[٣١٤] قال صاحب الكتاب:
ولو أن رجلًا ولي القضاء على مصر من الأمصار، فلم يخرج من الموضع الذي فيه الخليفة، أو خرج فصار إلى مصر آخر غير المصر الذي ولي فيه، حتى أتاه رجل، فقال: أن لي حقوقًا قبل الناس في البلد الذي وليته، وقد وكلت هذا الرجل بطلب حقوقي في ذلك البلد، وقبضها، والخصومة فيها، والقاضي يعرف الوكيل والموكل، فعلى قول أبي حنفية ﵀ لا يسمع القاضي منه ذلك، ولا يقبل، فإن حضر الوكيل في البلد الذي ولي [فيه] أمره بإحضار بينته على الوكالة.
[ ٢ / ٧٠ ]
وفي قول أبي يوسف ومحمد يقضي بذلك ويقبل.
لأن القاضي إنما يصير قاضيًا إذا بلغ الموضع الذي ولي القضاء فيه، فإن العلم الحاصل له بعد تقلد القضاء قبل الوصول إلى ذلك الموضع كالعلم الحاصل له قبل تقلد القضاء.
وإن حصل له العلم قبل تقلد القضاء ثم تقلد، لا يقض بذلك العلم عند أبي حنيفة ﵁، وعندهما يقضي، فهذا كذلك.
[٣١٥] ثم من هذا الجنس ثلاث مسائل:
أحداها: إذا علم بشيء قبل تقلد القضاء، ثم تقلد القضاء.
والثانية: إذا علم بشيء يعد تقلد القضاء قبل أن يصل إلى الموضع الذي قلد القضاء فيه.
والثالثة: إذا علم في حال القضاء، ثم عزل، ثم أعيد عليه القضاء.
والكل على هذا الاختلاف.
والثاني والثالث فرع الأول.
أما الثاني فلما قلنا.
[ ٢ / ٧١ ]
وأما الثالث فلإن علم القاضي قد بطل بالعزل، فصار كأنه علم به وهو ليس بقاض، ثم قلد القضاء.
ولو كان هكذا كان عين الأول.
والحجج تعرف في كتاب أدب القاضي لمحمد ﵀.
[٣١٦] وكذا على هذا الخلاف لو علم القاضي بوجوب حق لإنسان على إنسان بإقراره، أو عاين سبب الحق في هذه الوجوه الثلاثة.
[٣١٧] وكذا على هذا الخلاف لو علم القاضي أنه أوصى إلى فلان في هذه الوجوه الثلاثة.
[٣١٨] وكذا على هذا الخلاف إذا علم القاضي أنه وكل فلانًا بالخصومة مع فلان في المصر الذي قلد فيه القضاء وقبل الوكيل هذه الوكالة في هذه الوجوه الثلاثة.
[٣١٩] ثم عندهما يقضي بذلك كله في هذه الوجوه الثلاثة.
لأن هذه الحقوق كلها سواء.
ولا يقضي بالحدود الخالصة لله تعالى؛ نحو حد الزنا وحد شرب الخمر وحد السرقة، لأنهما يلحقان هذا العلم بالعلم الحاصل في حالة القضاء، ولو علم به [في] حالة القضاء؛ بأن عاين إنسانًا زنى،
[ ٢ / ٧٢ ]
أو شرب الخمر، أو سرق، لا يقيم عليه الحدود، إلا حد القذف والقصاص، إلا رواية عن محمد ﵀ إنه قال: يفضي بعلمه، ويقيم سائر الحدود بعلمه، فكذا إذا علم في هذه الوجوه الثلاثة.
أما في الحقوق الخالصة للعباد؛ نحو المال، والقصاص، والحقوق المشتركة؛ نحو حد القذف [فإنه] يقضي بعلمه الحاصل في حالة القضاء، فكذا يقضي بهذا العلم.
وموضع هذه المسائل كتاب الحدود.
[٣٢٠] وكل أمر يريد رجل أن يثبته عند هذا القاضي ببينة يقيمها عنده وذلك قبل أن يصل إلى عمله، فإن القاضي لا يقبل ذلك ولا يسمع من شهوده في غير عمله؛ لأن القاضي إنما يصير قاضيًا إذا بلغ الموضع الذي قلد فيه القضاء؛ ألا ترى أن الأول لا ينعزل ما لم يبلغ هو البلد الذي قلد فيه القضاء، فكان هو في ذلك المكان بمنزلة واحد من الرعايا، فلا تقبل البينة.
[والله تعالى أعلم]
[ ٢ / ٧٣ ]