في إثم من أمر بمعروف ولم يفعله أو نهى عن منكر وهو يفعله
قال الله تعالى ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [سورة البقرة: ٤٤].
وقال ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (٢) كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ [سورة الصف: ٢ - ٣].
وفي الصحيحين عن أسامة بن زيد -﵁- قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يجاء بالرجل يوم القيامة فيلقى في النار، فتندلق أقتاب بطنه فيدور بها كما يدور الحمار في الرحى، فيجتمع إليه أهل النار فيقولون: يا فلان: ما لك؟ ألم تكن تأمرنا بالمعروف وتنهانا عن المنكر؟ فيقول: بلى. كنت آمركم بالمعروف ولا آتيه، وأنهاكم عن المنكر وآتيه».
قوله تندلق: أي تخرج.
[ ١٢٢ ]
والأقتاب: الأمعاء.
- وخرج الطبراني عن الوليد بن عقبة قال: قال رسول الله ﷺ: «إن ناسًا من أهل الجنة ينطلقون إلى ناس من أهل النار فيقولون بما دخلتم النار، فوالله ما دخلنا الجنة إلا بما تعلمنا منكم، فيقولون إنا كنا نقول ولا نفعل».
- وخرج ابن أبي الدنيا في كتاب الصمت وابن حبان في صحيحه عن أنس بن مالك –﵁- قال: قال رسول الله ﷺ: «رأيت ليلة أسري بي رجالًا تقرض شفاههم بمقاريض من نار، فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟ فقال: الخطباء من أمتك الذين يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم، وهم يتلون الكتاب أفلا يعقلون».
اللفظ لا بن حبان.
وفي رواية ابن أبي الدنيا. «مررت ليلة أسري بي على رجال تقرض شفاهم/ بمقاريض من نار، فقلت: من هؤلاء يا جبرائيل؟ قال: هؤلاء خطباء أمتك الذين يقولون ما لا يفعلون ويقرؤون كتاب الله ولا يعملون به».
وخرج الطبراني عن جندب بن عبد الله –﵁- عن النبي ﷺ قال: «مثل الذي يعلم الناس الخير وينسى نفسه كمثل السراج يضيء للناس ويحرق نفسه».
[ ١٢٣ ]
- وخرج البزار عن أبي برزة قال: قال رسول الله ﷺ: «مثل الذي يعلم الناس الخير وينسى نفسه مثل الفتيلة تضيء للناس وتحرق نفسها».
- وخرج الأصبهاني في (الترغيب والترهيب) عن أنس بن مالك –﵁- عن رسول الله ﷺ قال: «إن الرجل لا يكون مؤمنًا حتى يكون قلبه مع لسانه سواء، ويكون لسانه مع قلبه سواء، ولا يخالف قوله عمله، ويأمن جاره بوائقه».
- وخرج الطبراني عن علي بن أبي طالب –﵁- قال قال رسول الله ﷺ: «إنى لا أتخوف على أمتي مؤمنًا ولا مشركًا، أما المؤمن فيحجزه إيمانه، وأما المشرك فيقمعه كفره، ولكن أتخوف عليكم منافقًا عالم اللسان يقول ما تعرفون ويعمل ما تنكرون».
- وخرج البزار عن معاذ بن جبل –﵁- قال: تعرضت أو تصديت لرسول الله ﷺ وهو يطوف بالبيت فقلت: يا رسول الله: أي الناس شر؟ فقال رسول الله ﷺ: «اللهم اغفر، اسأل الخير ولا تسل، من الشر، شرار الناس شرار العلماء في الناس».
- وخرج أحمد بإسناد جيد عن أبي ذر –﵁- قال قال رسول الله ﷺ:
-
[ ١٢٤ ]
«لغير الدجال أخوفني على أمتي قالها ثلاثًا، قال قلت: يا رسول الله ما هذا الذي غير الدجال أخوفك على أمتك قال: أئمة مضلون».
- «لأنا من غير الدجال، أخوف عليكم من الدجال، فقيل وما ذاك؟ فقال: أئمة مضلون».
- وروى الترمذي عن صهيب –﵁- قال: قال رسول الله ﷺ: «ما آمن بالقرآن من استحل محارمه «.
- وخرج الطبراني وأبو نعيم عن أنس بن مالك –﵁- عن النبي ﷺ قال: «الزبانية إلى فسقة القراء أسرع منهم إلى عبدة الأوثان فيقولون: يبدأ بنا قبل عبدة الأوثان فيقال لهم: ليس من يعلم كمن لا يعلم».
- وخرج الطبراني والبيهقي عن أبي هريرة –﵁- قال: قال رسول الله ﷺ: «أشد الناس عذابًا يوم القيامة/ عالم لم ينفعه الله بعلمه».
- وخرج الطبراني عن وائلة بن الأسقع -﵁- قال: قال رسول الله ﷺ: «كل بنيان وبال على صاحبه إلا ما كان هكذا وأشار بكفه، وكل علم وبال على صاحبه إلا من عمل به».
[ ١٢٥ ]
- وخرج الترمذي والبيهقي عن ابن مسعود ﵁- عن النبي ﷺ قال: «لا تزولا قدم ابن آدم يوم القيامة حتى يسأل عن خمس: عن عمره فيما أفناه، وعن شبابه فيما أبلاه، وعن ماله من أين اكتسبه وفي ماذا أنفقه، وماذا عمل فيما علم».
ورواه الترمذي أيضًا بنحوه من حديث أبي برزة، وقال: حديث صحيح.
- وروى البيهقي عن لقمان –يعني ابن عامر- قال: كان أبو الدرداء يقول: إنما أخشى ربي أن يدعونني على رؤوس الخلائق فيقول: يا عومير فأقول لبيك ربي)، (وما عملت فيما علمت).
- وخرج الإمام أحمد والبيهقي عن منصور عن زاذان قال: نبئت أن بعض من يلقى في الناس يتأذى أهل الناي بريحه فيقال له: ويحك، ما كنت تعمل، يكفينا ما نحن فيه من الشر حتى ابتلينا بك وبنتن ريحك فيقول: كنت عالمًا فلم انتفع بعلمي.
وقد جاء أن الله تعالى أوحى إلى عيسى ابن مريم ﵉: يا ابن مريم عظ نفسك فإن اتعظت فعظ الناس، وإلا فاستحي مني.
وقال الأوزاعي: شكت النواويس ما تجد من نتن جيف الكفار، فأوحى الله إليها: بطون علماء السوء أنتن مما أنتم فيه.
وقال أبو الدرداء ﵁: ويل لمن يعلم مرة، وويل لمن يعلم ولا يعمل سبع مرات.
وقال الشعبي: يطلع قوم من أهل الجنة إلى قوم من أهل النار فيقولون لهم ما
[ ١٢٦ ]
أدخلكم النار؟ وإنما أدخلنا الله تعالى الجنة بفضل تأديبكم وتعليمكم فقالوا: إنا كنا نأمر بالخير ولا نفعله.
وتقدم بنحوه مرفوعًا.
وروي عن أبي جعفر محمد بن علي في قوله تعالى ﴿فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ﴾ [سورة الشعراء: ٩٤] قوم وصفوا الحق والعدل بألسنتهم وخالفوه إلى غيره.
وقال حاتم الأصم: ليس في القيامة أشدة حسرة من رجل علم الناس علمًا، فعملوا به، ولم يعمل هو به وفازوا بسببه وهلك.
وقيل لبعضهم: أي الناس أطوال ندامة؟ قال: أما في الدنيا فصانع المعروف إلى من لا يشكره، وأما/ عند الموت فعالم مفرط.
وقال معاذ: احذروا زلة العالم لأن قدره عند الناس عظيم فيتبعوه على زلته.
وقال كعب: في آخر الزمان علماء يزهدون الناس في الدنيا ولا يزهدون، ويخوفون ولا يخافون، وينهون عند غشيان الولاة ويأتون، ويؤثرون الدنيا على الآخرة يأكلون بألسنتهم، يقربون الأغنياء دون الفقراء، أولئك الجبارون أعداء الرحمن.
وقال ابن مسعود: ليس العلم بكثرة الرواية إنما العلم الخشية.
وقال علي –﵁-: قصم ظهري رجلان عالم متهتك، وجاهل متنسك، فالجاهل يغر الناس بتنسكه، والعالم يغرهم بتهتكه.
وكتب رجل إلى أخ له: إنك قد أوتيت علمًا فلا تطغين علمك بظلمة الذنوب فتبقى في الظلمة يوم يسعى أهل العلم في نور علمهم.
والأحاديث والآثار في ذم علماء السوء وتوبيخ من يعمل بعلمه، ومن خالف قوله عمله كثيرة جدًا، وهي ناطقة بأن من أمر بما لا يفعل أشر الناس منزلة
[ ١٢٧ ]
عند الله يوم القيامة، وأن العلماء الفجرة هم الأخسرون إذا ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعًا، وأن حجتهم داحضة عن ربهم لما وهبهم من علمه نعمته منه عليهم فكفروا نعمته وخالفوا أمره.
ولا يخفى عن ذي لب أن ملكًا من الملوك لو أرسل كتابة بأمر من الأمور إلى عبد من عبيده لا يعرف الكتابة وليس عنده من يعرفه بما فيه فخالف أمره لا يكون ذنبه عنده كمن أمكنه أن يقرأ أو يسأل من يقرأه، ليعرف ما فيه، فيمتثله، فترك ذلك وخالف ما فيه جاهلًا به، ولا يكون جزم هذا كجرم من قرأه وفهمه وكرر قراءته غير مرة ثم خالف ما أمره به سيده ومولاه، وعمل بعكسه، لا جرم كان هذا العبد عنده أحق العبيد بأليم عذابه، وأولاهم بعظيم سخطه، وأقربهم إلى إبعاده وطرده.
ولهذا جعل الله المنافقين في الدرك الأسف من النار لأنهم جحدوا بعد العلم، وجعل الله اليهود شر من النصارى وخصهم بغضبه مع أنهم ما جعلوا لله ولدًا ولا قالوا: إنه ثالث ثلاثة، / ولكن أنكروا محمدًا ﷺ بعد المعرفة به وعلمهم بنبوته، إذا قال تعالى ﴿يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءهُمْ﴾ [سورة البقرة: ١٤٦].
فالعلماء السوء أصل فساد الوجود، وسبب ضلال الخلق، والقاطعون طريق السلوك إلى الحق.
وفي أخبار داود –﵇- أن الله تعالى أوحى إليه: يا داود: إن أدنى ما أصنع بالعالم إذا آثر شهوته على محبتي أن أحرمه لذيذ مناجاتي، يا داود: لا تسأل عني عالمًا أسكرته الدنيا فيصدك عن طريق محبتي أولئك قطاع الطريق على عبادي).
وحكى الأوزاعي عن بلال بن سعد أنه كان يقول:
ينظر أحدكم إلى الشرطي فيستعيذ بالله منه، وينظر إلى علماء الدنيا المتصنعين للخلق، المتشوفين إلى الرئاسة، فلا يمقته، هذا أحق بالمقت من ذلك الشرطي.
[ ١٢٨ ]
وقال صالح بن حسان البصري: أدركت الشيوخ وهم يتعوذون بالله من الفاجر العالم بالسنة.
وما أحسن حكاية حاتم الأصم وهو ما أخرجه أبو نعيم الأصبهاني بإسناده إلى أبي عبد الله الخواصي- وكان من أصحاب حاتم الأصم- قال: دخلت مع حاتم الأصم الري ومعه ثلاثمائة وعشرون رجلًا يريد الحج عليهم الصوف والزمانقات ليس معهم جراب ولا طعام، فدخلنا على رجل من التجار متنسك بحب المتقشفين فأضافنا تلك الليلة، فلما كان من الغد قال لحاتم: يا أبا عبد الرحمن، ألك حاجة؟ فإني أريد أن أعود فقيهًا لنا هو عليل فقال حاتم: إن كان لكم فقيه عليل فعيادة الفقيه لها فضل والنظر إلى الفقيه عبادة، وأنا أيضًا أجئ معكم، وكان العليل محمد بن مقاتل قاضي الري قال: مر بنا يا أبا عبد الرحمن، فجاء إلى الباب مشرف حسن فبقى حاتم متفكرًا يقول: باب عالم على هذا الحال، ثم أذن لهم فدخلوا فإذا دار قوراء –يعني واسعة- وإذا بزة ومنعة وستور وجمع، فبقى حاتم متفكرًا، ثم دخلوا المجلس الذي هو فيه، فإذا يفرش وطيئة وإذا هو راقد عليها، وعند رأسه غلام بيده مذبة فقعد ابن مقاتل فساءله وحاتم قائم فأومأ إليه ابن مقاتل أن اقعد فقال: لا اقعد، فقال له ابن مقاتل: لعل لك حاجة، قال: نعم، قال: وما هي؟ قال: مسألة أسألك عنها، قال: فقم فاستو جالسًا حتى/ أسألك، فأمر غلمانه فأسندوه، فقال له حاتم: علمك هذا من أي جئت به، قال: الثقات حدثوني به، قال: عمن قال: قال: عن أصحاب رسول الله ﷺ، قال: وأصحاب رسول الله ﷺ عمن؟ قال: قال: عن رسول الله ﷺ قال: ورسول الله ﷺ من أين جاء به؟ قال: عن جبريل –﵇- عن الله ﷾، قال حاتم: ففيما أداه جبريل عن الله وأداه إلى رسول الله ﷺ، وأداه رسول الله ﷺ إلى أصحابه، وأداه أصحابه إلى الثقات، وأداه الثقات إليك، هل سمعت في العلم من كان في داره أمير، أو منعته أكثر كانت له المنزلة عند الله أكثر قال: لا
[ ١٢٩ ]
قال: فكيف سمعت، قال: من زهد في الدنيا ورغب في الآخرة، وأحب المساكين وقدم لآخرته،، كانت له عند الله المنزلة أكثر قال حاتم: فأنت بمن اقتديت؟ بالنبي وأصحابه الصالحين، أم بفرعون ونمرود أول من بني بالجص والآجر، يا علماء السوء مثلكم يراه الجاهل الطالب للدنيا الراغب فيها، فيقول العالم على هذه الحالة، أفلا أكون أنا أشر منه، وخرج من عنده فازداد ابن مقاتل مرضًا، فبلغ أهل الري ما جرى بينه وبين ابن مقاتل وقالوا له: يا أبا عبد الرحمن: بقزوين أكثر شيء من هذا وأشاروا به إلى الطنافسي، قال: فصار إليه متعمدًا فدخل عليه فقال: رحمك الله أنا رجل أعجمي أحب أن تعلمني أول مبتدأ ديني، ومفتاح صلاتي، كيف أتوضأ للصلاة؟ قال: نعم، وكرامة. يا غلام، هات إناء فيه ماء، فقعد الطنافسي وتوضأ ثلاثًا ثلاثًا ثم قال: هكذا، فتوضأ، قال حاتم: مكانك حتى أتوضأ بين يديك فيكون أؤكد لما أريد، وقام الطنافسي وقعد حاتم فتوضأ، ثم غسل الذراعين أربعًا قال الطنافسي له: يا هذا أسرفت.
قال له حاتم: في ماذا؟ قال: غسلت ذراعك أربعًا، قال حاتم: يا سبحان الله أنا في كف ماء أسرفت، وأنت في هذا الجمع كله لم تسرف؟ فعلم الطنافسي أنه أراده بذلك ولم يرد منه التعلم، فدخل البيت ولم يخرج/ إلى الناس أربعين يومًا.
فالعالم إذا خالف علمه عمله، وكذب فعله قوله كان ممقوتًا في الأرض والسماء مضلة لمن رام به الاقتداء وإذا [أ] مر بغير ما يعمل مجت الأسماع كلامه، وقلت له في الأعين مهابته، وزالت من القلوب مكانته كما قال مالك بن دينار: إن العالم إذا لم يعمل بعلمه تزل موعظته عن القلوب، كما يزل القطر من الصفا.
[ ١٣٠ ]