؟
قلنا: التعويل على اعتدال الطبع، وسلامة العقل والمزاج، فإن الجبن مرصد وهو ضعف في القلب بسبب قصوره في القوة، والتفريط والتهور في إفراط في القوة وخروج عن الاعتدال بالزيادة، وكلاهما نقصان، وإنما الكمال في الاعتدال المعبر عنه بالشجاعة. فعلى الجبان أن يتكلف إزالة الجب بإزالة علته وعلته جهلًا وضعفًا، فيزول الجهل بالتجربة، ويزول الضعف بارتكاب الفعل المخوف منه تكلفًا حتى يصير معتادًا. إذ المبتدئ في المناظرة والوعظ مثلًا قد يجبن عند طبعه لضعفه فإذا مارس واعتاد فارقه الضعف، بأن صار ذلك ضروريًا غير قابل للزوال فعذر ذلك الضعيف يتبع حالة فيعذر، كما يعذر المريض في التقاعد عن بعض الواجبات، والله أعلم.
٤ - فصل
ومن ترك الإنكار/ على من هو خاص به كأستاذة الذي يعلمه العلم خوفًا من أن يقبح حاله عند أستاذه فيمنع تعليمه، أو ترك الإنكار على طبيب يدخل
[ ١١٤ ]
عليه لابس حرير خوفًا من أن يهجره فيمتنع بسبب هجره صحته المنتظرة، أو على السلطان المحسن إليه وأصحابه ومن يؤتيه من ماله خوفًا أن ينقطع عنه الإحسان والمواساة في المستقبل، أو على من يتوقع من نصرة وجاهًا في المستقبل خيفة أن لا يصل ذلك الجاه أو يقبح حاله عند سلطان يتوقع منه ولاية، ففي هذه الصورة الأربع يسقط عنه وجوب الإنكار فإن كل ما يفوته فيها بالإنكار زيادات امتنعت، وتسمية امتناع حصول الزيادات ضررًا مجازًا.
قال الغزالي: ولا يستثنى من هذا إلا ما يكون في فواته محذور يزيد على محذور عدم الإنكار كما لو احتاج إلى الطبيب لمرض ناجز، والصحة منتظرة بمعالجته ويغلب على ظنه أن في امتناع الطبيب زيادة الضنى وطول المرض، فلا يبعد أن يكون هذا مرخصًا، وكما لو كان جاهلًا بمهمات دينه ولم يجد إلا معلمًا واحدًا وعلم أن إنكاره يكون سببًا لعدم وصوله إلى مطلبه، فإن تفاحش الجهل واشتدت الحاجة إلى ما يقصده من العلم كان ذلك مبيحًا للسكوت، وإلا فلا، وكما لو عجز عن الكسب والسؤال ولم يكن قوي التوكل، ولا ينفق عليه إلا شخص واحد، ولو أنكر عليه لقطع الإنفاق عنه فافتقر إلى تحصيله إلى إدرار حرام أو مات جوعًا فهذا إذا اشتد الأمر لم يبعد أن يرخص له في السكوت، وكما إذا كان شريرًا يؤذيه، ولا يجد سبيلًا إلى دفع شره إلا بجاه يكتسبه من سلطان ولا يقدر إلى التوصل إلى السلطان إلا بواسطة شخص يلبس الحرير ويشرب الخمر، ولو أنكر عليه لم يكن له واسطة، وامتنع حصول الجاه ودام أذى الشرير له، فهذه الأمور كلها إذا ظهرت وقويت لم يبعد استثناؤها، ولكن الأمر فيها منوط/ باجتهاد المنكر حتى يستفتي فيها قلبه ويزن أحد المحذورين بالآخر، ويرجح بنظر الدين لا بموجب الهوى والطبع، فإن رجح بموجب الدين سمي سكوته مداراة، وإن رجح بموجب الهوى سمى سكوته مداهنة، وهو أمر باطن لا يطلع عليه إلا بنظر دقيق، ولكن الناقد بصير فحق على كل متدين
[ ١١٥ ]
أن يراقب قلبه، ويعلم أن الله مطلع عليه ينظر إلى باعثه وصارفه هل هو الدين أو الهوى؟ [وستجد كل نفس ما عملت من خير أو شر محضرًا وما الله بظلام للعبيد]، انتهى ملخصًا.
قلت: ولعمري إنما تستثنى هذه الصور الأربع في حق من هو مثلنا ضعيف الإيمان والتوكل قوي التوهم كثير التعلل، وإلا فمن علم أن الله بيده كل حركة وسكون، وإنما أمره إذا أراد شيئًا أن يقول له كن فيكون، وأن قلوب الخلق بين إصبعين من أصابع قدرته، يقلبها كيف يشاء إقبالًا وإدبارًا، وأن أحدًا لا يملك نفعًا ولا ضرًا، وأن الله تعالى قدر في الأزل أن ما أصاب المرء لم يكن ليخطئه وما أخطأه لم يكن ليصيبه، لم يبال باحتمال نصب في الله ولا باشتمال مصيبة، وأغمض عينية عن ملاحظة غير الله من المخلوقات، وغاب بشهود وحدة تصريفه عن تجويز وجود الممكنات وتشعب صور المحتملات، وما يلقيه الشيطان عنده من الوساوس والخيالات، وفتح عين بصيرته في النظر إلى تقدير الحركات أزلًا والسكنات فأشرق من نور إيمانه ما أزاح ظلم التقديرات وطمس وجوه التصويرات فأقبل بالهمة الإبراهيمية على أصنام العلل الوهمية فجعلها جذاذًا كلها وتحمل من مشاق نفسه في الله كلها، فعادت نار كيدها عليه بردًا وسلامًا، وسكن من التسليم دارًا حسنت مستقرًا ومقامًا، وكان بأبيه إبراهيم في ذلك مؤتمًا وللمتقين إمامًا، فزاده الله بذلك إلى إيمانه إيمانًا، وقلب قلوب الخلق له إرغامًا لها وإذعانًا، فحمد عند صباح السلامة مسراه/ أولًا وأخرًا، ونصر دين الله فكان له وليًا وناصرًا، وأرضى الله فأرضى عنه الناس ولقي الخير وكان من البأس المتوقع اليأس.
- وفي صحيح ابن حبان عن عائشة –﵂- قالت: قال رسول الله ﷺ: «من التمس رضى الله بسخط الناس ﵁ وأرضى عنه
-
[ ١١٦ ]
الناس، ومن التمس رضى الناس بسخط الله سخط الله عليه وأسخط عليه الناس».
وفيه أيضًا قالت: قال رسول الله ﷺ: «من أراد سخط الله وأرضى الناس عاد حامده من الناس ذامًا».
- وخرج الطبراني بإسناد جيد عن ابن عباس -﵄- قال قال رسول الله ﷺ: «من أسخط الله في رضى الناس سخط الله عليه وأسخط عليه من أرضاه في سخطه ومن أرضى الله في سخط الناس ﵁ وأرضى عنه من أسخطه في رضاه حتى يزين قوله وعمله في عينه».
وفي هذا المعنى جملة من الأحاديث وهي تدل على أن من خلصت نيته وصفت من شوائب الرياء طويته، يقلب الله له قلوب الخلق بالمودة ويزينه في أعينهم ليحبوه وإن كان قد أتى بما يكرهونه.
ولقد شاهدنا مرارًا من عادى في الله وأبغض في الله، فأعقب المعاداة موالاة وانقلب البغض محبه ومصافاة، ومن أصلح ما بينه وبين الله أصلح الله ما بينه وبين خلقه ولله عاقبة الأمور.
٥ - فصل
إذا علم أن كلامه لا ينفع ولا يفيد.
- قال الغزالي: لا يجب عليه الإنكار لعدم الفائدة، ولكن يستحب لإظهار شعائر الإسلام، وتذكير الناس بالدين فإن كان غالب ظنه أنه لا يفيد ولكن
-
[ ١١٧ ]
يحتمل أنه يفيد وه مع ذلك لا يتوقع مكروهًا، فقد اختلفوا في وجوبه والأظهر وجوبه، إذ لا ضرر فيه وجدواه متوقع، فإذا علم اليأس منه فلا فائدة فيه، وأما إذا لم يكن يائس فينبغي ألا يسقط، انتهى.
- وقال النووي –﵀- في الروضة وشرح مسلم: لا يسقط عنه المكلف الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لكونه يعلم أنه لا يفيد، أو يعلم بالعادة/ أنه لا يؤثر كلامه، بل يجب عليه الأمر والنهي فإن الذكرى تنفع المؤمنين.
انتهى.
ومجمل كلامه مخالف لما فصله الغزالي في هذه المسألة وفي مسألة سقوط وجوب النهي باللسان عن الفاسق الذي يعلم الناس فسقه كما تقدم والله أعلم.
مسألة:
من علم أن بموضع من بلدة منكرًا لا يرجع إليه في إنكاره لزمه ألا يحضر ذلك الموضع ويعتزل في بيته حتى لا يشاهده، ولا يخرج إلا لحاجة مهمة أو واجب لأن عجزه عن الإنكار ليس عذرًا في مشاهدته هذا المنكر من غير ضرورة.
وكان عبد الله بن عمر –﵄- يأتي العمال ثم قعد عنهم، فقيل: لو أتيتهم فلعلهم يجدون في أنفسهم؟ فقال: أرهب إن تكلمت أن يرى أن الذي بي غير الذي لي، وإن سكت رهبت أن آثم.
- وقد خرج الطبراني والبيهقي في الشعب بإسناد حسن عن ابن عباس –﵄- قال: قال رسول الله ﷺ: «لا يقفن أحدكم موقفًا يقتل فيه رجلًا ظلمًا، فإن اللعنة تنزل على من حضره حين لم يدافعوا عنه، [ولا يقفن أحدكم موقفًا يضرب فيه رجل ظلمًا، فإن اللعنة
[ ١١٨ ]
تنزل على من حضره حين لم يدافعوا عنه]».
وفي هذا الحديث دليل على أنه لا يجوز دخول العاجز عن تغيير المنكر إلى أماكن الظلم والفسق ومواطن المعاصي والمنكرات من غير ضرورة، فلا يجوز له دخول دور الظلمة وأماكن المكوس والمصادرات والحمامات التي أهلها مكشوفوا العورات، والأماكن التي يعلم أن فيها نساء غير مستورات، ويحرم عليه حضور دعوة فيها منكر لا يستطيع تغييره، ولا يجوز للعاجز دخول أماكن التي قد يوجد فيها منكر لا يستطيع تغييره وقد لا يوجد.
- لما أخرجه الإمام أحمد والطبراني من حديث خرشة بن الحر –﵁- عن النبي ﷺ قال: «لا يشهد أحدكم قتيلًا لعله أن يكون مظلومًا فتصيبه السخطة».
لفظ أحمد.
وقال الطبراني: (فعسى أن يقتل مظلومًا فتنزل السخطة عليهم فتصيبه معهم).
- وقد سئل الإمام أحمد عن دخول الحمام، فقال: إن علمت أنهم كلهم بأزر فادخل وإلا فلا تدخل.
وهذا التصريح منه بأنه إذا/ جهل حالهم لا يباه له الدخول، والله أعلم.
مسألة:
من علم أن بمكان في بلدة مناكر لا يقدر على إزالتها، لا يجب عليه مفارقة تلك البلد ولا الهجرة منها، اللهم إلا أن تكون إقامته توجب أن يكلف الفساد أو يكره على مساعدة السلاطين وإعانة الظلمة في الظلم في المنكرات فتلزمه الهجرة من ذلك البلد إن قدر عليها وتجب عليه، فإن الإكراه لا يكون عذرًا في حق من قدر على الهرب من الإكراه، هذا هو الذي جزم به الغزالي في الإحياء.
[ ١١٩ ]
- وقد روى أئمة التفسير عن سعيد بن جبير أنه قال: إذا عمل بالمعاصي في أرض فأخرج منها، وتلا قوله تعالى ﴿أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ الله واسعة فتهاجروا فِيهَا﴾ [سورة النساء: ٩٧] وقال القرطبي: في هذه الآيه دليل على هجران الأرض التي يعمل فيها بالمعاصي.
- ثم حكى عن مالك –﵀- أنه قال: هذه الآية دالة على أنه ليس لأحد المقام بأرض يسب فيه السلف ويحكم فيها لغير الحق.
- وحكى القاضي أبو بكر العربي هذا عن مالك أيضًا ذكره في (أحكام القرآن).
- ثم قال: وهذا صحيح، فإن المنكر إذا لم يقدر أن يغير المنكر يزول عنه، انتهى.
وكلام مالك هذا يدل على وجوب الهجرة عند العجز عن التغيير.
وذكر ابن العربي في أقسام الهجرة، الخروج أيضًا من أرض غلب عليها الحرام وعلله بأن طلب الحلال فريضة على كل مسلم.
- وقال القرطبي –أيضًا- عند قول الله تعالى ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ [سورة الأنفال: ٢٥] قال علماؤنا: فالفتنة إذا عمت هلك الكل، وذلك عند ظهور المعاصي وانتشار المنكر وعدم التغيير، وإذا لم يغير وجب على المؤمنين المنكرين لها بقلوبهم هجران تلك البلدة والهرب منها.
وهكذا كان الحكم فيمن كان قبلنا من الأمم كما في قصة السبت حين هجروا العاصين وقالوا: لا نساكنكم. وبهذا قال السلف ﵃.
- وروى وهب بن منبه عن مالك –﵀- أنه قال: تهجر الأرض التي يعمل فيها المنكر جهارًا ولا يستقر فيها.
[ ١٢٠ ]
واحتج بصنع أبي الدرداء –﵁-/ في خروجه عن أرض معاوية حين أعلن بالربا فأجاز بيع سقاية الذهب بأكثر من وزنها، خرجه في الصحيح انتهى، والله أعلم.
مسألة:
إذا كان الاشتغال بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يمنعه عن الكسب الذي هو طعمته.
قال الغزالي: إن كان معه قدر كفايته لزمه الاشتغال بذلك، ولم يجز له تركه لطلب زيادة الدنيا، وإن كان يحتاج إلى الكسب لقوت يومه فهو عذر له فيسقط الوجوب عنه لعجزه والله ﷾ أعلم.
[ ١٢١ ]