َ الشُّهُودُ جَمْعُ شَاهِدٍ، وَأَنْوَاعُ الشَّهَادَةِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ النَّاظِمُ فِي الْفَصْلِ الْآتِي خَمْسَةٌ، وَالشَّهَادَةُ وَالرِّوَايَةُ خَبَرَانِ غَيْرَ أَنَّ الْمُخْبَرَ عَنْهُ إنْ كَانَ عَامًّا لَا يَخْتَصُّ بِمُعَيَّنِ، فَهُوَ الرِّوَايَةُ كَقَوْلِهِ - ﵊ -: «الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» وَغَيْرِ ذَلِكَ، فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَخْتَصُّ بِشَخْصٍ مُعَيَّنٍ بَلْ هُوَ عَامٌّ فِي كُلِّ الْخَلْقِ، بِخِلَافِ قَوْلِ الْعَدْلِ عِنْدَ الْحَاكِمِ لِهَذَا عِنْدَ هَذَا دِينَارٌ، فَإِنَّهُ إلْزَامُ الْمُعَيَّنِ لَا يَتَعَدَّاهُ وَالْأَوَّلُ هُوَ الرِّوَايَةُ، وَالثَّانِي هُوَ الشَّهَادَةُ قَالَهُ الْقَرَافِيُّ، ثُمَّ أَوْرَدَ سُؤَالًا قَائِلًا مَا قَرَّرْنَاهُ مِنْ أَنَّ الشَّهَادَةَ تَتَعَلَّقُ بِجُزْئِيٍّ مَنْقُوضٍ بِأَنَّهَا قَدْ تَتَعَلَّقُ بِكُلِّيٍّ كَالشَّهَادَةِ عَلَى الْفُقَرَاءِ فِي الْوَقْفِ، وَكَذَلِكَ الرِّوَايَةُ قَدْ تَتَعَلَّقُ بِجُزْئِيٍّ كَالْإِخْبَارِ عَنْ النَّجَاسَةِ فِي الثَّوْبِ وَالْمَاءِ الْمُعَيَّنَيْنِ.
(وَأَجَابَ) عَنْ الْأَوَّلِ بِأَنَّ الْعُمُومَ فِي الشَّهَادَةِ بِالْعَرْضِ، وَالْمَقْصُودُ الْأَوَّلُ إنَّمَا هُوَ الْجُزْئِيُّ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِالْوُقُوفِ إنَّمَا هُوَ الْوَاقِفُ لِيَنْزِعَ الْمَالَ مِنْ يَدِهِ، وَكَوْنُ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ غَيْرَ مُعَيَّنٍ لَا يَقْدَحُ، وَعَنْ الثَّانِي الْإِخْبَارُ عَنْ نَجَاسَةِ الْمَاءِ الْمُعَيَّنِ إنَّمَا هُوَ بِاعْتِبَارِ وَصْفِهِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ صِفَةٌ كُلِّيَّةٌ، لَا بِاعْتِبَارِ ذَاتِهِ الْمَخْصُوصَةِ، وَلِذَلِكَ كَانَ كُلُّ مَاءٍ مُمَاثِلٍ لَهُ فِي الصِّفَةِ الَّتِي حُكِمَ عَلَيْهِ بِالنَّجَاسَةِ مُمَاثِلٌ لَهُ فِي الْحُكْمِ بِنَجَاسَتِهِ.
وَشَاهِدٌ صِفَتُهُ الْمَرْعِيَّةُ تَيَقُّظٌ عَدَالَةٌ حُرِّيَّهْ
ذَكَرَ فِي هَذَا الْبَيْتِ صِفَةَ الشَّاهِدِ الْمَقْبُولِ الشَّهَادَةِ إلَّا أَنَّ بَعْضَهَا مُصَرَّحٌ بِهِ وَبَعْضَهَا دَاخِلٌ فِيهِ بِالتَّضَمُّنِ.
(أَوَّلُهَا الْعَدَالَةُ) وَيَأْتِي تَفْسِيرُهَا فِي الْبَيْتَيْنِ بَعْدَ هَذَا. (قَالَ الشَّارِحُ): وَهِيَ مُتَضَمِّنَةٌ لِلْإِسْلَامِ الَّذِي هُوَ شَرْطٌ فِي أَدَائِهَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: ٢٨٢] وَيُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّ مَنْ لَا يُرْضَى لَيْسَ أَهْلًا لِلشَّهَادَةِ.
(الثَّانِي التَّيَقُّظُ): وَهُوَ الْفِطْنَةُ وَالتَّحَرُّزُ؛ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْغَفْلَةِ أَوْ الْبَلَهِ لَمْ يُؤْمَنْ عَلَيْهِ التَّحَيُّلُ مِنْ أَهْلِ الْحِيَلِ فَيَشْهَدُ بِالْبَاطِلِ. (قَالَ الشَّارِحُ): وَاشْتِرَاطُ التَّيَقُّظِ أَخَصُّ مِنْ اشْتِرَاطِ التَّكْلِيفِ الْمُتَضَمِّنِ لِلْعَقْلِ وَالْبُلُوغِ فَيَسْتَلْزِمُهُمَا حَسْبَ مَا مَرَّ التَّنْبِيهُ عَلَى مِثْلِ ذَلِكَ فِي شُرُوطِ الْقَاضِي؛ لِأَنَّهُ إذَا اشْتَرَطَ التَّيَقُّظَ الَّذِي لَا يُمْكِنُ أَنْ يَتَّصِفَ بِهِ إلَّا مَنْ حَصَلَ لَهُ مُطْلَقُ وَصْفِ الْعَقْلِ لِكَوْنِ التَّيَقُّظِ زِيَادَةً عَلَيْهِ فَأَحْرَى أَنْ تَحْصُلَ مَظِنَّةُ الْعَقْلِ الَّتِي هِيَ الْبُلُوغُ، فَكَيْفَ يُتَوَهَّمُ الِاكْتِفَاءُ دُونَ هَذَيْنِ الشَّرْطَيْنِ وَقَدْ اُشْتُرِطَ مَا لَا يَكُونُ تَامًّا إلَّا بَعْدَ حُصُولِهِمَا؟ وَذَلِكَ ظَاهِرٌ فَاشْتِرَاطُ التَّيَقُّظِ
[ ١ / ٥٠ ]
يَتَضَمَّنُ شَرْطَيْ الْعَقْلِ وَالْبُلُوغِ وَاكْتِفَائِهِ بِهِ دُونَهُمَا. (الثَّالِثُ الْحُرِّيَّةُ): وَهِيَ شَرْطٌ فِي الشَّاهِدِ أَيْضًا؛ لِأَنَّ قَدْرَ الْمَنَاصِبِ الدِّينِيَّةِ مِنْ الْقَضَاءِ، وَالشَّهَادَةِ، وَأَمْثَالِهِمَا لَا تَلِيقُ بِذَوِي الرِّقِّ.
(قَالَ الشَّارِحُ): " لِكَوْنِهِ بَقِيَّةً مِنْ الْبَقَايَا اللَّاحِقَةِ مِنْ شُؤْمِ الْكُفْرِ أَوْ سِوَى ذَلِكَ مِمَّا عُلِّلَ بِهِ " (قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ): " وَالْحُرِّيَّةُ شَرْطٌ اتِّفَاقًا " (قَالَ الشَّارِحُ مَا مَعْنَاهُ): إنْ حُمِلَ كَلَامُ الشَّيْخِ عَلَى الْمُنْتَصِبِ لِلشَّهَادَةِ حَسْبَمَا سَبَقَ بِهِ الِاعْتِذَارُ فِي شَرْطِ التَّيَقُّظِ فَهَلَّا اشْتَرَطَ الذُّكُورِيَّةَ لِذَلِكَ؟ وَالْجَوَابُ أَنَّهُ اكْتَفَى بِالْإِتْيَانِ فِي لَفْظِ الشَّاهِدِ بِصِيغَةِ التَّذْكِيرِ عَنْ اشْتِرَاطِ الذُّكُورِيَّةِ، أَوْ أَنَّ الذُّكُورِيَّةَ غَيْرُ مُشْتَرَطَةٍ فِي الشَّاهِدِ فِي الْإِطْلَاقِ، وَإِنَّمَا هِيَ فِي أَحْكَامٍ خَاصَّةٍ (فَإِنْ قِيلَ): شَرْطُ عَدَمِ الْوِلَايَةِ فِي الْمَالِ اُخْتُلِفَ فِيهِ وَهَلْ هُوَ مُعْتَبَرٌ عِنْدَ الشَّيْخِ فَنَقَصَهُ مِنْ النَّظْمِ فَلَمْ يَذْكُرْهُ أَوْ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ فَسَكَتَ عَنْهُ قَصْدًا؟ (فَالْجَوَابُ) أَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ لَمْ يَعْتَبِرْهُ وَكَأَنَّهُ اعْتَمَدَ عَلَى مُقْتَضَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ أَنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ فِي حَالِ الْحَجْرِ إلَّا مَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، فَمَنْ كَانَ جَارِيَ التَّصَرُّفِ عَلَى الرُّشْدِ فَأَفْعَالُهُ جَائِزَةٌ نَافِذَةٌ عِنْدَهُ وَإِنْ كَانَتْ عَلَيْهِ وِلَايَةٌ، وَمَنْ كَانَ بِعَكْسِ ذَلِكَ فَأَفْعَالُهُ كُلُّهَا عِنْدَهُ مَرْدُودَةٌ وَإِنْ كَانَ لَا وِلَايَةَ عَلَيْهِ، وَأَمَّا عَلَى مُقْتَضَى قَوْلِ مَالِكٍ فِي اعْتِبَارِ الْوِلَايَةِ فِي الْمَالِ إذَا وُجِدَتْ وَعَدَمِ اعْتِبَارِهَا إذَا لَمْ تُوجَدْ فَلَا بُدَّ مِنْ اعْتِبَارِ هَذَا الشَّرْطِ، وَيَكُونُ قَدْ نَقَصَهُ الشَّيْخُ - ﵀ - وَلَا اعْتِذَارَ عَنْ نَقْصِهِ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ إلَّا مُسَامَحَةَ قَصْدِ الِاخْتِصَارِ فِي عَدَمِ الِاسْتِيفَاءِ، اهـ بِاخْتِصَارٍ وَبَعْضُهُ بِالْمَعْنَى.
وَالْعَدْلُ مَنْ يَجْتَنِبُ الْكَبَائِرَ وَيَتَّقِي فِي الْغَالِبِ الصَّغَائِرَ
وَمَا أُبِيحَ وَهُوَ فِي الْعِيَانِ يَقْدَحُ فِي مُرُوءَةِ الْإِنْسَانِ
لَمَّا ذَكَرَ صِفَةَ الشَّاهِدِ وَكَانَتْ الْعَدَالَةُ مِنْ جُمْلَتِهَا بَيَّنَهَا فِي هَذَيْنِ الْبَيْتَيْنِ فَأَخْبَرَ أَنَّ الْعَدْلَ هُوَ الَّذِي يَجْتَنِبُ الذُّنُوبَ الْكَبَائِرَ دَائِمًا، كَالشُّرْبِ وَالسَّرِقَةِ وَنَحْوِهِمَا، وَيَتَّقِي أَيْضًا الذُّنُوبَ الصَّغَائِرَ فِي غَالِبِ أَحْوَالِهِ، وَيَتَّقِي أَيْضًا الْأَمْرَ الْمُبَاحَ الَّذِي يَقْدَحُ فِي الْمُرُوءَةِ: كَالْأَكْلِ فِي السُّوقِ، وَالْمَشْيِ حَافِيًا فِي بَلَدٍ لَا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا قَالَ وَيَتَّقِي فِي الْغَالِبِ؛ لِأَنَّ النَّادِرَ لَا يُعْتَدُّ بِهِ وَلَا يَسْلَمُ مِنْهُ إلَّا مَنْ عَصَمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، وَلِذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ: " مِنْ الرِّجَالِ رِجَالٌ لَا تُذْكَرُ عُيُوبُهُمْ " قَالَ ابْنُ يُونُسَ: " إذَا كَانَ عَيْبُهُ خَفِيفًا " وَالْأَمْرُ كُلُّهُ حَسَنٌ فَلَا يُذْكَرُ الْيَسِيرُ الَّذِي لَيْسَ بِمَعْصُومٍ مِنْهُ أَحَدٌ فِي الصَّلَاحِ، وَقَدْ حَدَّ بَعْضُهُمْ الْعَدَالَةَ بِقَوْلِهِ: هِيَ اجْتِنَابُ الْكَبَائِرِ، وَتَوَقِّي الصَّغَائِرِ، وَحِفْظُ الْمُرُوءَةِ وَقَيَّدَ الشَّيْخُ خَلِيلٌ الصَّغَائِرَ بِصَغَائِرِ الْخِسَّةِ قَالُوا: كَتَطْفِيفِ حَبَّةٍ، أَوْ سَرِقَةٍ، وَأَمَّا غَيْرُهَا كَالنَّظَرِ لِأَجْنَبِيَّةٍ فَلَا تَقْدَحُ، وَفِي تَقْسِيمِ الذُّنُوبِ إلَى كَبَائِرَ وَصَغَائِرَ خِلَافٌ اُنْظُرْ الدُّرَّ الثَّمِينَ فِي شَرْحِ الْمُرْشِدِ الْمُعِينِ.
فَالْعَدْلُ ذُو التَّبْرِيزِ لَيْسَ يَقْدَحُ فِيهِ سِوَى عَدَاوَةٍ تُسْتَوْضَحُ
[ ١ / ٥١ ]
وَغَيْرُ ذِي التَّبْرِيزِ قَدْ يُجَرَّحُ بِغَيْرِهَا مِنْ كُلِّ مَا يُسْتَقْبَحُ
ذَكَرَ فِي الْبَيْتَيْنِ مَا لَا يُجَرَّحُ بِهِ الشَّاهِدُ وَمَا يُجَرَّحُ بِهِ، وَحَاصِلُهُ أَنَّ الْعَدْلَ مُبَرِّزٌ وَغَيْرُ مُبَرِّزٍ، فَالْمُبَرِّزُ لَا يُقْدَحُ فِيهِ وَلَا يُجْرَحُ إلَّا بِالْعَدَاوَةِ يَعْنِي: وَالْقَرَابَةَ، وَأَمَّا غَيْرُهُ فَيُقْدَحُ فِيهِ وَيُجَرَّحُ بِالْعَدَاوَةِ وَالْقَرَابَةِ وَغَيْرِهِمَا مِنْ كُلِّ قَبِيحٍ.
(قَالَ اللَّخْمِيُّ): " يُسْمَعُ الْجَرْحُ فِي الرَّجُلِ الْمُتَوَسِّطِ فِي الْعَدَالَةِ مُطْلَقًا، وَيُسْمَعُ فِي الْمُبَرِّزِ وَالْمَعْرُوفِ بِالْعَدْلِ وَالصَّلَاحِ إذَا طُلِبَ، ذَلِكَ الْمَشْهُورُ عَلَيْهِ مِنْ بَابِ الْعَدَاوَةِ، أَوْ الْهِجْرَةِ أَوْ الْقَرَابَةِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، وَاخْتُلِفَ هَلْ يُقْبَلُ فِيهِ الْجَرْحُ مِنْ وَجْهِ الْإِسْفَاهِ فَمَنَعَهُ أَصْبَغُ، وَأَجَازَهُ سَحْنُونٌ " اهـ (وَفِي الْمُخْتَصَرِ) وَقَدْحٌ فِي الْمُتَوَسِّطِ بِكُلٍّ وَفِي الْمُبَرِّزِ بِعَدَاوَةٍ، أَوْ قَرَابَةٍ وَأَنَّ بِدُونِهِمَا كَغَيْرِهِمَا عَلَى الْمُخْتَارِ، وَالْمُبَرِّزُ بِكَسْرِ الرَّاءِ الْمُشَدَّدَةِ اسْمُ فَاعِلٍ مِنْ بَرَّزَ بِالتَّشْدِيدِ إذَا فَاقَ أَصْحَابَهُ، وَكَذَلِكَ الْفَرَسُ إذَا سَبَقَ، (قَالَ فِي الْقَامُوسِ): رَجُلٌ بَرْزٌ وَبَرْزِيٌّ عَفِيفٌ مَوْثُوقٌ بِعَقْلِهِ وَرَأْيِهِ، وَقَدْ بَرُزَ كَكَرُمَ، وَبَرَّزَ تَبْرِيزًا فَاقَ أَصْحَابَهُ فَضْلًا أَوْ شَجَاعَةً، وَالْفَرَسُ عَنْ الْخَيْلِ سَبَقَهَا وَرَاكِبُهُ نَجَّاهُ. اهـ (وَفِي الْمِعْيَارِ) عَنْ التَّنْبِيهَاتِ هُوَ بِكَسْرِ الرَّاءِ الْمُشَدَّدَةِ أَيْ: ظَاهِرُ الْعَدَالَةِ سَابِقًا غَيْرَهُ مُتَقَدِّمًا فِيهَا، وَأَصْلُهُ مِنْ تَبْرِيزِ الْخَيْلِ فِي السَّبْقِ وَتَقَدُّمِ سَابِقِهَا وَهُوَ الْمُبَرِّزُ لِظُهُورِهِ وَبُرُوزِهِ أَمَامَهَا. اهـ.
قَالَ غَيْرُهُ هُوَ اسْمُ فَاعِلٍ مِنْ بَرَّزَ مُشَدَّدُ الرَّاءِ وَأَصْلُهُ بَرَزَ خَفِيفَةٌ بِمَعْنَى خَرَجَ إلَى الْبَرَازِ بِفَتْحِ الرَّاءِ وَهُوَ الْفَضَاءُ الْمُتَّسِعُ مِنْ الْأَرْضِ وَضُوعِفَ تَكْثِيرًا. اهـ (قَالَ فِي الْمِعْيَارِ) وَعَوَامُّ الْوَقْتِ، بَعْضُ الطَّلَبَةِ يَظُنُّونَ أَنَّ الْمُبَرِّزَ فِي الْعَدَالَةِ مَنْ تَصَدَّى وَبَرَزَ بِإِذْنِ الْأَمِيرِ، أَوْ الْقَاضِي لِتَحَمُّلِ الشَّهَادَةِ وَبَيْعِهَا فِي الْأَسْوَاقِ، وَلَيْسَ كَمَا ظَنُّوا وَكَانَ بَعْضُ الشُّيُوخِ يُمَثِّلُ الْمُبَرِّزَ بِالشَّيْخِ أَبِي مُحَمَّدٍ صَالِحٍ وَنُظَرَائِهِ وَمَا أَقَلَّ هَذَا الْوَصْفَ فِي هَذَا الزَّمَانِ الْمِسْكِينِ بَلْ كَادَ أَنْ يُعْدَمَ بِالْكُلِّيَّةِ، وَكُنْت وَقَفْتُ عَلَى بَعْضِ أَجْوِبَةِ شَيْخِنَا الْإِمَامِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدِ بْنِ الْعَبَّاسِ - تَغَمَّدَهُ اللَّهُ بِرَحْمَتِهِ - وَهُوَ يَقُولُ فِيهِ: " وَالتَّبْرِيزُ فِي زَمَانِنَا مَعْدُومٌ كَانْعِدَامِ بَيْضِ الْأَنْوَاقِ " (قَالَ) الشَّيْخُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ قَاسِمٍ الْقُورِيُّ: " وَالْمُبَرِّزُ فِي الْعَدَالَةِ الْمُنْقَطِعُ فِي الْخَيْرِ وَالصَّلَاحِ وَأَيْنَ هُوَ الْيَوْمَ؟ إنَّمَا هُوَ فِي وَقْتِنَا كَالْغُرَابِ الْأَعْصَمِ بَيْنَ الْغِرْبَانِ " قَالَ صَاحِبُ الْمِعْيَارِ (قُلْت): أَمَّا عَدَمُ هَذَا الْوَصْفِ وَهُوَ التَّبْرِيزُ فِي الْعَدَالَةِ، أَوْ عِزَّتُهُ فِي الْمُنْتَصِبِينَ فِي الشَّهَادَةِ مِمَّنْ أَدْرَكْنَا مِنْ عُدُولِ الْمَغْرِب الْأَوْسَطِ وَالْأَقْصَى فَغَيْر بَعِيدٍ، وَأَمَّا عَدَمُهُ أَوْ عِزَّتُهُ فِي الْمُنْتَصِبِينَ وَغَيْرِهِمْ فَغَيْرُ مُسَلَّمٍ، وَقَدْ شَاهَدْنَا مِنْهُمْ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ عَدَدًا كَثِيرًا، وَكَتَبَ مُسَلِّمًا عَلَيْكُمْ عَبْدُ اللَّهِ أَحْمَدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الْوَنْشَرِيسِيِّ - وَفَّقَهُ اللَّهُ - اهـ وَذَلِكَ بَعْدَ نَحْوِ ثَمَانِي عَشْرَةَ وَرَقَةً مِنْ نَوَازِلِ الْهِبَاتِ، وَالصَّدَقَاتِ (قُلْت): وَعَلَى مَا ذُكِرَ مِمَّا يَعْتَقِدُهُ عَوَامُّ الْوَقْتِ، وَبَعْضُ الطَّلَبَةِ يَقْرَأُ بِفَتْحِ الرَّاءِ اسْمَ مَفْعُولٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَمَنْ عَلَيْهِ وَسْمُ خَيْرٍ قَدْ ظَهَرْ زُكِّيَ إلَّا فِي ضَرُورَةِ السَّفَرْ
وَمَنْ بِعَكْسِ حَالِهِ فَلَا غِنَى مِنْ أَنْ يُزَكَّى وَاَلَّذِي قَدْ أَعْلَنَا
بِحَالَةِ الْجَرْحِ فَلَيْسَ تُقْبَلُ لَهُ شَهَادَةٌ وَلَا يُعَدَّلُ
وَمَنْ يَكُنْ مَجْهُولَ حَالٍ زُكِّيَا وَشُبْهَةٌ تُوجِبُ فِيمَا اُدُّعِيَا
حَصَرَ فِي هَذِهِ الْأَبْيَاتِ أَحْوَالَ الشَّاهِدِ غَيْرَ الْمَعْرُوفِ بِالْعَدَالَةِ بِاعْتِبَارِ افْتِقَارِهِ لِلتَّزْكِيَةِ، وَعَدَمِ افْتِقَارِهِ فَأَخْبَرَ بِأَنَّ مَنْ شَهِدَ فِي أَمْرٍ مِنْ الْأُمُورِ فَلَا يَخْلُو حَالُهُ مِنْ أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ: إمَّا أَنْ يُظْهِرَ عَلَامَةَ الْخَيْرِ عَلَيْهِ، أَوْ عَلَامَةَ الشَّرِّ، أَوْ يُعْلِنَ بِالشَّرِّ، أَوْ يُجْهَلَ حَالُهُ فَإِنْ كَانَ مِمَّنْ ظَهَرَ عَلَيْهِ عَلَامَةُ الْخَيْرِ وَالدِّينِ فَإِنَّ شَهَادَتَهُ لَا تُقْبَلُ إلَّا إذَا زُكِّيَ بِأَنْ يَشْهَدَ لَهُ اثْنَانِ فَأَكْثَرُ بِأَنَّهُ عَدْلٌ رِضًا مِمَّنْ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ إلَّا فِي السَّفَرِ أَعْنِي: شَهَادَةَ أَهْلِ الْقَافِلَةِ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عِنْدَ حَاكِمِ أَهْلِ الْقَرْيَةِ، أَوْ الْبَلْدَةِ الَّتِي حَلُّوا أَوْ مَرُّوا بِهَا، فَإِنَّ مَالِكًا وَجَمِيعَ أَصْحَابِهِ أَجَازُوا شَهَادَتَهُمْ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ وَإِنْ لَمْ يُعْرَفُوا بِعَدَالَةٍ وَلَا سُخْطَةٍ.
وَإِلَى ذَلِكَ أَشَارَ بِقَوْلِهِ: " إلَّا فِي ضَرُورَةِ السَّفَرِ " وَقَدْ تَقَدَّمَتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ قَبْلَ فَصْلِ خِطَابِ الْقُضَاةِ، وَإِنْ ظَهَرَتْ عَلَيْهِ
[ ١ / ٥٢ ]
عَلَامَةُ الشَّرِّ وَلَمْ تَتَحَقَّقْ عَلَيْهِ فَلَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ حَتَّى يُزَكَّى، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ:
وَمَنْ بِعَكْسِ حَالِهِ فَلَا غِنَى مِنْ أَنْ يُزَكَّى وَاَلَّذِي قَدْ أَعْلَنَا
وَإِنْ كَانَ مُعْلِنًا بِالشَّرِّ وَمَا لَا يَلِيقُ فَلَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ وَلَا يَصِحُّ تَعْدِيلُهُ؛ لِأَنَّ حَالَتَهُ الَّتِي أَعْلَنَ بِهَا مُكَذِّبَةٌ لِمَنْ يُرِيدُ تَعْدِيلَهُ وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ:
وَاَلَّذِي قَدْ أَعْلَنَا بِحَالَةِ الْجَرْحِ فَلَيْسَ تُقْبَلُ لَهُ شَهَادَةٌ وَلَا يُعَدَّلُ
وَإِنْ كَانَ مَجْهُولَ الْحَالِ فَلَمْ يَظْهَرْ عَلَيْهِ وَسْمُ خَيْرٍ وَلَا شَرٍّ فَلَا بُدَّ مِنْ تَزْكِيَتِهِ، وَمَعَ ذَلِكَ فَلَا تُهْمَلُ شَهَادَتُهُ كَمَنْ ظَهَرَتْ عَلَيْهِ عَلَامَةُ الشَّرِّ، بَلْ لَهَا مَزِيَّةٌ وَهِيَ أَنَّ شَهَادَتَهُ تُوجِبُ شُبْهَةً فِي الْمُدَّعَى فِيهِ قَبْلَ تَزْكِيَتِهِ إلَى أَنْ تَثْبُتَ التَّزْكِيَةُ، فَيَتَرَتَّبُ الْحُكْمُ عَلَى الشَّهَادَةِ، أَوْ يُعْجَزُ عَنْ التَّزْكِيَةِ فَتَضْمَحِلُّ الشُّبْهَةُ الْمُتَرَتِّبَةُ عَلَى الشَّهَادَةِ.
(قَالَ الشَّارِحُ): " وَإِذَا أَوْجَبَتْ شَهَادَةُ الْمَجْهُولِ الْحَالِ شُبْهَةً فِي الْمُدَّعَى فِيهِ فَأَحْرَى أَنْ تُوجِبَهَا شَهَادَةُ مَنْ ظَهَرَتْ عَلَيْهِ سِمَةُ الْخَيْرِ " (وَفِي الْعُتْبِيَّةِ) سُئِلَ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ الشَّاهِدِ لَا يَعْرِفُهُ الْقَاضِي بِعَدَالَةٍ وَلَا بِحَالٍ فَاسِدَةٍ وَهُوَ مِمَّنْ يَشْهَدُ الصَّلَاةَ فِي الْمَسَاجِدِ وَلَا يَعْرِفُهُ بِأَمْرٍ قَبِيحٍ أَتُجِيزُ شَهَادَةً أَمْ لَا؟ فَقَالَ: " لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَقْبَلَ إلَّا عَدْلًا ثَابِتَ الْعَدَالَةِ " (قَالَ ابْنُ رُشْدٍ): هَذَا قَوْلُ جُمْهُورِ أَهْلِ الْعِلْمِ وَمَذْهَبُ مَالِكٍ وَجَمِيعِ أَصْحَابِهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: ٢٨٢] إذْ لَا يُرْضَى إلَّا مَنْ تُعْرَفُ عَدَالَتُهُ قَالَ: وَقَدْ أَجَازَ ابْنُ حَبِيبٍ شَهَادَةَ مَنْ ظَاهِرُهُ الْعَدَالَةُ بِالتَّوَسُّمِ فِيمَا يَقَعُ فِي الْأَسْفَارِ بَيْنَ الْمُسَافِرِينَ مِنْ الْمُعَامَلَاتِ، وَالتِّجَارَاتِ، وَالْأَكْرِيَةِ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْمُكَارِينَ مُرَاعَاةً لِقَوْلِ الْحَسَنِ وَاللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ. (وَقَالَ الْمُتَيْطِيُّ): وَأَمَّا الشَّاهِدُ الَّذِي لَا نَتَوَسَّمُ فِيهِ الْعَدَالَةَ وَلَا الْجُرْحَةَ فَلَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُ فِي مَوْضِعٍ مِنْ الْمَوَاضِعِ دُونَ تَزْكِيَتِهِ، إلَّا أَنَّ شَهَادَتَهُ شُبْهَةٌ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ، وَعِنْدَ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ فَتُوجِبُ الْيَمِينَ، وَتُوجِبُ الْقَسَامَةَ، وَتُوجِبُ الْحَمِيلَ وَتَوْقِيفَ الشَّيْءِ الْمُدَّعَى فِيهِ. (وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ الْجَزِيرِيُّ) فِي شَهَادَةِ مَنْ تُتَوَسَّمُ فِيهِ الْجُرْحَةُ: " أَنَّهَا لَا تُقْبَلُ إلَّا بِتَزْكِيَةٍ، وَلَا تَكُونُ شُبْهَةً تُوجِبُ حُكْمًا " (وَقَالَ الْمُتَيْطِيُّ): " لَا يَقْبَلُ الْقَاضِي فِيمَنْ عَلِمَ جُرْحَتَهُ تَعْدِيلًا فِيمَنْ شَهِدَ بِهِ " (وَقَالَ اللَّخْمِيُّ): " وَأَعْلَى مَنَازِلِ الشَّاهِدِ أَنَّ الْأَمْرَ فِيهِ مُشْكِلٌ وَمُتَرَدِّدٌ بَيْنَ الْعَدَالَةِ وَسُقُوطِهَا، وَقَدْ اُشْتُرِطَتْ الْعَدَالَةُ فَلَا تَجُوزُ الشَّهَادَةُ مَعَ الشَّكِّ فِي وُجُودِ ذَلِكَ الشَّرْطِ إلَّا مَنْ شُهِرَ اسْمُهُ بِالصَّلَاحِ وَالْخَيْرِ، وَقَدْ شَهِدَ فَلَا تُطْلَبُ تَزْكِيَتُهُ، وَيُحْمَلُ عَلَى مَا عُرِفَ بِهِ حَتَّى يَثْبُتَ غَيْرُ ذَلِكَ " اهـ.
وَمُطْلَقًا مَعْرُوفُ عَيْنٍ عُدِّلَا وَالْعَكْسُ حَاضِرًا وَإِنْ غَابَ فَلَا
يَعْنِي أَنَّ الشَّاهِدَ الَّذِي يَحْتَاجُ إلَى التَّزْكِيَةِ لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَكُونَ مَعْرُوفَ الْعَيْنِ فَيُعَدَّلُ، سَوَاءٌ كَانَ حَاضِرًا بِمَجْلِسِ الْقَاضِي أَوْ غَائِبًا عَنْهُ وَعَلَى ذَلِكَ نَبَّهَ بِالْإِطْلَاقِ وَإِنْ كَانَ مَعْرُوفَ الْعَيْنِ وَهُوَ مَجْهُولُ الْعَيْنِ وَهُوَ الَّذِي عُنِيَ بِالْعَكْسِ فَلَا يُعَدَّلُ إلَّا حَاضِرًا عَلَى عَيْنِهِ، وَأَمَّا مَعَ غَيْبَتِهِ فَلَا (قَالَ الشَّارِحُ): " وَهَلْ يُحْمَلُ قَوْلُهُ: " مَعْرُوفُ عَيْنٍ " عَلَى مَنْ يَعْرِفُهُ الْحَاكِمُ الَّذِي يُزَكَّى بَيْنَ يَدَيْهِ عَيْنُهُ، أَوْ عَلَى مَا هُوَ أَعْلَمُ مِنْ ذَلِكَ مِمَّنْ عَرَفَ عَيْنَهُ النَّاسُ، سَوَاءٌ عَرَفَ الْحَاكِمُ عَيْنَهُ أَوْ لَمْ يَعْرِفْهُ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ قَصَدَ الْأَوَّلَ، وَعَلَيْهِ يَدُلُّ قَوْلُ ابْنِ أَبِي زَمَنِينَ فِي الْمُنْتَخَبِ قَالَ: " وَفِي الْمُدَوَّنَةِ قَالَ سَحْنُونٌ قُلْت لِابْنِ الْقَاسِمِ أَيُزَكَّى الشَّاهِدُ وَهُوَ غَائِبٌ عَنْ الْقَاضِي؟ قَالَ: نَعَمْ قَالَ مُحَمَّدٌ: وَهَذَا فِي الرَّجُلِ الَّذِي يَعْرِفُهُ، وَأَمَّا مَنْ لَا يَعْرِفُهُ فَلَا تَكُونُ التَّزْكِيَةُ إلَّا عَلَى عَيْنِهِ " وَهَذَا مِنْ أَصْلِ قَوْلِهِمْ. وَعَلَى الْمَحْمَلِ الثَّانِي يَدُلُّ مَا نَقَلَهُ ابْنُ يُونُسَ عَنْ سَحْنُونٍ (قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ): وَفِيهَا يُزَكَّى الشَّاهِدُ وَهُوَ غَائِبٌ عَنْ الْقَاضِي (الصَّقَلِّيِّ) عَنْ سَحْنُونٍ مَعْنَاهُ إنْ كَانَ مَشْهُورًا، فَأَمَّا غَيْرُ الْمَعْرُوفِ فَلَا يُزَكَّى إلَّا بِحَضْرَتِهِ (عَبْدُ الْحَقِّ) مَعْنَاهُ إنْ كَانَ غَائِبًا عَنْ مَجْلِسِ الْقَاضِي وَهُوَ حَاضِرٌ الْبَلَدَ أَوْ قَرِيبٌ جِدًّا وَمَنْ بَعُدَتْ غَيْبَتُهُ جَازَتْ تَزْكِيَتُهُ كَمَا يُقْضَى عَلَيْهِ وَنَحْوُهُ لِأَبِي مُحَمَّدٍ يَعْنِي ابْنَ أَبِي زَيْدٍ.
وَشَاهِدٌ تَعْدِيلُهُ بِاثْنَيْنِ كَذَاكَ تَجْرِيحٌ مُبَرِّزَيْنِ
وَالْفَحْصُ مِنْ تِلْقَاءِ قَاضٍ قَنَعَا فِيهِ بِوَاحِدٍ فِي الْأَمْرَيْنِ مَعَا
[ ١ / ٥٣ ]
يَعْنِي أَنَّ التَّعْدِيلَ وَالتَّجْرِيحَ لِلشَّاهِدِ لَا يَثْبُتُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إلَّا بِعَدْلَيْنِ مُبَرِّزَيْنِ (قَالَ الشَّارِحُ): هَذَا هُوَ الَّذِي جَرَى بِهِ الْعَمَلُ وَمَضَتْ بِهِ الْأَحْكَامُ، وَإِذَا كَانَ الْفَحْصُ فِي ذَلِكَ مِنْ قِبَلِ الْقَاضِي فَإِنَّهُ يَقْنَعُ فِيهِ بِالْوَاحِدِ فِي الْأَمْرَيْنِ مَعًا، أَعْنِي فِي التَّجْرِيحِ وَالتَّعْدِيلِ، وَوَجْهُ ذَلِكَ خُرُوجُهُ مِنْ بَابِ الشَّهَادَةِ
[ ١ / ٥٤ ]
إلَى بَابِ الْخَبَرِ وَلَا خَفَاءَ بِأَنَّ الشَّهَادَةَ يُشْتَرَطُ فِيهَا التَّعَدُّدُ مَعَ الْعَدَالَةِ وَسَائِرِ مَا يُشْتَرَطُ فِي الشَّاهِدِ، وَأَنَّ الْمُخْبِرَ غَيْرُ مُشْتَرَطٍ فِيهِ التَّعَدُّدَ فَاكْتَفَى فِي كُلِّ مَا مَرْجِعُهُ إلَى بَابِ الْخَبَرِ بِوَاحِدٍ (قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ) قَالَ مَالِكٌ: " وَلَا يُقْبَلُ فِي التَّزْكِيَةِ أَقَلُّ مِنْ رَجُلَيْنِ وَإِنْ اقْتَضَى الْقَاضِي رَجُلًا لِلْكَشْفِ جَازَ أَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ مَا نُقِلَ مِنْ التَّزْكِيَةِ عَنْ رَجُلَيْنِ لَا أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ " (وَقَالَ سَحْنُونٌ): " لَا يَجُوزُ فِي التَّزْكِيَةِ فِي الْعَلَانِيَةِ إلَّا الْمُبَرِّزُ النَّافِذُ، الْفَطِنُ الَّذِي لَا يُخْدَعُ فِي عِلْمِهِ، وَلَا يُسْتَزَلُّ فِي رَأْيِهِ " اهـ (فَفِي كِتَابِ ابْنِ يُونُسَ) قَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ: " وَكُلُّ مَا يَبْتَدِئُ الْقَاضِي السُّؤَالَ عَنْهُ وَالْكَشْفَ مِنْ الْأُمُورِ فَلَهُ أَنْ يَقْبَلَ فِيهِ قَوْلَ الْوَاحِدِ، وَمَا لَمْ يَبْتَدِئْهُ هُوَ وَإِنَّمَا يُبْتَدَأُ بِهِ إلَيْهِ فِي ظَاهِرٍ، أَوْ بَاطِنٍ فَلَا بُدَّ مِنْ شَاهِدَيْنِ فِيهِ " (وَقَالَ اللَّخْمِيُّ): " الْعَدَالَةُ تَثْبُتُ بِشَهَادَةِ رَجُلَيْنِ إذَا كَانَ التَّعْدِيلُ مِنْ الْقَائِمِ بِالشَّهَادَةِ، اُخْتُلِفَ إذَا كَانَ ذَلِكَ بِمَسْأَلَةٍ مِنْ الْقَاضِي سَأَلَ مَنْ حَضَرَهُ، أَوْ بِمَسْأَلَةِ مَنْ يَكْشِفُهُ سَأَلَ مَنْ حَضَرَهُ أَوْ مَضَى إلَى مَنْ يَسْأَلُهُ فَقِيلَ لَا يُقْبَلُ أَقَلُّ مِنْ رَجُلَيْنِ؛ لِأَنَّهَا شَهَادَةٌ وَقِيلَ: وَاحِدٌ؛ لِأَنَّهَا مِنْ بَابِ الْخَبَرِ وَاسْتَحْسَنَ اللَّخْمِيُّ الْأَوَّلَ " قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: السُّؤَالُ عَنْ الشُّهُودِ فِي السِّرِّ هُوَ تَعْدِيلُ السِّرِّ وَهُوَ مِمَّا يَنْبَغِي لِلْقَاضِي أَنْ يَفْعَلَهُ وَلَا يَكْتَفِي بِتَعْدِيلِ الْعَلَانِيَةِ دُونَهُ، وَلَهُ أَنْ يَكْتَفِيَ بِتَعْدِيلِ السِّرِّ دُونَ تَعْدِيلِ الْعَلَانِيَةِ، وَتَعْدِيلُ السِّرِّ لَا عُذْرَ فِيهِ وَيُجْزِئُ فِيهِ الشَّاهِدُ الْوَاحِدُ، وَإِنْ كَانَ الِاخْتِيَارُ اثْنَيْنِ بِخِلَافِ تَعْدِيلِ الْعَلَانِيَةِ. وَمُبَرِّزَيْنِ أَعْرَبَهُ بَعْضُهُمْ صِفَةً لِاثْنَيْنِ وَفِيهِ الْفَصْلُ بَيْنَ الصِّفَةِ وَالْمَوْصُوفِ بِجُمْلَةِ كَذَاك تَجْرِيحٌ.
وَمَنْ يُزَكِّ فَلْيَقُلْ عَدْلٌ رِضَا وَبَعْضُهُمْ يُجِيزُ أَنْ يُبَعَّضَا
يَعْنِي أَنَّ التَّزْكِيَةَ إنَّمَا تَكُونُ بِهَذَيْنِ اللَّفْظَيْنِ مَعًا، وَهُوَ أَنْ يَقُولَ الشَّاهِدُ الْمُزَكِّي بِالْكَسْرِ فِي الْمُزَكَّى بِالْفَتْحِ هُوَ عَدْلٌ رِضًا، (قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ): لَا يُجْزِئُ فِي التَّعْدِيلِ إلَّا الْقَوْلُ بِأَنَّهُمْ عُدُولٌ مَرْضِيُّونَ. اهـ وَهَذَا هُوَ التَّعْدِيلُ التَّامُّ عِنْدَ مَالِكٍ وَجَمِيعِ أَصْحَابِهِ وَنُقِلَ عَنْ بَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ جَوَازُ الِاكْتِفَاءِ بِقَوْلِهِ رِضًا، وَنُقِلَ عَنْ سَحْنُونٍ أَنَّهُ إنْ اقْتَصَرَ عَلَى قَوْلِهِ عَدْلٌ أَجْزَأَهُ، وَعَلَى ذَلِكَ نَبَّهَ بِقَوْلِهِ:
وَبَعْضُهُمْ يُجِيزُ أَنْ يُبَعَّضَا
قَالَ اللَّخْمِيُّ: إذَا عُلِمَ مِنْهُ بَعْدَ الْمُخَالَطَةِ اجْتِنَابُ الْكَذِبِ، وَاجْتِنَابُ الْكَبَائِرِ، وَالْوَفَاءُ بِالْأَمَانَةِ جَازَ أَنْ يُعَدِّلَهُ وَإِذَا قَالَ الْمُعَدِّلُ: عَدْلٌ رِضًا صَحَّتْ الْعَدَالَةُ، وَاخْتُلِفَ إذَا اخْتَصَرَ عَلَى أَحَدِ الْكَلِمَتَيْنِ فَقَالَ: عَدْلٌ أَوْ قَالَ رِضًا هَلْ يَكُونُ ذَلِكَ تَعْدِيلًا أَوْ لَا؟ .
وَالْمَسْأَلَةُ عَلَى وَجْهَيْنِ فَإِنْ قَالَ إحْدَى الْكَلِمَتَيْنِ وَلَمْ يُسْأَلْ عَنْ الْأُخْرَى فَهُوَ تَعْدِيلٌ؛ لِأَنَّ الْعَدْلَ مِمَّنْ يَرْضَى لِلشَّهَادَةِ وَالرِّضَى عَدْلٌ، وَقَدْ وَرَدَ الْقُرْآنُ بِقَبُولِ شَهَادَةِ مَنْ وُصِفَ بِإِحْدَى الْكَلِمَتَيْنِ، وَإِنْ وَصَفَ الْمُعَدِّلُ بِإِحْدَى الْكَلِمَتَيْنِ فَسُئِلَ عَنْ الْأُخْرَى فَوَقَفَ كَانَ ذَلِكَ رِيبَةً فِي تَعْدِيلِهِ، وَيُسْأَلُ عَنْ السَّبَبِ فِي وُقُوفِهِ فَقَدْ يَذْكُرُ وَجْهًا يَرِيبُ فَمُوقَفٌ عَنْهُ. اهـ ثُمَّ نَقَلَ الشَّيْخُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ الشَّاطِبِيِّ مَا حَاصِلُهُ أَنَّ الْعَدَالَةَ مُعْتَبَرَةٌ فِي كُلِّ زَمَانٍ بِأَهْلِهِ وَبِحَسَبِهِ، فَعَدَالَةُ الصَّحَابَةِ - ﵃ - لَا تُسَاوِيهَا عَدَالَةُ التَّابِعِينَ، وَعَدَالَةُ التَّابِعِينَ لَا تُسَاوِيهَا عَدَالَةُ مَنْ يَلِيهِمْ، وَكَذَلِكَ كُلُّ زَمَانٍ مَعَ مَا بَعْدَهُ إلَى زَمَانِنَا هَذَا، وَلَوْ فُرِضَ زَمَانٌ يَعْرَى عَنْ الْعُدُولِ جُمْلَةً لَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِنْ إقَامَةِ الْأَشْبَهِ فَهُوَ الْعَدْلُ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ، وَكَذَلِكَ تُعْتَبَرُ فِي كُلِّ مَكَان بِأَهْلِهِ فَلَيْسَتْ الْعُدُولُ فِي الْحَوَاضِرِ كَالْعُدُولِ فِي الْبَوَادِي اُنْظُرْ تَمَامَ كَلَامِهِ إنْ شِئْت.
(تَنْبِيهٌ) تَقَدَّمَ فِي شَرْحِ الْبَيْتَيْنِ قَبْلَ هَذَا أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي الْمُزَكِّي أَنْ يَكُونَ مُبَرِّزًا فِي الْعَدَالَةِ فَطِنًا لَا يُخْدَعُ، (وَفِي الْمَوَّاقِ) لَا يُزَكِّي الشَّاهِدُ إلَّا مَنْ خَالَطَهُ فِي الْأَخْذِ، وَالْإِعْطَاءِ وَطَالَتْ صُحْبَتُهُ إيَّاهُ فِي الْحَضَرِ وَالسَّفَرِ، اللَّخْمِيُّ وَلَا يُقْبَلُ التَّعْدِيلُ بِيَسِيرِ الْمُخَالَطَةِ، وَلَا يُقْبَلُ تَعْدِيلُهُ مِنْ غَيْرِ سُوقِهِ وَمَحَلَّتِهِ فَإِنْ وَقَفَ أَهْلُ سُوقِهِ وَمَحِلَتِهِ عَنْ تَعْدِيلِهِ فَذَلِكَ رِيبَةٌ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ عَدْلٌ قُبِلَ مِنْ سَائِرِ بَلَدِهِ، (الْمُتَيْطِيُّ) لَا يُزَكِّي الشَّاهِدَ إلَّا أَهْلُ مَسْجِدِهِ وَسُوقِهِ، وَجِيرَانُهُ رَوَاهُ أَشْهَبُ وَقَالَهُ مُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ وَلَا يُزَكِّي الشَّاهِدَ مَنْ شَهِدَ مَعَهُ أَوْ نَقَلَ مَعَهُ شَهَادَةً فِي ذَلِكَ الْحَقِّ. اهـ وَيُشْتَرَطُ فِي الْمُزَكِّي أَيْضًا أَنْ يَكُونَ مَعْرُوفًا (قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ) إنْ شَهِدَ قَوْمٌ عَلَى حَقٍّ فَعَدَّلَهُمْ قَوْمٌ غَيْرُ مَعْرُوفِينَ وَعَدَّلَ الْمُعَدِّلِينَ آخَرُونَ
[ ١ / ٥٥ ]
فَإِنْ كَانَ الشُّهُودُ غُرَبَاءَ جَازَ ذَلِكَ، وَإِنْ كَانُوا مِنْ أَهْلِ الْبَلَدِ لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّ الْقَاضِيَ لَا يَقْبَلُ عَدَالَةً عَلَى عَدَالَةٍ. اهـ.
وَكَذَلِكَ إنْ أَجَازَ الشُّهُودُ نِسَاءً فَزَكَّاهُنَّ مَنْ لَيْسَ مَعْرُوفًا وَزَكَّى الْمُزَكِّينَ آخَرُونَ جَازَ ذَلِكَ أَيْضًا، وَفِي ذَلِكَ يُذْكَرُ الْبَيْتُ الْمَنْسُوبُ لِسَيِّدِي عَبْدِ الْوَاحِدِ الْوَنْشَرِيسِيِّ - ﵀ - وَهُوَ
شَهَادَةٌ عَلَى شَهَادَةٍ هَبَا إلَّا شَهَادَةَ النَّسَا وَالْغُرَبَا
وَفِي طُرَرِ شَيْخِنَا الْإِمَامِ أَبِي مُحَمَّدٍ سَيِّدِي عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ عَاشِرٍ - ﵀ - نِسْبَةُ هَذَا الْبَيْتِ لِسَيِّدِي عَلِيِّ بْنِ هَارُونَ قَالَ: وَأَصْرَحُ مِنْ هَذَا الْبَيْتِ قَوْلِي مُصَلِّحًا لَهُ
تَعْدِيلٌ احْتَاجَ لِتَعْدِيلٍ هَبَا إلَّا مُزَكِّي امْرَأَةٍ أَوْ غُرَبَا
وَاَلَّذِي كُنْت حَفِظْته مِنْ لَفْظِهِ - ﵀ - إلَّا عَدَالَةَ نِسَا أَوْ غُرَبَا
وَهُوَ أَنْسَبُ بِصَدْرِ الْبَيْتِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، أَيْ: إلَّا تَعْدِيلَ النِّسَاءِ وَالْغُرَبَاءِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ تَعْدِيلُ مَنْ عَدَّلَهُمْ إنْ كَانَ الْمُعَدِّلُ غَيْرَ مَعْرُوفٍ، وَالْهَبَاءُ مَا يُرَى فِي الشَّمْسِ تَدْخُلُ الْبَيْتَ مِنْ كُوَّةٍ مِثْلَ الْغُبَارِ، وَلَيْسَ لَهُ حِسٌّ، وَلَا يُرَى فِي الظِّلِّ قَالَهُ فِي الْغَرِيبِ لِلْعَزِيزِيِّ، وَهُوَ فِي الْبَيْتِ الْمَذْكُورِ كِنَايَةٌ عَنْ عَدَمِ اعْتِبَارِ هَذِهِ الشَّاهِدَةِ، وَإِنَّ وُجُودَهَا كَالْعَدَمِ.
وَثَابِتُ الْجَرْحِ مُقَدَّمٌ عَلَى ثَابِتِ تَعْدِيلٍ إذَا مَا اعْتَدَلَا
يَعْنِي أَنَّ الشَّاهِدَ إذَا جَرَّحَهُ قَوْمٌ وَعَدَّلَهُ آخَرُونَ وَاسْتَوَى الْفَرِيقَانِ فِي الْعَدَالَةِ، بِحَيْثُ لَمْ يَكُنْ أَحَدُهُمَا أَعْدَلَ مِنْ الْآخَرِ فَإِنَّ مُثْبِتَ الْجَرْحِ مُقَدَّمٌ عَلَى مَنْ أَثْبَتَ الْعَدَالَةَ؛ لِأَنَّ الْمُجَرِّحِينَ عَلِمُوا مِنْ بَاطِنِ حَالِ الشَّاهِدِ الْمُجَرَّحِ مَا لَمْ يَعْلَمْهُ الْمُعَدِّلُونَ الَّذِينَ شَهِدُوا بِظَاهِرِ أَمْرِهِ وَقَوْلُهُ: " إذَا مَا اعْتَدَلَا " لَفْظَةُ مَا زَائِدَةٌ أَيْ: إنَّمَا يُقَدَّمُ التَّجْرِيحُ عَلَى التَّعْدِيلِ عِنْدَ تَسَاوِي الْبَيِّنَتَيْنِ، وَأَمَّا إنْ كَانَ إحْدَى الْبَيِّنَتَيْنِ أَعْدَلَ مِنْ الْأُخْرَى فَهِيَ مُقَدَّمَةٌ، هَذَا ظَاهِرُهُ وَظَاهِرُ مَا نَقَلَ الْمَوَّاقُ عَنْ ابْنِ عَرَفَةَ أَنَّهُمَا قَوْلَانِ قِيلَ: يُقَدَّمُ الْأَعْدَلُ مِنْ الْبَيِّنَتَيْنِ، وَقِيلَ: تُقَدَّمُ بَيِّنَةُ التَّجْرِيحِ، وَلَفْظُ ابْنِ عَرَفَةَ إنْ اجْتَمَعَ تَعْدِيلٌ وَتَجْرِيحٌ فَطُرُقٌ. رَوَى ابْنُ نَافِعٍ عَنْ مَالِكٍ فِي الشَّاهِدِ يُعَدِّلُهُ رَجُلَانِ وَيَأْتِي الْمَطْلُوبُ بِرَجُلَيْنِ يُجَرِّحَانِهِ فَقَالَ مَالِكٌ يُنْظَرُ إلَى الْأَعْدَلِ مِنْ الشُّهُودِ فَيُؤْخَذُ بِهِ، وَقَالَ ابْنُ نَافِعٍ الْمُجَرِّحَانِ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُمَا زَادَا وَيَسْقُطُ التَّعْدِيلُ، وَقَالَهُ ابْنُ أَبِي حَازِمٍ وَسَحْنُونٌ وَقَالَ: لَوْ عَدَّلَهُ أَرْبَعَةٌ وَجَرَّحَهُ اثْنَانِ وَالْأَرْبَعَةُ أَعْدَلُ أُخِذَتْ بِشَهَادَةِ الْمُجَرِّحَيْنِ؛ لِأَنَّهُمَا عَلِمَا مَا لَمْ يَعْلَمْهُ الْآخَرُونَ. اهـ وَإِلَى تَقْدِيمِ الْمُجَرِّحِ أَشَارَ الشَّيْخُ خَلِيلٌ بِقَوْلِهِ: بِخِلَافِ الْجَرْحِ وَهُوَ الْمُقَدَّمُ، وَنَقَلَ الشَّارِحُ عَنْ ابْنِ رُشْدٍ أَنَّ مَحِلَّ الْخِلَافِ إذَا قَالَ الْمُعَدِّلُونَ: هُوَ عَدْلٌ جَائِزُ الشَّهَادَةِ وَقَالَ الْمُجَرِّحُونَ: هُوَ مَسْخُوطٌ غَيْرُ جَائِزِ الشَّهَادَةِ، وَأَمَّا إذَا بَيَّنَ الْمُجَرِّحُونَ الْجُرْحَةَ فَلَا خِلَافَ أَنَّ شَهَادَتَهُمْ أَعْمَلُ مِنْ شَهَادَةِ الْمُعَدِّلِينَ وَإِنْ كَانُوا أَقَلَّ عَدَالَةً مِنْهُمْ ثُمَّ، قَالَ وَالْقَوْلُ بِأَنَّ شَهَادَةَ الْمُجَرِّحِينَ أَعْمَلُ هُوَ أَظْهَرُ الْأَقْوَالِ وَأَوْلَاهَا بِالصَّوَابِ وَعَلَيْهِ ذَهَبَ النَّاظِمُ.
وَطَالِبُ التَّجْدِيدِ لِلتَّعْدِيلِ مَعْ مُضِيِّ مُدَّةٍ فَالْأَوْلَى يُتَّبَعْ
يَعْنِي أَنَّ الشَّاهِدَ إذَا شَهِدَ وَزُكِّيَ ثُمَّ بَعْدَ مُدَّةٍ شَهِدَ شَهَادَةً أُخْرَى فَهَلْ يُحْتَاجُ إلَى تَجْدِيدِ تَزْكِيَةٍ أُخْرَى أَوْ يُكْتَفَى بِالتَّزْكِيَةِ الْأُولَى؟ قَوْلَانِ وَالْأَوْلَى مِنْهُمَا اتِّبَاعُ مَنْ طَلَبَ التَّجْدِيدَ وَإِجَابَتُهُ إلَى مَا طَلَبَهُ، (ابْنُ رُشْدٍ) الْمَجْهُولُ الْحَالِ إذَا عُدِّلَ مَرَّةً فِي أَمْرٍ ثُمَّ شَهِدَ ثَانِيَةً فَقَالَ سَحْنُونٌ: يُطْلَبُ تَعْدِيلُهُ كُلَّمَا شَهِدَ حَتَّى يَكْثُرَ تَعْدِيلُهُ، وَيَشْهَدَ مُطْلَقًا (وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ): يُكْتَفَى بِالتَّعْدِيلِ الْأَوَّلِ حَتَّى يَطُولَ سَنَةً فَلَوْ طُلِبَ تَعْدِيلُهُ بِالْقُرْبِ عَلَى قَوْلِ سَحْنُونٍ، أَوْ بِالْبُعْدِ عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ فَعُجِزَ عَنْ ذَلِكَ لِفَقْدِ مَنْ عَدَّلَهُ أَوَّلًا وَجَبَ قَبُولُ شَهَادَتِهِ؛ لِأَنَّ طَلَبَ تَعْدِيلِهِ ثَانِيَةً إنَّمَا هُوَ اسْتِحْسَانٌ (ابْنُ عَرَفَةَ) الْعَمَلُ قَدِيمًا وَحَدِيثًا عَلَى قَوْلِ سَحْنُونٍ نَقَلَهُ الْمَوَّاقِ عَلَى قَوْلِهِ وَإِنْ شَهِدَ ثَانِيًا فَفِي الِاكْتِفَاءِ بِالتَّزْكِيَةِ الْأُولَى تَرَدُّدٌ، (وَفِي الْعُتْبِيَّةِ) مِنْ سَمَاعِ عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ إنْ كَانَ ذَلِكَ قَرِيبًا مِنْ شَهَادَتِهِ الْأُولَى وَتَعْدِيلِهِ فِيهَا بِالْأَشْهَرِ وَمَا أَشْبَهَهَا، وَلَمْ يَطُلْ ذَلِكَ جِدًّا فَلَا أَرَى ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ قَدْ طَالَ رَأَيْت أَنْ يُعْذَرَ فِيهِ
[ ١ / ٥٦ ]
وَأَنْ يُسْأَلَ عَنْهُ طَلَبَ ذَلِكَ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ أَوْ لَمْ يَطْلُبْهُ، وَالسَّنَةُ عِنْدِي فِي مِثْلِ هَذَا كَثِيرٌ طَوِيلٌ؛ لِأَنَّ فِي ذَلِكَ تَغْيِيرَ الْحَالَاتِ وَتَحْدُثُ الْأَحْدَاثُ (قَالَ أَصْبَغُ): إلَّا أَنْ يَكُونَ الرَّجُلُ الْمَعْرُوفُ بِالْخَيْرِ الْمَشْهُورُ الَّذِي لَا يَحْتَاجُ مِثْلُهُ إلَى ابْتِدَاءِ السُّؤَالِ فَلَا يُسْأَلُ عَنْهُ ثَانِيَةً. اهـ.
وَالْقُرْبُ فِي ذَلِكَ الْأَشْهُرُ وَمَا دُونَ الْعَامِ وَقَدْ تَبَيَّنَ أَنَّ مَوْضُوعَ بَيْتِ النَّاظِمِ هُوَ فِي الشَّاهِدِ الْمَجْهُولِ الْحَالِ، أَمَّا الْمَعْرُوفُ بِالْعَدَالَةِ فَلَا يُبْحَثُ عَنْ تَعْدِيلِهِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ تَحْصِيلِ الْحَاصِلِ.
وَلِأَخِيهِ يَشْهَدُ الْمُبَرِّزُ إلَّا بِمَا التُّهْمَةُ فِيهِ تَبْرُزُ
يَعْنِي أَنَّ الشَّاهِدَ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَشْهَدَ لِأَخِيهِ إذَا كَانَ مُبَرِّزًا أَيْ: سَابِقًا فِي الْعَدَالَةِ وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ، وَأَمَّا غَيْرُ الْمُبَرِّزِ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَشْهَدَ لِأَخِيهِ، وَإِنَّمَا تَجُوزُ شَهَادَةُ الْمُبَرِّزِ لِأَخِيهِ إذَا لَمْ تَلْحَقْهُ فِي ذَلِكَ تُهْمَةٌ، فَإِنْ لَحِقَتْهُ تُهْمَةٌ مِثْلُ أَنْ يَنْفِيَ عَنْ أَخِيهِ وَصْمَةً، أَوْ يَدْفَعَ عَنْهُ بِشَهَادَةٍ مِحْنَةً فَإِنَّهُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ كَالشَّاهِدِ لِنَفْسِهِ لِمَا يَلْحَقُهُ مِنْ قِبَلِ أَخِيهِ بِذَلِكَ مِنْ الْمَعَرَّةِ، وَمَا يَطْرُقُهُ مِنْ إمْكَانِ التَّسَاهُلِ بِمَا يَدْفَعُ عَنْهُ، وَحَاصِلُ الْأَمْرِ أَنَّهُ يَرْجِعُ إلَى قُوَّةِ التُّهْمَةِ وَضَعْفِهَا، وَشَهَادَةُ الْأَخِ لِأَخِيهِ هِيَ إحْدَى النَّظَائِرِ الَّتِي يُشْتَرَطُ فِي شَاهِدِهَا أَنْ يَكُونَ مُبَرِّزًا. (وَقَالَ ابْنُ بَشِيرٍ): سِتَّةٌ لَا يُقْبَلُ فِيهَا إلَّا الْعَدْلُ الْمُبَرِّزُ: الشَّهَادَةُ لِلْأَخِ، وَشَهَادَةُ الْمَوْلَى لِمَنْ أَعْتَقَهُ (قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ): مَا لَمْ يَدْفَعْ بِهَا عَنْ نَفْسِهِ شَرًّا، أَوْ يَجُرَّ إلَيْهِ بِهَا مَنْفَعَةً، وَالشَّهَادَةُ لِلصَّدِيقِ الْمُلَاطِفِ، وَلِشَرِيكِهِ الْمُفَاوِضِ فِي غَيْرِ مَالِ الْمُفَاوَضَةِ وَإِذَا زَادَ فِي شَهَادَتِهِ أَوْ نَقَصَ بَعْدَ أَدَائِهَا، وَالشَّهَادَةُ فِي التَّعْدِيلِ، وَزَادَ ابْنُ رُشْدٍ، وَالْأَجِيرُ لِمَنْ اسْتَأْجَرَهُ إنْ لَمْ يَكُنْ فِي عِيَالِهِ وَمَنْ سُئِلَ فِي مَرَضِهِ شَهَادَةً لِتُنْقَلَ عَنْهُ فَقَالَ: لَا أَعْلَمُهَا ثُمَّ شَهِدَ بِهَا وَاعْتَذَرَ بِأَنَّهُ خَشِيَ فِي مَرَضِهِ عَدَمَ تَثَبُّتِهِ فِيهَا، وَإِلَى هَذِهِ النَّظَائِرِ أَشَارَ الشَّيْخُ بِقَوْلِهِ بِخِلَافِ أَخٍ لِأَخٍ إنْ بَرَّزَ وَلَوْ بِتَعْدِيلٍ وَتَأَوَّلْت أَيْضًا بِخِلَافِهِ
[ ١ / ٥٧ ]
كَأَجِيرٍ وَمَوْلًى، وَمُلَاطِفٍ وَمُفَاوِضٍ فِي غَيْرِ مُفَاوَضَةٍ، وَزَائِدٍ، وَنَاقِصٍ، وَذَاكِرٍ بَعْدَ شَكٍّ، وَتَزْكِيَةٍ
وَالْأَبُ لِابْنِهِ وَعَكْسُهُ مُنِعْ وَفِي ابْنِ زَوْجَةٍ وَعَكْسُ ذَا اتُّبِعْ
وَوَالِدَيْ زَوْجَةٍ أَوْ زَوْجَةُ أَبْ وَحَيْثُمَا التُّهْمَةُ حَالُهَا غَلَبْ
كَحَالَةِ الْعَدُوِّ وَالضَّنِينِ وَالْخَصْمِ وَالْوَصِيِّ وَالْمَدِينِ
اشْتَمَلَتْ الْأَبْيَاتُ الثَّلَاثَةُ عَلَى مَا يُرَدُّ مِنْ الشَّهَادَةِ وَلَا يُقْبَلُ لِثُبُوتِ الْمَانِعِ مِنْ قَبُولِهَا وَهِيَ التُّهْمَةُ، لِأَنَّهُ مُعَارِضٌ لِحُصُولِ شَرْطِهَا الَّذِي هُوَ الْعَدَاوَةُ، وَقَدْ عَدَّ بَعْضُهُمْ عَدَمَ الْمَانِعِ شَرْطًا، وَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ فَوُجُودُ الْمَانِعِ هُوَ تَخَلُّفُ شَرْطٍ (قَالَ الشَّارِحُ): وَلَا خَفَاءَ فِي ظُهُورِ التُّهْمَةِ فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ الَّتِي عَدَّدَهَا وَهِيَ: شَهَادَةُ الْأَبِ لِابْنِهِ، وَشَهَادَةُ الِابْنِ لِأَبِيهِ وَهِيَ الَّتِي عَبَّرَ عَنْهَا بِقَوْلِهِ: " وَعَكْسُهُ مُنِعَ "، وَشَهَادَةُ الرَّجُلِ لِابْنِ زَوْجَتِهِ، وَشَهَادَةُ الرَّجُلِ لِزَوْجِ أُمِّهِ وَهِيَ الَّتِي عَبَّرَ عَنْهَا بِقَوْلِهِ: " وَعَكْسُ ذَا اُتُّبِعَ "، وَشَهَادَةُ الرَّجُلِ لِوَالِدَيْ زَوْجَتِهِ، أَوْ زَوْجَةِ أَبِيهِ وَمَا نَصَّ عَلَيْهِ الشَّيْخُ مِنْ هَذِهِ الْقَضَايَا مُسَاوٍ لِمَا سَكَتَ عَنْهُ، فَيَنْبَغِي أَنْ يُحْمَلَ مَا سَكَتَ عَنْهُ عَلَى مَا نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ قِيَاسٍ لَا فَارِقَ، أَوْ مِنْ الْقِيَاسِ الْجَلِيِّ فَإِذَا قِيلَ قَدْ نَصَّ عَلَى الْأَبِ لِابْنِهِ بِقَوْلِهِ
وَالْأَبُ لِابْنِهِ وَعَكْسُهُ مُنِعَ
فَمِثْلُ ذَلِكَ: الْبِنْتُ لِأَبِيهَا وَهُوَ لَهَا، وَالْأُمُّ لِابْنِهَا ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى.
وَإِذَا قِيلَ إنَّهُ قَدْ نَصَّ عَلَى وَلَدِ الزَّوْجَةِ، وَعَلَى زَوْجَةِ الِابْنِ بِقَوْلِهِ
وَفِي ابْنِ زَوْجَةٍ وَعَكْسُ ذَا اتُّبِعْ
فَمِثْلُهَا: ابْنُ الزَّوْجَةِ، وَابْنُ الزَّوْجِ وَبِنْتُهُ بِالنِّسْبَةِ لِلزَّوْجَةِ وَزَوْجُ الْبِنْتِ بِالنِّسْبَةِ لِوَالِدِيهَا، وَالزَّوْجُ لِلزَّوْجَةِ، وَالزَّوْجَةُ لِلزَّوْجِ مِنْ بَابِ الْأَوْلَى، وَكَذَلِكَ إذَا قِيلَ فَإِنَّهُ نَصَّ عَلَى وَالِدَيْ الزَّوْجَةِ بِالنِّسْبَةِ لِلزَّوْجِ، وَزَوْجَةِ الْأَبِ بِالنِّسْبَةِ إلَى وَلَدِهِ ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى بِقَوْلِهِ
وَوَالِدَيْ زَوْجَةٍ أَوْ زَوْجَةِ أَبْ
فَمِثْلُهُمْ أَيْضًا وَالِدُ الزَّوْجِ بِالنِّسْبَةِ إلَى الزَّوْجَةِ، وَزَوْجُ الْأُمِّ بِالنِّسْبَةِ إلَى وَلَدِهَا ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى، وَعَلَى الْجُمْلَةِ بِحَيْثُ يَغْلِبُ حَالُ التُّهْمَةِ وَيَقْرُبُ حَالَةُ الظِّنَّةِ كَحَالَةِ الْعَدُوِّ فِي شَهَادَتِهِ عَلَى عَدُوِّهِ، وَالضَّنِينُ وَهُوَ الْمُتَّهَمُ لِمَنْ يَتَّهِمُ عَلَيْهِ كَالْمَوْضِعِ الَّتِي تَقَدَّمَتْ وَسِوَاهَا مِمَّا شُهِّرَ مِنْ ذَلِكَ التَّمْثِيلِ، وَشَهَادَةُ الْخَصْمِ عَلَى خَصْمِهِ، وَالْوَصِيُّ لِمَحْجُورِهِ، وَالْمَدِينُ لِمَنْ لَهُ عَلَيْهِ دَيْنٌ وَمِمَّا
[ ١ / ٥٨ ]
يَلْحَقُ بِذَلِكَ تَزْكِيَةُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ الْأَصْنَافِ لِمَنْ شَهِدَ لِمَنْ يُتَّهَمُ لَهُ، أَوْ شَهِدَ عَلَى مَنْ يُتَّهَمُ عَلَيْهِ (قَالَ الْمُقْرِي فِي كُلِّيَّاتِهِ الْفِقْهِيَّةِ): " كُلُّ مَنْ لَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُ لِرَجُلٍ لَا تَجُوزُ تَزْكِيَتُهُ لِمَنْ شَهِدَ لَهُ، وَكُلُّ مَنْ لَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُ عَلَى رَجُلٍ لَا تَجُوزُ تَزْكِيَتُهُ لِمَنْ شَهِدَ عَلَيْهِ ". اهـ ثُمَّ اسْتَظْهَرَ الشَّارِحُ عَلَى مَا نَقَلَ النَّاظِمُ وَمَا أَشْبَهَ بِنُقُولٍ يَطُولُ سَرْدُهَا، وَاسْتَطْرَدَ الْكَلَامَ عَلَى مَا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ وَعَلَى مَوَاضِعِ الشَّهَادَةِ وَأَطَالَ فِي ذَلِكَ بِنَحْوِ ثَلَاثِ وَرَقَاتٍ وَنِصْفٍ فَلْيُرَاجِعْهُ مَنْ أَرَادَهُ.
وَسَاغَ أَنْ يَشْهَدَ الِابْنُ فِي مَحَلّ مَعَ أَبِيهِ وَبِهِ جَرَى الْعَمَلْ
يَعْنِي أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَشْهَدَ الِابْنُ مَعَ أَبِيهِ عَلَى أَمْرٍ وَاحِدٍ عَلَى مَا جَرَى بِهِ الْعَمَلُ، فِي كَلَامِ الشَّيْخِ إشْعَارٌ بِوُجُودِ الْخِلَافِ فِي الْمَسْأَلَةِ؛ لِأَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ فِي الْمَسْأَلَةِ قَوْلًا بِالْمَنْعِ لَمْ يَجْرِ بِهِ عَمَلٌ، وَمَعْنَى الْمَنْعِ أَنَّ شَهَادَتَهُمَا مَعًا كَشَهَادَةِ عَدْلٍ وَاحِدٍ وَهُوَ قَوْلُ الشَّيْخِ خَلِيلٍ، وَشَهَادَةُ ابْنٍ مَعَ أَبٍ وَاحِدَةٌ (ابْنُ رُشْدٍ) الْخِلَافُ فِي شَهَادَةِ الْأَبِ عِنْدَ ابْنِهِ وَالِابْنِ عِنْدَ أَبِيهِ، وَشَهَادَةِ كُلٍّ مِنْهُمَا عَلَى شَهَادَةِ صَاحِبِهِ، وَشَهَادَةِ كُلٍّ مِنْهُمَا عَلَى حُكْمِ صَاحِبِهِ، وَشَهَادَةِ كُلٍّ مِنْهُمَا مَعَ شَهَادَةِ صَاحِبِهِ - وَاحِدٌ. قِيلَ: كُلُّ ذَلِكَ جَائِزٌ وَهُوَ قَوْلُ سَحْنُونٍ وَمُطَرِّفٍ وَقِيلَ: غَيْرُ جَائِزٍ وَهُوَ قَوْلُ أَصْبَغَ وَفَرَّقَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ وَهُوَ تَنَاقُضٌ. وَأَمَّا تَعْدِيلُ أَحَدِهِمَا الْآخَرَ فَلَمْ يُجِزْهُ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ إلَّا ابْنُ الْمَاجِشُونِ وَفِي ذَلِكَ بُعْدٌ (ابْنُ عَرَفَةَ) مَا أَدْرَكْت قَاضِيًا حَفِظَهُ اللَّهُ مِنْ تَقَدُّمِ وَلَدِهِ أَوْ قَرِيبِهِ إلَّا قَاضِيًا وَاحِدًا جَعَلَنَا اللَّهُ مِمَّنْ عَلِمَ الْحَقَّ وَعَمِلَ بِهِ، (وَلِبَعْضِ) شُيُوخِ الشُّورَى بِقُرْطُبَةَ شَهَادَةُ الْأَخَوَيْنِ فِي حَقٍّ وَاحِدٍ لِرَجُلٍ جَائِزٌ، وَلَيْسَا كَالِابْنِ مَعَ أَبِيهِ. اهـ.
فَقَوْلُ ابْنِ رُشْدٍ: " وَشَهَادَةُ كُلٍّ مِنْهُمَا مَعَ شَهَادَةِ صَاحِبِهِ هِيَ مَسْأَلَةُ النَّاظِمِ " وَقَدْ حَكَى فِيهَا مَعَ مَا ذَكَرَ مَعَهَا قَوْلَيْنِ، وَقَدْ ذَكَرَ الْفَقِيهُ الْمُحَصِّلُ النَّوَازِلِيُّ آخِرُ قُضَاةِ الْعَدْلِ بِالْبَادِيَةِ أَبُو سَالِمٍ سَيِّدِي إبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْجَلَالِيُّ فِي تَأْلِيفِهِ الْمُسَمَّى بِالْمَسْأَلَةِ الْأَمْلِيسِيَّةِ فِي الْأَنْكِحَةِ الْأَغْرِيسِيَّةِ مَا حَاصِلُهُ أَنَّ شَيْخَهُ وَشَيْخَيْ أَهْلِ ذَلِكَ الْعَصْرِ الْفَقِيهَانِ سَيِّدِي يَحْيَى السَّرَّاجُ وَسَيِّدِي عَبْدُ الْوَاحِدِ الْحُمَيْدِيُّ اخْتَلَفَا فِي شَهَادَةِ الْأَبِ مَعَ ابْنِهِ، وَوَقَعَ فِيهَا تَنَازُعٌ عَظِيمٌ فَأَفْتَى السَّرَّاجُ بِقَوْلِ الشَّيْخِ خَلِيلٍ " وَشَهَادَةُ ابْنٍ مَعَ أَبٍ وَاحِدَةٌ " وَحَكَمَ الْحُمَيْدِيُّ بِقَوْلِ ابْنِ عَاصِمٍ
وَسَاغَ أَنْ يَشْهَدَ الِابْنُ فِي مَحَلِّ
الْبَيْتِ حَتَّى آلَ الْأَمْرُ أَنْ رُفِعَتْ الْمَسْأَلَةُ لِلسُّلْطَانِ إذْ ذَاكَ مَوْلَايَ أَحْمَدَ، وَوَقَعَ الِاجْتِمَاعُ عَلَيْهَا بَيْنَ يَدَيْهِ بِالدِّيوَانِ مِنْ فَاسِ الْجَدِيدِ فَخَرَجَ الْحُكْمُ بِمَا حَكَمَ بِهِ الْقَاضِي مِنْ الْعَمَلِ عَلَى قَوْلِ ابْنِ عَاصِمٍ - رَحِمَ اللَّهُ الْجَمِيعَ بِمَنِّهِ - قَالَ: وَكَانَ السَّرَّاجُ الْمَذْكُورُ يَقِفُ مَعَ لَفْظِ الْمُخْتَصَرِ وَمَا بِهِ الْفَتْوَى فِيهِ وَلَا يَتَعَدَّى ذَلِكَ بِوَجْهٍ، وَكَانَ الْقَاضِي الْحُمَيْدِيُّ لَا يَقِفُ مَعَ ذَلِكَ لِعِلْمِهِ بِالصِّنَاعَةِ التَّوْثِيقِيَّةِ وَتَدْرِيبِهِ مَعَهَا بِالْمُبَاشَرَةِ لِلْعَمَلِ. اهـ
وَزَمَنُ الْأَدَاءِ لَا التَّحَمُّلِ صَحَّ اعْتِبَارُهُ لِمُقْتَضٍ جَلِيّ
يَعْنِي أَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي قَبُولِ الشَّهَادَةِ مِنْ الشَّاهِدَيْنِ زَمَانُ أَدَائِهَا لَا زَمَانُ تَحَمُّلِهَا، فَإِذَا تَحَمَّلَهَا كَافِرًا
[ ١ / ٥٩ ]
أَوْ فَاسِقًا أَوْ عَبْدًا، أَوْ صَبِيًّا وَأَدَّاهَا وَهُوَ مُسْلِمٌ، أَوْ عَدْلٌ، أَوْ حُرٌّ، أَوْ بَالِغٌ فَإِنَّ شَهَادَتَهُ تُقْبَلُ؛ لِأَنَّهُ فِي زَمَانِ الِادِّعَاءِ أَهْلٌ لِقَبُولِ الشَّهَادَةِ، وَهَذَا مَا لَمْ يَشْهَدْ وَاحِدٌ مِنْهُمْ قَبْلَ زَوَالِ الْمَانِعِ، فَرَدَّ الْقَاضِي شَهَادَتَهُ ثُمَّ شَهِدَ بَعْدَ زَوَالِ الْمَانِعِ فَإِنَّ شَهَادَتَهُ لَا تُقْبَلُ (قَالَ فِي الْمُقَرِّبِ) قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَإِذَا شَهِدَ الصَّبِيُّ بِشَهَادَةٍ، أَوْ الْعَبْدُ، أَوْ النَّصْرَانِيُّ فَرُدَّتْ ثُمَّ كَبِرَ الصَّبِيُّ، أَوْ عَتَقَ الْعَبْدُ أَوْ أَسْلَمَ النَّصْرَانِيُّ، ثُمَّ شَهِدُوا بِهَا لَمْ تَجُزْ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ رُدَّتْ قَبْلَ ذَلِكَ جَازَتْ. اهـ فَقَوْلُهُ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ رُدَّتْ قَبْلَ ذَلِكَ جَازَتْ هِيَ مَسْأَلَةُ النَّاظِمِ، وَلِذَلِكَ قَالَ الْمُقْرِي فِي كُلِّيَّاتِهِ الْفِقْهِيَّةِ: " كُلُّ مَنْ رُدَّتْ شَهَادَتُهُ لِمَانِعٍ لَمْ تُقْبَلْ عِنْدَ زَوَالِهِ (ابْنُ عَرَفَةَ) مَوَانِعُ الشَّهَادَةِ التُّهْمَةُ عَلَى زَوَالِ نَقْصٍ عَرَضَ.
(فَمِنْ الْمُدَوَّنَةِ) إنْ شَهِدَ صَبِيٌّ، أَوْ عَبْدٌ، أَوْ نَصْرَانِيٌّ عِنْدَ قَاضٍ فَرَدَّهَا لِمَوَانِعِهِمْ لَمْ تَجُزْ بَعْدَ زَوَالِهَا أَبَدًا، (أَشْهَبُ) مَنْ قَالَ لِقَاضٍ يَشْهَدُ لِي فُلَانٌ الْعَبْدُ، أَوْ النَّصْرَانِيُّ، وَفُلَانٌ الصَّبِيُّ فَقَالَ لَا أَقْبَلُ شَهَادَتَهُمْ ثُمَّ زَالَتْ مَوَانِعُهُمْ قُبِلَتْ شَهَادَتُهُمْ؛ أَنَّ قَوْلَهُ ذَلِكَ فُتْيَا لَا رَدٌّ، ا. هـ. وَالْأَدَاءُ عُرْفًا (قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ): إعْلَامُ الشَّاهِدِ الْحَاكِمَ بِشَهَادَتِهِ بِمَا يَحْصُلُ لَهُ الْعِلْمُ بِمَا شَهِدَ بِهِ، وَإِعْلَامُ مَصْدَرٌ مُضَافٌ لِلْفَاعِلِ وَالْحَاكِمُ مَفْعُولٌ وَلَمْ يَقُلْ الْقَاضِي؛ لِأَنَّ الْحَاكِمَ أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ " وَبِشَهَادَتِهِ " مُتَعَلِّقٌ بِإِعْلَامٍ وَبِمَا يَحْصُلُ يُحْتَمَلُ تَعَلُّقُهُ بِإِعْلَامٍ فَتَكُونُ الْبَاءُ الثَّانِيَةُ سَبَبِيَّةً أَوْ لِلتَّعْدِيَةِ، وَيَكُونُ الْمَجْرُورُ بَدَلًا، وَيُحْتَمَلُ تَعَلُّقُهُ بِشَهَادَةٍ وَبِمَا شَهِدَ بِهِ مُتَعَلِّقٌ بِالْعِلْمِ وَضَمِيرٌ لَهُ يَعُودُ عَلَى الشَّاهِدِ.
(قَالَ فِي النَّوَادِرِ لِأَشْهَبَ) قَوْلُهُ " هَذِهِ شَهَادَتِي أَدَاءٌ " قَالَ: وَالْأَظْهَرُ أَنَّ الْإِشَارَةَ الْمُفْهِمَةَ فِي ذَلِكَ تَكْفِي وَشَاهَدْت بَعْضَ الْمُوثَقِينَ أَدَّاهَا إشَارَةً فَلَمْ يَقْبَلْهَا مِنْهُ مَنْ أَدَّاهَا إلَيْهِ. اهـ وَالتَّحَمُّلُ تَحْصِيلُ عِلْمِ مَا يُشْهَدُ بِهِ بِسَبَبٍ اخْتِيَارِيٍّ، وَهُوَ مَأْمُورٌ بِهِ شَرْعًا؛ لِأَنَّهُ فَرْضُ كِفَايَةٍ، وَالتَّعْبِيرُ بِالْعِلْمِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا يَجُوزُ مَعَ غَيْرِهِ مِنْ شَكٍّ أَوْ وَهْمٍ، وَقَدْ يَكُونُ عِلْمًا قَطْعِيًّا، وَقَدْ يَكُونُ فِيهِ غَلَبَةُ الظَّنِّ فَالْمُرَادُ بِالْعِلْمِ هُنَا الِاعْتِقَادُ، وَقَدْ يَحْصُلُ الْعِلْمُ الْقَطْعِيُّ بِقَرَائِنَ، وَقَدْ يَحْصُلُ بِغَلَبَةِ الظَّنِّ كَذَلِكَ، فَقَوْلُهُ " بِسَبَبٍ اخْتِيَارِيٍّ " أَخْرَجَ بِهِ عِلْمَهُ دُونَ الِاخْتِيَارِ كَمَنْ قَرَعَ سَمْعَهُ صَوْتٌ مُطْلَقٌ مِنْ غَيْرِ اخْتِيَارٍ، فَإِنَّهُ لَا يُسَمَّى تَحَمُّلًا وَقَوْلُهُ " مَا يَشْهَدُ بِهِ فَصْلٌ " أَخْرَجَ بِهِ مَا لَا يُشْهَدُ بِهِ كَالْعِلْمِ بِأُمُورٍ لَيْسَتْ مُتَعَلِّقَةً بِشَهَادَةٍ وَقَوْلُ النَّاظِمِ " لِمُقْتَضٍ جَلِيّ " أَيْ ظَاهِرٍ قَالَ بَعْضُ مَنْ شَرَحَهُ؛ لِأَنَّ الشَّهَادَةَ إنَّمَا تَظْهَرُ فَائِدَتُهَا وَيُعْمَلُ بِمُقْتَضَاهَا بِالْأَدَاءِ فَإِنْ لَمْ تُؤَدَّ كَانَتْ كَالْعَدَمِ فَلِذَلِكَ اُعْتُبِرَ زَمَنُ الْأَدَاءِ لَا زَمَنُ التَّحَمُّلِ. اهـ.