قال - ﵀-: " والناس هنا ثلاثة أقسام: قوم لا يقومون إلا في أهواء نفوسهم؛ فلا يرضون إلا بما يعطونه ولا يغضبون إلا لما يحرمونه، فإذا أعطى أحدهم ما يشتهيه من الشهوات الحلال أو الحرام زال غضبه وحصل رضاه، وصار الأمر الذي كان عنده منكرا ينهى عنه ويعاقب عليه ويذم صاحبه ويغضب عليه مرضيا عنه، وصار فاعلا له، وشريكا فيه، ومعاونا عليه، ومعاديا لمن ينهى عنه وينكر عليه، وهذا غالب في بني آدم، يرى الإنسان ويسمع من ذلك ما لا يحصيه إلا الله؛ وسببه أن الإنسان ظلوم جهول؛ فلذلك لا يعدل بل ربما كان ظالما في الحالين، يرى قوما ينكرون على المتولي ظلمه لرعيته واعتداءه عليهم فيرضي أولئك المنكرين ببعض الشيء من منصب أو مال فينقلبون أعوانا له، وأحسن أحوالهم أن يسكنوا عن الإنكار عليه، وكذلك تراهم ينكرون على من يشرب الخمر ويزني ويسمع الملاهي حتى يدخلوا أحدهم معهم في ذلك أو يرضوه ببعض ذلك، فتراه حينئذ قد صار عونا لهم، وهؤلاء قد يعودون بإنكارهم إلى أقبح من الحال التي كانوا عليها، وقد يعودون إلى ما هو دون ذلك أو نظيره.
_________________
(١) الاستقامة: ٢/ ٢٢٠ - ٢٢٥.
[ ١٤ ]
وقوم يقومون قومه ديانة صحيحة، يكونون في ذلك مخلصين لله، مصلحين فيما عملوه ويستقيم لهم ذلك حتى يصبروا على ما أوذوا، فهؤلاء هم الذين آمنوا وعملوا الصالحات، وهم من خير أمة أخرجت للناس، يأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر، ويؤمنون بالله.
وقوم يجتمع فيهم هذا وهذا، وهم غالب المؤمنين، فمن فيه دين وله شهوة تجتمع في قلوبهم إرادة الطاعة وإرادة المعصية، وربما غلب هذا تارة وهذا تارة.
وهذه القسمة الثلاثية كما قيل: الأنفس ثلاث: أمارة ومطمئنة ولوامة، فالأولون هم أهل الأنفس الأمارة التي تأمرهم بالسوء، والأوسطون: هم أهل النفوس المطمئنة التي قيل فيها: يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية فادخلي في عبادي وادخلي جنتي، والآخرون: هم أهل النفوس اللوامة التي تفعل الذنب ثم تلوم عليه، وتتلوم تارة كذا وتارة كذا، أو تخلط عملا صالحا وأخر سيئا، وهؤلاء يرجى أن يتوب عليهم إذا اعترفوا بذنوبهم، كما قال الله تعالى: ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللهُ أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيم﴾ " (^١).