قال الله تعالى: ﴿وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ*هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ*مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ*عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ﴾ (القلم١٣: ١٠) . فذكر الله ﷿ في القرآن العزيز أصناف أهل الكفر والإلحاد وأهل اللمز والفسق والظلم وأشباههم، ولم يسب سبحانه أحدًا منهم إلا النمام في هذه الآية، وحسبك بها خسة ورذيلة وسقوطا وضعة. وهذه الآية نزلت في الوليد بن المغيرة في أصح الأقوال، والهماز: المغتاب الذي يأكل لحوم الناس الطاعن فيهم، وقال الحسن البصري: هو الذي يغمز بأخيه في المجلس وهو الهمزة اللمزة. والعتل في اللغة: الغليظ الجافي، وأصله من المعتل وهو الدفع بقوة وعنف. وقال أمير المؤمنين علي ابن أبي طالب والحسن البصري ﵄: العتل الفاحش السيء الخلق. وقال ابن عباس ﵄: العتل الغليظ الشديد المنافق. وقال عبيد بن عمير: العتل الأكول الشروب القوي الشديد يوضع في الميزان فلا يزن شعيرة. وقال بنان: هو الجافي القاسي اللئيم العسر. وقال مقاتل: العتل الضخم: وقال الكلبي هو الشديد في كفره وكل شديد عند العرب عتل. وقيل: العتل الشديد الخصومة بالباطل. والزنيم: وهو الدعي الذي لا يعرف من أبوه؛ قال حسان بن ثابت ﵁:
وذاك زنيم نيط من آل هاشم
كما نيط خلف الراكب القدح القرد
وقال غيره:
زنيم ليس يعرف من أبوه
بغي الأم ذو حسب لئيم
وقال أكثر النقلة: هذا رجل إنما ادعاه أبوه بعد ثماني عشرة سنة وعن هذا قول القدماء: لا يكون
[ ١٥٤ ]
نماما إلا وفي نسبه شيء. وسعى رجل إلى بلال بن أبي بردة برجل، وكان أميرًا على البصرة فقال: انصرف حتى أكشف عن أمرك. فكشف عنه فإذا هو ابن بغي يعني ولد زنا. وقال أبو موسى الأشعري ﵁: لا يبغي على الناس إلا ولد بغي. وقيل: الزنيم الذي له زنمة في عنقه يعرف بها كما تعرف الشاة.
وقال ابن عباس ﵄: لما وصفه الله ﷿ بتلك الخلال المذمومة لم يعرف حتى قيل زنيم، فعرف لأنه كانت له زنمة في عنقه يعرف بها كما تعرف الشاة بزنمتها، ومن ذلك قوله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ (الحجرات: ٦) نزلت في الوليد بن عقبة بن أبي معيط، بعثه النبي ﷺ إلى بني المصطلق بعد الوقعة، وكان بينه وبينهم عداوة في الجاهلية، فخرجوا يتلقونه تعظيمًا لأمر النبي ﷺ، ففزع ورجع إلى النبي ﷺ وقال: منعوني صدقاتهم وأرادوا قتلي، فغضب النبي ﷺ عليهم ثم كشف عن أمرهم فوجد ما قاله كذبًا، فنزلت هذه الآية وسماه الله تعالى فاسقًا.
ومن ذلك قوله تعالى: ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾ (المائدة: ٤٢) . فشرك الله تعالى بين السامع والقائل في القبح وساوى بينهما في الذم، فكان فيه تنبيه على أن السامع نمام في الحكم. وأما ما روي فيه عن النبي ﷺ فروى مسلم في الصحيح عن هشام قال: كنا مع حذيفة فقيل له إن ههنا رجلًا يرفع الحديث إلى عثمان ابن عفان ﵁. فقال حذيفة: سمعت رسول الله ﷺ يقول: لا يدخل الجنة قتات، وفي لفظ آخر نمام. وروي أن النبي ﷺ قال: ألا أخبركم بشراركم؟ قالوا: بلى يا رسول الله. قال: شراركم المشاؤون بالنميمة المفسدون بين الأحبة الباغون العيوب. وروى أبو هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: ملعون ذو الوجهين، ملعون ذو اللسانين، ملعون كل شغاز ملعون كل قتات، ملعون كل منان. والشغاز: المحرش بين الناس يلقي بينهم العداوة والقتات: النمام والمنان الذي يعمل الخير ويمن به.
وروى ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ مر بقبرين فقال: إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير: أما أحدهما فكان لا يستبري من البول، وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة، ثم أخذ جريدة رطبة فشقها نصفين وغرز في كل قبر واحدة فقالوا: يا رسول الله لم فعلت هذا فقال: لعله يخفف عنهما ما لم ييبسا وذلك لبركة يده ﷺ. وأما السعاية إلى السلطان أو إلى كل ذي قدرة ومكنة، فهي المهلكة والحالقة لأنها تجمع إلى مذمة الغيبة ولؤم النميمة التغرير بالنفوس والأموال، والقدح في المنازل والأحوال وتسلب العزيز عزه وتحط المكين عن مكانته والسيد عن مرتبته، فكم من دم أراقه سعي ساع وكم حريم استبيح بنميمة نمام، وكم من صفيين تقاطعًا ومن متواصلين تباعدًا، ومن محبين تباغضًا ومن إلفين تهاجرًا ومن زوجين افتراقًا، فليتق الله ربه رجل ساعدته الأيام وتراخت عنه الأقدار أن يصغي لساع أو يستمتع لنمام.
روى ابن قتيبة أن النبي ﷺ قال: الجنة لا يدخلها ديوث ولا قلاع. فالديوث الذي يجمع بين الرجال والنساء، سمي بذلك لأنه يدث بينهم. والقلاع الساعي الذي يقع في الناس عند الأمراء لأنه يقصد الرجل المكين عند السلطان فلا يزال يقع فيه حتى يقلعه. وقال كعب: أصاب الناس قحط شديد على عهد موسى ﵊، فخرج موسى ليستسقي ببني إسرائيل فلم يسقوا ثم خرج الثانية فلم يسقوا ثم خرج الثالثة فأوحى الله تعالى إليه: يا موسى إني لا أستجيب لك ولا لمن معك، فإن فيكم نمامًا، فقال موسى: يا رب من هو حتى
[ ١٥٥ ]
نخرجه من بيتنا؟ فأوحى الله تعالى إليه: يا موسى أنهاكم عن النميمة وآيتها فأكون نمامًا فتابوا فأرسل الله تعالى عليهم الغيث. ولما لقي أسقف نجران عمر بن الخطاب ﵁ قال: يا أمير المؤمنين احذر قاتل الثلاثة. قال: ومن قاتل الثلاثة؟ قال: الرجل يأتي الإمام بالحديث الكذب فيقبله الإمام، فيكون قد قتل نفسه وصاحبه وإمامه، فقال عمر ﵁: ما أراك أبعدت.
ووجدنا في حكم القدماء أبغض الناس إلى الله ﷿ المثلث. قال الأصمعي: هو الرجل يسعى بالنميمة في أخيه إلى الإمام فيهلك نفسه وأخاه وإمامه. وذكر الرجل السعاة عند المأمون فقال: لو لم يكن من عيبهم إلا أنهم أصدق ما يكون أبغض ما يكون عند الله ﷿. وقال حكيم الفرس: الصدق زين على كل أحد إلا السعاية، فإن الساعي أذم وآثم ما يكون إذا صدق. ولله در الإسكندر حين وشى إليه واش برجل فقال له الإسكندر: إن شئت قبلناك على صاحبك بشرط أن نقبله عليك، وإن شئت أقلناك. قال: أقلني. قال: قد أقلناك، كف عن الشر يكف عنك الشر. وروي أن رجلًا سعى بجار له عند الوليد بن عبد الملك فقال له الوليد: أما أنت فتخبرنا أنك جار سوء فإن شئت أرسلنا معك، فإن كنت صادقًا أبغضناك وإن كنت كاذبًا عاقبناك، وإن شئت تركناك. قال: فاتركني يا أمير المؤمنين. فقال: قد تركناك! ومن أعجب العجب أن الرجل يشهد عندك في تافه بقل فلا تقبله حتى تسأل عنه: هل هو من أهل الثقة والعدالة والصيانة أم لا؟ ثم ينم عندك بحديث فيه الهلاك وفساد الأحوال فتقبله. وقال يحيى بن زيد: قلت للحسن بن علي ﵄ لما سقي السم: أخبرني من سقاك. فدمعت عيناه وقال: أنا في آخر قدم من الدنيا وأول قدم من الآخرة، أتأمرني أن أغمز؟ وقال رجل للمهدي: عندي نصيحة يا أمير المؤمنين. قال: لمن نصيحتك هذه ألنا أم لعامة المسلمين أم لنفسك؟ قال: لك يا أمير المؤمنين. قال مهدي: ليس الساعي بأعظمهم عورة ولا بأقبح حالًا ممن قبل سعايته، ولا يخلوا من أن تكون حاسد نعمة فلا يشفى لك غيظك، أو عدوا فلا يعاقب لك عدوك. ثم أقبل على الناس وقال: يا أيها الناس لا ينصح لنا ناصح إلا بما لله فيه رضى وللمسلمين فيه صلاح.
وروي أن رجلًا سعى برجل إلى الفضل بن سهل فوقع على ظهر كتابه: نحن نرى قبول السعاية أسوأ من السعاية لأن السعاية دلالة والقبول إجازة، وليس من دل على شيء كمن قبل وجاز لأن من فعل أشر ممن قال. وروي أن رجلًا رفع إلى المنصور نصيحة فوقع على ظهرها: هذه النصيحة لم يرد بها وجه الله تعالى، ولا جواب عندنا لمن آثرنا على الله تعالى. وروي أن رجلًا قال للمأمون يا أمير المؤمنين الله الله في أصحاب الأخبار فإنهم قوم إذا أعطوا مدحوا، وإن حرموا ذموا وهم كاذبون! فقال المأمون: لله درها من كلمة ما أصدقها وأبين فضلها! وأمر أن يثبت في ديوان أصحاب الأخبار.
قال مروان ابن زنباع العبسي: يا بني عبس احفظوا عني ثلاثًا: من نقل إليكم نقل عنكم، وإياكم والتزويج في البيوت السوء، واستكثروا من الصديق ما استطعتم، واستقلوا من العدو ما استطعتم فإن استكثاره ممكن. وقال بعض الحكماء: احذروا أعداء العقول ولصوص المودات، وهم السعاة والنمامون إذا سرق اللصوص المتاع سرقوا هم المودات. وقال حكيم العرب: إياك والسعاة فإنهم أعداء عقلك ولصوص عدلك فيفرقون بين قولك وفعلك وفي المثل السائر: من أطاع الواشي ضيع الصديق، وقد تقطع الشجرة بالفؤوس فتنبت ويقطع اللحم بالسيف فيندمل
[ ١٥٦ ]
واللسان لا يندمل جرحه، وأحق الناس برعاية ما رسمته من هذه الخلال، ونقلته من هذه الحكم واستودعته من هذه السيرة من آتاه الله ﷿ سلطانًا ومكن له في الأرض، فذو القدرة إذا أطاع الواشي أهلك العالم.
وكان بعض الحكماء يقول: من أراد أن يسلم من الإثم وتبقى له الإخوان فيجعل نفسه بينه وبينهم قاضيًا عدلًا ويحكم بالحق، ولا يقبل أحدًا في أحد ولا في نفسه إلا بشهود وتعديل، فإنا قد أحببنا بقول أقوام وأبغضنا بقول آخرين، فأصبحنا على ما فعلنا نادمين. ومن لطيف حكمة الله تعالى في النميمة: لما علم ﷿ شؤمها واستطارة شرها وعموم مضرتها في الورى، حكم بفسق النمام حتى لا يقبل له قول فيستريح الخلق من شره وقال ابن عمر ﵄: وفد الحاج وفد الله ووفد الشيطان قوم يرسلهم السلطان إلى الناس ويسألهم عن حالهم، فيخبرونه أنهم راضون وليسوا براضين.
واعلموا أن الله تعالى خلق الإنسان على أنحاء شتى لسنا نذكرها الآن لكثرتها وطول تتبعها، فخلق الله تعالى له الحواس الشريفة والأعضاء النافعة الرئيسة، فمن أفضل ما ركب في اللسان الذي هو آلة النطق والبيان، وبه فصل بينه وبين البهائم ثم فضله على سائر الحيوان وامتن به عليه في أول سورة الرحمن فقال تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ*عَلَّمَ الْقُرْآنَ*خَلَقَ الْأِنْسَانَ*عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾ (الرحمن٤: ١) . وخلق فيه أيضًا أعضاء تذل وتستهان وجعلها مجرى لفضول الطعام والشراب، فمن تتبع سقطات الكلام وتروى عثرات الأنام التي هي كالعورات الواجب سترها ودفنها، كان قد استعمل أشرف الآلات في أخس المستعملات، فصار كمن يلحس بلسانه سؤة أخيه إذ جعل أكرم جوارحه لاحسًا لأدناس المستعرضين، ورضي أن يقع من الناس موقع الذباب من الطير يتتبع نغل الجسد ويتحامى صحيحه، وقد كان له في نشر المحاسن شغل، ولكن أهل كل ذي حال أولى بها.
وفي هذا سبق المثل: إن لم تكن ملحًا تصلح فلا تكن ذبابًا تفسد، ومن لم يقدر على جمع الفضائل فلتكن همته ترك الرذائل، وإذا تتبع الإمام عورات الناس أفسدهم. وروي أن النبي ﷺ هم بالخروج يومًا فشعر بأناس من أصحابه يضحكون فامتنع من الخروج إليهم حذرًا أن لا يفسد قلبه عليهم. ولو علم الذي يستمع أخبار الناس ماذا جنى على نفسه لعلم أن الصمم كان أهنأ لعيشه وأنعم لباله من سماع الأخبار، فإذا علم نقلة الأخبار نفاقها عنده حملوا إليه الصدق والكذب، فيكون في سماع الكذب ممن قال الله تعالى فيهم: ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾ (المائدة: ٤٢) .
ويكون في سماع الصدق حمالًا للهم حرج الصدر على الخلق، معاديًا لهم متتبعًا لعثرات الخلق وخزانًا لسقطاتهم، وقد وعى منهم ما يجب ستره وحفظ ما يجب نسيانه، ثم لا يستطيع الانتصاف من كل قائل لأنه إن كان ذا قدرة أهلك الرعية، ولا يستطيع أن يهلك جميع الرعية وإن كان سوقه لم يشف غيظه، ثم أفسد أحواله وأبغض من يجب أن يحب وأحب من يجب أن يبغض، فلا يزال يتحمل الحائف وتزيد الأحقاد والضغائن ويرصد لكل قائل يومًا يشفى صدره فيه، فما أغنى العاقل عن سماع هذه البلية. ولله در عمرو بن العاص ﵁ إذ لا جاه رجل يومًا وقال له: أما والله إن عشت لأتفرغن لك! فقال له عمرو: والآن وقعت في الشغل يا ابن أخي والسلام.