بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
وبه نستعين
نَحْمَدُكَ اللَّهم على سترك الجميل، ونَشْكُرُكَ على بِرِّكَ الجَزِيْل، ونعتَرِفُ لك بقبائح الذنوب، ونبؤ بما نقترف مِنْ فضائح العيوب، ونخْضع لعِزِّ كبريائِكَ بالذُّلِّ والصَّغَارِ، ونطمع في كَنْزِ عطائِكَ بالعَجْزِ والافتِقَارِ، ونمد إلى غنائِكَ أيدِي احتياجِنَا، ونسأَلُكَ هُدَاكَ لسوية اعوجاجنا، ونرفع إليك أَكُفَّ الضَّرَاعَةِ والابتهالِ، رغبًا للتوفيق في الطَّاعَةِ وَإِصْلَاحِ الحَالِ، فَإِ نَّ المُهْدِيَّ مَنْ هَدَيْتَه سَوَاءَ السبيل، والضَّالَّ مَنْ أضللته فليس له دليل، وكل شيء بالتيسير منك وسبق التقدير، والقلوب بيدك تقلبها كيف شئت وإليك المصير.
رب وأدم صلاتك الكاملة، وبركاتك الشاملة، وسلامك الأتم بالمعنى الأعم، على الراحة العامة، والنعمة التامة، ألطف مَنْ أَمَرَ ونهى، وأخوف من نهى فانتهى، وأشرف أولي الألباب والنُهى، سيد الخلق أجمعين، محمد خاتم النبيين، وعلى آله وصحبه والتابعين، وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد:
ففي صحيح مسلم عن تميم الداريِّ - ﵁ - أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «الدين النصيحة ثلاثًا، قلنا: لمن يا رسول الله؟ قال: لله وكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم».
[ ١٥ ]
وفي مسند الإمام أحمد عن أبي أمامة - ﵁ - عن النبي ﷺ قال:
«قال الله ﷿ أحبَّ ما تَعبَّدَ إليَّ عبدي النصح».
وروى الطبرانيّ عن حذيفة - ﵁ - قال: قال رسول الله ﷺ:
«من لا يهتم بأمر المسلمين فليس منهم».
[ومن لم يُصبح ويُمْس نَاصِحًا للهِ ولرسوله ولكتابه ولإمامه ولعامة المسلمين فليس منهم].
وعن جرير بن عبد الله البجليّ - ﵁ - قال:
«بايعت رسول الله ﷺ ثم رجعت فدعاني فقال لي: لا أقبل منك حتى تبايع على النصح لكل مسلم فبايعته».
رواه الطبرانيّ في الصغير بإسناد حسن. وهو في الصحيح بغير هذا اللفظ.
ولما رأيت ركن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قد وَهَى جانبه، وكثر مُجَانِبَهُ، وَعَزَّت على الأكثَرِين مَطَالِبَهُ، فَعَزَّ طالِبَهُ، وتوعَّرتَ بعد السلوك مسالكه، فاستوحش سالكه، واندرست معالم السُّنَّةِ ورَسْمها، ولم يبق من حقائقها إلا اسمها، وتنوعت مقاصد الخلائق في الأذهان، فلم تخش الناس أحدًا في الإعلان، وألقى الشيطان في قلوب الجاهلين. أنه
[ ١٦ ]
لا يطالب أحد بغير عمله يوم الدين، وصار إنكار المنكر زَلَّةً عند العامة لا تُقَال، ومزلة لا يثبت عليها أرجل لرجال فمن أنكر قيل ما أكثر فضوله، ومن داهن قيل ما أحسن في العِشْرة معقوله، فعمت الخطوب والعظائم، إذ لم يبق من تأخذه في الله لومة لائم، وعاد الإسلام غريبًا كما بدأ، وصار العالم الدَّالّ طريدًا، والجاهل الضَّال حبيبًا وديدًا، فعَنَّ لي أن أعلق أوراقًا في هذا الشأن، نصحًا لأمثالي من أهل العصيان، ومن حاله كحالي في الغفلة والنسيان، وبيانًا لجُمل ذلك من شمول الإيجاب، وتحذيرًا من ارتكاب ما هو جدير بسوء المآب، وسميته:
«تنبيه الغافلين عن أعمال الجاهلين، وتحذير السالكين من أفعال الهالكين».
ورتبته على سبعة أبواب:
الباب الأول: في «فضل الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وبيان أنه فرض كفاية، وشروط المنكِر والمُنْكَر» ويشتمل على فصولٍ ومسائل.
الباب الثاني: في «كيفية الإنكار ودرجاته» ويشتمل على فصول ومسائل.
الباب الثالث: في «الترهيب من ترك ما أوجب الله - تعالى - من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر» وذكر بعض ما ورد من التغليظ في ذلك والتشديد، وذكر الأحوال التي يسقط فيها الوجوب، ويبقى الاستحباب ويشتمل على فصول ومسائل.
الباب الرابع: في «إثم من أمر بمعروف ولم يفعله أو نهى عن منكر وهو يفعله».
الباب الخامس: في «ذكر جمل من الكبائر والصغائر عصمنا الله منها».
الباب السادس: في «ذكر أمور نهى عنها النبي ﷺ».
الباب السابع: في «ذكر جمل من المنكرات، والبدع المحدثات».
وإلى الله تعالى أمدُّ كفَّ الضراعة والابتهال، أن لا يجعله حجة عليَّ يوم قيام الساعة وظهور الأهوال، فإن بضاعتي من العلم والدين مُزجاة، وإيماني أضعف
[ ١٧ ]
الإيمان لنقص اليقين وفقد الجاه، لكن اعترافي بالعجز والتقصير وسيلتي يوم يقوم الأشهاد، واغترافي من بحر جوده الغزير، ذخيرتي عند فقد الزاد، واستنادي في كل حالة إلى مَنْ لا يخيب مَنْ ركن إليه، واعتمادي في المآل على من هو كافي مَنْ توكل عليه، وهو حسبي ونعم الوكيل.
[ ١٨ ]
الباب الأول