أعلم أن يوسف الصديق ﵇ لما ملك خزائن الأرض كان يجوع ويأكل الشعير فقيل له: تجوع وبيدك خزائن الأرض! فقال أخاف أن أشبع فأنسى الجائعين. وروى البهيقي قال: لما استخلف أبو بكر الصديق غدا إلى السوق فقال له عمر بن الخطاب: أين تريد؟ قال: السوق. قال: قد جاءك ما شغلك عن السوق. قال: سبحان الله يشغلني
[ ١٢٩ ]
عن عيالي؟ قال: يفرض لك بالمعروف. قال: فأنفق في سنتين وبعض أخرى ثمانية آلاف درهم ووصى أن ترد من ماله في بيت المال. وروى هذه القصة الحسن البصرى قال: لما حضرت أبا بكر الوفاة قال: انظروا كم أنفقت من مال الله فوجدوه قد أنفق في سنتين ونصف ثمانية آلاف درهم. قال: أقضوها عني. فقضوها عنه ثم قال: يا معشر المسلمين، إنه قد حضر من قضاء الله ما ترون ولا بد لكم من رجل يلي أمركم ويصلي بكم ويقاتل عدوكم، فإن شئتم اجتمعتم وائتمرتم وإن شئتم اجتهدت لكم، فوالله الذي لا إله إلا هو ما آلوكم ونفسي خيرًا! فبكوا وقالوا: أنت خيرنا وأعلمنا فاختر لنا. فقال: إني قد اخترت لكم عمر.
ويروي مالك هذه القصة على غير هذا الوجه قال: بلغني أن أبا بكر لما ولي لم ينفق من مال الله تعالى شيئًا قال: وغدا يومًا إلى بني عمرو بن عوف، وكانت له هناك امرأة من الأنصار في جمال يريد بيعها، فلقيه بعض المسلمين فقال له: ما تصنع هذا يشغلك عن المسلمين وعن النظر في أمورهم؟ قال: فكيف أصنع؟ قال: تتفرغ للنظر في أمورهم وتنفق من هذا المال. قال: فباع تلك الإبل وغيرها من ماله إلا الأرض، ثم طرحه في بيت المال وكان ينفق من المال على نفسه وعلى عياله، ثم كان عمر على مثل ذلك ثم ولي عمر بن عبد العزيز فلم ينفق منه، فقيل له: قد صنع أبو بكر وعمر ما قد علمت. قال: أجل ولكني أخذت من هذا المال فإن يكن لي فيه حق فقد استوفيت وزدت، ولولا ذلك لفعلت. قال ابن القاسم: قلت لما لك: فأين قولهم عن عمر أنه رد ثمانين ألفًا؟ قال: كذبوا! إنما يقول ذلك أعداء الله، هم لم يجز لولده سلف أبي موسى الأشعري إياه حتى أخذ منه نصفه، فكيف يأخذ من مال الله ثمانين ألفًا؟ ولما توفي أبو بكر استرجع علي بن أبي طالب، وجاء مسرعًا باكيًا وقال: رحمك الله يا أبا بكر! كنت والله أول القوم إسلامًا وأكملهم إمانًا، وأشدهم يقينا وأخوفهم لله تعالى، وأحفظهم لرسول الله ﷺ، وأشبههم به هديًا وخلقًا وسمتا وفضلًا، وأكرمهم عليه وأرفعهم عنده فجزاك الله عن الإسلام خيرًا! صدقت رسول الله ﷺ حين كذبه الناس، فسماك الله في كتابه صديقًا فقال الله تعالى: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ (الزمر: ٣٣)
وآنسته حين تخلفوا وقمت معه حين قعدوا، وصحبته في الشدة حين تفرقوا أكرم الصحبة ثاني اثنين وصاحبه في الغار، ورفيقه في الهجرة والمنزل عليه السكينة وخليفته في أمته بأحسن الخلافة، فقويت حين ضعف أصحابك وبرزت حين استكانوا، وقمت بالأمر حين فشلوا ومضيت بقوة إذ وقفوا، كنت أطولهم صمتًا وأبلغهم قولًا وأشجعهم قلبًا، وأشدهم يقينًا وأحسنهم عملًا، كنت كما قال رسول الله ﷺ: ضعيفًا في بدنك قويًا في أمر دينك، متواضعًا في نفسك عظيمًا عند ربك، محبوبًا إلى أهل السماوات والأرض، فجزاك الله عنا وعن الإسلام خيرًا.
وقال عمر بن الخطاب: رحم الله أبا بكر لقد أتعب من بعده تعبًا شديدًا! وروى البيهقي عن عمر بن الخطاب أنه قال: إني أنزلت نفسي من مال الله سبحانه بمنزلة ولي اليتيم، إن استغنيت إستعففت وإن افترقت أكلت بالمعروف. وفي رواية أخرى: إن احتجت أخذت منه، فإذا أيسرت رددته. وفي رواية أخرى: أخبركم بما أستحل من مال الله، وما قال يحل لي، أستحل منه حلتين حلة الشتاء وحلة للقيظ، وما أحج عليه واعتمر وقوتي وقوت عيالي كقوت رجل من قريش لا من أغنيائهم ولا من فقرائهم، ثم أنا بعد ذلك رجل من المسلمين يصيبني ما أصابهم. وقال أنس بن مالك: غلا الطعام على عهد عمر
[ ١٣٠ ]
﵁ الخطاب فأكل عمر خبز الشعير، وكان قبل ذلك لا يأكله فاستنكره بطنه فصوت فضربه بيده وقال: هو والله كما ترى يوسع الله على المسلمين! وقال أبو عثمان النهدي: رأيت عمر بن الخطاب يطوف بالبيت وعليه جبة صوف فيها اثنتا عشرة رقعة إحداها أديم أحمر. وقال عطاء بن السائب: استعمل عمر بن الخطاب السائب بن الأقرع على المدائن، فدخل إيوانًا من إيوان كسرى، فإذا صنم يشير بإصبعه إلى الأرض وقد عقد أربعين فقال: والله ما يشير هذا إلى الأرض إلا وثم شيء، فاحتفروا فاستخرجوا سفطًا فيه جوهر، فكتب إلى عمر: أما بعد فإني دخلت إيوانًا من إيوان كسرى فرأيت كذا وكذا، فاحتفرت فوجدت سفطًا فيه جوهر فلم أجد أحق به منك يا أمير المؤمنين، لم يكن من فيء المسلمين فأقسمه بينهم إنما أصبنا شيئًا تحت الأرض. فلما قدم السفط على عمر وعليه خاتم السائب، فرأى عمر فيما يرى النائم كأن نارًا أججت وهو يراد أن يلقى فيها، فكتب إلى السائب أن أقدم علي.
قال: فقدمت عليه وهو يطوف في إبل الصدقة، فطفت معه نصف النهار ثم دعا بماء فاغتسل ودعا لي بماء فاغتسلت، ثم ذهب إلى منزله فأتى بلحم غليظ وخبز متحمش ثم قال: انظر من على الباب فإذا أسودان من أهل الصفة، فأذن لهم فجعل يأكل معهم، فإذا لحم غليظ لا أستطيع أن أسيغه، وقد كنت تعودت درمك أصبهان إذا وضعته في فمي نزل بطني، ثم دعا بالسفط فقال: أتعرف خاتمك؟ قلت: نعم. قال: كتبت ترفق بي تزعم أني أحق به، من أين أصبته؟ فأخبرته قال: اذهب فاجعله في بيت مال المسلمين حتى أقسمه بينهم.
وقال قتادة: قدم عمر بن الخطاب ﵁ الشام، فصنع له طعام لم ير قبله مثله فقال: هذا لنا فما لفقراء المسلمين الذين ماتوا وهو لا يشبعون من خبز الشعير؟ قال خالد بن الوليد: لهم الجنة فاغرورقت عينا عمر وقال: لئن كان حظنا في هذا الطعام وذهبوا بالجنة، لقد باينونا بونًا بعيدًا. وقال عبد الله بن عمر العمري: إن عمر بن الخطاب ﵁ حين قدم الشام قال لأبي عبيدة: اذهب بنا إلى منزلك. قال: ما تريد إلا أن تعصر عينيك علي! قال: فدخل منزله فلم ير شيئًا. فقال عمر: أين متاعك لا أرى إلا لبدًا وشنًا وصحفة وأنت أمير أعندك طعام؟ فقام أبو عبيدة إلى جرابه فأخرج منه كسيرات، فبكى عمر فقال أبو عبيدة: قد قلت إنك تعصر عينيك علي يا أمير المؤمنين يكفيك من الدنيا ما بلغك المقيل! فقال عمر: غرتنا الدنيا بعدك يا أبا عبيدة! وقال النخعي: بعث عمر بن الخطاب مصدقين فأبطئوا عليه وبالناس حاجة شديدة، فجاءوا بالصدقات فقام فيها متزرًا بعباء يختلف في أولها وآخرها يقول: هذه لآل فلان حتى انتصف النهار وجاع، فدخل بيته حتى إذا أمكن أكله أكل ثم قال: من أدخله بطنه النار أبعده الله! وقال طاوس: أجدب الناس على عهد عمر بن الخطاب، فما أكل سمنًا ولا سمينًا حتى أكل الناس. وقال سعيد ابن جبير: إن عليًا ﵁ قدم الكوفة وهو خليفة، وعليه إزاران قطريان قد رقع إزاره بخرقة ليست بقطرية من وراءه، فجاء أعرابي فنظر إلى تلك الخرقة فقال: أمير المؤمنين، كل من هذا الطعام والبس واركب فإنك ميت أو مقتول! قال: إن هذا خير لي في صلاتي وأصلح لقلبي، وأشبه بسنة الصالحين قبلي وأجدر أن يقتدى بي من أتى بعدي.
وقال الحسن: إن عمر بن الخطاب بينما هو يعس في المدينة بالليل، إذ أتى امرأة من الأنصار تحمل قربة، فسألها فذكرت أن لها عيالًا وأن ليس لها خادم، وأنها تخرج بالليل فتسقيهم
[ ١٣١ ]
الماء وتكره أن تخرج بالنهار، فحمل عمر عنها القربة حتى بلغ منزلها وقال: اغدي على عمر غدوة يخدمك خادمًا. قالت: لا أصل إليه. قال: إنك ستجدينه إن شاء الله تعالى. فغدت عليه فإذا هي به فعرفت أنه الذي حمل قربتها، فذهبت تولي فأرسل في إثرها وأمر لها بخادم ونفقة. ولما حج عمر قال: كم بلغت نفقتنا يا برقا؟ قال: ثمانية عشر دينارًا يا أمير المؤمنين. قال: ويحك أجحفنا ببيت مال المسلمين! وقال شهر بن حوشب: لما قدم عمر بن الخطاب الشام طاف بكورها حتى نزل حمصًا فقال: اكتبوا لي فقراءكم. فرفعوا إليه الرقعة فإذا فيها سعيد بن عامر فقال: من سعيد بن عامر؟ قالوا: أميرنا! فعجب عمر وقال: كيف يكون أميركم فقيرًا؟ قالوا: إنه لا يمسك شيئًا. فبكى عمر وبعث إليه ألف دينار يستعين بها في حاجته، فجعل يسترجع، فجعل يسترجع فقالت له امرأته: مالك أصابك أمير المؤمنين بشيء؟ قال: أعظم من ذلك أتتني الدنيا دخلت علي الدنيا، وإني سمعت النبي ﷺ يقول: إن فقراء المسلمين يدخلون الجنة قبل أغنيائهم بأربعين عاماُ، فوالله ما يسرني أني حبست عن الرعيل الأول وأن لي ما طلعت عليه الشمس! قالت: فاصنع به ما شئت. قال: هل عندك معونة؟ قالت: نعم. فأتته بخمارها فصر الدنانير فيه صررا ثم جعلها في مخلاة وبات يصلي ويبكي حتى أصبح، فاعترض جيشًا من جيوش المسلمين فأمضاها كلها. فقالت له امرأته: رحمك الله لو حبست منها شيئًا نستعين به! قال: سمعت النبي ﷺ يقول: لو اطلعت امرأة من نساء أهل الجنة إلى الأرض لملأت الأرض من ريح المسك، وإني والله ما أختارك عليهن! فسكتت.
وروي أن عمر بن الخطاب استعمل على حمص رجلا يقال له عمير بن سعد، فلما مضت السنة كتب إليه أن يقدم، عليه فلم يشعر به عمر أن قدم ماشيًا حافيًا معه عكازته بيده وأداوته ومزوده وقصعته على ظهره، فلما نظر إليه عمر قال: يا عمير أجبتنا أم البلاد بلاد سوء؟ فقال: يا أمير المؤمنين أما نهاك الله أن تجهر بالسوء من القول وعن سوء الظن؟ وما ترى من سوء الحال وقد جئتك بالدنيا أجرها بقرابها؟ قال: وما معك من الدنيا؟ قال: عكازتي أتوكأ عليها وأدفع بها عدوا إن لقيت، ومزودي أحمل فيه طعامي، وأداوتي هذه أحمل فيها ماء لشربي وصلاتي، وقصعتي هذه أتوضأ فيها وأغسل فيها رأسي وآكل فيها طعامي، فوالله يا أمير المؤمنين ما الدنيا بعد إلا تبع لما معي! قال: فقام عمر من مجلسه إلى قبر رسول الله ﷺ وأبي بكر وبكى ثم قال: اللهم ألحقني بصاحبي غير مفتضح ولا مبدل.
ثم عاد إلى مجلسه فقال: ما صنعت في عملك يا عمير؟ قال: أخذت الرقة من أهل الرقة، والإبل من أهل الإبل، وأخذت الجزية من أهل الذمة عن يد وهم صاغرون، ثم قسمتها بين الفقراء والمساكين وأبناء السبيل، فوالله يا أمير المؤمنين لو بقي عندي منها شيء لأتيتك به! فقال عمر: عد إلى عملك. فقال عمير: أنشدك الله يا أمير المؤمنين أن لا تردني إلى عملي ولم أسلم منه حتى قلت لذمي: أخزاك الله! فهذا ما عرضني له. ولقد خشيت أن يخاصمني له محمد ﷺ ولقد سمعته يقول: أنا حجيج المظلوم ومن حاججته حججته، ولكن أتأذن لي آتي أهلي؟ فأذن له فأتى أهله فبعث إليه عمر رجلًا يقال له حبيب بمائة دينار فقال له: إذا أتيت عميرًا فانزل عليه ثلاثًا، فإن يكن خائنًا لم يخف عليك في عيشه وحال أهل بيته، وإن لم يكن خائنًا لم يخف عليك فادفع إليه المائة دينار.
فأتاه حبيب فنزل عليه ثلاثًا فلم ير له عيشًا إلا الشعير والزيت، فلما مضت الثلاث قال: يا حبيب إن رأيت أن تتحول عنا إلى جيراننا، فلعلهم أن يكونوا أوسع عيشًا منا، فأما نحن والله لو كان
[ ١٣٢ ]
عندنا غير هذا لآثرناك به! قال: فدفع إليه المائة دينار وقال: قد بعث بها إليك أمير المؤمنين. فدعا بفر وخلق لامرأته فصرها الخمسة والستة والسبعة فقسمها، فقدم حبيب على عمر فقال: يا أمير المؤمنين جئتك من عند أزهد الناس، وما عنده من الدنيا لا قليل ولا كثير. فبعث إليه عمر وقال: ما صنعت بالمائة يا عمير؟ فقال: لا تسألني عنها. قال: لتخبرني. قال: قسمتها بيني وبين إخواني من المهاجرين والأنصار. قال: فأمر له بوسقين من طعام وثوبين. قال: يا أمير المؤمنين أما الثوبان فأقبل، وأما الوسقان فلا حاجة لي بهما عند أهلي صاع من بر، هو كافيهم حتى أرجع إليهم! وروي أن عمر بن الخطاب ﵁ صر أربعمائة دينار وقال للغلام: اذهب بها إلى أبي عبيدة بن الجراح. ثم تلكأ ساعة في البيت حتى ترى ما يصنع، فذهب بها الغلام إليه وقال: يقول لك أمير المؤمنين اجعل هذه في بعض حاجتك. قال: وصله الله ورحمه. ثم قال: يا جارية اذهبي بهذه السبعة إلى فلان، وهذه الخمسة إلى فلان حتى أنفذها. فرجع الغلام إلى عمر فأخبره، ووجده قد أعد مثلها لمعاذ بن جبل وقال: اذهب بها إلى معاذ بن جبل وتلكأ بالبيت حتى تنظر ما يصنع فيها. فذهب بها إليه وقال: إن أمير المؤمنين يقول لك اجعل هذه في بعض حاجتك. فقال: ﵀ ووصله. ثم قال: يا جارية اذهبي إلى فلان بكذا وإلى فلان بكذا. فقالت امرأة معاذ: ونحن والله مساكين فأعطنا ولم يبق في الخرقة إلا ديناران فرمى بهما إليها، فرجع الغلام فأخبر عمر فقال عمر: إنهم إخوة بعضهم من بعض.